Indexed OCR Text
Pages 41-51
الخلق دلالة الخلق لا شكّ في أنّ الخلق يدلّ على وجود الخالق، ولا ريب أنّ عظم الخلق يدلّ على عظم الخالق سبحانه وتعالى، وإنّ العبد كلّما تفكّر فيما حوله من مخلوقاتٍ لله تعالى؛ من سماءٍ، وأرضٍ، وجبالٍ، وأشجارٍ، وأنهارٍ، وأصناف الدّواب والطيور، يزداد إيمانًا بعظمة الخالق سبحانه، بديع السماوات والأرض، الذي فطر هذا الكون ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَرَهُ نَقْدِيرً﴾ [الفرقان: ٢]. ولا شكّ أنّ في هذا الخلق العظيم-الذي تعجز عن مجرد تصوّر عظمته واتساعه عقول البشر- لا شكّ أنّ فيه دلالات عظيمة، وبراهین جلیلة، لا يغفل عنها إلا من أعمى الله بصره، وأصمّ أذنه، وعطّل عقله، وختم على قلبه. ولقد مدح الله تعالى عباده الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض، ويستدلون بما حولهم من خلق عظيم، وآیات باهرة علی عظیم قدرة ربّهم تعالی، وعلی صدق رسله، وصدق وعده، وتحقق وعيده، قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩١]. فخلق الله تعالى فيه دلالات عظيمة، وبراهين بيّنة جليلة، أراد الله تعالى من عباده أن يقفوا عليها، ويسترشدوا بها، وفيما يلي وقفة مع أهم دلالات الخلق. أولًا: دلالة الخلق على استحقاق الخالق للعبودية: إنّ الفطر السليمة، والعقول البصيرة تدرك أنّ من خلق وأوجد، واعتنى بخلقه لهو جدير وحده بأن يطاع ويعبد، فكيف يعبد سواه؟! ومن يستحق العبادة إلا إياه؟! وهل يستوي من خلق بمن هو مخلوق لا يملك حتى نفسه؟! ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]. وهل يستوي من أبدع هذا الكون وجعل فيه تلك الآيات الباهرة، والنعم المستفيضة بمن لا يقدر على نفع نفسه، قال الله تعالى مخبرًا عن نفسه العلية، ممتنًا على عباده، هاديًا لهم ومرشدًا: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى اَلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَذَا وَسُبُلًاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا www. modoee.com ٨١ حرف الخاء ﴾ [النحل: ١٤- ١٧]. تَذَكَّرُونَ وما أكثر الآيات في كتاب الله تعالى التي يوجّه الله تعالى فيها عباده إلى التأمل والتفكر في ملكوت السماوات والأرض؛ ليعلموا من ذلك عظمة الخالق المبدع، وليعلموا أنّه لا يجوز أن يعبد غيره، ولا ينبغي أن يدعى سواه، ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُّونَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَّشًا وَالسَّمَآءَ بِنَاءُ وَأَنْزَّلَ مِنَالسَّمَآءِ مَآءَ فَأَخَْجَبِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَّجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١- ٢٢]. ففي هذه الآيات وأمثالها في كتاب الله تعالى استدلّ الله تعالى لعباده على وجوب عبادته وحده دون سواه بأنّه سبحانه وحده هو الخالق المدبّر؛ فما دام أنّه سبحانه الخالق، وهو سبحانه الذي خلق العباد من العدم، وأنعم عليهم بالخلق والإيجاد، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فهو سبحانه المستحق وحده للعبادة (١). إنّ مما تقرّه العقول وتسلّم له الألباب أنّ المخلوق ضعيف محتاج إلى خالقه، وهو مربوب لربّه الذي أوجده وربّاه، ولا یمکن له أن يستغني عنه بأي حال، وإذا كان الأمر كذلك فهل يجوز أن يعبد ذلك المخلوق (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٠٧/١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٤. الضعيف من دون خالقه؟! قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَآءَ لَلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠] . ففي هذه الآية ردّ الله تعالى على أولئك الضالين المشركين بكلمة واحدة؛ إذ قال ـهُمْ﴾، والضمير في هذه ﴿وَخَ سبحانه: الكلمة إما عائد على أولئك المشركين، فيكون المعنى: أنّ هؤلاء المشرکین جعلوا من لم يخلقهم شريكًا لخالقهم في العبادة وهذه غاية الجهالة؛ إذ المستحق للعبادة هو الخالق لا غيره، وإمّا أن يكون الضمير عائدًا على المعبودین من دون الله تعالی، فیکون المعنى: أن المشركين اتخذوا شركاء في العبادة، وهؤلاء الشركاء هم أصلًا مخلوقون لله تعالى، فکیف یناسب أن یعبدوا من دونه سبحانه؟!(٢). وقد أنكر الله -تعالى في آيات كثيرة من كتابه العزيز- على من عبدوا مخلوقات مثلهم، لا تخلق شيئًا؛ وإنّما هي مخلوقة أصلًا. قال الله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَّهَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَجِدُ الْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦]. قال الشنقيطي رحمه الله: ((أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أنه هو المستحق لأن يعبد وحده؛ لأنه هو الخالق ولا يستحق (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان، ٤/ ١٩٧. جوسُوحَة النفسية القرآن الكريمِ ٨٢ الخلق من الخلق أن يعبدوه إلا من خلقهم وأبرزهم [الأعراف: ١٩١ - ١٩٥]. من العدم إلى الوجود))(١). وقال سبحانه في آيات أخرى: ﴿وَقَّخَذُواْ مِنْ دُونِ ءَالِهَةٌ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا بَعْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣]. وبيّن سبحانه حال تلك المعبودات من دونه فقال: ﴿وَأَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اُللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُّونَ ﴿ أَمْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَدٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ لَ [النحل: ٢٠- ٢١]. وما أعظم ذلك البيان الرّبّاني الذي فيه إيقاظ للقلوب الغافلة، وتنبيه للعقول الضالة، التي ظنت -ولو لحظة واحدة- أنّه يجوز أن يعبد غير الله تعالى من مخلوقات ضعيفة فانية، ضعيفة عاجزة، يَخْلُقُ لا مركون يقول سبحانه وتعالى: شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٦) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى وَلَاَ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ() اْهُدَى لَا يَتَِّعُوكُمْ سَوَآَهُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ١٩٣ صَمِتُونَ اَللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاً أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنْ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ أَدْعُواْ شُرَكَآءَ كُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا نُظِرُونِ ١٩٥ (١) أضواء البيان، ٢٣٩/٢. إنّ هذه المخلوقات في غاية العجز والضعف، لا تملك لنفسها -فضلاً عن غيرها- نفعًا ولا ضرًّا، فكيف يقدم من كان عنده عقل على عبادة من کان هذا حاله؟! إنّ الله تعالى هو خالق كلّ شيء، ولا خالق غيره، و کل ما سواه سبحانه مخلوق له، فوجب أن يكون وحده المعبود، ووجب ألا يصرف شيء من العبادة لغيره، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. ثانيًا: دلالة الخلق على قدرة الخالق على البعث: إنّ من الدلالات العظيمة التي يدلّ عليها خلق الله تعالى الدلالة على قدرته سبحانه وتعالى على البعث، وإعادة الموتى للحياة من جدید؛ لأجل أن يحاسبوا على أعمالهم، وقد كان كفّار العرب ومن جاء بعدهم من الكفار ينكرون تلك الحقيقة العظيمة، فجاء القرآن الكريم بأعظم الأدلة وأصدقها لإثبات هذه الحقيقة العظمى. وقد استدلّ القرآن الكريم على حقيقة البعث بعدة أدلة، من أهمها دليل الخلق، وهو دليل بديهي، يوجبه العقل، ويستلزمه المنطق، ولا يمكن أن يطرأ عليه شكٌّ أو www. modoee.com ٨٣ حرف الخاء ريب. ويتلخص دليل الخلق على البعث في أنّ الله تعالى الذي خلق الخلق أوّل مرة قادر على إعادة الخلق مرة أخرى؛ فالذي أوجدهم أولًا يوجدهم ثانيًا، بل العقل يقتضي أن تكون الإعادة أهون من الإيجاد الأول. وقد ورد في كتاب الله تعالى آيات كثيرة تثبت حقيقة البعث بدلالة الخلق، فالذي خلق هذا الكون العظيم، وفطر السماوات والأرض، قادر سبحانه على بعث العباد بعد موتهم. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَتَّىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحْتِىَ الْمَوْقَ بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. ومن استدلال القرآن الكريم على حقيقة البعث بدلالة الخلق أنّ الله تعالى دعا أولئك المتشککین في حقیقة بعثھم إلی تذکر أصل خلقتهم، کیف کانوا في الأصل ترابًا، ثمّ تناسلوا من نطفة، ثم علقة، ثمّ مضغة، إلى أن صاروا بشرًا مكتملين. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطِّفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَفَتِ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ تُخَلَّقَةٍ وَغْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّمُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج: ٥]. يدعوهم ربّهم إلى النظر إلى مبدأ خلقهم؛ لیزول ریبهم؛ ويذهب شگّهم في قضية البعث والحساب (١). إنّ العقل يستلزم أن يكون الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني، وهذا ما أخبر به القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَّاً فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وقال سبحانه ردًّا على من سألوا: من يعيدنا بعد الموت والفناء؟ ﴿قُلِ اُلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقِ﴾ [الإسراء: ٥١]. إنّ دليل الخلق أول مرّة على الخلق مرّة أخری دلیل قوي عظيم، لا يرفضه إلا من فقد عقله، ونسي أصله، فبحسب الإنسان أن یذکر نشأته الأولى؛ ليعلم أن الله تعالى قادر على البعث والإحياء؛ لذا بيّن الله تعالى أنّ من أنكروا البعث قد نسوا أصلهم، ونسوا نشأتهم الأولى. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ، قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. فكان الرّدّ من الله تعالى على ذلك الجاحد بتذكيره بخلقه الأول: ﴿قُلْ يُحْييهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَزَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]. قال الشنقيطي رحمه الله: ((ولأجل قوة دلالة هذا البرهان المذكور على البعث (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٦/ ٩٣. مَقَ الَةُ الْبَقِيَةِ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٨٤ الخلق بیّن جل وعلا أنّ من أنکر البعث فھو ناسٍ للإيجاد الأول، كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ﴾ [يس: ٧٨]؛ إذ لو تذكر الإيجاد الأول على الحقيقة لما أمكنه إنكار الإيجاد الثاني))(١)، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَنُ أَوِذَا مَامِتُّ ◌َسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَوْ يَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: ٦٦ -٦٧]. [انظر: البعث: منهج القرآن في تقرير مبدأ البعث] (١) أضواء البيان، ٢٦٥/٤. التفكر في المخلوقات وردت العديد من الآيات التي تدعو إلى التفكر والتأمل في خلق الله تعالى، والتي تدلل على وحدانية الله تعالى، وقدرته، ومن هذه الآيات: أولًا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقُلْكِ الَّتِىِ ◌َّجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الشَمَآءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقد اشتملت هذه الآية على ثماني آیات كونية عظيمة دالة على عظمة الخالق تعالى وقدرته، وفيها دعوة للتفكر والتأمل في خلق الله تعالى. أول هذه الآيات الدالة على عظم خالقها، هي السماوات، فالسماء على ارتفاعها طبقات مفصولة ومرفوعة بغير عمد، واتساعها، وكواكبها السيارة، وبروجها، ودوران فلكها، لهي من أكبر الآيات الدالة على قدرة المولى تعالى، وثانيها الأرض في مدها، وبسطها، وكثافتها، وانخفاضها، وجبالها، ويحارها، وقفارها، ووهادها، وعمرانها، وما فيها من المنافع العظيمة من معادن عظيمة بداخلها، والتي تشهد على www. modoee.com ٨٥ حرف الخاء وحدانية خالقها(١). ثم جاءت الآية الثالثة والمتمثلة في اختلاف الليل والنهار وتتابعهما دون تأخر، كما قال الله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُِ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّْلُ سَابِقُ اَلنَّهَارِّ وَكُلَّفِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. تارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتقارضان، كما قال تعالى: ﴿ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣]. فكل ذلك دليل على الخالق المبدع (٢). قال الخازن: ((والآية في الليل والنهار أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة يكون في النهار، وطلب النوم والراحة يكون في الليل، فاختلاف الليل والنهار إنما هو لتحصيل مصالح العباد))(٣). أما الآية الرابعة فمتمثّلة في قوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِى تَّجْرِى فِ الْبَحْرِبِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. أي: تسخير البحر لحمل السفن التي تنقل الناس من جانب لآخر، ونقل تجارتهم(٤)، ((والآية في الفلك تسخيرها وجريانها على (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٤٧٤، البحر المديد، ابن عجيبة، ١ /١٩١. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٧٤/١. (٣) لباب التأويل، ١/ ١٠٠. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٧٤/١. وجه الماء، وهي موقّرة بالأثقال والرجال، فلا ترسب، وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة، وتسخير البحر لحمل الفلك مع قوة سلطان الماء، وهيجان البحر فلا ينجي منه إلّ الله تعالى)»(٥). ثم الآية الخامسة في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنَزَّلَ اَللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن ◌َآءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَهَا. ﴾ [البقرة: ١٦٤]. ففي هذه الآية دليل على قدرة الله تعالى، وفيها عبرة لأولي الألباب والعقول، ومدعاة للتفكر والتأمل في خلقه تبارك وتعالى، وذلك أنه قال: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءَ﴾ [البقرة: ٢٢]. فمن شأن الماء الذي يسقي الأرض أن ينبع منها، لكنه جعل الماء نازلاً عليها من ضدها وهو السماء. وفي الآية عبرة علمية، أوضحها أهل العلم، «وذلك أنّ جعل الماء نازلاً من السماء يشير إلى أن بخار الماء يصير ماء في الكرة الهوائية عند ما يلامس الطبقة الزمهريرية، وهذه الطبقة تصير زمهريرًا عند ما تقل حرارة أشعة الشمس، ولعل في بعض الأجرام العلوية وخاصة القمر أهوية باردة يحصل بها الزمهرير في ارتفاع الجو، فيكون لها أثر في تكوين البرودة في أعلى الجو، فأسند إليها بإنزال الماء مجازًا عقليًّا))(٦). (٥) لباب التأويل، ١/ ١٠٠. (٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢/ ٨٣. ٨٦ جَوَسُولَةُ الَّة القرآن الكريم الخلق وكما جاء في قوله تعالى: ﴿وَءَايَّةٌ لَّهُ اُلْأَرْضُ الْمَيَّنَةُ أَحْبَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣]. ثم تأتي الآية السادسة في قوله تعالى: ﴿وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]. أي: جعل فيها من جميع الحيوانات، على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه لا يخفى عليه شيء من ذلك(١)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآَبَةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَهُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِى كِتَبِ شُبِينٍ﴾ [هود: ٦]. «قال ابن عباس: يريد كل ما دب على وجه الأرض من جميع الخلق من الناس وغيرهم، والآية في ذلك أن جنس الإنسان يرجع إلى أصل واحد وهو آدم، ثم ما فيهم من الاختلاف في الصور والأشكال والألوان والألسنة والطبائع والأخلاق والأوصاف إلى غير ذلك، ثم يقاس على بني آدم سائر الحیوان»(٢)، وعبّر عنه بالبث لتصوير ذلك الخلق العجيب المتكاثر(٣). والآية السابعة في قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ [البقرة: ١٦٤]. أي: هبوبها من جهات مختلفة، وهي (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٤٧٤. (٢) لباب التأويل، الخازن، ١/ ١٠٠. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٨٤/٢. الجهات الأربع، وتنوعها مع ذلك، فتارة تأتي للعذاب، وتارة للرحمة، مع تفريق للعلماء بينهما (٤)، وما بينها من صفات مختلفة كلها دليل على قدرة الله تعالى. وآخر هذه الآيات متمثلة في قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٦٤]. ((والآية في ذلك أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأدوية العظيمة يبقى معلّقًا بين السماء والأرض»(٥). ثانيًا: قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. هذه آية أخرى تحثّ على التفكر في مخلوقات الله تعالى، وجاء الحث في هذه الآية على التفكر في إحدى مخلوقاته التي كانت معهودة عند العرب، فقال الله تعالى: أفلا ينظر أهل مكة والناس عامة نظر اعتبار وتفكر إلى الإبل، وهي الجمال، جمع بعير، ولا مفرد لها من لفظها (٦)، كيف جاء خلقها دقة في الإبداع، ودليل على كمال قدرته تبارك وتعالى. وقد يتساءل البعض: لماذا جاء ذكر الإبل دون غيرها من الحیوانات التي كانت (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٤٧٤، البحر المديد، ابن عجيبة، ١٩١/١. (٥) لباب التأويل، الخازن، ١٠٠/١. (٦) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢١٤/٣٠. www. modoee.com ٨٧ حرف الخاء موجودة عند العرب؟ نقول: إن الإبل أكثر حيوان آخر، وإن جعلت حمولة استغلّت الحيوانات ذات قيمة عند العرب، ولما لها من خصائص تميّزها عن باقي الحيوانات. وقد جاء ذكر هذه الخصائص في قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاُ لَكُمْ نِهَا رِفٌْ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِحُونَ وَحِينَ تَتْرَحُونَ (١) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَسَلِفِيهِ إِلَّا بِشِقٍ اْأَنْفُسِِّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[النحل: ٥-٧]. قال الإمام الرازي: ((إنه في كل واحد من هذه الخصال أفضل من الحيوان الذي لا يوجد فيه إلا تلك الخصلة؛ لأنها إن جعلت حلوبة سقت فأروت الكثير، وإن جعلت أكولة أطعمت وأشبعت الكثير، وإن جعلت ركوبة أمكن أن يقطع بها من المسافات المدیدة ما لا یمکن قطعه بحیوان آخر، وذلك لما ركّب فيها من قوة احتمال المداومة على السير والصبر على العطش، والاجتزاء من العلوفات بما لا يجتزئ (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٦٨/١٠. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٤٤/٣١. مَوَسُو ◌َرُ النفسية القرآن الكريم بحمل الأحمال الثقيلة التي لا يستقل بها سواها، ومنها أن هذا الحيوان كان أعظم الحيوانات وقعًا في قلب العرب؛ ولذلك فإنهم جعلوا دية قتل الإنسان إبلًا، وكان الواحد من ملوكهم إذا أراد المبالغة في إعطاء الشاعر الذي جاءه من المكان البعيد أعطاه مائة بعير؛ لأن امتلاء العين منه أشد من امتلاء العین من غيره»(٣). فكيف يصح للمشركين إنكار البعث ((والأنعام: الإبل والبقر والغنم، وأكثر ما والمعاد واستبعاد وقوع ذلك، وهم يقال: نعم وأنعام للإبل))(١)، وإن شيئًا من يشاهدون الإبل التي هي غالب مواشيهم وأكبر المخلوقات في بيئتهم، كيف خلقها سائر الحيوانات لا يجتمع فيه هذه الخصال فكان اجتماع هذه الخصال في هذا المخلوق اللّه على هذا النحو البديع، من عظم الجثة، من العجائب (٢). ومزيد القوة، وبديع الأوصاف، فهي خلق عجيب، وترکیب غريب، ومع ذلك نراها تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للولد الصغير، وتؤكل، وينتفع بوبرها، ويشرب لبنها، وتصبر على الجوع والعطش، وترعی کل ما یتیسر لها من شوك وشجر وغير ذلك، مما لا یکاد یرعاه سائر البهائم، فتبارك الله أحسن الخالقين (٤). ثالثًا: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَّسِىَ خَلْقَةٌ، قَالَ مَن يُحِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: (٣) المصدر السابق. (٤) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٣٢٩/١٥، محاسن التأويل، القاسمي، ٤٢٦/٩، التفسير المنير الزحيلي، ٢١٤/٣٠. ٨٨ الخلق ٧٨]. تتحدث هذه الآية والتي قبلها عن بعض أهل الكفر الذين جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأنكروا قدرة الله تعالى على البعث والجزاء، فكان الرد من الله تعالى علیهم، ودفع شبهتهم. قال أهل التفسير: إن هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقيل: هو أبي بن خلف الجمحي، وذلك أنه أتى النبي صلى الله علیه وسلم بعظم حائل فقال: يا محمد، أترى أن الله يحيي هذا بعد ما رمّ؟! فقال النبي صلی الله عليه وسلم: (نعم، ويبعثك الله ويدخلك النار) فنزلت هذه الآية(١). فالله تعالى يرد على منكري البعث، الذين يستبعدون عودة العظام إلى الحياة بعد أن تصبح بالية، فهذا الإنسان الجاهل المجادل بالباطل، ضرب مثلا هو في غاية الغرابة، حيث أنكر قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وعلى بعثهم يوم القيامة، فقال : - دون أن يفطن إلى أصل خلقته- من يحيى العظام وهي بالية أشد البلى؟ ونسي أصل خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم المراحل التي يمر فيها خلق الإنسان، واختاروا العظم للذكر؛ لأنه أبعد عن الحياة؛ لعدم الإحساس فيه، ووصفوه بما يقوي (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٥/ ٧٥، لباب التأويل، الخازن، ٤ /١٣. جانب الاستبعاد من البلى والتفتت (٢). لهذا لقّن الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يخرس ألسنة المنكرين للبعث، فقال تعالى: ﴿قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوْلَ مَزَّةٌ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]. أي: يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها، أين ذهبت، وأین تفرّقت وتمزّقت(٣). فحريٌّ بهذا المجادل أن ينظر في خلقه قبل التنکر والاستبعاد، فلو فکر وتدبر مليًّا في ذلك لما أنكر قدرة الله تعالى على إعادة الخلق، وعلى كل إنسان أن يمعن تفكيره في خلق الله تعالى الدال على قدرته، وتفرده بالألوهية. رابعًا: قوله تعالى: ﴿وَ فِّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاً تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. في هذه الآية حتَّ من المولى تعالى للإنسان على التفكر والتدبر في خلقه، ففيها دلالة واضحة على أن الإنسان معجز في خلقه، وفيه دليل على توحيد الله، وصدق ما جاءت به الرسل، فالله تعالى يخاطبنا قائلًا: أفلا تنظرون نظرة متأمل معتبر ناظر بعين البصيرة، فتستدلون بذلك على الخالق (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٠٨/٢٦. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/ ٥٦٤، التفسير الوسيط، الطنطاوي، ٥٦/١٢. www. modoee.com ٨٩ حرف الخاء الرازق، المتفرد بالألوهية، فليست نفوسكم معلوم، ثم أجرى الدم في العروق سيالًا خائرًا، ولو كان يابسًا، أو أكتف مما هو مخلوقة بالصدفة ولا بالطبيعة، وإنما خالقها الله القادر على كل شيء، وعلى البعث وإعادة الحياة، ففي النفس من بداية خلقها، وتنقلها من مرحلة إلى أخرى، وما في تراكيب أعضائها، واختلاف الألوان والألسنة والصور، من الأدلة المقنعة على قدرته تعالى ووحدانيته (١). فیه، لم يجر في العروق، ثم كسى سبحانه اللحم بالجلد کالوعاء له، ولولا ذلك لكان قشرًا أحمر، وفي ذلك هلاكه، ثم كساه الشعر وقايةً وزينةً، ولیّن أصوله، ولم تكن یابسة مثل رؤوس الإبر، وإلا لم یھنه عیش، وجعل الحواجب والأشفار وقاية للعين، ولولا ذلك لأهلكهما الغبار والسقط، وجعلها سبحانه طوع يده، یتمکن من رفعها عند قصد النظر، ومن إرخائها على جميع العين عند إرادة إمساك النظر عما يضر دينًا ودنيا، وجعل شعرها صفًّا واحدًا لينظر من خلالها، ثم خلق سبحانه شفتين تنطبقان على الفم تصونان الحلق والفم من الرياح والغبار، ولما فيهما من كمال الزينة، ثم خلق الله سبحانه الأسنان ليتمكن من قطع مأکوله وطحنه، ولم تكن له في أول خلقته؛ لئلا يؤذي أمه، وجعلها ثلاثة أصناف: قسم يصلح للكسر؛ كالأنياب، وقسم يصلح للقطع؛ كالرباعية، وقسم يصلح للطحن؛ كالأضراس، إلى غير ذلك مما في الإنسان من عجائب الصنع ويدائع التركيب»(٢). قال ابن عجيبة: «﴿وَفِ آَفُسِكُمْ﴾ آیات وعجائب القدرة؛ إذ ليس شيء في العالم إلا وفي الأنفس له نظير، مع ما فيه من الهيئات النابعة والمصادر البهية، والترتيبات العجيبة، خلقه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم فصلها إلى العظم والعصب والعروق، فالعظام عمود الجسد، ضمّ بعضها إلى بعض بمفاصل وأقفال ربطت بها، ولم تكن عظمًا واحدًا؛ لأنه إذ ذاك یکون کالخشبة، لا يقوم ولا يجلس، ولا يركع ولا يسجد لخالقه، ثم خلق تعالى المخ في العظام في غاية الرطوبة ليرطب بيس العظام، ويتقوّى به، ثم خلق سبحانه اللحم وعبأه على العظام، وسدّ به خلل الجسد، واعتدلت هيئته، ثم خلق سبحانه العروق في جميع الجسد جداول، يجري الغذاء منها إلى أركان الجسد، لكل موضع من الجسد عدد (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/ ٤٠، محاسن التأويل، القاسمي، ٤٠/٩، التفسير المنير، وهبة الزحيلي، ١٩/٢٧. ثم ختم سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أي: تنظرون نظر من يعتبر، قال قتادة: ((من تفكر في خلق (٢) البحر المديد، ابن عجيبة، ٤٧١/٥. ٩٠ القرآن الكريم الخلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة))(١). موضوعات ذات صلة: آدم، الأرض، الإنسان، البصر، التفكر، الجبال، الحكمة، الحيوان، السماء، السير (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤١٩/٧. www. modoee.com ٩١