Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ سُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الدَّين
عناصر الموضوع
مفهوم الدّين
٥٤
الدين في الاستعمال القرآني
٥٥
الألفاظ ذات الصلة
٥٦
مشروعية الدين
٥٩
٦١
كتابة الدين
٦٧
الإشهاد في الدين
٧٣
تحريم الإضرار في الكتابة والإشهاد
٧٦
الرهن في الدين
المُجَلَّدُ الخَامِسْ عَشَر

حرف الدال
مفهوم الدّين
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (دين) تدل على الانقياد، والذُل، والدِين: انقيادٌ لله تعالى وذُلٌّ له، والدَين فيه
كل الذل للعبد(١).
ودان: أخد الدین، ودنته: أقرضته، وأدنته: استقرضته منه، وقيل: رجل دائن ومدين
ومدیون، ومدان: علیه الدين، وقيل: هو الذي علیه دین کثیر.
وأدان، واستدان، وادان أخذ بدین(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الدّين: ((هو الحق الذي لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء)»(٣).
وقيل: ((ما ثبت في الذمة من مال الآخر، سواء كان مؤجلاً أم لم يكن)) (٤).
وقيل: ((كل معاوضة، يكون أحد العوضين فيها مؤجلًا))(٥).
وقال القرطبي: ((وحقيقة الدين عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدًا، والآخر
في الذمة نسيئة؛ فإن العين عند العرب ما كان حاضرًا، والدين ما كان غائبًا))(٦).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣١٩/٢، ٣٢٠.
(٢) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٩/ ٣٩٩.
(٣) التعريفات، الجرجاني ص١٤١.
(٤) الفروق اللغوية، العسكري ص٤٣٦.
(٥) المصدر السابق ص٤٢٦.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٧٧/٣.
٥٤
جومبو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الدين
الدين في الاستعمال القرآني
وردت مادة (دين) في القرآن الكريم (١٠١) ومرة (١)، والتي تتعلق بموضوع الدين (٨)
مرات.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُؤْصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍ﴾
المصدر
٥
[النساء: ١٢]
اسم المفعول
٢
٥٣ # [الصافات: ٥٣]
﴿أَذَا مِنْنَا وَكْنَا تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّالَمَدِينُونَ
وجاء الدين في القرآن على معناه اللغوي، وهو: القرض ذو الأجل، ولم يخرج في
الاستعمال القرآني عن هذا المعنى (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٢٦٧-٢٦٩، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص٥١٤-٥١٦.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري، ٢١١٧/٥-٢١١٨، المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد، ٣٥٩/٢-
٣٦٠، تهذيب اللغة، الأزهري، ١٢٨/١٤- ١٣٠، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٣٠٧/١،
معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ٧٩٥/١.
www. modoee.com
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلِ أُسَمَّى

حرف الدال
الألفاظ ذات الصلة
القرض:
١
القرض لغةً:
إعطاء رجلٍ قرضًا ودفعٌ إليه مالًا، وأقرضه: أعطاه قرضًا من ماله (١).
القرض اصطلاحًا:
((الجزء من الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله قطعة؛ ليقطع له من أثوابه إقطاعًا
مضاعفة))(٢).
الصلة بين القرض والدين:
الدين: ما له أجلٌ، والقرض ما لا أجل له، والقرض أكثر ما يستعمل في العين والورق،
هو أن تأخذ من مال الرجل درهمًا؛ لترد علیه بدله درهمًا، فیبقی دینًا عليك إلى أن ترده، فكل
قرضٍ دينٌّ، وليس كل دينٍ قرضًا(٣).
السلف:
٢
السلف لغةً:
من الفعل سلف، والسلف من القرض، والسلف: كل شيءٍ قدمته فهو سلفٌ (٤).
السلف اصطلاحًا:
وهو المال الذي يقدم لما يشترى نساءً، أي: مؤخرًا(٥).
الصلة بين السلف والدين:
السلف هو ما قدم من الثمن على المبيع، والدين ما ثبت في الذمة من مال الآخر (٦).
٣
الإعارة:
الإعارة لغة:
وهي اسم لعملية الاستلاف، أو لعقد الإعارة، مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء، وقيل: من
(١) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٧٢٧.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص٢٦٩.
(٣) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٧٢٧/٢.
(٤) انظر: العين، الفراهيدي، ٢٥٨/٧.
(٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٧٣/٣.
(٦) انظر: المفردات، الأصفهاني ص٢٣٩.
جوسيس
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٥٦

الدين
التعاور، أي: التداول أو التناوب.
الإعارة اصطلاحًا:
((تمليك المنفعة بغير عوض)) (١).
الصلة بين الدين والإعارة:
يتضح من خلال التعاريف السابقة أن الدين يكون في المال والأعيان التجارية. أما
الإعارة فهي في الماعون.
الإيجار:
٤
الإيجار لغةً:
(«الهمزة والجيم والراء أصلان يمكن الجمع بينهما بالمعنى، فالأول: الكراء على العمل،
والثاني: جبر العظم الكسير، فأما الكراء فالأجر والأجرة، وأما جبر العظم فيقال منه: أجرت
الید»(٢).
الإيجار اصطلاحًا:
((عقد على منفعة معلومة مباحة من عين معينة، أو موصوفة في الذمة، أو على عمل معلوم
بعوض معلوم مدة معلومة)»(٣)
الصلة بين الدين والإيجار:
من التعريفات السابقة يتبين أن الدين ما تعطيه غيرك من مال أو غيره على أن يرده إليك،
والإيجار هو الأجرة على العمل دون أن يرد.
الهبة:
٥
الهبة لغةً:
وهب له الشيء، أي: أعطاه إياه بلا عوض، وتصريفه: وهبه - يهبه - وهبًا (٤).
الهبة اصطلاحًا:
((تمليك العين بلا عوض)) (٥).
(١) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص٥٥.
(٢) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٥١/٥- ٣٥٢.
(٣) الروض المربع، منصور البهوتي، ٣٦٥/١.
(٤) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ١٠٥٩/٢.
(٥) أنيس الفقهاء، القونوي، ص٩٥.
www. modoee.com
٥٧

حرف الدال
الصلة بين الدين والهبة:
الدين تمليك لزمنٍ محدود يجب رده لصاحبه، وأما الهبة فهي تمليك لا يرد مطلقًا.
الغرم:
٦
الغرم لغةً:
غرم يغرم غرمًا، ورجل مغرمٌ، من الغرم والدين، وقد أغرم بالشيء أي: أولع به، والغريم
الذي عليه الدين، وقد يكون الغريم أيضًا الذي له الدين(١).
الغرم اصطلاحًا:
((أداء شيءٍ لزم من قبل كفالةٍ، أو لزوم نائبةٍ في ماله من غير جناية))(٢).
الصلة بين الدين والغرم:
الغرم أثقل من الدين، فالمغرم: المثقل بالدين المولع به، لقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْلُهُمْ أَجْرًا فَهُم
يِّنْ تَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] (٣).
السداد:
٧
السداد لغةً:
الإصلاح والاستقامة والتوثيق، وسد يسد: صار سديدًا(٤).
السداد اصطلاحًا:
إرجاع الدين إلى الدائن من قبل المدين بتوثيق ذلك، واستقامة من قبل كليهما.
الصلة بين السداد والدين:
الدین تمليك لزمن محدد يجب رده، والسداد هو ذلك الرد.
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص٤٨٨.
(٢) العين، الفراهيدي، ٤١٨/٤.
(٣) انظر: القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب، ص٣٧٤.
(٤) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص٢٨٧.
٥٨
جومبو
القرآن الكريم

الدين
مشروعية الدين
تستمد أحكام الدين الإسلامي من كتاب
الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛
لقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقوله أيضًا: ﴿وَمَآ ءَ اتَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧].
وقد ورد في كتاب الله تعالى ما يبين الأمر
بكتابة الدين؛ للإرشاد والتنبيه للمؤمنين،
وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوةٌ
وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَائِبُ بِلْعَدْلِ﴾ [البقرة:
٢٨٢].
وقد جعل الله تعالى في مشروعية
التداين بعض القواعد التي يجب أن يحتاط
بها الدائن والمدين، خلاصتها في آية الدين
من سورة البقرة، ومن أهم هذه القواعد ما
يأتي:
١. تحديد الزمن.
قال تعالى: ﴿إِلَ أَجَلٍ مُسَمَّى﴾.
يقول أبو السعود: «أي: مسمى بالأيام أو
الأشهر ونظائرهما، مما يفيد العلم ويرفع
الجهالة)»(١).
٢. الكتابة.
ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَكْتُبُوهُ﴾،
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١/ ٣٦٩.
هذا توجيه من الله تعالى لعباده المؤمنين،
إذا تعاملوا بديون مؤجلة بأن يكتبوها،
وذلك أحفظ للدین سواء لمقداره أو میقاته،
وأضبط للشهادة فيه؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ
عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّ تَرْتَابُواْ﴾
[البقرة: ٢٨٢](٢).
٣. حضور الشهود.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ
مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة:
٢٨٢].
لقد أمرنا الله تعالى بالكتابة والإشهاد
على الكتابة؛ لأن الكتابة بغير شهود لا
تكون حجة، فأمرنا بالكتابة؛ كي لا ننسى،
وبالشهود حجة على الطرفين حتى لا يغدر
أحدهما بالآخر(٣).
وقدشدد النبي صلى اللهعليه وسلم على
قضايا الدين في حياة الأمة؛ لما لها من أهمية
اجتماعية وأخلاقية في المجتمع المسلم،
وللحفاظ على المال العام والخاص من
الضياع؛ فلذلك ذكر أحاديث كثيرة تحذر
من مغبة أكل الدائن لمال المدين الذي
استدان منه، أو المماطلة في سداده، ومن
هذه الأحاديث:
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
١/ ٧٢٢.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٣٥٨/٣.
www. modoee.com
٥٩

حرف الدال
٤ . وفاء الدين.
يجب على الغني الوفاء بدينه، ويحرم
عليه المماطلة في سداد الدين، فقد روي
عن أبي هريرة أن رسول الله صلی الله عليه
وسلم قال: (مطل الغني ظلمٌ)(١).
معنى مطل الغني: أي: تسويف القادر
المتمکن من أداء الدین الحال ظلم منه لرب
الدين، فهو حرام بل كبيرة (٢).
وفيه دلالة على أن الحوالة إنما تكون
بعد حلول الأجل في الدين؛ لأن المطل لا
يكون إلا بعد الحلول، وفيه ملازمة المماطل
وإلزامه بدفع الدين والتوصل إليه بكل
طريق، وأخذه منه قهرًا(٣).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما،
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(یغفر للشهید کل ذنب إلا الدین)(٤).
وعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه،
سمعه یحدث عن رسول الله صلی الله عليه
وسلم: (أنه قام فيهم، فذكر لهم أن الجهاد
في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الحوالات، باب مطل الغني، ١١٨/٣، رقم
٢٤٠٠.
(٢) انظر: التيسير بشرح الجامع الصغير، المناوي،
٣٧٦/٢.
(٣) انظر: عمدة القاري، العيني، ٣٢٧/١٨.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب من قتل في سبيل في سبيل الله كفرت
خطاياه إلا الدين، ١٥٠٢/٣، رقم ١٨٨٦.
فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله أرأيت إن
قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابرٌ
محتسبٌ مقبلٌ غیر مدیر، ثم قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قال:
أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني
خطایاي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: نعم، وأنت صابرٌ محتسبٌ مقبلٌ غير
مدبر، إلا الدین؛ فإن جبريل عليه السلام قال
لي ذلك)(٥).
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا
يصلي على رجل مات وعليه دين، وليس
أحدٌ يضمن سداده، فإذا تضمنه أحدٌ صلى
علیه، وإلا أمر أن يصلى عليه.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أن
رسول الله صلی الله عليه وسلم كان يؤتى
بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: هل
ترك لدينه فضلًا، فإن حدث أنه ترك لدينه
وفاء صلى، وإلا قال للمسلمين: (صلوا
علی صاحبکم)، فلما فتح الله عليه الفتوح
قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن
توفي من المؤمنين فترك دينًا فعلي قضاؤه،
ومن ترك مالًا فلورثته)(٦).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب من قتل في سبيل في سبيل الله كفرت
خطاياه إلا الدين، ١٥٠١/٣، رقم ١٨٨٥.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النفقات،
مَؤُوالَةُ النَّفِيَدْ
القُرآن الكَرِيمِ
٦٠

الدين
كتابة الدين
إن التداين بدين إلى أجل مسمى يقتضي
العمل على حفظ هذا الدين، حتى لا تضيع
الحقوق، وتحدث المنازعات، ويخون
الناس بعضهم بعضًا، وبيان هذه الأحكام
فيما يأتي:
أولًا: حكم كتابة الدين:
وقد برز ذلك واضحًا في قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ابتدأت الآية الكريمة بخطاب المؤمنين
فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، فمن
اتصف بالإيمان طبق ما كلفه الله تعالى
به بأكمل وجه؛ فالله تعالى قد أمر بالكتابة
في الدين لحكمة أراد بها حماية حركة
الحياة عند الناس، ورفع الحرج فيما بينهم،
لذلك جاء الأمر منه سبحانه بالكتابة فقال:
﴿فَأَكْتُبُوهُ﴾(١).
والآية تحمل في طياتها الأمر بكتابة
جميع عقود الديون؛ فقوله سبحانه: ﴿إِذَا
تَدَايَنتُم پدينٍ﴾، أي: إذا تعاملتم بدین ما، من
أي صنف من أصناف المداينة، فاكتبوا هذا
الصنف.
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من ترك
كلّا أو ضياعًاً فإلي)، ٧/ ٦٧، رقم ٥٣٧١.
(١) انظر: تفسير الشعراوي ١/ ٧٧٩.
واختلف العلماء في هذه الكتابة أهي
واجبة أم مستحبة؟
فقال بعضهم: هي واجبة؛ لأن الله تعالی
يعلم طبيعة البشر، حيث إن فيهم من لا
يؤتمن على حقوق الآخرين، فأمر بالكتابة
لأجل أن يحفظها. والأكثرون قالوا: إنه أمر
على الاستحباب، فإن ترك فلا بأس، كقوله
تعالى في الانتشار بعد أداء صلاة الجمعة:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ اْأَرْضِ
وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ
نُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١].
وقال بعضهم: كانت كتابة الدين
والإشهاد والرهن فرضًا، ثم نسخ الكل
بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا فَلْيُؤَدِّ
الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة:
٢٨٣] (٢)، أي: بدون مكاتبة بينهما، تترك
المكاتبة لأمانة المتداين ما دام صاحبه قد
أمنه على ماله.
ثانيًا: شروط كاتب الدين:
ولأهمية الكتابة جعل الله تعالى لها
شروطًا يحفظ من خلالها حقوق المتداينين،
منها ما يتعلق بالدين نفسه، ومنها ما يتعلق
بالمتداينين، ومنها ما يتعلق بكاتب الدين،
ومنها ما يتعلق بشهود عقد الكتابة، وفيما
يأتي نبين بعض الشروط المتعلقة بكاتب
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣٤٩/١.
www. modoee.com
٦١

حرف الدال
عقد الدین:
١. العدل بين المتداینین.
الذي له الدين قد يتهم في الكتابة من
الذي عليه الدين، وكذلك بالعكس، فشرع
الله سبحانه كاتبًا غيرهما، وأمر سبحانه أن
يكتب بالعدل، فلا يكون في قلبه ولا قلمه
مودة تؤدي إلى ظلم الآخر، فلا يكتب
لصاحب الحق أكثر من حقه، محاباة له،
وخاصة إذا كان الطرف الآخر لا يحسن
القراءة، أو لا يفهم معاني اللغة، وذلك
بالتدليس أو الالتفاف بالألفاظ التي يصعب
عليه فهمها، أو بالتغير والتبديل فيما أملي
عليه، وألا يزيد في المال أو الأجل، وكذلك
لا يقلل في الكتابة من حق صاحب الحق
بنفس الطريقة أو بغيرها (١).
يقول الزحيلي في تفسيره: ((لقد بين الله
كيفية الكتابة وعين من يتولاها، وذلك بأن
یکتب کاتب مأمون عادل محاید، فقیه متدین
يقظ، دون ميل لأحد الجانبين، مع وضوح
المعاني، وتجنب الألفاظ المحتملة للمعاني
الكثيرة، فهو کالقاضي بین الدائن والمدین،
وهذا يدل على اشتراط العدالة فى الكاتب،
والعلم بكيفية كتابة وثيقة الدين»(٢).
٢. العلم بكيفية كتابة العقود.
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٢٨٣/٣.
(٢) التفسير المنير، وهبة الزحيلي، ١٠٨/٣.
جَوَبُور
القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْثُبَ
كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى
عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ
شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
(كاتب) أي: عالم بالأحكام الشرعية
والفقهية والقانونية المتعلقة بالدين،
والشروط المرعية عرفًا ونظامًا، كما شرعه
الله وأمر به، فليكتب بحيث لا يزيد ولا
ینقص، ويكتب ما يصلح أن يكون حجة
عند الحاجة، ولا يخص أحد الخصمين
بالاحتياط له دون الآخر، وأن يكون كل
واحد منهما آمنًا من إبطال حقه، وأن يكون
ما يكتبه متفقًا عليه عند العلماء، وأن يحترز
من الألفاظ التي يقع النزاع فيها (٣).
ثالثًا: شروط كتابة الدين:
إن الله تعالى جعل كتابة الدين حفظًا
للحقوق، ووضع سبحانه للكتابة شروطًا؛
لتقوية هذه العقود من أهمها:
١. أن يكون الكاتب من غير
المتداینین.
لقد قرر الله تعالی لکاتب الدین أن یکون
طرفًا ثالثًا غير المتداينين، حتى لا يكتب
أحدهما لنفسه على الآخر، ولذلك اشترط
سبحانه على الكاتب العدالة في نفسه،
أي: أن يكون محقًا في كتابته، وبيان ذلك
(٣) انظر: المصدر السابق ١٠٩/٣.
٦٢

الدين
في قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاِبُ
بِاَلْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
أي: کاتب آخر غیر کم، وأن یکتب بالحق
والمعدلة، فالباء في قوله تعالى: ﴿يالْعَدْلِ﴾
متعلقة بقوله: ﴿وَلْيَكْتُب﴾ وليست متعلقة
بكلمة ﴿كَاتِبٌ﴾؛ لأنه كان يلزم ألا
یکتب وثيقة إلا والعدل في نفسه، وقد
يكتبها الصبي والعبد إذا أقاموا فقهها. أما
المنتصبون لكتبها في مناصب الدولة فلا
يجوز للولاة أن ينصبوهم للكتابة إلا عدولًا
مرضيين، قال مالك رحمه الله تعالى: لا
یکتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها، عدل
في نفسه مأمون؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُب
بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
على هذا تكون لفظة ﴿بالعدلِ﴾ في
موضع صفة للکاتب الذي هو مو کل بکتابة
عقد الدین(١).
٢. إملاء المدين.
لقد جعل الله تعالى الكتابة لأجل
توثيق الدين، وجعل توثيق الدين لأجل
حفظ الحقوق، ولذلك ينظر للضعيف في
هذا العقد؛ لأجل حفظ حقه من القوي،
فالجانب الضعيف هو المدین، فلذلك جعل
الله تعالى إملاء الكتابة بيده لا بيد الدائن،
فلذلك حدد الله الذي يملل في قوله تعالى:
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٣٨٤/٣.
﴿وَلَيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ اَلْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
أي: يملي الذي عليه الدين، فيملي
الصيغة التي تكون حجة عليه.
وإن من حكمته سبحانه بألا يملي
الدائن؛ لأن المدين عادة يكون في مركز
الضعف، ولو جعل الإملاء بید الدائن لأملى
ما لا یتحمله المدین، مستغلا ضعفه و حاجته
للدين، فعندما يأتي ميعاد السداد لا يستطيع
تنفيذ ما أملي عليه. فلذلك جعل الله تعالى
الإملاء بيد المدين، فيملي ما يكون عليه
حجة عليه(٢).
فإن لم يكن المدين قادرًا على إملاء
الدین، فإنه ینیب عنه غيره.
فقد یکون الذي علیه الدین سفیھًا، أو
ضعيفًا، أو لا يستطيع أن يمل من ضعف في
المعرفة، فالله تعالى وضع الحل في قوله
تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَا أَوْ
ضَعِيفًا أَوْلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ:
◌ِاَلْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
إن الحجر على مثل هؤلاء بالإملاء في
كتابة عقود الدين يأتي من ضعف في الرأي
عندهم، وخفة في عقولهم، وهو ما يسمى
بالسفه، وليس السفه في هذه الآية بمعنى
الفساد؛ لأنه لا يمكن وصف المؤمنين
بالسفاهة التي بمعنی الفساد، فتسمیتهم بهذا
اللفظ هو لخفة في عقولهم، وليس ذلك
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ١/ ٧٨١.
www. modoee.com
٦٣

حرف الدال
لتحقيرهم، وكذلك من ضعف في القراءة يقر عليه بالدين، كما يقر بسائر أموره))(٢).
٣. كتابة الأجل.
والكتابة، فمثل هذه الأعذار تستوجب
ممن يتولى الإشراف على كتابة عقد الدین،
أن يستبدل أمثال هؤلاء بمن ينوب عنهم
ممن يملكون الأهلية في الكتابة، وسفه
بمعنى: استخف؛ لأن السفاهة خفة العقل
واضطرابه، يقال: تسفهه، أي: استخفه(١).
يقول الرازي: «إن إدخال حرف
بين هذه الألفاظ الثلاثة، أعني: السفيه،
والضعيف، ومن لا يستطيع أن يمل، يقتضي
أن تكون أمورًا متغايرة؛ لأن معناه: أن الذي
عليه الحق إذا كان موصوفًا بإحدى هذه
الصفات الثلاث، ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِلْعَدْلِ﴾،
فيجب في الثلاثة أن تكون متغايرة، وإذا
ثبت هذا وجب حمل السفيه على الضعيف
الرأي، ناقص العقل من البالغين، والضعيف
على الصغير والمجنون والشيخ الخرف،
وهم الذين فقدوا العقل بالكلية، والذي
لا يستطيع لأن يمل من يضعف لسانه عن
الإملاء لخرس، أو جهله بماله وما عليه،
فكل هؤلاء لا يصح منهم الإملاء والإقرار،
فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم، فقال
تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلٌ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾، والمراد:
ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة؛ لأن ولي
المحجور السفيه، وولي الصبي، هو الذي
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٨٨/١.
جَوَسُولَة التَّقِين
القرآن الكريمِ
إن من شرط كتابة عقد الدين أن يكون
الدين لأجل، والأجل يجب تسميته
وتحدیدہ بحیث لا یکون مبهما، قال تعالى:
وَيَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
يعني الحق سبحانه بذلك: أن يا أيها
الذین صدقوا الله ورسوله إذا تداینتم دینًا، أو
إذا تبايعتم بدين، أو اشتريتم به، أو تعاطيتم
أو أخذتم به إلى وقت معلوم، فاکتبوا ذلك
الدين أو البيع بينكم، ولا تتركوه مهملًا،
فتقعوا في أمور محذورة لا تتوقعونها، ولا
يحمد عقباها؛ إذ إن كتابة الدين تقتضي أن
یوثق تاريخ الدفع فیه، وقد يدخل في ذلك
القرض والسلم، وكل ما جاز فيه، فالسلم
المسمى الذي أجل بيعه يصير دينًا على
بائع ما أسلم إليه فیه. ویحتمل کذلك بيع
الحاضر الجائز بيعه من الأملاك بالأثمان
المؤجلة، كل ذلك من الديون المؤجلة إلى
أجل مسمى، إذا کانت آجالها معلومة بحد
موقوف عليه(٣).
وقد یکون البیع بالدين إلى أجل قریب،
وقد يكون إلى أجل بعيد، فلما أمر بالكتابة
عند المداينة، استثنى من الكتابة ما كان
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ١/ ٥٣١.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٣/٦.
٦٤

الدين
الأجل فيه قريبًا، والتقدير: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمُ
بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى ذَكْتُبُوهُ﴾ إلا أن
يكون الأجل قريبًا، وهو المراد من التجارة
الحاضرة، وإنما رخص الله تعالى في ترك
الكتابة والإشهاد في هذا النوع من التجارة؛
لكثرة ما يجري بين الناس فيها، فلو تكلف
فيها الكتبة والإشهاد؛ لشق الأمر على
الخلق، ولذلك نجد أن من حكمة الله تعالی
ورحمته بخلقه، استثناء هذا النوع من الدين
من الكتابة (١).
٤. قيمة الدین.
لقد اعتنى الشرع ببيان قيمة الدين
المحرر في عقده، سواء كانت القيمة صغيرة
أو كبيرة، أي: إن الله تعالی لم يحد نصابًا
محدودًا لكتابة عقد الدين، إنما جعله في
الكثير والقليل.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتُمُوْ أَنْ تَكْثُبُوهُ صَغِيرًا
أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطْ عِندَ اللَّهِ
وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُوَاْ إِلَّ أَنْ تَكُونَ
تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:
٢٨٢].
قال ابن كثير: «هذا من تمام الإرشاد،
وهو الأمر بكتابة الحق صغیرًا کان أو کبیرًا،
فقال: ﴿وَلَا تَسْتَمُواْ﴾، أي: لا تملوا أن تكتبوا
الحق على أي حال كان من القلة والكثرة
إلی أجله».
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٠٥٥/١.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ
لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة
للحق إذا كان مؤجلاً هو ﴿أَقْسَطُ عِندَ
اللَّهِ﴾ أي: أعدل ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ﴾، أي:
أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به
الشهادة؛ لاحتمال أنه لو لم یکتبه أن ينساه،
كما هو الواقع غالبًا، ﴿وَأَدْنَ أَلَّتَرْتَابُواْ﴾،
وأقرب إلى عدم الريبة، بل ترجعون عند
التنازع إلى الكتاب الذي کتبتموه، فيفصل
بینکم بلا ريبة.
رابعًا: مقاصد الكتابة:
إن الملاحظ من سياق الآيات أن تكرار
لفظ الكتابة في آية واحدة مع التأكيد بحرف
اللام، لهو دليل على حرص الشرع على
الحفاظ على حق العباد من الضياع، فقال
تعالى في موضع من الآية: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾،
وفي ثانٍ: ﴿وَلْيَكْتُب﴾، وفي ثالثٍ:
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْنُبَ﴾، وفي رابعٍ:
﴿فَلْيَكْتُبْ﴾، وفي خامسٍ: ﴿وَلْيُمْلِلٍ﴾؛
لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى
عليه، وفي آخر: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، وهذا
الأمر بالتقوى بعد تكرار لفظ الكتابة لهو
تأكيد لأهمية الكتابة وما تحمل في طياتها
من فوائد، أهمها:
١. حفظ المال، وعدم إضاعته.
www. modoee.com
٦٥

حرف الدال
وصونه من الهلاك والبوار بالمماطلة في
سداد الدين، فالمكاتبة حصن منيع لحفظ
المال.
٢. أعدل في الشهادة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَمُوْأَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا
أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ
وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ﴾ [البقرة:
٢٨٢].
أي: أثبت للشهادة، وكذلك أقرب لنفي
الريب في معاملاتكم، أي: الشك، فالكتاب
يدفع ما قد يعرض لهم من الريب كائنًا ما
كان.
٣. اجتناب سخط الله والمواظبة
على تقوى الله تعالى.
الدین، حیث إن الكتابة هي من أهم عوامل
سد باب المماطلة من الجانبين، وذلك أن
صاحب الدین إذا علم أن حقه مقید بالكتابة،
والإشهاد تحذر من طلب زيادة، أو تقديم
المطالبة قبل حلول الأجل، والمديون
يحذر من الجحد، ويأخذ قبل حلول الدين
في تحصيل المال؛ ليتمكن من أدائه وقت
الحلول(١).
٤. البعد عن الوقوع في المحرمات.
مثل: الربا وغيره من الطرق المحرمة؛
للحصول على المال، حيث إن المكاتبة
تشجع على فتح باب الدين بدلًا من فتح
باب الربا.
٥. إقامة العدل بين المتعاملين.
فالبيان الذي أمر به القرآن من الكتابة
والإشهاد أعدل في إصابة حكم الله تعالى،
وهو أحرى بإقامة العدل بين المتعاملين،
وأعون على أداء الشهادة على وجهها
الصحيح، وأقرب إلى إزالة الشكوك في
تعیین جنس الدین ونوعه وقدره وأجله، فهذه
مزايا ثلاث تؤكد العمل بكتابة الدين(٢).
ويستدل من الآيات السابقة على أن
وذلك بمنع مسببات المماطلة في سداد الشرع اهتم بكتابة الدین، وجعل الله أحكامًا
وشروطًا تتعلق بالدائن والمدين ومن ينوب
عنه، وبينت الآيات صفات وأهلية لكاتب
الدين، والهدف والأثر لكتابة الدين.
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل،
٤ /٤٨٠.
(٢) انظر: التفسير المنير، وهبة الزحيلي، ١١٢/٣.
٦٦
القرآن الكريم

الدين
الإشهاد في الدين
لقد أعطى الحق سبحانه وتعالى للدين
عناية كبيرة؛ لأن فيه مواساة الفقير وإغاثة
الملهوف، ولأجل أن يضمن سير حركة
الحياة الاجتماعية والاقتصادية أن تمر بسلام
دون فوضى، شرع ربنا عز وجل الكتابة في
الدين، وجعل للكتابة شروطًا تقوم عليها،
من أهمها الشهادة على عقد كتابة الدين،
وجعل للشهادة أيضًا بعض الشروط التي
تقوم عليها، ومن أهمها ما يأتي:
أولًا: عدد الشهداء:
الله تعالى أمر في المداينة بأمرين:
أحدهما: الكتابة بقوله: ﴿فَأَكْتُبُوهُ﴾.
والثاني: الإشهاد بقوله: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ
شَهِيدَيْنِ﴾.
والله تعالى لأجل تحصين العقود
وتوثيقها توثيقًا جيدًا بحيث لا يتخلله
النسيان الذي قد يؤدي لجحد المال، جعل
العقود وتوثيقها تعتمد اعتمادًا كبيرًا على
الشهداء، وخوفًا من النسيان أو الحوادث
الطارئة التي قد تؤدي فقدان الشاهد.
والله تعالى شرع العدد بأكثر من شاهد،
وذلك حفظًا لما سبق من الحقوق.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ
مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَأَمْرَأَتَانٍ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ
إِحْدَنهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَنَّهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة:
٢٨٢].
وقوله تعالى: ﴿واستشهدُوا﴾، بمعنى:
أشهدوا، فالسين والتاء فیه لمجرد التأکید، أو
للطلب، أي: اطلبوا شهادة شاهدین، فیکون
تكليفًا بالسعي للإشهاد، وهذا التكليف
متعلق بصاحب الحق(١).
والشهادة حقيقتها الحضور والمشاهدة؛
لأجل الاطلاع على التداين، أي: لمشاهدة أو
لسماع تعاقدٍ بين متعاقدين، وتطلق الشهادة
أيضًا على الخبر الذي يخبر به صاحبه عن
أمر حصل لقصد الاحتجاج به لمن يزعمه،
والاحتجاج به على من ینکره، کما هو حال
طلب الشهود على حالة الزنا(٢).
وقوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، أي: من
رجال المسلمين، فحصل به شرطان: أنهم
رجال، وأنهم ممن يشملهم الضمير، والمراد
به: المسلمون؛ لقوله في طالعة هذه الأحكام
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ﴾.
والرجل في أصل اللغة يفيد وصف
الذكورة، فخرجت الإناث ولهن حكم
خاص، ويفيد البلوغ فخرج الصبيان؛ لضعف
عقله عن الإحاطة بمواقع الإشهاد ومداخل
التهم، وأما الكافر فلأن اختلاف الدين
يوجب التباعد في الأحوال والمخالطات
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٠٥/٣،
١٠٦.
(٢) انظر: المصدر السابق، ٣/ ١٠٦،١٠٥.
www. modoee.com
٦٧

حرف الدال
والمعاشرات والآداب، فهذا التباعد بين
المسلم والكافر، لا يمكن للكافر الإحاطة
بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين
المسلمين، ولذلك اشترط الشرع في تزكية
المسلمين شدة المخالطة، و کذلك قد عرف
من غالب أهل الملل استخفافهم بحقوق
من خالفهم في دينهم، فقال الله تعالى عنهم
قولهم: ﴿قَالُوا لَيْسُ عَلَيْنَا فِي الْأُمِتْنَ سَبِيلٌ﴾[آل
عمران: ٧٥](١).
ثم بين الشارع الحكيم شهادة النساء
وعددهن وما يتعلق بشهادتهن.
قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلّ
إحْدَ مُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَنهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة:
٢٨٢].
وقد بین الله تعالى إن لم يكن الشاهدان
رجلين ﴿فَرَجُلٌ وامرأتانِ﴾ أي: فليشهد
رجل وامرأتان بشرط أن يكونوا ممن
ترضون من الشهداء، وعلمکم بعدالتهم،
وبين سبحانه الحكمة والعلة من اعتبار
عدد النساء اثنتين مقابل الرجل الواحد،
وذلك لأجل أن إحداهما إن ضلت الشهادة
بأن نسيتها ذكرتها الأخرى، أي: إن العلة
في الحقيقة التذكير عند النسيان، وهذا فيه
إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن؛ لأنه ما
(١) انظر: المصدر السابق، ١٠٧/٣.
جوسيس
القرآن الكريمِ
قاله في الرجال(٢).
ثانيًا: صفات الشهداء:
والله تعالى بين صفات من يشهد على
حقوق العباد، فقال تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ
شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ
فَرَجُلٌ وَأَمْرَ أَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
فهذه الآية فيها من الدلالة على صفات
الشهود، ومنها:
١ . العدالة.
قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ مِّنْكُمْ﴾
[الطلاق: ٢٠].
أي: رجلين مسلمين عدلين؛ لأن في
الإشهاد المذكور، سدًا لباب المخاصمة،
و کتمان کل منهما ما يلزمه بيانه(٣).
والعدل: كل مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ سليم من
أسباب الفسق وخوارم المروءة، فأخرج هذا
التعريف الكافر وغير البالغ، وفي المميز
نزاعٌ، والمجنون، والفاسق وهو: من يفعل
الكبيرة ويصر على الصغيرة، والفسق نوعان:
بشبهةٍ كالخوارج والشيعة، وبشهوةٍ كشرب
الخمر والسرقة، وأخرج من يخالف الآداب
الشرعية وعرف المجتمع المسلم (٤).
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ١/ ٥٧٨.
(٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ١٥٠/٨.
(٤) انظر: التعريفات الندية على المنظومة
البيقونية، حمد النابت، ٤/١.
٦٨

الدين
ومن شروط العدل:
الإسلام.
قال تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ ﴾،
وقوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدَّلٍ مِنْكُمْ﴾، ففيه
دلالة على أن الله إنما عني المسلمين دون
غيرهم، حيث إنه سبحانه وصف الشهود
أنهم منا، وممن نرضی عنهم، فدل هذا على
أنه لا يجوز أن نقضي بشهادة شهود من
غيرنا، حيث إننا لا نرضى بشهادة الكافر،
فلو شهد ذمي على شيء لا تقبل شهادته عند
كثير من أهل العلم على الإطلاق، وهو قول
مالك، والشافعي.
ولقد رد الشافعي على بعض من أجاز
شهادة الكافر الذمي، فقال: «كيف يجوز
أن ترد شهادة مسلم اشترط الله فيه العدل،
وثبتت عدم عدالته، حیث نعرفه یکذب على
بعض الآدميين، ونجیز شهادة ذمي وهو
يكذب على الله تبارك وتعالى، والمسلم
غیر العدل خير من كل المشركين، فكيف
نجیز شهادة الذي هو شر، الذي يحيا بلا
كتاب ولا سنة ولا أثر، ولا أمر اجتمعت
عليه عوام الفقهاء، ونرد شهادة الذي هو خير
منه، وهو المسلم الذي اتصف بغير العدل،
ولكنه موحد لله تعالى؟ فإن أهل الذمة
أعدلهم أعظمهم بالله شركًا، وأسجدهم
للصليب وألزمهم للكنيسة !! ))(١).
(١) معرفة السنن والآثار، البيهقي، ١٤/ ٢٦٧.
وذهب بعض أصحاب الرأي إلى أن
شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض جائزة،
وإن اختلفت مللهم، وذهب بعضهم إلى أن
شهادة بعضهم على بعض تجوز عند اتفاق
الملة، أما إذا اختلفت الملة بأن شهد يهودي
على نصراني أو مجوسي فلا تقبل.
فإذا كان هذا الاختلاف في أهل الملل
الأخرى، بأن لا تقبل شهادة من خالفهم
في ملتهم، فكيف تقبل شهادتهم على
الموحدين.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن شهادة
أهل الذمة في حق المسلمين باطلة، ولكن
أجاز بعضهم شهادتهم على وصية المسلم
في السفر فقط، واحتجوا بقول الله سبحانه
وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةٌ بَيْنِكُمْ إِذَا
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ اَلْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا
عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ
فيِ الْأَرْضِ فَأَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةُ اَلْمَوْتِ﴾ [المائدة:
١٠٦] أي: ((من غير أهل دينكم))(٢).
# البلوغ.
فشهادة من لم يبلغ سن الرشد لا تقبل؛
لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ
مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال بعضهم: تقبل في أمور معينة، فقيل:
تقبل شهادة الصبيان على الجراح التي تقع
في محل اجتماعهم ما لم يتفرقوا، ولا
(٢) شرح السنة، البغوي، ١٤٠/٥.
www. modoee.com
٦٩

حرف الدال
تقبل في غيرها، أي: شهادتهم على بعضهم وقال في موضع آخر: والعقول التي ركبها
البعض قبل المفارقة(١).
وروي عن ابن عباس في شهادة الصبيان
قال: لا تجوز؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾، والصبيان لا
يستراح ولا يرضى بشهادتهم (٢).
العقل.
فلا تقبل شهادة المجنون؛ لأنه لا حکم
لقوله في شيء ما، وهذا إجماع العلماء،
والعقل مناط التكليف، لأجل ذلك أحكام
الشرع لا تجرى إلا على ذي عقل.
والعقل لغة: المنع، ولهذا يمنع النفس
من فعل ما تهواه، مأخوذ من عقال الناقة:
المانع لها من السير حيث شاءت، وهو
أصل لكل علم، وكان بعض الأئمة يسميه أم
العلم، و کثر الاختلاف فیه حتی قیل: إن فيه
ألف قول، وقد تكلم فيه أصناف الخلق من
الفلاسفة والأطباء والمتكلمين والفقهاء كل
واحد ما يليق بصناعته، فأما الأطباء شأنهم
الخوض فيما يصلح الأبدان، فالعقل سلطان
البدن، وقال المتكلمون الذين هم أهل
النظر: والنظر أبدًا يتقدمه العقل، والفقهاء
تكلموا فيه من حيث إنه مناط التكليف،
فقال الشافعي رضي الله عنه: «هو آلة خلقها
الله لعباده يميز بها بين الأشياء وأضدادها،
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) انظر: المصدر السابق.
الله فيهم؛ ليستدلوا بها على العلامات
التي نصبها لهم على القبلة وغيرها منا منه
ونعمة)»(٣).
# الخلو من الفسق وخوارم المروءة.
والمروءة شرط قبول الشهادة، وهي
ما يتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه
قليل الحياء، وهي حسن الهيئة، والسيرة،
والعشرة، والصناعة، فإذا كان الرجل يظهر
من نفسه في شيء منها ما يستحي أمثاله من
إظهاره في الأغلب، يعلم به قلة مروءته،
وترد شهادته، وإن كان ذلك مباحًا (٤)
.
وقال الشافعي: ((إذا كان الأغلب الأظهر
من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته،
وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية،
وخلاف المروءة، ردت شهادته»(٥).
ومن خوارم المروءة الخيانة، ولقد ورد
أن النبي صلی الله عليه وسلم قد رد شهادة
من ثبتت عدم عدالته بالخيانة والقذف، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (رد شهادة الخائن
والخائنة، وذي الغمر على أخيه، ورد شهادة
(٣) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه،
الزركشي، ١/ ٦٥.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ١/ ٢٦٨، لباب
التأويل، الخازن، ٣٠٦/١.
(٥) انظر: الأم، الشافعي، ٥٣/٧.
٧٠
◌َالنَّسَبَةِ
جوية
القرآن الكريمِ

الدين
القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم)(١).
وقوله: القانع، أي: هو السائل
المستطعم، وقيل: هو المنقطع إلى القوم
يخدمهم، وذلك مثل الأجير والوکیل، ترد
شهادته؛ للتهمة، فیجر النفع إلى نفسه؛ لأن
التابع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم،
وقوله: الغمر، أي: الحقد والظنين -بالظاء-
أي: المتهم.
والقاذف فاسق مردود الشهادة، وإذا تاب
وحسنت حالته، قبلت شهادته، سواء أتاب
بعد ما أقيم عليه الحد أو قبله، لقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةٍ
فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوْ لَمْ شَدَةً أَبَدًّا
وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ
وَأَسْلَحُواْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٤].
وهذا قول أكثر أهل العلم(٢).
٢. الحرية.
وهي شرط قبول الشهادة؛ لأنها من باب
الولايات، والعبد ناقص الحال لا يملك
زمام أمره، فیکون أمره في ید غیره.
اتفق الحنفية والمالكية والشافعية على
أن الشاهد یشترط فيه أن یکون حرًا، فلا
تقبل شهادة رقيق؛ لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية،
باب من ترد شهادته، ٤٥٢/٥، رقم ٣٦٠٠.
وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود
٣٩٧/٢.
(٢) انظر: شرح السنة، البغوي، ٧/ ١٤٠.
مَثَلًا عَبْدًا مَعْلُوكًا لََّ يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ [النحل:
٧٥].
ولأن الشهادة فيها معنی الولایة، وهو لا
ولاية له.
وقال الحنابلة والظاهرية: تقبل شهادة
العبد؛ لعموم آيات الشهادة؛ ولأن العبودية
ليس لها تأثير في الرد، وقيدها الحنابلة فيما
عدا الحدود والقصاص بقوله تعالى: ﴿مِمَّن
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢](٣).
وسأل رجل أحمد بن حنبل عن شهادة
العبد هل تجوز؟ فقال: ((تقبل شهادة العبد
والأمة فيما تقبل فيه شهادة الحر والحرة،
وقال: لا أعرف إلا ذلك، ولما سئل بأن
النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة أمة
في الرضاع على شهادة العبد، هل يكون ذا
حجة له؟ قال: نعم، وقبلها بعض العلماء في
الأمور التافهة فقط)» (٤).
٣. العلم بما یشهد.
وجب على الشاهد أن يكون على علم
تام بما یشهد به، ولا يجوز أن يشهد بما لم
يعلم، قال الله تعالى: ﴿إِلَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].
وقال أيضًا: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيِّسَ لَكَ بِهِ،
﴾ [الإسراء: ٣٦] أي: لا تتبعه.
(٣) انظر: جامع الأصول، ابن الأثير، ١٠/ ١٩١،
الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي،
٨/ ١٧٤.
(٤) انظر: المحرر، ابن عبد الهادي ٣٠٧/٢.
www. modoee.com
٧١

حرف الدال
والشهادة مشتقة من المشاهدة، وهي
المعاينة؛ لأن الشاهد يخبر عما شاهده
وعاینه وتم علمه به، ومعناها: الإخبار عما
علمه بلفظ أشهد أو شهدت.
والشاهد: حامل الشهادة ومؤديها؛ لأنه
شاهد وعالم لما غاب عن غيره، ولذلك
قالوا: لا شهادة إلا بعلم، ولا يحل لأحد أن
یشهد إلا بعلم.
ومن شروط العلم: العلم بالرؤية؛ كرؤية
القتل والإتلاف، أو باستفاضة فيما يتعذر
علمه غالبًا بدونها، ومنها ما يكتفى فيه
بالسماع.
وتصح الشهادة بالاستفاضة عند الشافعية
في النسب والولادة والموت والعتق والولاء
والولاية والوقف والعزل والنكاح وتوابعه،
وكذلك التعديل والتجريح والوصية والرشد
والسفه والملك.
وقال أبو حنيفة: «تجوز في خمسة أشياء:
(النكاح، والدخول، والنسب، والموت،
وولاية القضاء))، وقيل: تصح في سبعة:
(النكاح، والنسب، والموت، والعتق،
والولاء، والوقف، والملك المطلق)(١).
ثالثًا: مقاصد الإشهاد:
لقد ورد بيان إشهاد الصادق العدل من
المسلمين عليها؛ لحكم ومقاصد أرادها الله
(١) انظر: فقه السنة، سيد سابق، ٢٢٨/٣.
جوبيه
القرآن الكريمِ
تعالى بالكتابة والشهود، بيان بعضها فيما
يأتي:
حكمة الكتابة والإشهاد في دين المال
وما كان في الأجل:
قال تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ
وقال في الوصية والرجعة ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ
عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾؛ لأن المستشهد هناك صاحب
الحق، فهو یأتي بمن يرضاه لحفظ حقه، فإن
لم يكن عدلًا كان هو المضيع لحقه (٢).
الحكمة من قبول شهود ترد شهاداتهم:
وقد اتفق العلماء على أن هناك مواضع
حاجات يقبل فيها من الشهادات ما لا يقبل
في غيرها (٣) من حيث الجملة، وإن اختلفوا
في بعض التفاصيل، وذلك لحكم أرادها
الشرع فيها، مثال ذلك: قد أمر الله سبحانه
بالعمل بشهادة شاهدين من غير المسلمين
عند الحاجة في الوصية في السفر، وذلك
لحكمة حفظ الحقوق وعدم تركها للضياع،
وكقبول شهادة النساء منفردات في الأعراس
والحمامات، والمواضع التي تنفرد النساء
بالحضور فيها، فقبول شهادتهن هنا أولى
من قبول شهادة الكفار على الوصية في
السفر، وذلك لحكمة الستر على العورات
والأعراض، وكذلك عمل الصحابة وفقهاء
المدينة بشهادة الصبيان على تجارح بعضهم
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٠٥٠/١.
(٣) انظر: إعلام الموقعين، ابن القيم ١ / ٩٧، ٩٨.
٧٢