Indexed OCR Text

Pages 21-40

الدعوة
جهل عليك، وبعفوك عمن أساء إليك
إساءة المسيء، ويصبرك عليهم مكروه ما
تجد منهم، ويلقاك من قبلهم(١)؛ لأن مقابلة
إساءته بالإحسان تخجله وتقضي على
عداوته حتى يضطر إلى أن يرجع صديقًا(٢).
وقد ظهرت هذه المراعاة الأحوال
المدعوّين جليةً واضحةً في سيرة رسول
الله صلی الله عليه وسلم ودعوته، حیث
بیّن دعوته، بل أمر معاذًا أن يراعي ذلك حین
بعثه إلى اليمن.
خامسًا: الصبر:
يعتبر الصبر من القواعد الأساسية
للدعاة، خاصةً وأن الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام وصفوا بذلك في كثير من مواطن
القرآن، بل أمر الله النبي صلى الله عليه
وسلم بذلك، فقال تعالى له: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا
صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلِ لَهُمْ
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَنُواْ إِلََّ سَاعَةً مِّن
تَهَرِّ بَغْ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّ الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ
٣٥
[الأحقاف: ٣٥].
فيقول تعالی ذکره لنبيه محمد صلی الله
عليه وسلم، مثبته على المضيّ لما قلّده من
عبء الرسالة، وثقل أحمال النبوّة صلى
الله عليه وسلم، وأمره بالائتساء في العزم
(١) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٧١.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٤ /٤٣٥.
أي: ادفع يا محمد بحلمك جهل من على النفوذ لذلك بأولي العزم من قبله من
رسله الذين صبروا على عظيم ما لقوا فيه
من قومهم من المكاره، ونالهم فيه منهم
من الأذى والشدائد ﴿فَاصْبِرٌ﴾ يا محمد
علی ما أصابك في الله من أذی مکذّبیك من
قومك الذين أرسلناك إليهم بالإنذار، ﴿كما
صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ على القيام بأمر
الله، والانتهاء إلى طاعته من رسله الذين
لم ينههم عن النفوذ لأمره، ما نالهم فيه من
شدّة(٣).
ويعد الصبر من أهم مقومات نجاح
الداعية، حيث يقول الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا
مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ
بِشَايَتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: ٢٤].
أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله،
وترك زواجره، وتصدیق رسله واتباعهم فيما
جاءوهم به، کان منهم أئمة يهدون إلى الحق
بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر، ثم لما بدلوا
وحرفوا وأولوا، سلبوا ذلك المقام، وصارت
قلوبهم قاسيةً يحرفون الكلم عن مواضعه،
فلا عملاً صالحًا، ولا اعتقادًا صحيحًا (٤)،
وذلك للإيحاء للقلة المسلمة يومذاك في
مكة أن تصبر كما صبر المختارون من بني
إسرائيل، وتوقن كما أيقنوا، ليكون منهم
(٣) جامع البيان، الطبري ١٤٥/٢٢.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣١/٦.
www. modoee.com
٣٨٥

حرف الدال
أئمة للمسلمين كما كان أولئك أئمة لبني
إسرائيل؛ ولتقرير طريق الإمامة والقيادة،
وهو الصبر واليقين(١).
وقد بيّن الله تعالى أن من علم أساس
دعوته هان عليه ما يبذل من أجلها، فازداد
صبرًا وثباتًا عليها كما في قوله تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَغِيٍ )
[المؤمنون: ٧٣].
والداعية لا يمكنه الوصول إلى مبتغاه
إلا أن يمر بجسر الابتلاء، وهذا يحتاج
إلى وسيلة تذلل تلك العقبات ألا وهي:
الصبر (٢).
المدعو إليه
أشار القرآن الكريم إلى مجموعة من
الأمور التي يدعى إليها المدعوون، ومن
تلك الأمور:
أولًا: الإيمان:
وحقيقة الإيمان: هو التصديق التام
بما أخبرت به الرسل، المتضمن لانقياد
الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء
المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم
من الكافر، إنما الشأن في الإيمان بالغيب،
الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به،
لخبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه
وسلم، فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم
من الكافر؛ لأنه تصدیق مجرد لله ورسله،
فالمؤمن یؤمن بکل ما أخبر الله به، أو أخبر
به رسوله، سواءً شاهده، أو لم يشاهده،
وسواءً فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه عقله
وفهمه(٣).
ومن الآيات التي تحدثت عن الدعوة
إلی الإيمان بالله وما يتبع ذلك هذه الآيات
التي بین أیدینا:
فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْا
لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
١٠٣
[البقرة: ١٠٣].
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨١٤/٥.
(٢) انظر: منهج ابن القيم في الدعوة، أحمد
الخلف ٢٦٤/١.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٠.
٣٨٦
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
الْقُرآن الكَرِيمِ

الدعوة
أي: بما دعوا إليه من القرآن الحكيم(١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى
عَنِى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ
يَرْشُدُونَ (٥)﴾ [البقرة: ١٨٦].
أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية
للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم
الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة.
ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره، سبب
لحصول العلم(٢).
وقوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ
بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاُلْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ،
وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُبِاللّهِ
وَمَلَكَتِهِ، وَكُلُّبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ
صَلَ ضَلَالأَ بَعِيدًا (٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
يعني بذلك جل ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾، بمن قبل محمد من الأنبياء
والرسل، وصدّقوا بما جاؤوهم به من عند
الله ﴿مَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، يقول: صدّقوا
بالله وبمحمد رسوله، أنه لله رسولٌ، مرسل
إلیکم وإلى سائر الأمم قبلكم ﴿وَالْكِنَبِ
الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾، يقول: وصدّقوا
بما جاءکم به محمد من الكتاب الذي نزله
الله عليه، وذلك القرآن ﴿وَاَلْكِتَبِ الَّذِىّ
أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾، يقول: وآمنوا بالكتاب الذي
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٣٦٩/١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٧.
أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على
محمد صلى الله عليه وسلم، وهو التوراة
والإنجيل(٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا
وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا (٥) لِتُؤْمِنُواْ بِاَللَّهِ وَرَسُولِه
وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً
[الفتح: ٨-٩].
وأصيلاً
لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًامِنْ
أَمْرِنَا مَاكُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن
جَعَلْنَهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَاْ وَإِنَّكَ
[الشورى:
٥٢
٥٢].
وقوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعٌ وَأَسْتَقِمْ
كَمَآ أُمِرْتِّ وَلَا نَبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ
بِمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ مِن كِتَبِّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ
بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ
أَعْمَلُكُمٌّ لَا حُبَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ
بَيْنَنَاْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [الشورى: ١٥].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِاللهِ
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبَّكُمْ وَقَدْأَخَذَ مِشَقَّكُتْإِن
كُثُ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الحديد: ٨].
وغیرها من الآيات کثیر.
فهذه الآيات وغيرها ترشدنا إلى ما يأتي:
أن أساس الدعوة هو وجوب الإيمان
٥
بالله تعالی وما جاء عنه.
■ أن دعوة الرسول دعوة إلى الإيمان
(٣) جامع البيان، الطبري ٩/ ٣١٢.
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الدال
الصحيح.
صلی الله عليه وسلم قال: إنه أنزل عليه هذا
أن آيات الدعوة والوعظ وغيرها الكتاب ليخوف به الخلق من عقوبات خالق
اهتمت کثیرًا بتوجیه المؤمنین إلی ما
یجب أن یستمسكوا به ويتخلقوا به؛
لیکونوا کاملي الإيمان.
ثانيًا: التقوى:
والتقوى الكاملة: امتثال أمر الله وأمر
رسوله، واجتناب نهیهما وتصدیق خبرهما،
وإذا جمع الله بين التقوى والبر ونحوه،
كانت التقوى اسمًا لتوقي جميع المعاصي،
والبر اسمًا لفعل الخيرات، وإذا أفرد
أحدهما، دخل فيه الآخر (١).
وقد تقدم عن بعض ذلك كما في قوله
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ
١٠٣
مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
[البقرة: ١٠٣].
يضاف إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا
يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ
وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَّذًّا ﴾ [مريم: ٩٧].
ومن أفضل ما قال المفسرون: في هذه
الآية الكريمة وأمثالها من الآيات زواجر
عظيمة ينبغي لنا أن نعتبرها؛ لأن خالقنا جل
وعلا بيّن لنا في أول سورة الأعراف من هذا
المحكم المنزل الذي هو آخر کتاب نزل
من السماء على آخر نبي بعثه الله في أرضه
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٤٥.
السماوات والأرض وسخطه، فإنه الجبار
الأعظم الذي إذا سخط عاقب العقوبة
المهلكة المستأصلة، فبهذا يجب علينا أن
نتأمل في معاني القرآن، ونعرف أوامر ربنا
التي أمرنا بها فيه، ونواهيه التي نهانا عنها،
ونخاف من هذا الإنذار، والتهديد الذي
أنزل هذا القرآن على الرسول ليفعله بمن لم
يعمل بهذا القرآن العظيم.
فالإنسان يجب عليه أن يتدبر هذا القرآن
العظيم، وينظر أوامره، وينظر نواهيه، ويعمل
بما فيه من الحلال والحرام، فالحلال
ما أحله الله في هذا القرآن وبينته السنة
الكريمة، والدين ما شرعه الله؛ لأنه لا حكم
إلا لله، فكل الأحكام هي لله، والتشريع
لله، والتحلیل والتحریم لله، وقد أنزل علينا
هذا الكتاب ليخوفنا إذا لم نعمل بما فيه
من العبر والآيات، فنحل حلاله، ونحرم
حرامه، ونعتقد عقائده، ونعمل بمحكمه،
ونؤمن بمتشابهه، ونعتبر بما فيه من الأمثال،
وتلين قلوبنا لما فيه من المواعظ وضروب
الأمثال. فهذا الإنذار لا ينبغي للمسلم أن
يهمله ويعرض عنه صفحًا (٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَحِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ١٨/٣.
٣٨٨
القرآن الكريمِ

الدعوة
وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةُ إِنََّا يُؤَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ
حِسَابٍ ﴾ [الزمر: ١٠].
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين
بالاستمرار على طاعته وتقواه ﴿ قُلْ يَعِبَادِ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَذِهِ
الدُّنْيَاحَسَنَةٌ﴾ أي: لمن أحسن العمل في
هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم(١)،
فاتقوه بطاعته واجتناب معصيته (٢)، أي: قل
منادیًا لأشرف الخلق، وهم المؤمنون، آمرًا
لهم بأفضل الأوامر، وهي التقوى، ذاكرًا
لهم السبب الموجب للتقوى، وهو ربوبية
الله لهم وإنعامه علیهم، المقتضي ذلك منهم
أن یتقوه، ومن ذلك ما منّ الله عليهم به من
الإيمان، فإنه موجب للتقوى (٣).
فالاهتمام بالدعوة إلى التقوی أمر جلي،
دعت إليه الآيات وبيّنتها غاية البيان؛ ليعلم
أن الأمر بالتقوى مقصد مهم عظيم من
مقاصد الدعوة في القرآن الكريم.
ثالثًا: العبادة:
وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله
ويرضاه: من الأقوال، والأعمال الباطنة
(٤)
.
والظاهرة
ويظهر ذلك في الآيات الواردة في
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٩/٧.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٧/ ١١١.
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص٧٢٠.
(٤) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية ١٥٤/٥.
موضوع الدعوة ومنها: قوله تعالى: ﴿ادعُوا
رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
﴾ [الأعراف: ٥٥].
فلما بين جل وعلا أنه العظيم الأعظم،
خالق السماوات والأرض وخالق الشمس
والقمر والنجوم، ومسخر الجميع، وبين
عظمته وجلاله، أمر خلقه الضعاف
المساکین أن يسألوه ويدعوه لیأتیهم بما
يطلبون، ويكشف عنهم من الضر ما يسألون
كشفه، والمراد بذلك: كأنه يقول: أنا العظيم
الأعظم الجبار، الذي خلق السماوات
والأرض والكواكب العظام، وأنا خالق
كل شيء، وأنتم عبادي الفقراء الضعاف
فادعوني؛ لأن الدعاء يستشعر به الداعي ذله
وفقره وضعفه وحاجته، ويستشعر به عظمة
من يدعو، وأنه عالم بكل شيء، لا يخفى
عليه دعاؤه ولو كان في أخفى الخفاء، وأنه
عظيم قادر على كل شيء، قادر على أن
يذهب عنه بالضر ويأتيه بالخير، وهو من
أعظم العبادات إذا كان مخلصًا فيه لله؛ ولذا
مر الله خلقه به في هذه الآية (٥).
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِْيكُمْ
وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.
[الأنفال: ٢٤].
٢٤
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ :
ذکر الطبري أقوال العلماء في بیان ذلك،
(٥) العذب النمير، الشنقيطي ٣/ ٣٩٨.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف الدال
ثم قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، يتركه الله وحيدًا(٢).
قول من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول
بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم
من الحق؛ وذلك أن ذلك إذا كان معناه،
كان داخلًا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو
والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم
القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة
المجيب، أما في الدنيا، فبقاء الذكر الجميل،
وذلك له فيه حياة، وأما في الآخرة، فحياة
الأبد في الجنان والخلود فيها(١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِّى عَسَىَّ أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ
رَبِّ شَفِيًّا (٧) فَلَمَّا أَعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلَّ جَعَلْنَا نَبِيًّا
(٥)﴾ [مريم: ٤٨-٤٩].
وإذا كان وجودي إلى جوارك ودعوتي
لك إلى الإيمان تؤذيك فسأعتزلك أنت
وقومك، وأعتزل ما تدعون من دون الله من
الآلهة، وأدعو ربي وحده، راجيًا -بسبب
دعائي لله- ألا يجعلني شقيًّا، فالذي يرجوه
إبراهيم هو مجرد تجنيبه الشقاوة، وذلك من
الأدب والتحرج الذي يستشعره، فهو لا يرى
لنفسه فضلًا، ولا يتطلع إلى أكثر من تجنيبه
الشقاوة!
وهكذا اعتزل إبراهيم أباه وقومه
وعبادتهم وآلهتهم وهجر أهله ودیاره، فلم
(١) جامع البيان، الطبري ١٣ / ٤٦٥.
جَوُورُ
القرآن الكريمِ
رابعًا: الأخلاق:
يلاحظ أن الآيات التي تحدثت عن
الأخلاق، تضمنت الدعوة لفعلها والتحلي
بها، ومن الآيات الواردة معنا في ذلك ما
يأتي:
قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَايِهِمْ هُوَ
أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ
فَإِخْوَنُكُمْ فِ الذِينِ وَمَوَلِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ
قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا ﴾﴾
[الأحزاب: ٥].
فهذا العدل الإلهي، أن لا ينال حقّ الابن
إلا من يكون ابنًا، أما المتبنّى واللصيق فلا
يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين؛
فحرّم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعيّ
لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا
من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا. وشدّد
الأمر حتى قال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ
فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمّ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥].
فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير
قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو
ینادی شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد
التبنّي (٣)، وإنه لقسط وعدل أن يدعى الولد
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣١٢/٤.
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٨٤/٨.
٣٩٠

الدعوة
لأبيه، عدل للوالد الذي نشأ هذا الولد من
بضعة منه حية. وعدل للولد الذي يحمل
اسم أبيه، ويرثه ويورثه، ويتعاون معه
ويكون امتدادًا له بوراثاته الكامنة، وتمثيله
لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده،
وعدل للحق في ذاته الذي يضع كل شيء
في مكانه، ويقيم كل علاقة على أصلها
الفطري، ولا يضيع مزية على والد ولا
ولد كما أنه لا يحمل غير الوالد الحقيقي
تبعة البنوة، ولا يعطيه مزاياها. ولا يحمل
غير الولد الحقيقي تبعة البنوة ولا يحابيه
بخيراتها، وهذا هو النظام الذي يجعل
التبعات في الأسرة متوازنة، ويقيم الأسرة
على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع،
وهو في الوقت ذاته يقيم بناء المجتمع على
قاعدة حقيقية قوية بما فيها من الحق، ومن
مطابقة الواقع الفطري العميق (١).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٢٥/٥.
أساليب الدعوة
للدعوة أساليب تتّخذ للوصول إلى
الهدف المطلوب من أقرب طريق وأخصره،
وبالنظر في الآيات الواردة في الحديث عن
الدعوة يمكن القول أن أساليب الدعوة كما
يأتي:
أولًا: أساليب عقلية:
من أعظم الحجج التي تقام برهانًا للشيء
ونفيه الحجج العقلية التي تلزم الخصم
بالتسليم (٢)، وهذا الأسلوب يستخدم مع
المعارضين الجاحدين(٣)، لتفنيد شبههم
ومحاولة إقناعهم،ومن الآيات التي تتحدث
عن هذا المقام ما يأتي:
قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ»
إِلَّّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَّا قَرِيدًا
﴾ [النساء: ١١٧].
أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون
الله إلا إناثًا، أي: أوثانًا وأصنامًا مسميات
بأسماء الإناث كـ(«العزى)» و «مناة»
ونحوهما، ومن المعلوم أن الاسم دال على
المسمى، فإذا كانت أسماؤها أسماء مؤنثة
ناقصة، دل ذلك على نقص المسميات بتلك
الأسماء، وفقدها لصفات الكمال، كما أخبر
الله تعالى في غير موضع من كتابه، أنها لا
(٢) انظر: معالم الدعوة، الديلمي ٢٩٩/١.
(٣) انظر منهج ابن القيم، أحمد الخلف ٣٣٦/١.
www. modoee.com
٣٩١

حرف الدال
تخلق ولا ترزق ولا تدفع عن عابديها بل ولا يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَعْيُّنٌ يُبْصِرُونَ بِهَاْ أَمْ
عن نفسها نفعًا ولا ضرًّا ولا تنصر أنفسها لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَآءَكُمْ ثُمَّ
كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ﴾ [الأعراف: ١٩٤-
١٩٥].
ممن يريدها بسوء، وليس لها أسماع ولا
أبصار ولا أفئدة، فكيف يعبد من هذا وصفه
ويترك الإخلاص لمن له الأسماء الحسنى
والصفات العليا والحمد والكمال، والمجد
والجلال، والعز والجمال، والرحمة والبر
والإحسان، والانفراد بالخلق والتدبير،
والحكمة العظيمة في الأمر والتقدير؟
هل هذا إلا من أقبح القبيح الدال على
نقص صاحبه، وبلوغه من الخسة والدناءة
أدنی ما یتصوره متصور، أو يصفه واصف؟
ومع ذلك فعبادتهم إنما صورتها فقط
لهذه الأوثان الناقصة، وبالحقيقة ما عبدوا
غير الشيطان الذي هو عدوهم الذي يريد
إهلاكهم ويسعى في ذلك بكل ما يقدر
عليه، الذي هو في غاية البعد من الله، لعنه
الله وأبعده عن رحمته، فكما أبعده الله من
رحمته يسعى في إبعاد العباد عن رحمة
الله (١)، فمن أصدق من الله قِيْلاً، ومن
أحسن من الله حديثاً، في بيان حقيقة ما
يدعوه المشركون.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
وقوله تعالى:
مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَأَدْعُوهُمْ
فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٠٣.
وإنما أطلق على الأصنام اسم العباد
وعبر عنها بضمائر العقلاء؛ لأن الكفار
يصفونها بصفات من هو خير من مطلق
العقلاء، أنها معبودات، وأنها تشفع وتقرب
إلى الله زلفى، فبهذا الاعتبار أجرى عليها
ضمائر العقلاء، وعبر عنها بالعباد ووجه
مماثلتهم هنا: أن الكفار العابدين، والأصنام
المعبودات كلهم مخلوقات لله لا تقدر
أن تجلب لنفسها نفعًا ولا أن تدفع عنها
ضرًّا، فهم من قبيل تسخير الله لهم، وخلقه
للجميع، وقدرته على الجميع، بهذا الاعتبار
هم سواء(٢).
ومن الآيات في هذا قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا
وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿ أَمْوَتُّ غَيْرُ أَعْيَآَةٌ وَمَا
يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ [النحل: ٢٠ -
٢١].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن
دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن فِطْمِيرٍ ) إِن
تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءَ كُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا
أُسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ
بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر:
(٢) العذب النمير، الشنقيطي ٤٢٦/٤.
٣٩٢
القرآن الكريمِ

الدعوة
١٣ - ١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اَللَّهُ قُلْ أَفْرَهَ يْتُم مَّا
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ
كَشِفَتُ ضُرّةَ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ
مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ
الْمُتُوَكِّلُونَ ﴾ [الزمر: ٣٨].
وغيرها من الآيات، ومن خلال هذه
الآيات ألحظ من الدلائل العقلية ما يأتي:
أن من لم تكن دعوته ودعاؤه إلى الله
تعالی فلا بد أن تكون شرگا لغير الله.
كل ما يدعى من دون الله -مهما كانت
منزلته- إنما هو عبد لله تعالى.
الدعوة الحق هي الدعوة إلى الله
والدعوة التي جاءت منه وأمرنا بها عن
طریق رسله.
من يدعى من دون الله تعالى لم يخلق
نفسه أصلًا، فضلًا أن يكون مشاركًا
لله في خلق السموات والأرض، ولا
يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا
ولا حياةً ولا نشورًا، فضلًا عن أن يَھَبَهَا
لغيره.
وبهذه الدلائل العقلية اتخذت الدعوة
إلى الله أسلوبًا عقليًّا مقنعًا؛ لتبطل كل دعوة
إلى غير الله، والأساليب العقلية التي وردت
عن الأنبياء في دعوتهم سأشير إليها في
نماذج الدعاة من الأنبياء.
ثانيًا: أساليب عاطفية:
ويظهر أن هذا الأسلوب قد يجمع بين
أسلوبي الحكمة والموعظة، فأسلوب
الحكمة لأصحاب العقول النيرة والفطر
المستقيمة، وأسلوب الموعظة أسلوب
يسهل فيه الوضوح البساطة وعدم التعقيد (١).
والآيات في ذلك كما في قوله تعالى:
﴿أُوْلَيْكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ
وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ، وَيُبَيِّنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَّكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١].
فالله تعالى يقول لهم بخطاب الرأفة
والرحمة، اقبلوا من الله ما أمركم به فاعملوا
به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإنه یدعو کم إلى
الجنة، يعني: بذلك يدعوكم إلى العمل بما
يدخلكم الجنة، ويوجب لكم النجاة إن
عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم
أو ذنوبکم، فیعفو عنها ویسترها علیکم(٢)،
فيا بئس من ترك دعوة الله واتبع ما يغضبه
ویأباه.
وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ
وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (
﴾ [آل عمران:
١٠٤ ].
فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر
(١) انظر: منهج ابن القيم في الدعوة، أحمد
الخلف ٣٠١/١-٣٠٧.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٧١/٤.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الدال
بالمعروف وتنهى عن المنكر، لا بد من مصنوعون(٢).
سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر
بالمعروف وتنهى عن المنکر، والذي يقرر
أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني
ذاته، فهناك دعوة إلى الخير، ولكن هناك
كذلك أمر بالمعروف، وهناك نهي عن
المنكر، وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي
سلطان، فإن الأمر والنهي لا يقوم بهما إلا
ذو سلطان، هذا هو تصور الإسلام للمسألة،
إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى، سلطة تقوم
على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر،
سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله
وحبل الأخوة في الله، سلطة تقوم على
هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج
الله في حياة البشر، وتحقيق هذا المنهج
يقتضي دعوة إلى الخير يعرف منها الناس
حقيقة هذا المنهج(١).
وقوله تعالى: ﴿يَقَوْمَنَآَ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللهِ
وَءَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرَّكُم مِّنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ (٦) وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ اللَّهِ فَلَيْسَِ
بِمُعْجِزٍ فِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِ: أَوْلِيَاءُ
أُوْلَكَ فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [الأحقاف: ٣١ -
٣٢].
والأساليب العاطفية التي وردت عن
الأنبياء في دعوتهم سأشير إليها في نماذج
الدعاة من الأنبياء، وهذا الأسلوب يجمع
بين العاطفة والعقل.
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ
مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهَُّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوٍ أَجْتَمَعُواْ لَهٌ.
وَإِنِ يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنَّةٌ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج:
٧٣].
أي: ومن هذه صفته کیف یعبد؟ ومن
حق المعبود أن يكون خالقًا لعابده لا
محالة وهم يخلقون، أي: بل هم مخلوقون
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤٤٤/١.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٢٣٧/٥.
٣٩٤
مَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ

الدعوة
ثالثًا: أساليب حسية:
من الأساليب التي سلكتها الآيات في
بيان طريق الدعوة ووجوب الاعتصام بها
الأساليب الحسية، فما من نبي يدعو الناس
إلى عبادة الله تعالى إلا أجرى الله له من
المعجزات الحسية ما يؤكد صدق دعوته،
والأساليب الحسية التي وردت عن الأنبياء
في دعوتهم سأشير إليها في نماذج الدعاة
من الأنبياء.
ومن الأساليب الحسية الواردة في
آيات الدعوة ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَلَّ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى
كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم
• [آل عمران: ٢٣].
مُعْرِضُونَ
يقول تعالى منكرا على اليهود والنصارى
المتمسکین فیما یزعمون بکتابیهم اللذين
بأيديهم، وهما: التوراة والإنجيل، وإذا دعوا
إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما
أمرهم به فيهما من اتباع محمد صلى الله
عليه وسلم، تولوا وهم معرضون عنهما،
وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه
بذكرهم بالمخالفة والعناد (١).
فهذان أمران حسیان کتاب الله الذي كان
بأيديهم، ورسول الله محمد صلى الله عليه
وسلم والقرآن الذي جاء به.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣/٢.
مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنًا
لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم ◌َّرْجِمُهُمْ فَيُنَّتُهُم
[الأنعام: ١٠٨].
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٥)﴾
فالنهي عن مباشرة شيء يشاهده الذين
يدعون من دون الله ويسمعونه.
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه
الآية محکمة ثابتة غير منسوخة، وهي أصل
أصيل في سد الذرائع وقطع التطرق إلى
الشبه (٢)، فإحساس المشركين بسبّ آلهتهم
یجعلهم يسبون الله تعالی.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ
عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن
كُنتُمْ صَدِقِينَ ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا
تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ
٤١
[الأنعام: ٤١].
ففي هذه الآية الكريمة عاب الله على
الكفار سخافة عقولهم، وأنهم إذا نزلت
بهم شدة من العظائم الشداد -كمشاهدة
العذاب أمام أعينهم وإحساسهم به، أو لو
رأوا الساعة عيانًا وأحسوا بها - أخلصوا في
ذلك الوقت الدعاء إلى الله، وتركوا دعاء
غير الله؛ لعلمهم بأنه لا ينفع ولا يضر وهذا
ذم من الله للكفار، ذمهم به في آيات كثيرة
من كتابه(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْغُّرُّ فِي الْبَحْرِ
(٢) فتح القدير، الشوكاني ١٧٢/٢.
(٣) العذب النمير، الشنقيطي ٢٣٣/١.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف الدال
ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَّا تَكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ
وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٦٧].
والسياق يعرض هذا المشهد، مشهد
الفلك في البحر، نموذجًا للحظات الشدة
والحرج؛ لأن الشعور بيد الله في الخضم
أقوى وأشد حساسية، ونقطة من الخشب أو
المعدن تائهة في الخضم، تتقاذفها الأمواج
والتيارات والناس متشبثون بهذه النقطة على
كف الرحمن، إنه مشهد يحس به من كابده،
ويحس بالقلوب الخافقة الواجفة المتعلقة
بكل هزة وكل رجفة في الفلك صغيرًا كان
أو كبيرًا(١)، فهو أسلوب حسي قويم في
الدعوة إلى توحيد الله.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرٌ
لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَةٌّ لَهُ الْحُكْرُ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣)﴾ [القصص: ٨٨].
وكل هالك فهلاكه محسوس بين
الخلائق حتی یرث الله الأرض ومن عليها،
ولا يبقى إلا الله وحده؛ لذا وجب أن لا
يدعی إلا هو.
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرْءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ
شِرْكُ فِي السَّمَوَتَّ أَنْتُونِ يِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ
أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمِ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ (٥)
[الأحقاف: ٤].
أي: ائتوني بكتاب من قبل هذا الكتاب
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ /٢٢٤٠.
جوسين
الْقُرْآن الكَرِيمِ
يعني القرآن فإنه ناطق بالتوحيد، أو أثارة من
علم أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم
الأولين عل فيها ما يدل على استحقاقهم
للعبادة أو الأمر به (٢)، فلا بد من إقامة الدليل
الحسي من كتاب قديم أو علم يدل دلالةٌ
واضحةً على جواز دعواهم لغير الله تعالى،
ولما لم يكن لهم دليل على ذلك؛ ظهر
بطلان ما يدعونه وقامت الحجة عليهم، مما
يوجب عليهم الرجوع من الدعوى الباطلة،
إلى لزوم دعوة الحق والاعتصام بها.
(٢) انظر: الكشاف الزمخشري ٢٩٥/٤، أنوار
التنزيل، البيضاوي ١١١/٥.
٣٩٦

الدعوة
موقف المدعوين من الدعوة
تعتبر الدعوة أمرًا موجّهَا إلى جميع
الثقلين استنادًا لأصل الإيجاد؛ ذلك أن الله
تعالى قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقد كانت الرسل ترسل إلى أممها،
فمنهم من یستجيب لهم، ومنهم من يعرض
عنهم، ومنهم من يصدهم عن دعوتهم
وتبلیغ رسالتهم، وبيان ذلك کما يأتي:
أولًا: المستجيبون للدعوة:
الضعفاء هم أكثر أتباع الرسل، وذلك
كما قال تعالى -وهو يحدثنا عن ما جرى
بين نوح وقومه أنهم قالوا له : - كما حكاه
الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنَّيِ
لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿ أَن لَّا نَعَبُدُواْ إِلَّا اللَّهُ إِنِّيّ
أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ فَقَالَ
اَلْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا نَرَئِكَ إِلَّا بَشَرًا
مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ أَبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ
أَرَافِلْنَا بَادِىَ الَِّ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن
فَضْلٍ بَلْ نَظُنَّكُمْ كَذِينَ ﴾ [هود: ٢٥-
٢٧].
فهذا اعتراض الكافرين على نوح عليه
السلام وأتباعه وهو دليل على جهلهم وقلة
علمهم وعقلهم فإنه ليس بعار على الحق
رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح
سواءً اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق
الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف
ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل
ولو كانوا أغنياء، ثم الواقع غالبًا أن من يتبع
الحق هم ضعفاء الناس، والغالب على
الأشراف والكبراء مخالفته (١).
وجاء في حديث ابن عباس أن هرقل
لما سأل أبا سفيان قال له: ((فأشراف الناس
اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان بل:
ضعفاؤهم، فقال هرقل: كذلك هم أتباع
الرسل(٢).
ومن الآيات الواردة في بيان المستجيبين
للدعوة:
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا
يُنَادِى لِلْإِيمَنِ أَنْ ءَامِنُوا بِرَبَّكُمْ فَامَنَاْ رَبَّنَا
فَأَغْفِّرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا
مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران: ١٩٣].
وتأويل الآية: ربنا سمعنا داعيًا يدعو إلى
الإيمان والتصديق بك، والإقرار بوحدانيتك،
واتباع رسولك، وطاعته فيما أمرنا به ونهانا
عنه مما جاء به من عندك ﴿فَامَنَّا رَبَّنَا﴾،
يقول: فصدقنا بذلك یا ربنا؛ فاستر علينا
خطايانا، ولا تفضحنا بها في القيامة على
رءوس الأشهاد، بعقوبتك إيانا عليها،
ولكن كفّرها عنا، وسيئات أعمالنا،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٤/٤.
(٢) أخرجه البخاري في صيححه، كتاب بدء
الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، ٨/١،
رقم ٧.
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الدال
وامحها بفضلك ورحمتك إيانا﴿وَتَوَقَّنَا
مَعَ الْأَبْرَارِ﴾(١)، فهي قلوب مفتوحة ما إن
تتلقی حتی تستجيب، وحتى تستيقظ فيها
الحساسية الشديدة، فتبحث أول ما تبحث
عن تقصيرها وذنوبها ومعصيتها، فتتجه إلى
ربها تطلب مغفرة الذنوب وتكفير السيئات،
والوفاة مع الأبرار (٢).
﴿﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ
وقوله تعالى:
يَسْمَعُونَ وَالْمَوْقَ يَّبَعَتُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْثُرْجَمُونَ
[الأنعام: ٣٦].
أي: لا يجيبك إلى ما تطلب وتدعو
من الهدى، إلا الذين يسمعون، أي: جعل
الله لهم سماع حق وتفهّم يسمعون به عن
الله، أما الذين أعمى الله أبصارهم، وختم
على آذانهم فلا يجيبونك أبدًا، فلا تحزن
عليهم(٣)، فالذين يستجيبون لدعوة الأنبياء
هم الذين استخدموا عقولهم وسمعهم
وأبصارهم الاستخدام الحقيقي.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى
اَلْحَوَارِبْنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُواْ مَامَنًا
وَأَشْهَدْ يِأَتَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ [المائدة: ١١١].
قيل: إن المراد بهذا الوحي وحي إلهام،
أي: ألهموا ذلك، فامتثلوا ما ألهموا، ويحتمل
أن يكون المراد وإذ أوحيت إليهم بواسطتك
فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله
(١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٤٨٢.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٥٤٧.
(٣) العذب النمير، الشنقيطي ١/ ١٩٤.
واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك (٤).
فهي دعوة للاستجابة لرسولهم، وفيه
دلالة على أن هناك استجابة في الأمم قبلهم
وبعدهم.
ثانيًا: المعرضون عن الدعوة:
والأصل في المعرض أنه لم يقبل الدعوة
أصلًا، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةٌ
اَلْقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ لَا يَسْتَجِبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ
إِلَّا كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِبَلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَلِفِهِ، وَمَا
دُعَّةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ ﴾ [الرعد: ١٤].
فالذي يترك الدعوة الحق فهو معرض
عنها لا محالة.
ومن لم يجب داعي الله تعالى، وأجاب
داعي غيره إما آلهة ما أنزل بها من سلطان،
أو الشيطان الرجيم وغيره، فذلك کما أخبرنا
الله تعالى عن حاله بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ
الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ
وَعْدَ لْفَقِّ وَوَعَدَّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمُّ وَمَا كَانَ لِيَ
عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ
◌ِيْ فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ مَّا أَنَا
بِمُصْرِحِكُمْ وَمَّ أَنْتُم بِمُصْرِخِىَّ إِنِّ
كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ
الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [إبراهيم:
٢٢].
أي: دعوتكم إلى طاعتي ومعصية الله،
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠١/٣.
٣٩٨
جوبيع
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الدعوة
فاستجبتم لدعائي(١)، يعني: ما كان مني إلا
مجرد هذه الدعوة(٢)، فعادة المعرض أن
یعرض عن أمر لاستحسان غيره في نفسه، أو
للحصول على شيء معين مع علمه بصفاء ما
أعرض عنه، أو غير ذلك من الأمور الصارفة
عن الحق إلى الباطل.
ومن کان في طاعة الهوى في دينه، يتبعه
في كل ما يأتي ويذر، لا يتبصر دليلًا، ولا
یصغی إلی برهان؛ فهو عابد هواه، وجاعله
إلهه(٣).
ثالثًا: الصادون عن الدعوة:
وأكثر الصادين عن الدعوة هم الكبراء
والمنافقون، ففي حال الكبراء يقول الله
تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا
وَهُمْ بِلَآَخِرَةِ كَفِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٤٥].
ويقول تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ
اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ: إِلَّا الْمُنَّقُونَ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال:
٣٤].
ويقول تعالى: ﴿ أَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ
اَللَّهِ وَ يَبْغُونَهَا عِوَجَا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ )
[هود: ١٩].
﴿﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ
ويقول تعالى:
(١) جامع البيان، الطبري ١٦ / ٥٦١.
(٢) مفاتح الغيب، الرازي ١٩ / ٨٦.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٢٨٢/٣.
مَرْيَوَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ
[الزخرف: ٥٧].
وقد كان أكابر القوم -الذين كانوا يخافون
انتشار الدعوة بين الناس- يحرصون كل
الحرص على إيجاد الهوّة بين الأنبياء وسائر
الناس، وهذا الأسلوب من أخطر الأساليب
في الصد عن دين الله، التي مارسها أعداء
الدعوة منذ القدم (٤).
ومن الآيات الواردة في شأن الدعوة
والتي تبين حال هؤلاء قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١].
وهذه نتيجة صدهم التي يصبون إليها،
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ
إِلَى النَّارِّ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُصَرُّونَ ﴾
[القصص: ٤١].
وهذا المقام الذي تبوؤوه فصدوا عن
دعوة الله، وقادوا غيرهم لدعوى باطلة،
ومن أوضح ما یمیزهم ویوضح حالهم بکل
جلاء قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اللَّهُ
وَحْدَهُ،كَفَرْتُوٌّ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ- تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ
لِلَّهِالْعَلِيِ اَلْكَبِيرِ ﴾ [غافر: ١٢].
وما الذي أوصلهم إلى هذا الأمر إلا اتباع
أهوائهم ودعوة غير الله تعالى والإعراض
عن دعوته؛ لذا أمر الله تعالى نبيه صلى الله
علیه وسلم بالتباين التام معهم فقال له: ﴿قُلّ
إِ نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل
(٤) معالم الدعوة، الديلمي ٧٢٦/٢.
www. modoee.com
٣٩٩

حرف الدال
لَّ أَُّ أَهْوَاءَ كُمُّ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ
اَلْمُهْتَدِينَ ﴾ [الأنعام: ٥٦].
بل ربما وصل الأمر بالصد عن الدعوة
ولو في جزء منها، كما قال تعالى: ﴿مَأَنتُمْ
هَؤُلَاءَ تُدْعَوْنَ لِنُنفِقُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
فَمِنكُمْ مَّن يَبْخَلَّ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن
نَّفْسِدَّ وَاللهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا
يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ
[محمد: ٣٨].
٣٨
فعادة البخيل إن تمكن منه البخل؛ دعا
غیرہ إلی أن یکون بخيلا مثله، وربما شجّعه
علی ذلك وذکر له ما یخیل إلیه أن البخل خير
من الإنفاق، كما قال تعالى:
وَأَعْبُدُوا
٥
اَللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا
وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ
ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمُّ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًاً فَخُورًا (٦)
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ
وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَمُهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِه
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا )﴾
[النساء: ٣٦-٣٧].
فدعوة الله تعالى لهم للإنفاق قد أعرضوا
عنها وأمروا غيرهم وصدوهم عن دعوة الله
تعالی.
ومن شأن الكفار أن يبذلوا كل سبيل
للصد عن سبيل الله تعالى، سواءً كان صدًّا
عن اتباع حملة الحق ودعاته، أو صد الدعاة
عن استمرارهم في الدعوة إلى الله تعالى
وتبلیغ دینه إلى الناس(١).
(١) المصدر السابق ٢/ ٧٧١.
٤٠٠
جوي
القرآن الكريم

الدعوة
نماذج من الدعاة
أولًا: الأنبياء والرسل:
تعتبر قصص القرآن الكريم من القضايا
التي تكررت كثيرًا خاصةً فيما جرى بين
الأنبياء وبین أقوامهم.
والقصص في القرآن ثلاثة أنواع: فالنوع
الأول: قصص الأنبياء، وقد تضمن دعوتهم
إلی قومهم، والمعجزات التي أيدهم الله بها،
وموقف المعاندين منهم، ومراحل الدعوة
وتطورها وعاقبة المؤمنين والمكذبين،
کقصص نوح، وإبراهیم، وموسى، وهارون،
وعيسى، ومحمد، وغيرهم من الأنبياء
والمرسلين، عليهم جميعًا أفضل الصلاة
والسلام(١).
وحتى لا يطول الحديث عن هذه النماذج
فسأذكر ذلك في أمرين:
١. دعوة الرسل عمومًا.
دعوة الرسل أجمع هي: الدعوة إلى
توحيد الله تعالی وإفراده بالعبادة وحده دون
سواه.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ،
فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُم
إِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
[الأعراف: ٥٩].
(١) مباحث في علوم القرآن، مناع القطان
ص٣١٧.
وقال تعالى: ﴿﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُ هُودًا قَالَ
يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا نَتَّقُونَ
٦٥
[الأعراف: ٦٥].
وقوله تعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ
صَلِحَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ
إِلَهٍ غَيْرٌ قَدْ جَاءَنْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمَّ
هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلٌ
فِيَّ أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ
ألِيمٌ
﴾ [الأعراف: ٧٣].
٧٣
وقوله تعالى: ﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَيْبَأُ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم
مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَآءَتَكُم بَيِّنَةٌ مِنْ
رَّبِّكُمْ فَأَوْقُواْ اَلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ
وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ
لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف:
٨٥].
وأمر الله تعالى خاتم الأنبياء صلى الله
عليه وسلم أن يقول: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُ شَهْدَةٌ
قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْءَانُ
لِأُنْذِرَّكُمْ بِ، وَمَنْ بَلَغَ أَيْتِكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ
ءَالِهَةً أُخْرَّ قُل لَّا أَشْهَدُّ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَجِدٌ وَإِنَّفِ
بَرِىٌّ مِمَا تُشْرِكُونَ (٢)﴾ [الأنعام: ١٩].
وكانت القاعدة العامة في كل ذلك قوله
تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ
إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَإِلََّ أَنَا فَاعْبُدُونِ
٢٥
[الأنبياء: ٢٥].
www. modoee.com
٤٠١

حرف الدال
فعلم من هذا أن دعوة الرسل جميعًا *
هي: الدعوة إلى توحيد الله تعالى وحده
لا شريك له، وكان هذا جواب من النبي
صلى الله عليه وسلم للصحابة حين قالوا: يا
رسول الله، أخبرنا عن نفسك، فقال: (دعوة
أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي
حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت
له بصرى)(١)
ودعوة الرسل في القرآن الکریم لم تذکر
فيها من التفصيلات سوی الیسیر، وجلّ ما
ذکر عنهم هو الاهتمام بالدعوة إلى توحید
الله تعالى، والكفر بكل الطواغيت التي تعبد
من دون الله(٢).
وهذا هو الأصل؛ لأن الداعي لا ينتقل
إلى الفروع إلا بعد التأكيد على معاني
العقيدة، كما فعل الأنبياء في دعوتهم(٣).
٢. نماذج من دعوة الرسل.
وسأذكر من الرسل: نوحًا وإبراهيم
وموسى ومحمدًا عليهم الصلاة والسلام
وذلك فيما يأتي:
دعوة نوح عليه السلام.
وأهم الآيات التي تتحدث عن دعوته
عليه الصلاة والسلام ما يأتي:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ،
فَلَيْثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍإِلَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ
[العنكبوت:
اُلُوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾
١٤].
مع طول مدة الدعوة إلا أنهم لم ينجع
فيهم البلاغ والإنذار (٤)، بسبب كفر قومه.
قال الزمخشري: ((فإن قلت: هلا قيل
تسعمائة و خمسين سنة؟
قلت: ما أورده الله أحكم، لأنه لو قيل
كما قلت، لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد
على أكثره، وهذا التوهم زائل مع مجيئه
كذلك، وكأنه قيل: تسعمائة وخمسين
سنة كاملة وافية العدد، إلا أنّ ذلك أخصر
وأعذب لفظًا وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة
أخرى: وهي أنّ القصة مسوقة لذكر ما ابتلي
به نوح عليه السلام من أمّته وما كابده من
طول المصابرة، تسليةً لرسول الله صلى الله
علیه وسلم و تثبيتًا له، فكان ذكر رأس العدد
الذي لا رأس أکثر منه، أوقع وأوصل إلى
الغرض من استطالة السامع مدّة صبره)»(٥).
وكان الوقت الذي قضاه نوح عليه السلام
وقتًا طويلًا، ومع ذلك كان فيه كامل النشاط
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٧٩/٢٨، رقم
١٧١٥٠، عن عرباض بن سارية.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
ص ٣٠٥، رقم ٢٠٩١.
(٢) معالم الدعوة، الديلمي ١/ ٦٣.
(٣) انظر: أساليب الدعوة، عبدالكريم زيدان (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٢/٦.
(٥) الكشاف، الزمخشري ٤٤٥/٣.
ص ٤٢٣.
٤٠٢
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الدعوة
جادًّا في العمل؛ لأن من عرف ما يطلب هان بِسْمِ اللَّهِ بَجْرِفَهَا وَمُرْسَنِهَا إِنَّ رَبِى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ *
وَهِىَ تَّْرِى بِهِمْ فِي مَوْعِ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحُ
عليه ما يبذل، وهذا مما يوجب على الدعاة
بعده الاقتداء به فى ذلك.
أَبْنَهُ، وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَبُنَىَّ أَرْكَب مَعَنَا
وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَفِرِينَ ﴾ قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ
يَعْصِمُنِىِ مِنَ الْمَآءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرٍ
اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِدُّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ
الْمُغْرَقِينَ ﴾ [هود: ٤٠ - ٤٣].
وفي قوله تعالى: ﴿﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ
نُجِ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبْرَ عَلَيْكُ مَقَامِى
وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اَللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ
فَأَجْمِعُواْ أَقْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنَّ أَمْرُّكُمْ
٧١
عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَّ وَلَا نُظِرُونِ
فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَيْنَهُ وَمَن مَّعَدُ فِ اَلْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ
خَلَتَيْفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِتَايَئِنَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ
[يونس: ٧١-٧٣].
٧٣
كَانَ عَقِبَةُ الْنُذَّرِينَ
بمعنی إن كان الأمر قد بلغ منکم مبلغ
الضيق، فلم تعودوا تتحملون بقائي فيكم،
ودعوتي لكم، وتذکيري لكم بآيات الله،
فأنتم وما تريدون، وأنا ماض في طريقي
لا أعتمد إلا على الله، فماذا كان وراء نوح
من القوة والعدة؟ وماذا كان معه من قوی
الأرض جميعًا؟ كان معه الإيمان، القوة
الكثرة، ويعجز أمامها التدبير (١).
وقال تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَّارَ
النَُّّورُ قُلْنَا أَحِلْ فِيَهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ آَثْنَيْنِ
وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَّ وَمَّاً
ءَامَنَ مَعَهُدُ إِلَّا قَلِلٌ ﴾ ﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْفِهَا
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٨١١/٣.
حرص نوح عليه السلام على دعوة قومه
عامة، وأهل بيته خاصة.
وتصف الآيات السابقة ما دار بين نوح
عليه السلام وابنه، فقد كان ذلك النداء من
نوح لابنه خوفًا عليه من الغرق (٢)، وشفقة
الأبوة حملته على ذلك النداء(٣)؛ لكن الابن
کان کافرًا، عَمِل عملا غير صالح، فخالف
أباه في دينه ومذهبه، فهلك مع من هلك،
وقد نجا مع أبيه الأجانب في النسب، لما
كانوا موافقين في الدين والمذهب (٤).
وكانت عاطفة الأبوة ظاهرةً في محاولة
إنقاذ نوح لابنه من الغرق في شدة تلاطم
الأمواج، وكان أسلوب العاطفة ظاهرًا في
التي تتصاغر أمامها القوى، وتتضاءل أمامها مناداة نوح لربه حتى بعد انقضاء الأمر،
وتوقف الماء، إضافةً إلى ذلك أنه قد
استخدم مع قومه الأسلوب الحسي، فقبل
الغرق حثهم على التفكر في مطر السماء
والحصول على المال والبنين، والسموات
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٢١/١٥.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٥١/١٧.
(٤) قصص الأنبياء، ابن كثير ١٠٣/١.
www. modoee.com
٤٠٣

حرف الدال
الطباق، ونور القمر وسراج الشمس وغيره، المضني، والعناء المرهق، والصبر الجميل،
والإصرار الكريم من جانب الرسل صلوات
وفي حادثة الغرق أراهم صناعة السفينة
وأمرهم بالركوب فيها وحذرهم من الغرق.
الله عليهم لهداية هذه البشرية الضالة العنيدة
العصية الجامحة، وهي حصيلة مريرة.
وقال تعالى في سورة نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِّي
دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارَ (٥) فَلَمْ يَزِدْ هُرْ دُعَلِّىّ إلَّا فِرَارًا
وَإِنّ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ
أَصَبِعَهُمْ فِّ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ فِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ
وَأُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا
٥ ثُمَّ إِنَّ أَعْلَمْتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴾
[نوح: ٥-٩].
بینت هذه الآيات شيئًا من معالم دعوة
نوح عليه السلام، فهو يدعو قومه دائمًا بلا
فتور ولا توان(١)، ويدعوهم على وجوه
متخالفة وأساليب متفاوتة، فلم ينجح ذلك
فیھم(٢).
ونبيّ الله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة
والسلام بذل کل ما يمكنه في سبيل الدعوة
إلى الله (٣)، وهذه السورة كلها تقص قصة
نوح عليه السلام مع قومه، وتصف تجربةً
من تجارب الدعوة في الأرض، وتمثل
دورةً من دورات العلاج الدائم الثابت
المتكرر للبشرية، وشوطًا من أشواط
المعركة الخالدة بين الخير والشر، والهدى
والضلال، والحق والباطل ثم هي بعد هذا
وذلك، تعرض صورةً من صور الجهد
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٣٢٣/٩.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٣٥٦/٥.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٠٦/٨.
ولكن الرسالة هي الرسالة، وهذه التجربة
المريرة تعرض على رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو الذي انتهت إليه أمانة
دعوة الله في الأرض كلها في آخر الزمان،
واضطلع بأکبر عبء کلّفه رسول، یری فیها
صورة الكفاح النبیل الطويل لأخ له من قبل،
لإقرار حقيقة الإيمان في الأرض، ويطلع
منها على عناد البشرية أمام دعوة الحق،
وفساد القيادة الضالة، وغلبتها على القيادة
الراشدة.
ثم إرادة الله في إرسال الرسل تترى
بعد هذا العناد والضلال منذ فجر البشرية
على يدي جدّها نوح عليه السلام، وتعرض
على الجماعة المسلمة في مكة، وعلى
الأمة المسلمة بعامة، وهي الوارثة الدعوة
الله في الأرض، وللمنهج الإلهي المنبثق
من هذه الدعوة، القائمة عليه في وسط
الجاهلية المشتركة يومذاك، وفي وسط
كل جاهلية تالية، ترى فيها صورة الكفاح
والإصرار والثبات هذا المدى الطويل من
أبي البشرية الثاني، كما ترى فيها عناية الله
بالقلة المؤمنة، وإنجاءها من الهلاك الشامل
٤٠٤
جوبيع
القرآن الكريم