Indexed OCR Text
Pages 21-25
الذل الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم تكاليف الكرامة، ضريبة الذل والمهانة(٣). بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم فلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)(١). وسبب هذا الذل: أنهم تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كل دين، وأقبلوا على الزرع ونحوه، تسلط عليهم العدو لعدم تأهبهم له واستعدادهم لنزوله، فأولاهم ذلًا وهوانّا، لا يتخلصون منه حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم من جهاد الكفار، والإغلاظ عليهم، وإقامة دين الله، ونصرة الإسلام وأهله، وإعلاء كلمة الله، وإذلال الكفر وأهله(٢). إن للذل ضريبة كما أن للكرامة ضريبة، وضريبة الذل أفدح في كثير من الأحيان، ولكن أصحاب النفوس الضعيفة يخيل إليهم أن للكرامة ضريبة باهظة لا يطيقونها، فيختارون الذل والمهانة هربًا من تكاليف الكرامة، فیعیشون عیشة تافهة رخيصة. قال تعالى ﴿وَلَنَجِدَ ◌َّهُمْ أَخْصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْقِ﴾ [البقرة: ٩٦]. يعيشون أذلاء يؤدون ضريبة أفدح من (١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإجارة، باب النهي عن العينة، رقم ٣٤٦٢، ٢٧٤/٣. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٤٢٣. (٢) انظر: عون المعبود، العظيم آبادي، ٩/ ٢٤٢ ففي الجهاد الفوز والسعادة، وفي تركه والتخلف عنه الهلاك والشقاوة في الدنيا والآخرة (٤). والناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يرى أنهم قد فرطوا في دينهم تفريطًا عظيمًا، وركنوا إلى الدنيا، وتركوا الجهاد في سبيل الله، فألزمهم الله الذل في أعناقهم، فهم يلجئون إلى الشرق أو الغرب خاضعين ذليلين، يطلبون منهم العزة والنصر، وما عرف أولئك أن الذل لا يرفع عنهم حتى یرجعوا إلی دینھم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْنَغُونَ عِندَهُمُ أَلْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]. سادسًا: اتباع الهوى: قال ابن القيم رحمه الله: ((أن لكل عبد بداية ونهاية، فمن کانت بدایته اتباع الهوى، كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه، بل یصیر له ذلك في نهايته عذابًا يعذب به في قلبه، لو تأملت حال کل ذي حال سیئة زریة، لرأیت بدايته الذهاب مع هواه، وإيثاره على عقله، ومن كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ١٠/ ٢٣٧. (٤) انظر: الأساس، سعيد حوى ٤/ ٢٣٣. www. modoee.com ١٧٣ حرف الذال رشده، كانت نهايته العز والشرف والغنى وتخضع له، وتقيمه إلهًا آمرًا مستوليًا عليها؛ والجاه عند الله عز وجل، وعند الناس»(١). والعاقل ينهى نفسه عن لذة، يعقبها ألم، وشهوة تورث ذلًا وندمًا، فمخالفة الهوى توجب شرف الدين وشرف الآخرة، وعز الظاهر وعز الباطن (٢). قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى﴾ [النازعات: ٤٠]. أي: أما من تذکر مقامه للحساب بين يدي الله عز وجل، وأدرك مقدار عظمته وقهره، وجبروته وسطوته، وجنب نفسه الوقوع في محارمه، فالجنة مثواه وجزاؤه(٣). وقد ورد ذم الهوی في آیات عديدة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ, هَوَنُهُ أَفَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَنَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عٍِ وَخَتَمَ عَلَى سَّمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَوَّةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. ((فالتعبير القرآني يرسم نموذجًا عجيبًا للنفس البشرية، حين تترك الأصل الثابت، وتتبع الهوى المتقلب، وحين تعبد هواها (١) روضة المحبين، ابن القيم، ص ٤٨٣. (٢) انظر: غذاء الألباب، السفارييني، ٤٥٩/٢، ذم الهوى، ابن الجوزي، ص ١٣. (٣) انظر: تفسير المراغي، ٣٤/٣٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩١٠. جوسين القرآن الكريم تتلقى أوامره المتقلبة بالطاعة والتسليم والقبول)» (٤). وليس هناك أضل وأبعد عن طريق الرشاد ممن اتبع هواه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَبَعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: ٥٠]. ((أي: (ومن أضل) عن طريق الرشاد، وسبیل السداد ممن اتبع هوى نفسه بغير بيان من عند الله، وعهد من الله، ويترك عهد الله الذي عهده إلى خلقه في وحيه وتنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ومعنى الآية: إن الله لا يوفق الإصابة الحق وسبيل الرشد القوم الذين خالفوا أمر الله وتر کوا طاعته، و کذبوا رسوله، وبدلوا عهده، واتبعوا أهواء أنفسهم إيثار منهم لطاعة الشيطان على طاعة الرحمن عز وجل (٥). وقد نهى الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن طاعة من اتبع هواه. قال تعالى: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ. عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ. فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. أي: ولا تطع یا محمد صلى الله عليه وسلم من شغلنا قلبه -من الكفار الذين (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٣٢٣٠/٥. (٥) جامع البيان، الطبري، ١٩/ ٥٩٢. ١٧٤ الذل سألوك طرد المؤمنين الضعفاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي عنك- عن ذكرنا؛ بالکفر وغلبة الشقاء علیه، واتبع هوی نفسه، وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هواه على طاعة ربه، وكان أمره ضیاعًا، فما كان لمثل هذا الهالك أن يطاع (١). (١) المصدر السابق ٨/٢٨. أسباب رفع الذل بعدما تعرفنا في المبحث السابق أن الوقوع في الذل لا يكون صدفة، إنما من خلال أسباب يفعلها الانسان توقعه في الذل، كان لا بد أن نتعرف على الأسباب التي ترفع الذل عنه. ومن تلك الأسباب: ١. الإيمان بالله والمداومة على العمل الصالح. قال تعالى: ﴿لِلَِّينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَا وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّهُ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ [يونس: ٢٦]. والمقصود بقوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةُ﴾ الإخبار عن خلوص نعيمهم من كل ما يكدر الصفو، إثر بيان ما أعطاهم من رضوان، أي: ولا يغطي وجوههم يوم القيامة شيء مما يغطي وجوه الكفار، من السواد والهوان والصغار(٢). قال ابن كثير: ((﴿وَلَا يَزَّهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتٌَّ أي: قتام وسواد في عرصات المحشر، كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة، ﴿وَلَا ذِلَّهُ﴾ أي: هوان وصغار، أي: لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر، بل هم كما قال تعالى في حقهم: (٢) انظر: الوجيز، الواحدي، ص ٤٩٥، الدر المصون، السمين الحلبي، ٦/ ١٨١. www. modoee.com ١٧٥ حرف الذال ﴿فَقَنُهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَرِ وَلَقَّتُهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١](١). ٢. الاعتزاز بالله، والتمسك بدينه، وتطبيق شريعته. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله)»(٢). وقال الحسن بن علي رضي الله عنه: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر -وفیه -: (إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت)(٣). وقال تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَى شَفَا حُفْرَوْ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ. لَعَلَّكُوْ نَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. قال الطبري: ((قال قتادة: في هذه الآية، كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًا، وأشقاه عیشًا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودًا، وأجوعه بطونًا، مكعومين (٤) على رأس (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/ ٢٦٢. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، ١/ ١٣٠، رقم ٢٠٧. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشیخین. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء في القنوت في الوتر، رقم ٣٢٨/٢،٤٦٤. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٧٢، رقم ٤٢٩. (٤) مکعوم: من کعم البعیر إذا شد فاه في هیاجه؛ لئلا يعض أو يأكل. لسان العرب، ابن منظور، حجر بين الأسدين: فارس، والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون علیه، من عاش منهم عاش شقیًا، ومن مات ردي في النار، یؤکلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا فیھا أصغر حظًا وأدق فيها شأنًا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الکتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لکم به من الرزق، وجعلکم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأیتم، فاشکروا نعمه، فإن ربکم منعم یحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد من الله تبارك وتعالى))(٥). ٣. الدعاء بارتفاع الذل وحصول العز. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك أن أظلم أو أظلم) (٦). قال الطيبي: ((قوله: (والذلة) أي: من أن أكون ذليلًا في أعين الناس؛ بحيث يستخفونه ويحقرون شأنه، والأظهر أن المراد بها الذلة الحاصلة من المعصية، أو التذلل للأغنياء ١٢ / ٥٢٢. (٥) جامع البيان، جامع البيان، الطبري، ١٣/ ٤٧٨. (٦) أخرجه أحمد في مسنده، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، ١٣/ ٤١٨، رقم ٨٠٥٣. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢٧٦/١، رقم ١٢٨٧. جَوَسُ بَرُ النفسية القرآن الكريم ١٧٦ الذل على وجه المسكنة، والمراد بهذه الأدعية تعليم الأمة))(١). ٤. موالاة الله ورسوله وصالح المؤمنين. قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَيِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعُرُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ أَلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]. أي: يقول هؤلاء المنافقون -على سبيل التبجح وسوء الأدب- لئن رجعنا إلى المدينة بعد انتهاء هذه الغزوة، ليخرجن الفريق الأعز منا الفريق الأذل من المدينة، حتى لا يبقى فيها أحد من هذا الفريق الأذل، بل تصبح خالية الوجه لنا. وقد رد الله تعالى على مقالتهم الباطلة هذه بما يخرس ألسنتهم فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لقد كذب المنافقون فيما قالوه، فإن لله تعالى وحده العزة المطلقة والقوة التي لا تقهر، فالعزة لله سبحانه ولرسوله وللمؤمنين، ومن والاهم وسار على هداهم ينتفي عنه ذل الدنيا والآخرة، ويحصل له عز الدنيا والآخرة(٢). ٥. طاعة الله ورسوله. (١) عون المعبود، العظيم آبادي، ٤/ ٢٨٢. (٢) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، ٣/ ٢٦٦٧، لباب التأويل، الخازن، ٤/ ٣٠٠. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهُ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. جاء في الأدب النبوي: ((لو أطاعوه - الرسول- لما أصابهم ما لحقهم من الذل والهوان بالفشل والهزيمة في الحرب تارة؛ والقتل والأسر تارة أخرى، وبالعجز المبين عن أن يقفوا في سبيل دعوته، ويمنعوا انتشارها في أقطار المعمورة، ویحولوا دون دخول الناس في دين الله أفواجًا، وما كان عنادهم ولا مجادلتهم عن یقین يعتقدونه، ولا شبه لم يجل الشك عنها، ولكن تكبرًا وعتوًا؛ مخافة أن تزول عنهم مناصب توارثوها، ومظاهر تخيلوا أن العز والمجد في المحافظة عليها))(٣). موضوعات ذات صلة: التواضع، الخشوع، العبادة، العزة، الوهن (٣) الأدب النبوي، محمد الخولي، ١/ ٢٩١. www. modoee.com ١٧٧