Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
عناصر الموضوع
مفهوم الربا
٣٩٠
الربا في الاستعمال القرآني
٣٩١
الألفاظ ذات الصلة
٣٩٢
أنواع الربا
٣٩٤
حكم الربا
٣٩٧
التوبة من الربا
٤١٢
عقوبة آكل الربا
٤١٣
المُجَلَّدُ الخَامِسْ عَشَر

حرف الراء
مفهوم الربا
أولًا : المعنى اللغوي:
الربا مصدر من الفعل ربا، بمعنى: نما وزاد، يقال: ربا يربو ربًا، فهو رابٍ، وأربيته نمیته،
والربا: الزيادة، يقال: ربا المال، أي: زاد وارتفع، وربت الأرض أي: انتفخت وعظمت
وزادت؛ فالربا معناها: الزيادة في كل شيء(١).
والربوة والربوة والرابية: كل ما ارتفع من الأرض، وأربى الرجل: إذا قام على رابيةٍ،
وربوت الرابية: علوتها (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الربا: عقدٌ على عوضٍ مخصوصٍ، غير معلومٍ التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع
تأخير في البدلين أو أحدهما(٣).
وقيل: بأنه تفاضلٌ في أشياء، ونسٌ في أشياء، مختصِّ بأشياء، ورد الشرع بتحريمها
-أي: تحريم الربا فيها - نصًا في بعضها، وقياسًا في الباقي منها (٤).
فالربا: ((هو الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع))(٥)، والربا يطلق على شيئين:
(يطلق على ربا الفضل، وربا النسيئة)) (٦).
وربا الفضل هو: البيع الذي فيه زيادة أحد العوضين على الآخر، كبيع دينار بدينارين، نقدًا
ونسيئة، وصاع بصاعين، ورطل برطلين، يدًا بيد، ونسيئة.
وربا النسيئة هو: الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل (٧).
والمعنى الاصطلاحي للربا مشتق من المعنى اللغوي له، الذي يدل على الزيادة والنماء.
(١) انظر: لسان العرب ٣٠٤/١٤، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٣٢٦/١.
(٢) انظر: لسان العرب ٣٠٤/٤.
(٣) انظر: أسنى المطالب، زكريا الأنصاري ٢١/٢، مغني المحتاج، الشربيني ٢/ ٣٦٣.
(٤) انظر: شرح منتهى الإرادات، البهوتي ٢/ ٦٤.
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢/ ١٩٢.
(٦) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٢٩٤.
(٧) القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص ١٤٣ - ١٤٤.
٣٩٠
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الربا في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ربو) في القرآن الكريم (١٨) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
نَفْع بَهِيج ٥﴾ [الحج: ٥]
﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًّا لِيَرَّبُواْ فِىَ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِنْدَ
اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩]
اسم فاعل
٢
﴿فَاحْتَعَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيًا﴾ [الرعد: ١٧]
مصدر
٨
﴿وَأَحَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّبَوا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
أفعل التفضيل
١
﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]
اسم مكان
٢
﴿وَءَاوَبْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ
٥٠
[المؤمنون: ٥٠]
وجاء الربا في القرآن على ثلاثة أوجه (٢):
أحدها: الزيادة والكثرة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَ مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل:
٩٢]، يعني: أغنى وأكثر عددًا.
والثاني: المكان المرتفع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَزِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾
[المؤمنون: ٥٠]، يعني: موضع مشرف ومكان مرتفع.
والثالث: الشدة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَصَوْ رَسُولَ رَيْهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةٌ رَّبِيَةً ﴾ [الحاقة: ١٠]،
يعني: شديدة.
(١) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٣١٣.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٢٣٩- ٢٤٠.
www. modoee.com
٣٩١
﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ
الفعل المضارع
٣

حرف الراء
الألفاظ ذات الصلة
١
الزكاة:
الزكاة لغة:
النماء، يقال: زكى الزرع يزكو أي: نما، وهي الطهارة والبركة والمدح(١).
الزكاة اصطلاحًا:
إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالكِ مخصوص، معتبرًا فيه الحول
والنصاب (٢)
.
الصلة بين الزكاة والربا:
كلا اللفظين يحمل معنى الزيادة والنماء، إلا أن لفظ الزكاة فيه زيادة دلالة؛ إذ يدل أيضًا
على الطهارة والبركة، وقد سمى الله عز وجل ما يخرجه الإنسان من ماله إلى الفقراء
والمستحقين زكاة لما فيه من معاني النمو والبركة والتزكية للنفس وللمال.
البركة:
٢
البركة لغة:
مشتقة من الفعل: برك، قال ابن فارس: ((الباء والراء والكاف أصلٌ واحدٌ، وهو ثبات
الشيء)»(٣). ومن ذلك اشتقت البركة، والتي هي بمعنى الزيادة والنماء، سميت بذلك
لدلالتها على ثبات الخير (٤).
البركة اصطلاحًا:
هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء(٥).
الصلة بين البركة والربا:
كلا اللفظين يدل على الزيادة، إلا أن الزيادة التي يدل عليها لفظ الربا زيادة محسوسة
مشاهدة، أما الزيادة التي يتضمنها لفظ البركة فهي زيادة غير محسوسة.
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٣٠٧، طلبة الطلبة، النسفي ص ١٦.
(٢) التعريفات ص ١١٤.
(٣) مقاييس اللغة ١/ ٢٢٧.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٦٥/١.
(٥) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص١٢٦.
٣٩٢
جوية
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ

المحق:
٣
المحق لغة:
مشتق من الفعل (محق)، قال ابن فارس: ((الميم والحاء والقاف كلماتٌ تدل على نقصان،
ومحقه: نقصه(١)). فالمحق: النقصان وذهاب البركة، ومنه المحاق وهو آخر الشهر إذا محق
الهلال (٢).
المحق اصطلاحًا:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي للمحق عن المعنى اللغوي له، فهو في الاصطلاح يعني:
النقص والمحو، قال ابن الأثير: ((المحق: النقص والمحو والإبطال))(٣).
الصلة بين المحق والربا:
المحق ضد الربا، فإذا كانت الربا تعني الزيادة والنماء، فإن المحق يعني النقصان
والمحو؛ ولذا فقد جازى الله عز وجل الذي يأكل الربا بنقيض قصده؛ فإن المرابي يريد
الزيادة والكثرة، والله عز وجل يعاقبه على انتهاكه لحرماته بالنقص والمحو والإبطال، محو
لماله في الدنيا، ومحو وإبطال لعمله وثوابه يوم القيامة.
(١) مقاييس اللغة ٣٠١/٥.
(٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤/ ٨٢.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣٠٣/٤.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الراء
أنواع الربا
أولًا: ربا النسيئة:
هو الربا الذي كان موجودًا قبل الإسلام،
من «نسأ الشيء ينسؤه نسًا وأنسأه: أخره،
والاسم النسيئة والنسيء، ونسأ الشيء: باعه
بتأخيرٍ، فتقول: نسأته البيع وأنسأته، وبعته
بنسأةٍ، وبعته بنسيئةٍ، أي: بأخرةٍ))(١).
والنسيء: شهرٌ كانت العرب تؤخره في
الجاهلية، فنهي عنه.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الَّسِىُّ زِيَادَةٌ فِ
اَلْكُفْرِّ يُضَلُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة:
٣٧].
وربا النساء، هو البيع بشرط أجلٍ، ولو
قصيرٌ في أحد العوضين، ومن ثم فربا النسيئة
مأخوذ من النسا، وهو التأخير، وهو نوعان:
الأول: قلب الدين على المعسر، وهذا
هو ربا الجاهلية، فيكون للرجل على الرجل
مالٌ مؤجلٌ فإذا ما حل موعد قضاء الدين،
قال له صاحب الدين: إما أن تقضي، وإما أن
تربي فإن قضاه وإلا زاد الدائن في الأجل،
وزاد في الدين مقابل التأجيل، فيتضاعف
الدين في ذمة المدين.
الثاني: ما كان في بيع جنسين اتفقا في
علة ربا الفضل، مع تأخير قبضهما أو قبض
أحدهما، كبيع الذهب بالذهب أو بالفضة،
(١) لسان العرب، ابن منظور ١٦٦/١.
أو الفضة بالذهب مؤجلا أو بدون تقابض
في مجلس العقد.
وسمي ربا النسيئة لأن الزيادة فیه مقابل
الأجل أيًا كان سبب الدين، بيعًا كان أو
قرضًا، وسمي ربا القرآن؛ لأنه حرم بالقرآن
الكريم في قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوْاْ أَضْعَدِفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل
عمران: ١٣٠].
ثانيًا: ربا الفضل:
يكون بالتفاضل في الجنس الواحد من
أموال الربا إذا بیع بعضه ببعض، کبیع درهم
بدرهمين نقدًا أو بيع صاع قمحٍ بصاعين من
القمح، ونحو ذلك.
ويسمى ربا الفضل لفضل أحد العوضين
على الآخر، وإطلاق التفاضل على الفضل،
إنما هو من باب المجاز، فإن الفضل في أحد
الجانبین دون الآخر.
ويسمى ربا النقد في مقابلة ربا النسيئة:
ويسمى الربا الخفي، قال ابن القيم: ((الربا
نوعان: جليٌّ وخفيٌّ؛ فالجلي حرم؛ لما فيه
من الضرر العظيم، والخفي حرم؛ لأنه ذريعةٌ
إلى الجلي، فتحريم الأول قصدا، وتحريم
الثاني؛ لأنه وسيلةٌ، فأما الجلي، فربا النسيئة،
وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية».
وجاء تحريم ربا الفضل من باب سد
الذرائع، کما صرح به في حديث ابن عمر
٣٩٤
جَوَسُو ◌َ الْبَقِيَة
القرآن الكريمِ

رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (لا تبیعوا الدرهم بالدرهمین؛
فإني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو
الربا)(١).
فمنعهم من ربا الفضل لما یخافه علیھم
من ربا النسيئة؛ وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا
بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي
بين النوعين، إما في الجودة، وإما في السكة،
وإما في الثقل والخفة، وغير ذلك، تدرجوا
بالربح المعجل فیها إلى الربح المؤخر، وهو
عين ربا النسيئة، وهذا ذریعةٌ قریبٌ جدا، فمن
حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة،
وهي تسد عليهم باب المفسدة.
الجيد باثنين كيلو من التمر من النوع
الرديء، فإن هذا غیر جائزٍ، ومن ثم یعد من
ربا الفضل الذي دل على تحريمه سنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
ربا اليد: هو البيع مع تأخير قبض البدلين
أو تأخير قبض أحدهما دون ذكر أجل
التسليم في العقد، وذلك كأن يبيع رجلٌ
لآخر مائة جرام من الذهب بثلاثمائة من
الفضة مثلًا من غير أن يقبض كل من البائع
والمشتري ما اتفقا عليه، أو يقبض أحدهما،
ولا يقبض الآخر دون أن يتفقا على وقت
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٢٥/١٠، رقم
٥٨٨٥.
تسليم العوض غير المقبوض، وسمي بهذا
الاسم نظرًا لخلو يد أحد المتبايعين مما
يستحق من العوض، أو خلو يديهما معًا.
وفي الحديث: عن عبادة بن الصامت
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب، والفضة
بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير،
والتمر بالتمر، والملح بالملح؛ مثلًا بمثلٍ،
يدًا بيدٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ
والمعطي فيه سواءٌ)(٢).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التمر
بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير،
فلو باع رجلٌ كيلو من التمر من النوع والملح بالملح، مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ، فمن
زاد، أو استزاد، فقد أربى، إلا ما اختلفت
ألوانه)(٣).
وللخروج من مثل هذه الحالة أن يبيع
المرء ما معه من البر أو الشعير بالمال، ثم
يشتري بالمال ما شاء من النوع الآخر من
البرأو التمر، أو الشعير، حتى يسلم من الربا.
ولكن إذا اختلفت هذه الأجناس بين
الناس، فيبيعون كيف شاؤوا إذا كان يدًا بيدٍ؛
إذ تدل السنة على أنه لا يجوز أن يباع عشرة
أصواعٍ من التمر الجيد بعشرين صاعًا من
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب الصرف، ٣/ ١٢١٠، رقم ١٥٨٧.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب الصرف، ١٢١١/٣، رقم ١٥٨٨.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف الراء
الرديء؛ لأن هذا هو ربا الفضل، وحرم سدّا
لباب ربا النسيئة، وقد أكدت السنة النبوية
المثال التطبيقي الفعلي لتحريم الربا.
ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه قال: (جاء بلال رضي الله عنه
إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمرٍ برني،
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (من أَيَّن
هذا؟) قال بلالٌ: کان عندنا تمرّ رديٌّ، فبعت
منه صاعين بصاعٍ؛ لنطعم النبي صلى الله
علیه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم
عند ذلك: (أوه أوه، عین الربا، عين الربا، لا
تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر
ببيعٍ آخر ثم اشتره) (١).
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة مما ربحه، وكثير من الذين يأخذون الربا،
رضي الله عنهما أن رسول الله صلی الله
علیه وسلم استعمل رجلًا علی خییر، فجاءه
بتمرٍ جنیبٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (أكل تمر خيبر هكذا؟) قال: لا
والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا
بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (لا تفعل، بع
الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا)(٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوكالة،
باب إذا باع الوكيل شيئًا فاسدًا فبيعه مردود،
١٠١/٣، رقم ٢٣١٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، ٧٧/٣، رقم
٢٢٠١، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب بيع الطعام مثلا بمثل، ١٢١٣/٣، رقم
وأكدت السنة النبوية تحريمه في خطبة
الوداع، وفي أحاديث أخرى، ومن ثم انعقد
إجماع المسلمین علی تحريمه.
والربا الذي كانت العرب تعرفه،
وتفعله، إنما کان قرض الدراهم والدنانير
إلى أجلٍ بزيادةٍ على مقدار ما استقرض
على ما يتراضون به، والذي كانوا يفعلونه
في الجاهلية، کأن يؤخر دينه ویزیده في
المال، وكلما أخره زاده في المال المضاف
(الفائدة) حتى تصير المائة عنده آلافًا،
فالمرابي يقول: إن الذي أخذ المال بالربا،
اشترى به إبلًا وأرضًا وتاجر فيه وكسب
كثيرًا، وليس بمحرمٍ علي أن يعطيني نسبةً
إنما يأخذونه للاستثمار، وقليلٌ منهم من
يأخذ للحاجة الماسة أو للضرورة.
٣٩٦
جَبُور
القرآن الكريم
١٥٩٣.

حكم الربا
إن هذا القرآن العظيم لا تنتهي فوائده،
وكلما قلب العلماء النظر في آياته، وتأملوا
دلالاته يفتح الله عليهم من فيض علمه
سبحانه وتعالى ما ينير به بصائرهم، ومازال
العلماء ينهلون من كتاب الله تعالى،
ويظهرون إعجازه إلى أن يرث الله الأرض
من عليها، فمن خصائص القرآن: أنه معجزٌ.
ومن الأصول المقررة في الشريعة،
أن الله تعالى لا يأمر بشيءٍ إلا بما يحقق
مصلحة عباده، ولا ينهاهم إلا عما يفسد
حیاتھم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيَّ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
فلم يبق عدلٌ ولا إحسانٌ ولا صلةٌ إلا أمر
به في هذه الآية الكريمة، ولا منكرٌ متعلقٌ
بحقوق الله ولا بغي على الخلق في دمائهم
وأموالهم وأعراضهم إلا نهى عنه، ووعظ
عباده أن يتذكروا ما في هذه النواهي من الشر
والضرر، فيجتنبوه، وقد نهى الله تعالى عن
المعاصي جميعها، وتوعد من خالف أمره
بالعقاب.
أولًا: تحريم الربا في الإسلام:
لقد حرم الله الربا وجعله من أكبر
الكبائر، كما بين أنه سببٌ لعقوباتٍ عديدةٍ
في الدنيا والآخرة، ومنع الإسلام من تقديم
مساعدة للتعامل الربوي، ومن ثم تنوعت
أدلة تحريمه في الكتاب والسنة، وأجمع
علماء المسلمين على تحريمه.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ
اُللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١)
فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن
تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا
تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٢٧٨ -٢٧٩].
وقال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَأْكُلُواْ اُلرِّبَواْ أَضْعَدِفًا مُضَعَفَةٌ ﴾ [آل عمران:
١٣٠].
وفي الحديث في خطبة الوداع: عن
سليمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة
الوداع يقول: (ألا إن كل ربًا من ربا الجاهلية
موضوعٌ، لكم رءوس أموالكم لا تَظلمون
ولا تُظلمون)(١).
ولذلك فإن كل التزام بالربا يجب التنازل
عنه، فمن لديه مالٌ من ربًا، فلیتخلص منه،
ولكن له أن يبقي رأس ماله، لا يلحقه ظلمٌ،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب
حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ٨٨٦/٢،
رقم ١٢١٨.
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الراء
ولا أن يظلم أحدًا.
إن الله تعالی حکم ببطلان الربا، و کل ربا
الجاهلية موضوعٌ، وأول ربًا وضع وحظر
كان ربا العباس بن عبدالمطلب رضي الله
عنه عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد
أجمع المسلمون على تحريم الربا.
ومن ثم، فليس ثمة اختلافٌ في الرأي
بين علماء المسلمين بشأن حظر التعامل
بالربا في الشريعة الإسلامية؛ لأن القرآن
والسنة لم يدعا مجالا للشك في تحريمه.
وقد جاء في الحديث عن أبي أمامة عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شفع
لأخيه بشفاعةٍ، فأهدى له هديةً عليها، فقبلها
فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا)(١).
وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: (لعن
رسول الله صلى الله عليه وسلم: آكل
الربا، ومؤکله، و کاتبه، وشاهدیه، وقال: هم
سواءٌ)(٢).
ومن ثم فإنه لا يجوز لرجلٍ ما أن يضمن
صاحبه للحصول على قرضٍ من أحد وأن يعيش منها، أما الآخر الذي لا يملك
المصارف مقابل حصول المصرف على
(١) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب الإجارة،
باب في الهدية لقضاء الحاجة، ٣/ ٢٩١، رقم
٣٥٤١.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع،
١٠٨٢/٢، رقم ٦٣١٦.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب لعن آكل الربا وموكله، ١٢١٨/٣، رقم
١٥٩٧.
فائدة ما.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الربا
سبعون حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجل
أمه)(٣).
إن الربا وبالٌ على المجتمعات والدول
التي لا تحرمه؛ إذ يتدهور اقتصاد تلك
البلدان المتعاملة به؛ لأن الله سبحانه عد
الربا من الموبقات وحرمه في القرآن وعلى
لسان رسوله صلی الله علیه وسلم تحریمًا
أکیدًا.
ولما كان الربا من المحرمات التي
انتشرت في هذه الأيام، وأصبح الناس
يتعاملون به بینهم، كان من الواجب أن يتبينوا
حکم الله ورسوله صلی الله عليه وسلم في
هذه المعاملة المحرمة.
ولبيان بشاعة الربا، هب مثلاً أن رجلًا
لديه مثلاً ألف جنيهٍ، ورجلٌ آخر لا يملك
شيئًا، فصاحب الألف يستطيع أن يديرها،
شیئا، فقد یضطر إلی أن یقترض لیعیش مثل
صاحبه، فإن اقترض: الألف جنيه قرضًا
بمائة جنيه فائدةً، فمن أين يوفر هذه المائة
المضافة؟ إذ إنه لا يملك شيئاً أصلًا.
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات،
باب التغليظ في الربا، ٢/ ٧٦٤، رقم ٢٢٧٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٦٦٤، رقم ٣٥٤١.
٣٩٨
جوية
القرآن الكريم

إن أخذها من عائد المال يخسر، وإن الاجتماعي والاقتصادي، فكان التدرج.
أخذها من السلعة بأن يقلل من الجودة، أو
من العناصر الفعالة المكونة للسلعة، أو في
التغليف، أو غير ذلك جاءت السلعة أقل من
مثيلاتها، وبارت، ولم تجد من يقبل على
شرائها.
إذن: الزيادة لا بد أن يتحملها المستهلك،
وهذا إضرارٌ به، وهو ليس طرفًا في العقد،
إذن: العقد باطلٌ، لوقوع الضرر على
المستهلك الذي لا ناقة له في الأمر، ولا
جمل.
ثانيًا: التدرج في تحريم الربا:
لقد سلك القرآن الكريم أسلوب الرفق
والتدرج، في نقل المخاطبين من حياة
الجاهلية، إلى سماحة الإسلام ويسره،
وتجلى ذلك في شرائع الإسلام، وأحكامه
العملية، إن التدرج في التشريع هو المنهج
الكامل للقرآن الكريم، والسنة النبوية،
فالتدرج سنة الحياة، فقد خلق الله السماوات
والأرض في ستة أيام، وقال العلماء: (من
طلب العلم جملةً فاته العلم جملةً).
لقد كان الربا بأنواعه وأشكاله المختلفة
عصب الاقتصاد في المجتمع العربي
الجاهلي، ومن ثم كانت الحكمة تقتضي
أن يتدرج التشريع القرآني في تحریمه، حتى
لايحدث ما يؤدي إلى التفكك والانهيار
وقد ذكر بعض الباحثين أن الربا في
القرآن الكريم، قد تدرجت الآيات في
تحريمه، كما تدرجت في تحريم الخمر (١).
وسبب هذا التدرج في تحريم بعض
الأحكام الفرعية، إنما هو رسوخ، وتعلق
المخاطبين بهذه العادات والأفعال، حتى
أنه كان من الصعب عليهم الامتثال، للإقلاع
عنها دفعةً واحدةً، فكان التدرج.
ومن ثم نجد هذا التدرج في تحريم
الربا في أربع آياتٍ قرآنيةٍ، تتعلق بتحريم
الربا، واحدةٌ منها نزلت بمكة، وثلاثٌ في
المدينة، ويمكن ترتيب هذا التدرج، على
عدة مراحل.
المرحلة الأولى: هي ما جاء في سورة
الروم، وهي مكية نزلت قبل الهجرة ببضع
سنين، حيث جاء الأمر مقرونًا بذم الربا،
ومدح الزكاة، وذلك قبل فرض الزكاة.
قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتِلْتُممِّن ◌ِبِّالِيبُواْ فِىّ
أَمْوَلِ اَلنَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآءَانَيْتُم مِّن ذَكَوْمْ
تُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ فَأَوْلَكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾
[الروم: ٣٩].
(١) انظر: دراسات إسلامية في العلاقات
الاجتماعیة، محمد عبد الله دراز، ص ١٥٧،
الربا والقرض في الفقه الإسلامي، أبو سريع
عبد الهادي، ص٢١، الربا والفائدة، دراسة
اقتصادية مقارنة، محمد رفيق المصري،
ومحمد ریاض الأبراش، ص ٣٠.
www. modoee.com
٣٩٩

حرف الراء
وقد جاء في السور المكية أصول أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
الواجبات، والمحرمات بشكل إجمالي،
كما في هذه الآية الكريمة، وجاءت هذه
الآية لتوجه الأنظار، وتهيء النفوس؛ لتقبل
فكرة التحریم، ومن ثم تری أن التدرج أول
الأمر حیث أوضح الله أن الربا لا نماء فیه،
ولا بركة، وقارن بينه وبين الزكاة مبينًا أن
الزكاة مما يضاعف الله ثوابها، ويبارك فيها.
قال أبو إسحاق: «يعني به دفع الإنسان
الشيء؛ ليعوض ما هو أكثر منه، وذلك في
أکثر التفسیر لیس بحرام، ولکنه لا ثواب لمن
زاد علی ما أخذ، والرباً ربوان، والحرام: کل
قرضٍ يؤخذ به أكثر منه، أو يجر منفعةً، فهذا
حرامٌ، والذي ليس بحرام أن يهبه الإنسان
يستدعي به ما هو أكثر منه، أو يهدي الهدية،
لیھدی له ما هو أکثر منها)»(١).
وقال الفراء: ((وما أعطيتم من شيء
لتأخذوا أكثر منه؛ فليس ذلك بزاكٍ عند
الله))(٢).
المرحلة الثانية: وهي في سورة النساء،
وهي سورةٌ مدنيةٌ.
قال تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْحَرَّمْنَا
عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
كَثِيرًا (٦) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ
أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا
(١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ / ١٨٧.
(٢) معاني القرآن، الفراء ٣٢٥/٢.
تبین الآيات أن الله تعالی قد نهى اليهود
عن الربا، فتناولوه وأخذوه، واحتالوا عليه
بأنواعٍ من الحيل وصنوفٍ من الشبه (٣)، إذ
یخبر الله تعالی، أنه بسبب ظلم اليهود بما
ارتكبوه من الذنوب العظيمة حرم عليهم
طيبات كان أحلها لهم.
وهذا تلميحُ بالتحريم؛ لأنه جاء على
سبیل الحكاية عن بني إسرائيل، وأن الربا
كان محرمًا عليهم، فاحتالوا على أكله،
ومن ثم فهو بذلك تمهيدٌ، وإيماءٌ إلى إمكان
تحريم الربا على المسلمين، كما هو محرمٌ
على بني إسرائيل، وفي الآية إيماءٌ آخر، أنه
إذا حرم علیکم الربا، فلا تكونوا مثل اليهود،
ولا تفعلوا مثل فعلهم، فتلقوا من العذاب
الأليم مثل ما لقوا؛ لأن هذا سلوك الكافرين،
فكانت هذه الآية بيانًا من الله بعدم قبول
الربا، ومقدمة للمنع.
المرحلة الثالثة: هي ما جاء في سورة آل
عمران بشأن النهي عن أكل الربا.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَأْكُلُواْ الْرّبَوْ أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةٌ وَأَثَّقُواْ اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ وَأَتَّقُواْ النَّارَ أَلَتِيَ أُعِدَّتْ
لِلْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ -١٣١].
في الآية خطابٌ ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَأْكُلُواْ الرِّبَواْ﴾ في إسلامكم بعد إذ هداكم
(٣) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ /١٨٧.
٤٠٠
القرآن الكريمِ

الله، کما کنتم تأكلونه في جاهلیتکم، وهذا
النهي مفيدٌ لتحريم الربا، ويريد بالأكل الأخذ
أضعافاً مضاعفةً، وهو أن يقول المرابي لمن
عليه الدين بعد حلول الأجل: إما أن تقضي،
وإما أن تربي، فإن لم يدفعه ضاعف ذلك
عليه، ثم يفعل كذلك عند حلوله من بعد
حتی تصير أضعافا مضاعفةً، وقد نهي الله
بعد ذلك عن تعاطي الربا في الصورة التي
کانت شائعةً بين الناس.
وقوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ النَّارَ أَلَِّىَ أُعِدَّتْ
لِلْكَفِرِينَ﴾ يدل على أن الربا من الكبائر التي
یستحق علیھا الوعید بالنار، إلا أنه لم یکن
فیه من التهديد والوعيد على نحو ما سنرى.
المرحلة الرابعة: هي المرحلة التي جاءت
الآيات الكريمة فيها بالحكم الشرعي، فقد
جاء التشريع بالتحريم للربا بجميع أنواعه،
مصحوبًا بالتهديد الشديد، وإعلان الحرب
على المرابين، ولم يكن ذلك إلا حين استقر
في نفوس المسلمين أن الربا لا فائدة فيه،
ولا طائل منه، وأن الله لا يرضى عن التعامل
به.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرِبُواْ لَا
يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسَِّّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِبَوَأُ
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِبَأْ فَمَنْ جَآءُ مَوْعِظَةٌ مِّن
رَّيِّهِ، فَانتَهَى قَلَهُ, مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ: إِلَى اَللَّهِ وَمَنْ
عَادَ فَأُوْلَكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
يَمْحَقُ اللّهُ الْرَّواْ وَيُرْبِىِ الصَّدَقَتِّ وَاَللَّهُ لَا
٢٧٥
يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارِأَثٍِ ﴿ إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ
اَللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبُواْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)
فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِّ وَإِن
تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا
تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٢٧٥-٢٧٩].
وهذه الآيات آخر ما نزل من القرآن
الكريم، كما قال ابن عباس رضي الله
عنهما: «هذه آخر آية نزلت على النبي صلى
الله عليه وسلم))(١).
ويستمر تحريم الربا إلى أن يرث الله
الأرض وما عليها، ولكن يأبى الذين استحوذ
عليهم الشيطان إلا عتوًا ونفورًا؛ ليستمروا
على التحكم بأموال الناس بغير حقٍ.
وقد أباح الإسلام استثمار المال عن
طريق التجارة، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ
إِلَّ أَنْ تَكُونَ تَجَرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾
[النساء: ٢٩].
وأثنى سبحانه وتعالى على الضاربين
في الأرض للتجارة، قال تعالى: ﴿وَءَآخَرُونَ
يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾.
(١) علقه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب موكل الربا، ٣ /٥٩.
www. modoee.com
٤٠١

حرف الراء
[المزمل: ٢٠].
وقد أعلن الرسول صلی الله عليه وسلم
حربه على الربا والمرابين، وبين خطره على
المجتمع، فقد بين الرسول صلى الله عليه
وسلم: إنه إذا ظهر الربا والزنا في قريةٍ، فقد
أحلوا بأنفسهم عذاب الله.
فعن عبد الله بن مسعودٍ، عن النبي صلى
الله علیه وسلم قال: (لعن الله آكل الربا
ومو کله وشاهدیه و کاتبه)، قال: وقال: (ما
ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم
عقاب الله عز وجل)(١).
ومن ثم، نرى أن الربا من أكبر الكبائر، إن
لم يكن أكبرها مطلقًا، وقد آذن الله المرابين
بحربٍ منه، إن لم يتركوا ما بقي من الرباء
کما أمرهم وأعلمهم بأنهم في حربٍ من الله
ورسوله، وهذه الحرب معروفة المصير،
مقررة العاقبة، لا هوادة فيها، إنها حربٌ على
الأعصاب والقلوب وحربٌ على البركة
والرخاء، وحربٌ على السعادة والطمأنينة.
ثالثًا: تحريم الربا عند الأمم الأخرى:
إن الغالب في المال الحرام أن يأتي عن
طريق الربا، وقد يأتي عن طريق الرشوة
(الهدية)، وقد جاء الكتاب الكريم والسنة
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٥٨/٦، رقم
٣٨٠٩.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٩٨٤،
رقم ٥٦٣٤.
بالنهي عن الربا والوعيد الشديد فيه ما لم
يرد في غيره من الذنوب، فمن تجرأ على
الله عز وجل، ولم یتب عن الربا، فقد عرض
نفسه لأنواع العقوبات العاجلة والآجلة في
الدنيا والآخرة.
وقد ذکر في سبب تحريم الربا وجوهًا:
أحدها: الربا يقتضي أخذ مال الإنسان
من غير عوضٍ؛ لأن من يبيع الدرهم
بدرهمين نقدًا كان أو نسیئةً، فیحصل له
زيادة درهمٍ من غير عوضٍ، ومال الإنسان
متعلق حاجته، وله حرمةٌ عظيمةٌ عند الله،
لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإن
دماءكم وأموالكم وأعراضکم بینکم حرامٌ،
کحرمة یومکم هذا في شهر کم هذا في بلدكم
هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى
أن يبلغ من هو أوعى له منه)(٢).
فوجب أن یکون أخذ ماله من غير عوضٍ
محرمًا.
فإن قيل: لم لا يجوز أن یکون لبقاء رأس
المال في يده مدة مديدة عوضًا عن الدرهم
الزائد؛ وذلك لأن رأس المال لو بقي في
يده هذه المدة لكان المال الذي يتجر فيه،
ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحًا، فلما
ترکه في المدیون وانتفع به المدیون، لم یبعد
أن يدفع إلى رب المال ذلك الدرهم الزائد
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب
حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ٨٨٦/٢،
رقم ١٢١٨.
٤٠٢
جوببيو
القرآن الكريم

عوضًا عن انتفاعه بماله(١).
من الفقير مالًا زائدًا، وذلك غير جائزٍ برحمة
قلنا: إن هذا للانتفاع الذي ذكر أمرٌ الرحيم.
موهوٌ، قد یحصل، وقد لا يحصل، وأخذ
الدرهم الزائد أمرٌ متيقنٌ، فتفويت المتيقن
لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر.
وثانيها: قال بعضهم: الله إنما حرم الربا
من حيث أنه يمنع الناس عن الاشتغال
بالمکاسب؛ وذلك لأن صاحب الدرهم إذا
تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم
الزائد نقدًا كان أو نسیئةً خف علیه اكتساب
وجه المعيشة؛ فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب
والتجارة والصناعة الشاقة، وذلك يفضي
إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم
أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات
والحرف والصناعات والعمارات (٢).
وثالثها: قيل: السبب في تحريم عقد
الربا، أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين
الناس من القرض؛ لأن الربا إذا حرم طابت
النفوس بقرض الدرهم، واسترجاع مثله،
ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله
على أخذ الدرهم بدرهمين، فيفضي ذلك
إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان.
رابعها: أن الغالب أن المقرض يكون
غنيًا، والمستقرض يكون فقيرًا؛ فالقول
بتجويز عقد الربا تمكينٌ للغني من أن يأخذ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٧٩٣/٧.
(٢) المصدر السابق ٧/ ٩٤.
خامسها: أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص،
ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف
معلومةً للخلق، فوجب القطع بحرمة عقد
الربا، وإن كنا لا نعلم الوجه فيه (٣).
ومن ثم فإنه إذا كان الله تعالى قد حرم
الربا، فلا مجال للجدال في هذا التحريم؛
لأنه لا اجتهاد مع النص، ولا يجوز لنا أن
نفسر الآيات تبعًا للهوى، وطمعًا في مکسبٍ
ممحوق البركة.
تحريم الربا في التشريع اليهودي:
لقد خلق الله الناس لعبادته تعالى،
فالناس جميعًا أمةٌ واحدةٌ، وربهم واحدٌ لا
شريك له.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىَّ إِلَىَ أَنَّمَا
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨].
وبالنظر في حكم الربا في الشرائع
السابقة، كاليهودية والمسيحية، لم نر في
شريعتهم ما يحل الربا، فالربا لم يحل في
شريعةٍ قط؛ لقوله تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ
هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوْ وَقَدْ نُهُواْ
عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ
مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
إن اليهود هم أكلة الربا، لقد حرم الله
(٣) المصدر السابق.
www. modoee.com
٤٠٣

حرف الراء
الربا على اليهود، وهم يعلمون ذلك، فقد ذكر الربا في مواضع متعددةٍ من التوراة،
فقصت في سفر الخروج: ((إن أقرضت
فضة لشعبي الفقير الذي عندك، فلا تكن له
کالمرابي، لا تضعوا علیه رہًا»(٣).
وينهون عنه فيما بينهم، لكنهم يبيحونه مع
غيرهم، قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه
الله تعالی: «أي: أن الله قد نهاهم عن الربا،
فتناولوه وأخذوه، واحتالوا عليه بأنواعٍ من
الحيل وصنوفٍ من الشبه، وأكلوا أموال
الناس بالباطل»(١).
وقد صرف اليهود النص المحرم للرباء
حيث قصروا التحريم فيه على التعامل بين
اليهود بعضهم بعضًا، أما معاملة اليهودي
لغير اليهودي بالربا، فجعلوه جائزًا لا باس
به.
لقد حرم الله الربا في التوراة على اليهود،
ولكنهم خالفوا أمره، واحتالوا، وحرفوا،
وبدلوا كلام الله واعتبروا أن التحريم إنما
یکون بین اليهود فقط، أما مع غيرهم فلا
يكون محرمًا في زعمهم الباطل؛ ولذلك
ذمهم الله في هذه الآيات کما بيناه.
قال تعالى: (سَمَّعُونَ لِلگَذِپِ
أَكَّلُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ [المائدة: ٤٢].
ومن سمات اليهود أنهم أكالون
للسحت، وهو المال الحرام الذي يسحت
الطاعات، أي: يستأصلها.
أما ما جاء في تحريم الربا عند اليهود (٢)،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٤٦٧.
(٢) نصوص تحريم الربا عند اليهود، مجلة
البحوث الإسلامية، العدد الخامس، ص
١٩٦.
والشريعة اليهودية في كتاب التوراة،
كانت تنهى الناس في العهد القديم عن أخذ
الربا من إخوتهم وينص العدد (٢٠) في
نسخة التوراة التي يتداولها يهود اليوم، على
أن «للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا
تقرض بربا؛ لکي پباركك الرب، إلهك في
كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت
داخلٌ إليها لتمتلكها)) (٤).
وقد حفلت النصوص برعاية المدينين،
ومنعت مضارتهم في الرهون المقبوضة
منهم، وفرضت إبراء المعسر مما عليه من
القرض کل سبع سنین، و کل ذلك عندهم ما
لم یکن المدین أجنبيًا.
ويذهب بعض المفسرين من أهل
الكتاب(٥) إلى أن نصوص سفري الخروج
واللاويين التي سلفت إنما حرمت الربا
الفاحش، وأن تحريم مطلق الفائدة، لم
يشرع إلا من بعد ذلك بما جاء في سفر
التثنية، وقيل: إن صحف موسى حرمت
(٣) الإصحاح ٢٢، رقم ٢٥.
(٤) سفر التثنية ٢٣، رقم ١٩ - ٢٠.
(٥) نصوص تحريم الربا عند اليهود، مجلة
البحوث الإسلامية، العدد الخامس، ص
١٩٦.
موسوعة النقد
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٤٠٤

على اليهود أخذ الربا من الفقراء، ولو كانوا منتظرین عائدتها، وإذا یکون ثوابکم جزيلا»،
من الأجانب، ثم انحصر التحریم في إقراض
الیهود، وإن کان المقترض موسرًا.
ولم یکن اليهود يعملون بالتجارة حين
أنزلت التوراة، فلم تشر نصوصها إلى
الديون التجارية، ولكنهم حين حرموا أخذ
الربا على الديون التجارية، قد رخصوا في
الوقت ذاته، فیما یؤدي إلى التهرب من هذا
التحريم من طريق الحيلة القانونية، بأن يعتبر
المقرض بالربا بمثابة شريكٍ مستحقٍ لأرباح
المشروع التجاري الذي أمده برأس ماله،
لكن دون أن يتحمل المقرض نصيبه من
الخسائر. ويبين لنا القرآن الكريم أن الربا
حرم في شريعة اليهود، فهو محرمٌ في كل
الشرائع السماوية.
تحريم الربا في التشريع المسيحي:
الشريعة المسيحية تحرم الربا، وتنهى
عنه، وتشير بعض المراجع التاريخية إلى أن
الكنيسة كانت ومازالت تحرم الربا في نطاق
أخذ الفائدة من الفقراء عند اقراضهم لسد
احتياجاتهم، وقد حث السيد المسيح عليه
السلام الناس دائمًا على أن يحب الناس
بعضهم بعضًا، وأن يساعد بعضهم بعضًا،
وجاء النهي عن الربا في شريعتهم.
ففي إنجيل لوقا: ((إذا أقرضتم الذين
ترجون منهم المكافأة، فأي فضلٍ يعرف
لكم، لكن افعلوا الخيرات، وأقرضوا غير
وقد أجمع رجال الكنيسة ورؤساؤها، وقد
اتفقت مجامعها على تحريم الربا تحريمًا
قاطعًا.
ولم یکن تحريم الربا قاصرًا على أرباب
الديانتين، بل حرمه من اشتهر بالعلم والفهم
والحكمة، والفكر.
((أحبوا أعداءكم وأحسنوا، وأقرضوا
وأنتم لا ترجون شيئًا؛ فيكون أجركم
عظيمًا))(١).
وجاء التحريم في سفر الخروج: ((إن
أقرضت لشعبي الفقير الذي عندك، فلا تکن
له كالمرابي لا تضعوا عليه ربًا)»(٢).
وجاء في سفر المزامير: ((والرزيل محتقرٌ
في عينيه، ويكرم خائفي الرب، يحلف
للضرر، ولا يغير فضته، لا يعطيها بالربا، ولا
يأخذ الرشوة على البريء، الذي يصنع هذا
لا یتزعزع إلی الدهر»(٣).
ومن ثم فإنني لم أر فيما اطلعت عليه
تشريعًا من عند الله يحل الربا، أو يبيح
التعامل به؛ لأن أخذ الربا ظلمٌ، وما كان الله
ليشرع للناس إلا ما فيه خيرهم.
وأما العرب في جاهليتهم على الرغم
من تعاملهم بالربا إلا أنهم كانوا ينظرون إليه
نظرة ازدراءٍ، ويدل على ذلك أنه عندما تهدم
(١) إنجيل لوقا: الإصحاح ٦، رقم ٣٥.
(٢) سفر الخروج: الإصحاح ٢٢، رقم ٢٥.
(٣) مزمور: ١٥، رقم ٥.
www. modoee.com
٤٠٥

حرف الراء
سور الكعبة، وأرادت قريش إعادة بنائه
حرصت على أن تجمع الأموال لذلك من
بيوت الأشراف التي لا تتعامل بالربا، حتى
لا يدخل في بناء البيت مالٌ حرامٌ.
إن الربا («كان محرمًا في الشرائع،
والذي فعله العرب في الجاهلية، إنما كان
عادة المشركين، واشتمال شرائع الأنبياء
قبلنا على تحريم الربا مشهورٌ مذكورٌ في
كتاب الله تعالى، كما حكي عن اليهود في
قوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمْ أَلْرِّبَوْأْ وَقَّدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾
[النساء: ١٦١])).
وقيل: ((جاء رجلٌ إلى مالك بن أنسٍ،
فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلاً سكرانًا
يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، فقلت: امرأتي
طالقٌ إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من
الخمر، فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك،
فأتاه من الغد، فقال له: ارجع حتى أنظر في
مسألتك، فأتاه من الغد، فقال له: امرأتك
طالقٌ، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه،
فلم أر شيئًا أشر من الربا؛ لأن الله أذن فيه
بالحرب»(١).
ومن ثم نؤكد أن أكل الربا والعمل به من
الکبائر، ولا خلاف في ذلك عند كل ذي
عقلٍ رشیدٍ.
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ١٢٨٤.
جَوْبُورُ
القرآن الكريم
رابعًا: شبه حول تحريم الربا:
لقد تناول القرآن الكريم الحديث عن
الربا في أربعة مواضع، وكان أول موضعٍ
منها وحيًا مكيًا، والثلاثة الباقية مدنية.
وإذا نظرنا إلى مواقف العلماء من مسألة
الربا، نجد منهم من يحاول التحايل على
النص، والتماس مخرج يبيحه، ومنهم من
یحرم، وهم کثٌ، ولکن هب أنهم متساوون
من يحرم، ومن يحلل، فما حكم الشرع،
فيما تساوت فيه الاجتهادات؟
فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه
قال سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (إن الحلال بينٌّ، وإن الحرام
بينٌ، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من
الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه
وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في
الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك
أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملكٍ حمَّى، ألا وإن
حمى الله محارمه)(٢).
إن النبي صلی الله عليه وسلم قد بین لنا
مسألة الشبهة بما أوتي من جوامع الكلم،
في الحديث الشريف، ولم يقل رسول الله
صلى الله عليه وسلم: فمن فعل الشبهات،
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب فضل من استبرأ لدينه، ١/ ٢٠، رقم ٥٢،
ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب
أخذ الحلال وترك الشبهات، ١٢١٩/٣، رقم
١٥٩٩.
٤٠٦

وإنما قال: (فمن اتقى): أي ترکها، إذن: من
وقع في الشبهات، لم يستبريء لا لدينه ولا
لعرضه، ومن ثم لا يرضى أحدٌ أن يوصف
هذا الوصف.
إن المتأمل في المجتمعات التي تحيط
بنا، يجد في كل بلدٍ أناسًا يتعاملون بالربا،
ولا يجدون في ذلك غضاضةً، وهؤلاء
المرابون لا یموتون بخیر، وثرواتهم کاملٌ؛
لأن الله تعالى توعد المرابي بأن يزيل ما
كسبه، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرَِّواْ وَيُرِّبِىِ
الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]؛ لذلك نسمعِ
مقولات (فلانٌ ماهرٌ في التجارة)، (فلان
يضع يده في التراب يصير ذهبًا) فالله تعالى
يعطي الكافر ويوسع عليه زهرة الدنیا، حتى
إذا أخذه کان أخذه أليمًا، فإن أردت أن توقع
عدوك لا توقعه من مكانٍ منخفضٍ، إنما من
مکانٍ عالٍ حتی یکون السقوط مؤلمًا.
والله يمحق المال المكتسب من الربا،
والمال المحرم ممحوق البرکة معرضُ هو،
وما خالطه من الحلال للتلف والزوال، وإن
بقي، فلا يقبل الله منه صدقةً، ولا حجًا ولا
صلةً، وإنما يقاسي صاحبه أتعابه، ويتحمل
حسابه، وهذا في الدنيا.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا
تُمْلِ لَمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ
إِثْمَّأْوَلَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨].
إن المرابي مهما اكتسب، واغتنى، فإنما
غناه کیدٌ فیه، ومبالغةٌ في إیذائه، إنما یمد له
حتى إذا أخذه لم يفلته.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِه
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ
بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:
٤٤].
فالدنيا لا قيمة لها عند الله، وإنما هي
متاعٌ، وعملٌ للآخرة.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً
وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ
سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (
٣٣
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِّقُونَ
٣٤
وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَحُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاً
ج
وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ وَمَن يَعْشُ
عَن ذِكْرِ الرَّحْمِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَئِنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾
[الزخرف: ٣٣-٣٦].
ويسعى بعض الناس جاهدين التمسك
بمفاهيم خاطئةٍ، فهم يبيحون الفوائد (الربا)
إذ يقولون: إن العقد شريعة المتعاقدین، وأن
كلا الطرفين (الدائن والمدين) راضيان عن
هذا العقد، وأن العقد شريعة المتعاقدين،
بيد أنهم نسوا أن هناك مشرعًا أعلى، وهو
الله سبحانه وتعالى، وأن مقولة: (العقد
شريعة المتعاقدين) لا تصلح إلا في العقود
الحلال، وإلا لأصبحت عقود الزنى حلالًا؛
لوجود التراضى بين الاثنين.
ولا شك أن الربا عقوده باطلٌ قانونیًا،
www. modoee.com
٤٠٧

حرف الراء
وليس شرعيًا فقط، فالأصل أن القانون خلافًا لأبي حنيفة حیث یقول: ((إِن بیع الربا
جائزٌ بأصله من حيث هو بيعٌ، ممنوعٌ بوصفه
من حیث هو ربًا، فيسقط الربا ويصح البيع،
ولو كان على ما ذكر لما فسخ النبي صلى
الله عليه وسلم هذه الصفقة، ولأمره برد
الزيادة على الصاع، ولصحح الصفقة في
مقابلة الصاع)»(٣).
يحمي الطرفين: المقرض والمقترض،
أما عقود الربا فإنها تحمى المقرض فقط؛
لأنها تبيح له أن يأخذ كل الضمانات التى
يريدها من المقترض، فتبيح الحجز على
متاع بيته، أو غير ذلك، ولا يعطي للمقترض
أي حق؛ ومن ثم فإن عقد الربا مفسوخٌ لا
يجوز بحالٍ؛ لما رواه الأئمة عن أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه قال: (جاء بلالٌ
إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمرٍ برني،
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (من أيّن
هذا؟) قال بلالٌ: كان عندنا تمرِّ رديٌ، فبعت
منه صاعين بصاعٍ؛ لنطعم النبي صلى الله
علیه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم
عند ذلك: (أوه أوه، عین الربا عين الربا، لا
تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر
ببيع آخر، ثم اشتره)(١).
ومن الشبهات ما قيل: إن تحريم الربا في
الإسلام يصيب الاقتصاد العالمي بالشلل
التام:
والحقيقة غير ما ادعاه المبطلون؛ ذلك أن
الربا، كما قال الاقتصادي الألماني شاخت:
((ليتسبب في مصائب عالمية، وإن الربا ليضر
بالاقتصاد العالمي، وإنه ليزيد الفقير فقرًا،
والغنى غنّى))؛ لأن الغني تتضاعف أمواله
بالربا، أما الفقير فإنه ينشغل بسداد ديونه
وفوائدها، فيزداد فقرًا على فقرٍ ويضطر إلى
وفي روايةٍ: (هذا الربا، فردوه، ثم بيعوا الحرام.
تمرنا واشتروا لنا من هذا).
قال علماؤنا: ((فقوله: (أوهٍ عين الربا)
أي: هو الربا المحرم نفسه لا ما يشبهه))(٢).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(فردوه) يدل على وجوب فسخ صفقة الربا،
وأنها لا تصح بوجهٍ، وهو قول الجمهور،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوكالة،
باب إذا باع الو کیل شيئًا فاسدًا فبيعه مردود،
١٠١/٣، رقم ٢٣١٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ١٢٧٩.
جوبيو
القُرآن الكَرِيْمِ
وكذلك فإن البريطاني (کینز) مؤسس
علم الاقتصاد العالمي، قال: ((حين تصل
قيمة الفوائد إلى الصفر، يشيع النماء والرخاء
في العالم کله»، ومعنى هذا هو عدم الربا،
وقد لجأت الولايات المتحدة في السنوات
الأخيرة للإقراض بدون فوائد؛ لتشجيع
الاستثمار فى المجتمع الأمريكي، كما
أن المصرف المركزي للاتحاد الأوروبي
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ١٢٨٠.
٤٠٨