Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوعِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
٧
الخِيَامَةَ
عناصر الموضوع
مفهوم الخيانة
١٩٠
الخيانة في الاستعمال القرآني
١٩١
الألفاظ ذات الصلة
١٩٢
أنواع الخيانة في القرآن
١٩٤
طريقة التعامل مع الخائنين
٢٠٣
٢١١
عاقبة الخائنين
المُجَلَدُ الرَّابِع عَشَر

حرف الخاء
مفهوم الخيانة
المعنى اللغوي:
تدل مادة (خون) على التنقص. يقال: خانه يخونه خَوْنًا. وذلك نقصان الوفاء(١).
يقال: خانه الدهر والنعيم خونًا، إذا تغير حاله إلى شر منها. وخائنة الأعين: ما تخون به
من مسارقة النظر إلى ما لا يحل له (٢).
وقد يكون التخون بمعنى التنقص، ويقال: تخونته الدهور وتخوفته، أي: تنتقصه.
فالتخون له معنيان: أحدهما التنقص والآخر التعهد. ومن جعله تعهدًا جعل النون مبدلة من
اللام. ويقال: رجل خائن وخائنة إذا بولغ في وصفه بالخيانة(٣).
المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب الأصفهاني: ((الخيانة تعني التفريط في الأمانة)) (٤).
وعرفها الفيروزآبادي بأنها: ((أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح)) (٥).
فالخيانة نقص في الأمانة والوفاء.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٣٢/٢.
(٢) تهذيب اللغة، الأزهري ٣/ ٢٥.
(٣) انظر: تهذيب اللغة ٧/ ٢٣٧، مختار الصحاح، الرازي ص١٩٦، لسان العرب ٢٨٥/٧.
(٤) المفردات ص ٣٠٥.
(٥) بصائر ذوي التمييز ٢/ ٥٨٢.
جَوَسُولَةُ النَفي
القرآن الكريمِ
١٩٠

الخيانة
الخيانة في الاستعمال القرآني
ووردت مادة (خون) الدالة على الخيانة في القرآن الكريم (١٦) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
[ الأنفال: ٧١]
الفعل المضارع
٥
وَلَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَنْتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]
اسم فاعل
٥
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْقَآَيِنِينَ
﴾ [الأنفال: ٥٨]
٥٨)
( وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءِ
مصدر
٢
[الأنفال: ٥٨]
صيغة المبالغة
٢
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّنٍ كَفُورٍ ﴾ [الحج: ٣٨]
وجاءت الخيانة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو التنقّص، أو التفريط فيما
يؤتمن عليه الإنسان (٢).
قال الله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُ واْ خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: ٧١].
يعني: ((وإن أبطنوا خيانة ما رغبوا أن يؤتمنوا عليه من العهد، فقد خانوا الله من قبل
بكفرهم وتركهم النظر في آياته))(٣).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص١٣٦ - ١٣٩.
(٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٢٨١، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٢٣١.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٦٣٥.
www. modoee.com
١٩١
وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ

حرف الخاء
الألفاظ ذات الصلة
١
المكر:
المكر لغة:
الاحتيال في خفية والخداع(١).
المكر اصطلاحًا:
عرفه الراغب الأصفهاني بأنه: ((صرف الغير عما يقصده بحيلة))(٢).
وعرّفه الجرجاني بأنه: ((إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر))(٣).
الصلة بين المكر والخيانة:
أن النوع المقارب للخيانة بداهة هو المكر المذموم، وقد ورد الحديث عنه في القرآن
الكريم في صورة واضحة بينة.
الكيد:
٢
الكيد لغةً:
هو المكر والخبث، والحيلة، والحرب (٤).
الکید اصطلاحًا:
((إرادة مضرة الغير خفية، وهو من الخلق: الحيلة السيئة، ومن الله سبحانه وتعالى التدبير
بالحق لمجازاة أعمال الخلق»(٥).
الصلة بين الكيد والخيانة:
كلاهما يشتركان في الإرادة بسوء، إلا أن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهو مذموم
مطلقًا، بخلاف الکید، فإنه لو وقع لمستحق فهو کمال.
(١) انظر: العين، الفراهيدي، ص٤٧٠، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٦٣/٥، ٣٤٥، لسان العرب، ابن
منظور، ١٨٤/٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) التعريفات، ص ٢٢٧.
(٤) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص٣١٦.
(٥) التعريفات، الجرجاني، ص١٨٩.
جَوَنُور
القرآن الكريمِ
١٩٢

الخيانة
النفاق:
٣
النفاق لغة:
المادة تدل على الخفاء والإغماض، والانقطاع والذهاب، يقول صاحب البصائر:
((والنّفق، يدّل على انقطاع الشيء وذهابه، وتارةً على إخفاء الشيء وإغماضه، وعلى مضيّ
شيء ونفاذه، ومنه نفق البيع نفاقًا: راج))(١).
النفاق اصطلاحًا:
هو: ((إظهار الإيمان باللسان وكتمان الكفر بالقلب))(٢).
والصلة بين الخيانة والنفاق:
الصلة بينة في إظهار المرء خلاف ما يبطن، وإيهام الغير بغير الواقع. قال الراغب
الأصفهاني: ((والخيانة والنفاق واحد، لكن الخيانة تقال اعتبارًا بالعهد والأمانة، والنفاق
اعتبارًا بالدين، ثم يتداخلان))(٣).
(١) بصائر ذوي التمييز ٥/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص ٣١١.
(٣) المفردات ص ٣٠٥، التوقيف على مهمات التعاريف ص ١٦٢.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الخاء
أنواع الخيانة في القرآن
الراصد لآيات القرآن الكريم يجد أنه بين
أنواعًا للخيانة متعددة، تحدثت عنها الآيات
بوضوح وجلاء، وفي النقاط الآتية نتناول
تلك الأنواع على النحو الآتي:
أولًا: خیانة الله ورسوله:
من أشد أنواع الخيانة: خيانة الله
والرسول؛ ذلك أنها تتعلق بمنبع الهدى
ومصدر الإنعام، وتدل على تدني نفسية
الخائن؛ فمن يخن الله والرسول لا يؤتمن
على شيء، و کیف یؤتمن وقد خان مصدر
وجوده في الحياة، والمنعم علیه بها، وخان
رسول الحق الذي أنقذه من الضلال إلى
الهدى، ومن الشقاء الأبدي إلى السعادة
الخالدة، ولقد قال الله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ
خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمُّ
وَاَللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: ٧١].
ولقد تعددت أقوال المفسرين في بيان
المقصود من خیانة الله والرسول، فمنهم من
یری أن المقصود بخيانة الله تعالی والرسول
هي كفرهم به وعدم إيمانهم بما بعث به
رسوله، وتوحیدهم إياه، واستندوا في هذا
إلى سبب نزول الآية الكريمة، فقد قال قتادة:
نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي السرح
(١)
الكاتب حين ارتد ولحق بالمشركين
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٩٤.
وخیانتھم للرسول: هي الغدر به والمکر
والخداع له بإظهارهم له بالقول خلاف ما
في أنفسهم(٢).
أو خيانته للرسول، أي: ((في السعي
لحربه ومنابذته))(٣).
يقول صاحب الظلال: ((لقد خانوا
الله فأشركوا به غيره، ولم يفردوه سبحانه
بالربوبية، وهو قد أخذ العهد على فطرتهم
فخانوا عهده. فإن أرادوا خيانة رسوله
صلى الله عليه وسلم وهم أسرى في
يديه، فليذكروا عاقبة خيانتهم الأولى التي
أوقعتهم في الأسر، ومكّنت منهم رسول
بسرائرهم
الله وأولياءه. والله ﴿عَلِيْ
﴿حَكِيمُ﴾ في إيقاع العقاب بهم)»(٤).
ومنهم من يرى أن المقصود من خيانة
الرسول: نكثهم العهد، والبيعة على
الإسلام، والردّة، واستحباب دين آبائهم(٥).
وفي الآية طمأنة للرسول صلى الله
عليه وسلم ومن معه، وضمان لهم بأنهم
إن خانهم الأسرى بعد رجوعهم إلى قومهم
ونكثوا عهدهم وعادوا إلى القتال، بأنّ اللّه
يمكّن المسلمين منهم مرّةً أخرى، كما
(٢) جامع البيان، الطبري ١١/ ٢٨٧.
(٣) جامع البيان ١٤/ ٧٥.
(٤) في ظلال القرآن ٣/ ١٥٥٤.
(٥) انظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل
٢/ ٢٣٩.
١٩٤
مَوَسُولَة التي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الخيانة
أمكنهم منهم في هذه المرّة(١).
وقولهم له: ((آمنّا بك ونشهد أنّك رسول
وفي ذلك طمأنة لكل من وقعت عليه الله)) (٥).
خيانة بأن الله تعالى مضت سنته في ذلك
بأنه لا يهدي کید الخائنين، ولا يضيع عمل
من وقعت في حقهم تلك الخيانة.
كما يرى بعض المفسرين أن الخيانة
المقصودة هنا هي شركهم بالله تعالى؛ فإنّه
خيانةٌ للعهد الفطريّ الّذي أخذه اللّه على
بني آدم فيما حكاه بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ
مِنْ بَنِيّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ﴾ [الأعراف:
١٧٢] الآية. فإنّ ذلك استقرّ في الفطرة، وما
من نفسٍ إلّا وهي تشعر به، ولكنّها تغالبها
ضلالات العادات واتّباع الكبراء من أهل
الشّرك (٢).
ومنهم من يرى أن المقصود بخيانة
الرسول: ((ترك سنّته وارتكاب معصيته))(٣).
ومن المفسرين من عبّر عن تلك الخيانة
بالمعصية كما سبق، ومنهم من عبّر عنها
بالغدر والمكر والخداع، کالطبري في جامع
البيان؛ إذ يقول: ((وإن يرد هؤلاء الأسارى
الذين في أيديكم ((خيانتك))، أي: الغدر
بك والمكر والخداع، بإظهارهم لك بالقول
خلاف ما في نفوسهم)) (٤).
ومنهم من رآها في كذبهم على الرسول،
(١) التحرير والتنوير ١٠/ ٨١.
(٢) المصدر السابق ١٠/ ٨٢.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٤.
(٤) جامع البيان ١٤/ ٧٥.
ومنهم من رآها في ((الإخلال بالسّلاح
في البعوث))(٦).
وكل تلك الصور التي ذكرها المفسرون
ألوان من الخيانة لله والرسول، وتنوعها لا
ينفي بعضها، ولا يخرجها من كونها خيانة
لله والرسول.
ثانيًا: خيانة الدين:
وخيانة الدين من أقبح الخيانات وكل
الخيانات قبيحة؛ ذلك أنها خيانة للنعمة
التي بدونها لا يكون الإنسان إنسانًا، ولا
يعيش إلا كما تعيش البهم السائبة، بلا شرع
ضابط ولا قانون رابط، يدل المرء على هدى
أو يردّه عن ردى، وقد رصد القرآن الكريم
صورة من أشد صور الخيانة للدين؛ لأنها
كانت في بيئة يفترض أن تكون هي الناصر
والمعين لنشر الدين ورفع رايته والدعوة
إلیه، ومن يضلل الله فما له من هاد.
وتلك الصورة كانت في شخص امرأة
نبي الله نوح وامرأة نبي الله لوط؛ إذ قال
القرآن عنهما: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ
كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوجِ وَأَمْرَأَتَ لُوٍ كَانَتَا تَحْتَ
عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ
يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْ خُلَا النَّارَ
(٥) الوجيز، الواحدي ص ٤٤٩.
(٦) تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٨٤.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الخاء
مَعَ الدَّارِخِلِينَ﴾، [ التحريم: ١٠].
والخيانة المذكورة هنا هي خيانة الدین
وليست خيانة العرض كما أجمع المفسرون
على أنه ما خانت امرأة نبي قط.
فالخيانة هنا خيانة «في الدین، وما بغت
امرأة النبي قط))(١).
والعیون على أن خيانتهما كانت في الدین،
وأورد صورًا أربعة كلها تمضي في نفس
الاتجاه، فيقول: ((في خيانتهما أربعة أوجه:
أحدها: أنهما كانتا كافرتين، فصارتا
خائنتين بالكفر، قاله السدي.
الكفر، وهذه خيانتهما. قال ابن عباس: ما
بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في
الدين.
الثالث: أن خيانتهما النميمة، إذا أوحى
الله تعالى إليهما شيئًا أفشتاه إلى المشركين، ثالثًا: خيانة العرض:
قاله الضحاك.
الرابع: أن خيانة امرأة نوح أنها كانت
تخبر الناس أنه مجنون، وإذا آمن أحد به
أخبرت الجبابرة به، وخيانة امرأة لوط أنه
كان إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه
قد نزل به ضيف)»(٢).
وفي بناء الآية الكريمة وتركيبها ما يبيّن
شناعة الخيانة في الدين، مهما كانت درجة
القرب والصحبة والمعايشة والمعاشرة،
كما تبيّن صيانة الله تعالى وحفظه وكرامته
للمخانين، وعدم نقصان حقهم، كما
تبين أن الجزاء من جنس العمل، فكما
استقلت المرأتان وتقدمتا في تلك الخيانة
وقد نص الإمام الماوردي في النكت حتى عن بنات جنسهما زجّ بهما القرآن
في صفوف الذكور في موطن لا محمدة
فيه ولا كرامة، فقال تعالى: ﴿قَحْتَ عَبْدَيْنِ
مِنْ عِبَادِنَا صَلِحِينٍ﴾ ولم يقل: تحتهما،
((بل أظهر بالوصف العبودية المضافة إليه
سبحانه وتعالى والوصف بالصلاح؛ لأن
الثاني: منافقتين تظهران الإيمان وتستران ذلك أفخم، فيكون أشد تأثيرًا للمواعظ
وأعظم، ودفعًا لأن يتوهم أحد بشيء لا يليق
بمقامهما عليهما الصلاة والسلام، فقال:
﴿َحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ أي: كل واحدة منهما تحت
عبد»(١)
جاء الإسلام نقيًّا صافيًا يرقى بالبشرية إلى
مدارج السمو الأخلاقي والمادي، ویأخذ
بيدها إلى مصاف الإنسانية الحقيقة التي لم
تدنّسها شهوانية ولم تغبّرها أدناس الحياة،
فوضع منهاجًا سليمًا لصيانة الإنسان،
يحفظه من خيانة العرض واختلاس ما
ليس له بحق، بداية من الدعوة إلى غض
(١) الكشف والبيان ٩/ ٣٥١.
(٢) النكت والعيون ٦/ ٤٦.
جَوَبُوالَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ
(٣) نظم الدرر ٨/ ٥٧.
١٩٦

الخيانة
البصر، ومرورًا بالنهي عن الاقتراب من القول: فذهب بعضهم إلى أنه من قول امرأة
الفاحشة، ووصولًا إلى بيان بشاعة الوقوع
فيها، ووصفها بأنها فاحشة ومقت وساءت
سبيلًا، وصوّر القرآن الكريم مشهدًا من أدق
المشاهد التي تبيّن طبيعة النفس البشرية
وميولها، ومع ذلك صاغه في صورة راقية
شفافة، لا تجرح شعورًا ولا تھیج ساكنًا،
وهو موقف زليخا من يوسف، وضمت
الآية الكريمة في صدرها نفيًا للخيانة، وفي
عجزها بيانًا لسنة الله تعالى في الخائنين،
وهي أن الله لا يهدي كيدهم، ولا يبلغهم
مرادهم، ولا ينالون أمنیاتهم.
فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ يِلْغَيْبِ
وَنَّاللَّهُ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْغَايِنِينَ﴾، [يوسف: ٥٢].
أي: ((ذلك القول الذي قلته في تنزيهه
والإقرار على نفسي ليعلم زوجي أني لم
أخنه بالكذب علیه، ولم تقع مني الفاحشة،
وأنني راودته، واعترفت بذلك لإظهار
براءتي وبراءته، وأن الله لا يوفّق أهل
الخيانة، ولا يرشدهم في خيانتهم))(١).
وكما يقول الإمام القرطبي: ((أي: أقررت
بالصدق ليعلم أني لم أخنه بالغيب، أي:
بالكذب علیه، ولم أذكره بسوء وهو غائب،
بل صدقت وحدت عن الخيانة))(٢).
وقد اختلف المفسرون فيمن قال هذا
(١) التفسير الميسر ١٥٢/٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٢٠٩/٩.
العزيز، وبعضهم إلى أنه من قول يوسف
علیه السلام، وواضح من السیاق أنه من كلام
امرأة العزيز، وكما اختلفوا في ذلك اختلفوا
فيمن توجه هذا الكلام ﴿لِيَعْلَمَ﴾ لزوجها أم
ليوسف؟، فقالوا: ((يحتمل أن مرادها بذلك
زوجها، أي: ليعلم أني حين أقررت أني
راودت يوسف، أني لم أخنه بالغيب، أي:
لم يجر منّ إلا مجرد المراودة، ولم أفسد
عليه فراشه، ويحتمل أن المراد بذلك ليعلم
يوسف حين أقررت أني أنا الذي راودته،
وأنه صادق أني لم أخنه في حال غيبته عني.
﴿وَأَنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْغَايِنِينَ﴾ فإن كل خائن،
لا بد أن تعود خیانته ومکره علی نفسه، ولا بد
أن يتبين أمره)»(٣).
تلك منهجية القرآن الكريم في تخلية
المجتمع من أدران الجاهلية وتطهيرها من
أرجاسها، ولا يتعالى على نوازع النفس
البشرية بل يهذّبها ويوظّفها ويوجّهها إلى
طريقها الحق، ووجهتها الصحيحة، وما
ضلت البشرية وارتكست في حمأتها إلا
بعد أن تخلت تعاليم الإسلام وتوجيهاته في
حفظ العرض، والحفاظ على نقاء الإنسان
وطهارته.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٠.
www. modoee.com
١٩٧

حرف الخاء
رابعًا: خيانة النفس والجوارح:
وكما أبان القرآن الكريم عن صور
وألوان من الخيانات وبيّن منهجية التعامل
معها تناول خيانة النفس في آيتين كريمتين
منه.
الأولى: في مجال تعامل الزوج مع زوجه
في بداية فرض الصيام.
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَيَكُمْ هُنَّ ◌ِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ
عَلِمَ اَللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ
وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمّْ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقَّ
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِّ ثُمَّ أَيِقُوْ اَلْسِّيَامَ إلَى أَلَيْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ
وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِّ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ
فَلَا تَقْرَبُوهَأُ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَتِهِ لِلنَّاسِ
(١٨٧) [ البقرة: ١٨٧].
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
والثانية: في نهي النبي صلى الله عليه
وسلم عن الدفاع عن الذين يختانون أنفسهم
بالسرقة واتهام الغير ظلمًا وعدوانًا، كما في
واقعة طعمة بن أبيرق.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ
يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمّْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
(١٠٧) ﴾ [النساء: ١٠٧].
خَوَانًا أَثيمًا
لكن كيف يخون الإنسان نفسه أو
يختانها؟
قال المفسرون: إن خيانة المرء نفسه
تکون بتعريضها للعقاب، ونقصان حظها من
الثواب(١).
ويعلق ابن عرفة على هذا التركيب
اللغوي بأنه من باب القلب؛ لأنّ النفس هي
الخائنة (٢).
أو أن المعنى: ((يظلمون أنفسهم بالخيانة
والسرقة ويرمي بها اليهودي)) (٣).
وقد يكون معنى الاختيان إلجاء المرء
نفسه إلى الخيانة (٤).
وقد يكون معنى الاختيان للنفس بما
يعود عليها من الإثم والعقوبة في الدنيا
والآخرة (٥).
ذلك أن من قدم على المعصية، فقد حرم
نفسه الثواب، وأوصلها إلى العقاب، فكان
ذلك منه خيانة لنفسه؛ ولهذا المعنى، قيل
لمن ظلم غيره: إنّه ظلم نفسه (٦).
ونلاحظ في تعبير القرآن خاصة في
صيغة ((تختانون)) ما يدل على الافتعال؛ لأن
خيانة المرء نفسه ليست سهلة، بل تحتاج
إلى جهد ومشقة؛ لأن الأصل فيه أنه يسعى
إلی صلاحها وفلاحها وصيانتها، فعندما
يعود الحارس لصًّا فقد اختان نفسه.
(١) أيسر التفاسير، ١/ ١٦٦.
(٢) تفسير ابن عرفة ٢/ ٥٥١.
(٣) الكشف والبيان ٣٨٢/٣.
(٤) التحرير والتنوير ٢/ ١٨٣.
(٥) المحرر الوجيز ٢/ ١٣٠.
(٦) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٧/ ٧، روح المعاني، الألوسي ٢١٩/٤.
١٩٨
جونبو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الخيانة
((قال ابن قتيبة وطائفة من المفسرين:
وجعلوا الإنسان قد خان نفسه، أي: ظلمها
بالسرقة كما فعل ابن أبيرق - أو بجماع
امرأته ليلة الصيام كما فعل بعض الصحابة-
وهذا القول فيه نظر؛ فإن كل ذنب يذنبه
الإنسان فقد ظلم فيه نفسه، سواء فعله سرًّا
أو علانية))(١).
إن القرآن الکریم حفظ نفس العبد حتى
من نفسه، ونصحها حتى من ذاته؛ لأنها
ثمينة عند الله، فالإنسان هو خليفة الله في
أرضه، والقائم بشرعه والمتعبد له به، فنهاه
عن تعريضها للظلم، أو تعرّضها للعقاب
والحساب، أو الدفاع عن الظالم، فكيف
بمن يعين الظالم ويسعى له، ويحلّل له
فعله، ویبرّر له ظلمه، بل يخرج له هذا الظلم
بطريقة شرعية.
خامسًا: خيانة الأمانة:
اختلف المفسرون في بيان المقصود من
خيانة الأمانة، بل اختلفوا في بیان وتحديد
مفهوم الأمانة، الوارد في قوله تعالى:
◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
وَتَخُونُواْ أَمَنَتِّكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:
٢٧].
فمنهم من يرى أن الأمانة هي ما يخفى
عن أعين النّاس من فرائض اللّه (٢).
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤٣٨/١٤.
(٢) انظر: جامع البيان ١١ / ١٢٤.
ومنهم من يرى أنها الأعمال، ومنهم من
يرى أنها الدّين. (٣)
وعن ابن عباس في قوله: ((﴿وَتَّخُونُوا
أَمَنَتِكُمْ﴾: الأمانة: الأعمال التي ائتمن
الله عليها العباد، يعني: الفريضة. يقول: لا
تخونوا يعني: لا تنقضوها)»(٤).
ومنهم من رآها في الغنيمة، ومنهم من
جعلها في کل ما یؤتمن علیه الإنسان، يقول
الإمام الماوردي: ((﴿وَتَّخُنُواْ أَمْنَتِكُمْ﴾ فيه
ثلاثة أوجه:
أحدها: فيما أخذتموه من الغنيمة أن
تحضروه إلى المغنم.
الثاني: فيما ائتمن الله العباد عليه من
الفرائض والأحكام أن تؤدوها بحقها ولا
تخونوها بتر کھا.
والثالث: أنه على العموم في كل أمانة أن
تؤدى ولا تخان»(٥).
ويرى الإمام السمعاني أنها ((في جميع
الأمانات، نهي العباد عن الخيانة في
الأمانات، وتدخل في الأمانات الطّاعات؛
فإن الطّاعات أمانات عند العباد على معنى
أنّها بينهم وبين ربهم أدوها أو لم يؤدوها»(٦).
ومنهم من جعل الأمانة هي النفس
والأموال، بكل ما تشتمل عليه، ((فعلى
(٣) انظر: المصدر السابق ١١/ ١٢٥.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٩٠.
(٥) النكت والعيون ٢/ ٣١١.
(٦) تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٢٥٩.
www. modoee.com
١٩٩

حرف الخاء
ذلك أنفسكم وأموالكم لله عندكم أمانة الحق. وإذا أخللت بسنة من السنن أو أدب
استحفظكم فيها، فإن استعملتموها في غير من آداب الشرع فتلك خيانة الرسول صلى
الله عليه وسلم.
ما أذن لکم فيها، خنتم الله والرسول فيها،
فتخونوا أماناتكم التي لكم عند الله إذا
ضيعتم الأمانة؛ كقوله: ﴿وَأَوْقُواْ بِعَهْدِىّ أُوِ
بِمَّدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
وقال بعضهم: قوله: ﴿وَتَّخُونُوا
أَمَنَتِكُمْ﴾، أي: ولا تخونوا أماناتكم التي
فيما بينكم. وأصله: أنه عز وجل امتحنهم
فيما امتحنهم لمنافع أنفسهم ولحاجتهم،
فيصيرون فيما خانوا فيما امتحنهم كأنهم
خانوا أنفسهم وخانوا أماناتهم؛ كقوله:
وقوله:
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا﴾، وقوله: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا
فَلَفْسِهِ ﴾ الآية. وقوله عز وجل: ﴿وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾. أن أنفسكم وأموالكم ليست
لكم، إنما هي لله عندكم أمانة، فلا تخونوا
فیھا (١).
ومنهم من ترقى في بيان الأمانة إلى
درجة الحديث عن الأعمال والأحوال، بأن
الخيانة في الأعمال: الدعوى فيها بأنها من
قبلك، دون التحقيق بأن منشئها الله.
والخيانة في الأحوال ملاحظتك لها دون
غيبتك عن شهودها باستغراقك في شهود
الحق، إن لم يكن استهلاكك في وجود
(١) النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٣١١.
والخيانة في الأمانات -بينك وبين
الخلق- تكون بإيثار نصيب نفسك على
نصيب المسلمين، بإرادة القلب فضلًا عن
المعاملة بالفعل(٢).
ومن بدائع أهل التفسير وروائعهم حقًّا
أنهم لمحوا مسؤولية الأمة عن ريادتها
للبشرية، وتكليفها بقيادة الأمم إلى توحيد
الله تعالى، وهدايتها إلى ربها، ودلالتها
عليه، وهذا ما يعبّر عنه في عصرنا بالشهود
الحضاري؛ إذ جعلوا معنى الأمانة التي
كلّف الله تعالى بها المسلمين أنهم مكلّفون
بذلك ومؤهّلون له، بل حددوا مؤهلات ھذا
الشهود، ومقومات تلك المسؤولية، بأن
الأمة وسط، وعدل، فـ«هذه الأمة وسطًا
عدلاً بقوله: ﴿جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ
شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فكأنه
قال: يا أيها الذين آمنوا قد جعلكم الله أمناء
عدلًا وسطًا، فلا تخونوا الله فيه؛ كقوله:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوا قَوَِّينَ بِالْقِسْطِ
شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ [النساء: ١٣٥].
وقال: ﴿وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ
عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىَ﴾
[المائدة: ٨].
(٢) لطائف الإشارات، القشيري ١ / ٦١٨.
جَوَسُورَةُ النَّفِيَ
القرآن الكريم
٢٠٠

الخيانة
وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ إله إلا الله، وذلك برد الناس إلى العبودية
وَاُلْأَرْضِ ﴾ [الأحزاب: ٧٢].
أخبر أنه ألزمهم الأمانة -أعني: البشر-
دون ما ذكر من الخلائق فمنهم من ضيع
تلك الأمانة؛ من نحو المنافقين والمشركين،
وخانوا فيها، فلحقهم الوعيد بالتضييع)»(١).
وفي هذا يقول صاحب الظلال رحمه
الله: ((إن التخلي عن تكاليف الأمة المسلمة
في الأرض خيانة لله والرسول. فالقضية
الأولى في هذا الدين هي قضية: ((لا إله إلا
الله، محمد رسول الله»، قضية إفراد الله
سبحانه بالألوهية والأخذ في هذا بما بلّغه
محمد صلی الله عليه وسلم وحده، ومن
هنا كان التخلي عنها خيانة لله والرسول
يحذّر الله منها العصبة المسلمة التي آمنت
به وأعلنت هذا الإيمان، فأصبح متعيّنًا أن
تجاهد لتحقيق مدلوله الواقعي والنهوض
بتكاليف هذا الجهاد في الأنفس والأموال
والأولاد.
كذلك يحذّرها خيانة الأمانة التي حملتها
یوم بایعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
على الإسلام.
فالإسلام ليس كلمة تقال باللسان، وليس
مجرد عبارات وأدعيات، إنما هو منهج حياة
كاملة شاملة تعترضه العقبات والمشاق.
إنه منهج لبناء واقع الحياة على قاعدة أن لا
(١) تأويلات أهل السنة، النيسابوري ٥/ ١٨٣.
لربهم الحق وردّ المجتمع إلى حاكميته
وشريعته، وردّ الطغاة المعتدين على ألوهية
الله وسلطانه من الطغيان والاعتداء وتأمين
الحق والعدل للناس جميعًا، وإقامة القسط
بينهم بالميزان الثابت، وتعمير الأرض،
والنهوض بتكاليف الخلافة فيها عن الله
بمنهج الله.
وكلها أمانات من لم ينهض بها فقد
خانها، وخاس بعهده الذي عاهد الله علیه،
ونقض بيعته التي بايع بها رسوله))(٢).
وتلك أهم زاوية من زوايا الأمانة،
وأعمق تعريف لها؛ لأنه يشمل كل التعاريف
السابقة ويزيد عليها بيان مسؤولية الأمة عن
ريادة العالم، وقيامها بمهمتها التي ندبها الله
لها.
سادسًا: خيانة العهد:
لقد رسم القرآن الكريم للبشرية منهاجًا
من الوفاء، لو اتبعته وسارت به لعزت في
الدنيا ونجت في الآخرة، وتوالت وصايا
القرآن الكريم مشدّدة على الوفاء بالعهد
والبعد عن خيانته، فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ
◌ِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:
٣٤].
وحذّرهم من نقضه والانقلاب عليه،
(٢) في ظلال القرآن ٣/ ١٤٩٧-١٤٩٨.
www. modoee.com
٢٠١

حرف الخاء
ونبّههم إلى أن هذا العهد عهد مع الله، وأن فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن
قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءُ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ
اْقَآَيِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٥-٥٨].
الله كفيل عليهم، فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ
بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا نَنقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ
تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١].
ووصف المؤمنين المفلحين بأنهم:
﴿لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨].
وفي خيانة العهد تحدث القرآن الكريم
مبيّنًا ضرره وخطره ومنهجية التعامل معه،
کما یرد في عاقبتهم ومنهجية التعامل معهم،
وورد هذا في قوله تعالى مخاطبًا الرسول
صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِمَّ تَخَافَنَّ مِن
قَوْمٍ خِيَانَةٌ﴾ [الأنفال: ٥٨].
وقد نص المفسرون على أن الخيانة هنا:
خيانة العهد، يقول الإمام الماوردي رحمه
الله: ((قوله عز وجل: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ
خِيَانَةٌ ﴾ يعني: في نقض العهد.
﴿فَأَنَبِذٌ إِلَيْهِمْ عَى سَوَلَهْ﴾ أي: فألق إليهم
عهدهم حتى لا ينسبوك إلى الغدر بهم.
والنبذ هو الإلقاء)»(١).
لقد ربط القرآن الكريم بین الكفر ونقض
العهد والخيانة فيه؛ تفظيعًا له، وبيانًا لما هو
فيه من شر وضرر، فقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ
اُلَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ عَهَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ
عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ
(١) النكت والعيون ٢/ ٣٢٨.
جَوَسُورُ النَّقِيَة
القرآن الكريم
وبیّن للنبي أنه إن شعر منهم بالنقض أو
بوادره ینبذ إلیھم علی سواء؛ ذلك أن الله لا
يحب الخائنين، حتى ولو كان ذلك الفعل
مع الكفار.
وعلى ﴿سَوَآءٍ﴾ هنا بمعنى: البيان
والوضوح، ذكر ابن عادل الحنبلي في
الموضع الرابع من مواضع معنى كلمة
سواء: أنها ((بمعنى: البيان»(٢)
لقد حذّر القرآن النبي من خيانة الخائنين،
ومكر الماكرين، وبيّن له أن تلك سمتهم
وهذا ديدنهم، فقال له: ﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى
خَايِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣].
﴿عَلَى خَيْنَةٍ﴾ أي: على معصية، وكانت
خيانتهم نقض العهد، ومظاهرتهم المشركين
علی حرب رسول الله صلّى الله عليه وعلى
آله وسلّم، وهمّهم بقتله وسمه، ونحوها من
الخیانات التي ظهرت منهم.
وبيّن أن هذه الخيانة طبع اليهود، لا
يغادرونها ولا تغادرهم، ﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى
خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ يعني: مکرهم وغدرهم لك
ولأصحابك(٣).
(٢) اللباب في علوم الكتاب ٤٢/٧.
(٣) انظر: المصدر السابق ٢٥٤/٧.
٢٠٢

الخيانة
وقال مجاهدٌ وغيره: يعني بذلك تمالؤهم
على الفتك بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم (١).
وتلك من خلائقهم التي ورثوها ممن
قبلهم وورثوها أولادهم وأحفادهم، والواقع
المنظور خير دليل على ذلك.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٦٦.
طريقة التعامل مع الخائنين
المتتبع لآيات القرآن الكريم في قضية
الخيانة يجد أنها رسمت في التعامل مع
الخائنين منهاجًا واضح المعالم، بيّن
القسمات، لو طبّقته الأمة المسلمة في
التعامل معهم لنجوا من تكرار الخيانة في
واقعهم، ولابتعدوا عن الوقوع فيها أفرادًا
وجماعات، وشعوبًا وحكومات؛ ذلك
المنهاج الحق، والطريق الصدق يتلخص
في النقاط الآتية:
أولًا: عدم المدافعة عنهم:
وأول طريقة من طرق التعامل مع
الخائنين هي عدم المدافعة عنهم، أو التستر
عليهم؛ حتى لا ينبت هذا الداء العضال في
أوصال المسلمين، أو يعشّش في بيوتهم
وقلوبهم، وهو المجتمع الذي يتغيا الصفاء،
ويبغي الطهر، ويسعى نحو الكمال البشري،
ويبدو من ملامح الآية الكريمة التي تناولت
تلك المنهجية، ومن خلال أسباب نزولها،
أنها وقعت في أفراد من بين ثنايا المجتمع
المسلم، قام به واحد، وشاركه آخرون،
وسعى في الدفاع عنه غيرهم، فنزلت الآيات
الكريمة - كما سيأتي - تبيّن للجميع منهاجية
القرآن العادلة في التعامل معهم.
ولنا أن نقف أمام الآية الكريمة التي
تناولت تلك المنهجية؛ حتى يتسنى لنا تبيّن
www. modoee.com
٢٠٣

حرف الخاء
معالم وملامح منهجية التعامل مع الخائنین،
وسنجد الآية الكريمة تخاطب الرسول
صلى الله عليه وسلم قائلة: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ
اَلْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اَللَّهُ
وَلَا تَكُنْ لِلْخَلْبِنِينَ خَصِيمًا (١٥) وَأَسْتَغْفِرِ
اللهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا () وَلَا تُحَدِلْ
عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
١٠٧
مَنْ كَانَ خَوَّانَا أَشِيمًا ®
وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا
لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِّ وَ كَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا
هَتَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ جَدَ لْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَوةِ
(١٠٨
الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَم
مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ﴾ [النساء: ١٠٥ -
١٠٩].
وأول ما نقف أمامه من تلك الآية الكريمة
هو سبب نزولها؛ حتى يتسنى لنا تبيّن الجو
الذي نزلت فيه زمانًا، ومکانًا، وأفرادًا، فقد
نزلت الآية في المدينة بمجتمعها الذي
يجمع أنماطًا من الناس: مؤمنين ومسلمين
ومشرکین ویهود ومنافقین، حتی یکون ھذا
نموذجًا للمجتمع الجامع الذي يتعايش فيه
الناس، متوحّدين على قاسم مشترك، مهما
تباينت رؤاهم، واختلفت توجهاتهم، وتنزل
الآيات تبيّن الحكم الفصل الذي ينطبق على
الجميع بما أن قيادة هذا المجتمع في أيدي
المسلمين القيمين على البشرية بما أوتوا
من مؤهّلات تضعهم في الصدارة، وتعينهم
على إقامة القسط والحكم بالعدل، ولو على
أنفسهم والأقربين، کما سيتضح ذلك جليًّا
في تضاعيف معالجة القرآن لهذا التعامل في
قضية الخيانة.
وتذكر كتب التفسير وعلوم القرآن
إجماعًا على نزول هذه الآيات في طعمة
بن أبيرق، كما قال الإمام الكرماني: ((أجمع
المفسرون على أن هذه الآيات نزلت في
طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحرث، إلا
ابن بحر فإنه قال: نزلت في المنافقين))(١).
وفصّل ابن العربي سبب النزول ((بأن بني
أبيرق سرقوا طعام رفاعة بن زيد، واعتذر
عنهم قومهم بأنهم أهل خير، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لقتادة بن النعمان
ذلك، فطالبهم عن عمه رفاعة بن زيد، فقال
رفاعة: الله المستعان، فأنزل الله تبارك
وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم
ونصر رفاعة وأخزى الله بني أبيرق بقوله:
﴿ِمَا أَرَكَ اللَّهُ﴾ أي: بما أعلمك، وذلك
بوحي أو بنظر))(٢).
کما یتبدّی أيضًا من متابعة سبب النزول
أن الآية نزلت نصرة ليهودي على مسلم؛
لأن الحق في جانب اليهودي، وفي ذلك
من ملامح قيام الأمة الممثّلة في رسولها
صلى الله عليه وسلم على إقامة الحق ما
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٣/ ٢٧٩.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٢/ ٤٧٤.
٢٠٤
بَرُ النَّفْسِيَة
جوبي
القرآن الكريم

الخيانة
والسباق واللحاق يجد ذلك بيّنَا، فصدر
الآية یؤكد للرسول صلی الله عليه وسلم أنه
أُنزل إلیه الکتاب لیحکم بين الناس بالحق،
ولك أن تتأمل ﴿بَيْنَالنَّاسِ ﴾ ولیس بین
المسلمين فقط، ((إنه مطلب تكليفي من
الله للمسلمين حتى يشيع في كل الناس،
ولا يخص المؤمنين يتعاملون به فيما
بينهم، وإنما يشمل أيضًا ما بين المؤمنين
والكافرين، وما بين الكافرين بعضهم مع
بعض إن ارتضوا حکم رسول الله، وحينما
أمر الحق رسوله أن یحکم بین الناس فذلك
الحكم يقتضي عدم تمييز المؤمن على
الكافر؛ لأن المسلمين هم القوّام، وهم
خير أمة أخرجها الله للناس كافة. ولو فهم
الناس أن خير الأمة الإسلامية عائد عليهم
لما حاربوها. فنحن -المسلمين- لسنا
خيرًا لأنفسنا فقط، ولكننا أمة لخير الناس
جميعًا))(١).
وكما قال المفسرون: ((وفي هذه الآية
تشريف للرسول صلى الله عليه وسلم،
وتفويض الأمور إليه بقوله: ﴿لِتَحْكُمُ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ﴾(٢).
إن الإسلام -والقرآن دستوره الخالد-
يمتلك منهاج ريادة البشرية، والقدرة على
(١) تفسير الشعراوي ٢/ ٦٦٤.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٢/ ٤٧٤.
فيه، والمتأمل لسياق الآية ودلالات السیاق العبور بها إلى بر الأمان، دون تفریق بین دین
ودين، أو جنس وجنس، أو فصيل وفصيل،
إن اليهودهم من أسسوا: ﴿لَيَسُ عَلَيْنَا فِ الْأُمِنْنَ
سَبِيلٌ﴾، ولكن الإسلام بما أنه كلمة الله
الخاتمة إلى أهل الأرض يضع قانونًا عادلًا،
ومنهاجًا وسطًا، الناس جميعهم أمامه سواء.
وكما قال شوقي في همزيته(٣):
الله فوق الخلق فیها وحده
والناس تحت لوائها أكفاء
وإن خطابات القرآن الكريم للنبي صلى
الله عليه وسلم ترد في صورة حانية، هادئة،
حتى في مواطن العتاب يخاطب النبي
صلى الله عليه وسلم بصيغ أهدا وألطف،
حتى يخاطبه بصيغة الغيبة في عتابه في ابن
أم مكتوم: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَى أَنْ جَهُ الْأَعْمَ﴾
[عبس: ١ - ٢].
ويقدم العفو قبل بيان العتاب في: ﴿عَفَا
اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ في موطن آخر،
أما هنا فالخطاب بصورة مباشرة، وبصيغة
لافتة.
وإذا كان هذا الخطاب والتنبيه للنبي
بتلك الصورة فهو لأمته من باب أولى، («إننا
نحس في التعبير صرامة، يفوح منها الغضب
للحق، والغيرة على العدل، وتشيع في جو
الآيات وتفيض منها، وأول ما يبدو هذا
في تذکیر رسول الله صلی الله عليه وسلم
(٣) الشوقيات ١/ ٣٩.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف الخاء
بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس ولكنه لم يكن لهم الحكم جائزًا على
اليهودي بالسرقة لأجل وجود الدرع في
داره))(٢).
بما أراه الله، وإتباع هذا التذكير بالنهي عن
أن یکون خصیمًا للخائنین، يدافع عنهم
ويجادل. وتوجيهه لاستغفار الله سبحانه
عن هذه المجادلة.
ثم تكرار هذا النهي، ووصف هؤلاء
الخائنین، الذين جادل عنهم صلی الله علیه
وسلم بأنهم یختانون أنفسهم، وتعلیل ذلك
بأن الله لا يحب من كان خوّانًا أثيمًا.
وهم خانوا غيرهم في الظاهر، ولكنهم
في الحقيقة خانوا أنفسهم، فقد خانوا
الجماعة ومنهجها، ومبادئها التي تميّزها
وتفردها، وخانوا الأمانة الملقاة على
الجماعة كلها، وهم منها.
أخرى، صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي
يجازون عليه شر الجزاء، حيث يكرههم
الله، ويعاقبهم بما أثموا، وهي خيانة للنفس
من غير شك.
وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم، هي
تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة
والكذب والخيانة»(١).
لكن هل كان هؤلاء الذين دافعوا عن
أبیرق یعلمون خیانته؟
إن المفسرين يقولون: إنهم «لم يكونوا
أيضًا على يقين من أمر الخائن وسرقته،
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٢٣٤.
جَوَبُور
القرآن الكريم
وهذا يدل على أنه غير جائز لأحد أن
یخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه وهو
غير عالم بحقيقة أمره؛ لأن الله تعالى قد
عاتب نبيه على مثله وأمره بالاستغفار منه،
وهذه الآية وما بعدها من النهي عن المجادلة
عن الخونة إلى آخر ما ذکر کله تأكید للنھي
عن معونة من لا يعلمه حقًّا(٣).
لكن أکان النبي صلى الله عليه وسلم
هو المخاطب أصالة بهذا الخطاب أم
كان المقصود من الخطاب أمته، وصدور
الخطاب بهذه الصورة لشخص النبي صلى
ثم هم يختانون أنفسهم في صورة الله عليه وسلم مقصود به تفخيم الأمر
والتنبيه على خطورته؟
يرى بعض المفسرين أن النبي صلى الله
عليه وسلم لم يقصد شيئًا من ذلك، ولا
علم له بالواقعة، لولا أطلعه تعالى، وعليه
فلا نقص في اهتمامه، ولا درك يلحقه، وأن
الآية خرجت مخرج التعريف بحقيقة الأمر
في النازلة (٤)
ويرى بعضهم أن الخطاب للنبي صلى
الله عليه وسلم والمراد به غيره، كقوله:
﴿فَإِن كُنْتَ فِى شَكٍ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ((والنبي
(٢) أحكام القرآن، الجصاص ٢٦٦/٣.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٢٦٤.
(٤) البحر المديد، ابن عجيبة ١/ ٤٨٢.
٢٠٦

الخيانة
لا يشك مما أنزل الله، فإن قيل: قد أمر والأمم، حيث المعاهدات والمواثيق،
وإن لم ينص المفسرون على هذا المعنى
بالاستغفار، قلنا: هو لا یوجب وجودالذنب،
ولا يجب أن يستغفر كما أمر في سورة الفتح
بالاستغفار من غير ذنب مقدّم» (١).
صراحة، لكن ورود العهد والنبذ والحرب
وتشريد بهم من خلفهم يوحي بكونها في
جانب الأمم والدول.
وعلى كل حال فلا ينافي أن يكون
الرسول مخاطبًا بذلك أصالة مقام النبوة؛
فهو صلی الله عليه وسلم بشر يوحى إليه،
ولعل كون الخطاب له يشعر بعدالة السماء،
فإذا كان القرآن قد تعامل مع أفضل الخلق
بهذا فغيره من باب أولى.
كما يبدو من الآية أن من منهاج التعامل
مع الخائنين عدم جواز المجادلة عنهم،
وعدم جواز مجادلتهم هم عن أنفسهم؛ إذ
كانت خائنة، ((لها في السر أهواء وأفعال
باطنة تخفى على الناس، فلا يجوز المجادلة
عنها، فالاعتذار عن النفس بالباطل والجدال
عنها لا يجوز))(٢).
ثانيًا: طرح عهودهم:
أما الملمح الثاني من ملامح منهج
التعامل مع الخائنين، فيكمن في طرح
عهودهم، ونبذ معاهداتهم، وهذا ما بيّنه
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً
فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَلَءَ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْخَيِنِينَ﴾
[الأنفال: ٥٨].
وهذا واضح فيه أنه في جانب الدول
(١) الكشف والبيان، الثعلبي ٣٨٢/٣.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤٤٥/١٤.
ومعنى ﴿فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَلَءِ﴾:
أعلمهم بأنّك قد نقضت عهدهم حتی یبقی
علمك وعلمهم بأنّك حربٌ لهم، وهم
حربٌّ لك، وأنّه لا عهد بينك وبينهم على
السّواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك»(٣).
ومن تتبّع كلام المفسرين في معنى
﴿سَوَآءْ﴾ ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يبين
لنا أنها تدل على واحد من خمسة معان:
أحدها: على مهل. والثاني: على محاجزة
مما يفعل بهم. والثالث: على سواء في
العلم حتى لا يسبقوك إلى فعل ما يريدونه
بك. والرابع: على عدل من غير حيف، أي:
إلى العدل. والخامس: على الوسط (٤).
ومما يشعر بالجانب الحضاري في
هذا الدین أن عدم حب الله للخائنين ليس
مقصورًا على الخائنين للمسلمين فحسب،
بل مطلق الخائنين، أي: «حتى ولو في حق
الكافرين، لا يحبّها أيضًا))(٥).
ولقد عاش الجيل القرآني الفريد هذا
المعنى القرآني، وطبّقه في تعاملاته، حتى
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٧٩.
(٤) النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٣٢٨.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٧٩.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف الخاء
كانوا نماذج تحتذى للبشرية كلها، وفخرًا المحققة منهم لم يحتج أن ينبذ إليهم
حقيقيًّا لكل مسلم على كرّ الدهور والعصور، عهدهم؛ لأنه لم يخف منهم، بل علم ذلك،
ولعدم الفائدة، ولقوله: ﴿عَلَى سَوَآءْ ﴾ وهنا
قد كان معلومًا عند الجمیع غدرهم. ودل
فعن سلیم بن عامر قال: «کان معاویة یسیر
بأرض الروم و کان بينهم وبينه أمد، فأراد أن
يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا مفهومها أيضًا أنه إذا لم يخف منهم خيانة،
بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا
يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى
أن تتم مدته(٣).
شیخ علی دابة یقول: الله أكبر الله أكبر وفاء
لا غدر، إن رسول الله صلی الله علیه وسلم
قال: (من کان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن
عقدة ولا يشدّها حتی ینقضي أمدها، أو ینبذ
إليهم على سواء) فبلغ ذلك معاوية فرجع،
وإذا الشيخ عمرو بن عبسة))(١).
والمراد من خوف الخيانة ظهور آثارها،
أو الإحساس ببدايتها، وليس ظن الخيانة،
وليس الانتظار حتى يتمكن الخائنون،
والنموذج التطبيقي لذلك ما حدث من بني
قريظة في مظاهرتهم أبا سفيان ومن معه من
المشركين (٢) وذلك في غزوة الأحزاب.
وهذا هو ثبات المعايير، وصدق المبادئ
في حضارة الإسلام، مع العدو والصديق،
والقريب والبعيد، وتلك من مؤهلات
الشهود الحضاري، الذي اختصت به أمة
الإسلام.
ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢٢٩/٢٨، رقم
١٧٠١٥. وصححه الألباني في السلسلة
الصحيحة، ٤٧٢/٥، رقم ٢٣٥٧.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٢٣٩، تفسير
القرآن، السمعاني ٢/ ٢٧٤.
جوببيو
القرآن الكريمِ
((إن الإسلام يعاهد ليصون عهده، فإذا
خاف الخيانة من غيره نبذ العهد القائم جهرة
وعلانية، ولم يخن ولم یغدر ولم يغش ولم
يخدع، وصارح الآخرین بأنه نفض یده من
عهدهم، فليس بينه وبينهم أمان.
وبذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق
من الشرف والاستقامة، وإلی آفاق من الأمن
والطمأنينة، إنه لا يبيت الآخرين بالهجوم
الغادر الفاجر وهم آمنون مطمئنون إلى
عهود ومواثيق لم تنقض ولم تنبذ، ولا يروّع
الذین لم يأخذوا حذرهم حتى وهو يخشى
الخيانة من جانبهم.
فأما بعد نبذ العهد فالحرب خدعة؛
لأن كل خصم قد أخذ حذره، فإذا جازت
الخدعة عليه فهو غير مغدور به إنما هو
غافل! وكل وسائل الخدعة حينئذ مباحة؛
لأنها ليست غادرة! إن الإسلام يريد للبشرية
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٢٤.
٢٠٨