Indexed OCR Text
Pages 21-40
الخسران والآخرة، وذلك هو الخسران المبين؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْيَرُدُوكُمْ عَلَى أَعْقَئِكُمْ ـ﴾ [آل عمران: ١٤٩]. فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ يحذّر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية المؤمنين أن يطيعوا الذين كفروا، يعني: مشرکي العرب، أبا سفيان وأصحابه، وقيل: اليهود والنصارى، وقال علي رضي الله عنه: يعني: المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دين آبائكم (١). ((فالطاعة: تطلق على امتثال أمر الآمر، وعلى الدخول تحت حكم الغالب، فيقال: طاعت قبيلة كذا، وطوّع الجيش بلاد كذا)»(٢). فالكفر والإيمان نقيضان لا يجتمعان، ولا يكونان في قلب رجل واحد، ولذلك الآية الكريمة تحذر المؤمنين تحذيرًا عامًّا بألاً یطیعوا الکافرین، ولا يستنصروا بهم، ولا يجعلوا لهم ولاية عليهم؛ لأن ولايتهم غير ولاية الله، وولاية الله هي الولاية الحق، وهم موضع غضب الله تعالی دائمًا، والذي يتولاهم ويستنصر بهم، فإنه يتولى قومًا غضب الله عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا بَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُرِ (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٤٩/٤. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٢١/٤. ١٣) [الممتحنة: ١٣]. والمعنى في هذا، هو التحذير من مسايرة الكافرين بأي نوع من أنواع المسايرة؛ إذ كل مسايرة طاعة، ولا يليق بالمؤمن أن يطيع کافرا؛ لأنه یجب أن یکون في حذر دائم. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى نتيجة طاعة الكافرين في أي عصر من العصور إن كان هناك احتمال لذلك، فذكر في جواب الشرط نتيجتين، كلتاهما مترتبة على الأخرى، أولاهما: أشار إليها بقوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ﴾، والثانية المترتبة عليها: أشار إليها بقوله تعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُواْخَسِرِينَ﴾. فالنتيجة الأولى: ردهم على أعقابهم، فمعناها: أن يرجعوا إلى موضع الذلة الذي كانوا فيه قبل أن يؤذن لهم بالجهاد، أو يرجعوا إلى ما كانوا عليه في غير انتظام وفي اضطراب. والنتيجة الثانية: هي الانقلاب خاسرین، والتعبير بالانقلاب: يفيد أن طاعة الكافرين حتمًا فيها تغییر حال أصل الإيمان، فجعل أعلى ما فيهم أسفل، وأن هذا الانقلاب تلابسه لا محالة الخسارة المؤكدة التي لا احتمال فيها؛ إذ يخسر المؤمنون إيمانهم، ويخسرون من وراء ذلك الآخرة، وينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ، خَيْرُ الْمَنَّ بِّ وَإِنْ أَصَابَتَهُ فِئْنَةٌ www. modoee.com ٣٣١ حرف الخاء اُنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: ١١](١)، وقوله أيضًا: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ إِنَّهُمْ لَعَكُمّْ حَيِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ ﴾ [المائدة: ٥٣]. ٦. الكفر بالأنبياء والرسل. إن الإيمان بالأنبياء فهو ركن من أركان الإيمان، فإن اختل هذا الركن اختل إيمان الإنسان؛ وذلك لأن الأنبياء هم رحمة الله إلى عباده؛ ليقودوهم إلى رضوان الله والجنة، والنجاة من سخطه والنار، قال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَتِكَتِهِ، وَكُهِ. وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (من)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. هذا حال المؤمنين الصادقين في إیمانهم، أما غیرهم فقد یکفر ویکید بأنبياء الله والصالحين، فيقع في الكفر والخسران. رابعًا: ترك الواجبات: أمرنا الله سبحانه وتعالى بالقيام بكل الواجبات المفروضة علينا من عمل الصالحات والإكثار من فعلها بكل حكمة ورزانة؛ لأنه بهذا الأمر نستطيع أن نجنّب أنفسنا الخسران المبين، والهلاك والدمار، ومن لم يستجب ينال ما يستحق وسنورد بعضًا من ذلك: فالخسران المبين لمن يتخذ الصلاة هزوًا ولعبًا دون خشوع وتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى السَّلِّوَةِ أَتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِبَّأَ ذَلِكَ يَأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ﴾ [المائدة: ٥٨]. فالويل والهلاك للذين لا يطيعون الله في أوامره ويتهاونون في تطبيق واجباته؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّيْنَ ى الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَائِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: ٤-٥]. فتكون نتيجته الضلال والهلاك يوم القيامة. قال تعالى: ﴿يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَوَّلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [المنافقون: ٩]. تضمنت هذه الآية تحذيرًا للمؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق المنافقين بانشغالهم بالأموال عن ذكر الله والصلوات والطاعات وجميع الفرائض، وقد اختلف المفسرون فیمن نزلت، فمنهم من قال: نزلت في حق المنافقين، ومنهم من قال: نزلت في حق المؤمنين (٢). والراجح أنها نزلت في حق المؤمنين (١) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٨/٣٠، ١٤٤٤/٣. المبصر لنور القرآن، نائلة صبري، ٩/ ٢٣٧. ٣٣٢ القرآن الكريمِ الخسران تحذّرهم، وخاصة أن الآية ابتدأت بالخطاب الموجه لهم، وأيضًا الآيات السابقة كانت تتحدث عن قبائح وأعمال المنافقين، فكان حريًّا أن يتم تحذير المؤمنين من التشبه بالمنافقين. وقد حكم الله بكفر من لا يستجيب لأمره بدفع الزكاة، وبالتالي سینال جهنم، ويكون من الخاسرين؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴾ [فصلت: ٧]. ٧ والصبر فضيلة من الفضائل، وخلق من الأخلاق التي عني بها القرآن الكريم، فالهلاك لمن يترك الصبر ولا يتحمل ما أصابه الله به؛ لأنه سيؤدي به إلى أن يسخط علی الله، ويخرج من دائرة الإيمان، ويصل به إلى اليأس والقنوط من رحمة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسُُّ قَنُوطٌ ا﴾ [فصلت: ٤٩]. وصفهم الله في كتابه. قال تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَيْهِ* إِلَّا الصَّالُّونَ ﴾ [الحجر: ٥٦]. ويجب ألا نكون منهم لترکنا واجبًا مفروضًا علينا التمسك به، وبالتالي ننال الخسران في الدنيا والآخرة. والتمسك بمیثاق الله أيضًا من الواجبات المفروضة علينا، فمن نقض عهد الله وميثاقه تحلى بصفة من صفات المنافقين الخارجين عن حدود الله، ولابد من توضيحها؛ حتى نحذر من ارتكابها لنتجنب الخسارة في الدنيا والآخرة، فكيف سيكون حال مجتمع لا يفي فيه الناس بعهودهم فيما بينهم، فإنه ستنعدم ثقة بعضهم ببعض، فقد أمر الله سبحانه وتعالى في كثير من آياته، وكذلك نبيه صلی الله عليه وسلم بالوفاء بالعهود. قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ اَلْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَّوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: ٩١]. وعدّ النبي صلى الله عليه وسلم الخلف بالوعد من علامات النفاق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وهذا لا يكون إلا من الضالين كما وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان)(١). وقوله تعالى أيضًا: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اَللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ بِيِةِ أَنْ يُوصَّلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِِّ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [البقرة: ٢٧]. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم ٢١١. www. modoee.com ٣٣٣ حرف الخاء فسؤال يطرح نفسه، فأي عهد من عهود الله ينقضون؟ وأي أمر مما أمر الله به أن يوصل هو الذي يقطعون؟ وأي لون من الفساد في الأرض هو الذي يفسدون؟ وعهد الله المعقود مع البشر يتمثل في عهود كثيرة: إنه عهد الفطرة المركوز في طبيعة كل حي، أن يعرف خالقه، وأن يتجه إليه بالعبادة، وما تزال هذه الفطرة مركوزة في الاعتقاد بالله، ولكنها تضل وتنحرف فتتخذ من دون الله أندادًا وشركاء، وعهد الاستخلاف الذي أخذه الله على آدم، وعهوده الكثيرة في الرسالات لكل قوم أن يعبدوا الله وحده، وأن يحكّموا في حياتهم منهجه وشريعته، وهذه العهود كلها هي التي ينقضها الفاسدون (١). ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ﴾: يقول الطبري: ((مقصودٌ به كفارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم، غير أن الخطاب -وإن كان لمن وصفت من الفريقين- فداخل في أحكامهم، وفيما أوجب الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ، كل من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي))(٢). (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٥١/١. (٢) جامع البيان، ٢٤٢/١. ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾: أي: الهالكون، بحرمان الله إياهم من رحمته لكفرهم ومعصيتهم إياه وارتکاب ما نهى عنه(٣). وقيل: ((أي: خسروا سعادتهم في الآخرة؛ حيث عرّضوا أنفسهم لعذاب جهنم المؤبد، ولا خسارة أعظم ممن خسر دنياه وآخرته، وقصر الخسران عليهم في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾؛ لأنهم بإهمالهم للعقل، خسروا الحياة الأبدية» (٤). خامسًا: عدم مغفرة الله ورحمته للعبد: معروفٌ أن الإنسان المؤمن الصالح بطبيعته حريصٌ على أداء الطاعاء والعبادات، وفعل ما أمر الله به والابتعاد عما نهى عنه؛ لأن غايته من وراء ذلك كله الحرص على كسب رضوان الله سبحانه وتعالى والحصول على مغفرته ورحمته يوم القيامة، والفوز بجنته، وإن نسي أو أخطأ وغفل الإنسان، وهذا ليس عيبًا فيه؛ لأنه ضعيف يدخل إليه الشيطان، فيدرك خطأه، ويعرف زلته، نجده يسارع في الندم وطلب العون من ربه والمغفرة، وبالتالي إنه يثوب ويتوب، على عكس الإنسان الذي ينغمس في ملذات الدنيا وشهواتها، ویحرص کل (٣) انظر: المصدر السابق ٢٢٢/١. (٤) المقتطف من عيون التفاسير، المنصوري، ٦٠/١. ٣٣٤ صَوْ سُور القرآن الكريمِ الخسران الحرص على التمتع بالحياة الدنيا وزينتها، سادسًا: الدعوة إلى الباطل وترك الحق: وبهذا يغفل عن أداء العبادات والطاعات، ولا يحرص على تجنب المحرمات، فتكون نتيجته أنه خسر وضاع، وذلك بفقدان أعظم شيء، ألا وهو مغفرة الله ورحمته، وفقدان الفوز بجنته ورضوانه؛ لقوله تعالى: ﴿قَالًا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا وَإِن لَّوْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [الأعراف: ٢٣]. فهذه الآية الكريمة تدل على ندم آدم وحواء على فعلتهما، فسارعا إلى التوبة والستر والغفران، على عكس مطلب إبليس طلب الإنظار ولم يطلب التوبة، وهذه خصيصة ((الإنسان)) التى تصله بربه، وتفتح له الأبواب إليه، الاعتراف، والندم، والاستغفار، والشعور بالضعف، والاستعانة به، وطلب رحمته، مع الیقین بأنه لا حول ولا قوة إلا بعون الله ورحمته وإلا كان من الخاسرين(١). فهذه طبيعة الإنسان المؤمن فإنه إذا أخطأ أو غفل يسارع إلى طلب المغفرة والرحمة من الله تعالى. ولكن هناك الكثير من الأمور يتساهل الناس في فعلها تكون سببًا في فقدانهم لمغفرة الله ورحمته، إذًا لابد من الحرص والحذر. الدعوة إلى الباطل الذي هو نقيض الحق سبب في خسران الإنسان، فإن الباطل هو الطاغوت سواء أكان ذلك شيطانًا أم صنمًا، أم معتقدًا، أم معبودًا غير الله، وهو نقيض الإيمان بالله تعالى، وإن اعتقاد الباطل والعمل به يخرج الإنسان عن دينه وإيمانه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الَطِّبَتِ أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ (٥)﴾ [النحل: ٧٢]. وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ فالنتيجة التي ينالها هؤلاء هي الخسران المبين. سابعًا: خفة الموازين: خفة موازين الإنسان يوم القيامة نتيجة عدم الإكثار من الطاعات، والعبادات، وكسب الحسنات، مما يؤدي إلى أن تكون سيئاتهم أكثر من حسناتهم، وبالتالي تكون خفة موازينه يوم القيامة، ونيل الخسران المبين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ. فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِشَايَتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ [الأعراف: ٩]. O يقول الله سبحانه وتعالى في هذه الآية: من خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله والإيمان به، وبرسوله، (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، فأولئك الذين غينوا أنفسهم حظوظها من ١٢٧٠/٨. www. modoee.com ٣٣٥ حرف الخاء جزيل ثواب الله وكرامته؛ بسبب كونهم ذلك يأمن عذاب الله ومكره. بحجج الله وأدلته يجحدون، فلا يقرّون بصحتها ولا يوقنون بحقيقتها(١). ومن خفت موازينهم خسروا بسبب ظلمهم، وتضييع فطرة الإسلام التي ما من مولود إلا يولد عليها، أو فطرة الخير الذي هو أصل الجبلة، والمراد بالخسران: كونه في الهاوية من النار؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُّهُ، فَأَوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ ( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ [المؤمنون: ١٠٣- وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ (٢) ١٠٤](٢) . ثامنًا: الأمن من مكر الله: إن المؤمن يتفطن دائمًا لمقام قدرته سبحانه وتعالى، فإذا عصی یتوقع عذاب الله تعالى بسبب عصيانه، ويتخوف ولا يأمن أن تنزل به العقوبة، ولفرط حسّه بمعصيته، وإيمانه بالله يخاف دائمًا عذابه، ولا يرجو أن يمهله الله وقد عصاه، على عكس الكافر تمامًا، فإنه يعصي، ویری عصیانه حسنًا، وينسى قوة الله، وأنه يعاند ويحارب أمره ونهيه، ناسيًا أنه يعاند القوي القهار القادر الذي هو غالب على كل شيء، وأنه لا إرادة لمخلوق بجوار إرادته سبحانه وتعالى وعلى قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ ﴾[النحل: ٤٥]. حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ( فیلاقي العذاب الشديد، وما لا يحسب عقباه. قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَفَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [النمل: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَتَّهُمْءَايَةٌ قَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ حَقّ تُؤْقَى مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ رُسُلُ اللّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُّرُونَ (١١)﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقوله أيضًا: ﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اَللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ (١) ﴾ [الأعراف: ٩٩]. يوبّخ الله الذين يكذّبون رسله، ويجحدون مكره؛ لأنهم غفلوا عن الحق، ونسوا تدبير الله تعالى المهلك لهم جزاء بما كسبوا، وبما كذبوا بآيات الله، والفاء: في قوله: ﴿فَلا يأْمَنُ﴾جاءت عاطفة يترتب ما بعدها على ما قبلها؛ لأنهم إذا كانوا لم تجدهم النقمة ولا النعمة، وبأس الله يأتيهم في مأمنهم ليلا وهم نائمون، وضحى وهم یعملون، ومع ذلك لا جدوی فیه، فھو لعب، (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٤٥/٥. (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي، ١٢٦/٥، أو كاللعب، فهم لا يأمنون المكر الإلهي. أضواء البيان، الشنقيطي، ٢٦١/٢. ٣٣٦ النََّسَبـ جوبي الْقُرْآن الكَرِيمِ الخسران بمعنى النفي والتوبيخ، فهم لا يأمنون مكر الله، ومکر الله تعالی تدبيره المحکم الذي ينزل به العذاب السريع على من يستحقه، والأمن والطمأنينة لمن يستحقه، وهو الحكيم، وقد فسر بعض المفسرين بأنه العذاب أو اليأس الشديد (١). قوله: ﴿أَفَأَمِنُواْ﴾ استفهام إنكاري حكم الله تعالى بخسارتهم، مؤكدًا الخسارة بالقصر، وأن الخسارة مقصورة عليهم، وخسارتهم في أنهم خسروا أنفسهم، فليسوا في حال عقلية مدركة، وخسروا أنفسهم بالاستمرار على غيهم، وخسروا بالعذاب الأليم الذي ينزل، والله سبحانه هو الذي يقي المؤمنين شر الغفلة والنسيان، وأمن عذاب الله، وجعلهم في فطنة دائمة، واعتبار «والمکر قسمان: السبيل (٣). ١. مكر سيء: وهو الذي يكون من بأمر الله ونهيه، وهو الهادي إلى سواء الأشرار، ونتيجته شر. ٢. ومكر طيب: وهو رد مكر الأشرار، ونتيجته طيبة. ولقد قال في شأن قريش في تدبيرهم للنبي صلى الله عليه وسلم أن يبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ ﴾ [آل عمران: ٥٤] أي: أنهم كانوا يدبرون لإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ويمكرون المكر السيئ الذي لا يحيق إلا بأهله، والله تعالى يدبّر لنبيه نجاته منهم، وهجرته من أرضهم من غير إخراج، حتى يكون الفصل بينه وبينهم» (٢). والكافر يعمل المعصية، ويعتقد أنه آمن، وما يغفل عن مكر الله إلا الذين هلكوا بذنوبهم؛ ولهذا ختم الله الآية بقوله: ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلََّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ أي: (١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٧٥/٣، فتح القدير، الشوكاني، ٢٦١/٢. (٢) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، ٦/ ٢٩١٠. (٣) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، ٢٩١١/٦، المبصر النور القرآن، نائلة صبري، ١٠/٩. www. modoee.com ٣٣٧ حرف الخاء نماذج من الخاسرين في القرآن من رحمة الله بعباده أنه ذكر في كتابه العزيز الكثير من الأساليب والوسائل، ومنها على سبيل المثال ضرب الأمثال، وسرد القصص، وذكر الأخبار، وذلك لحكمة يريدها الله؛ ليعتبر أولو الألباب، ويتخذوها قدوة لهم في الحياة، وإظهار مدى قدرة الله وعظمته، وإعجاز قرآنه وغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنِ لَّمْ نَقْصُصْ عَلَكَُ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِثَايَةٍ إِلَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَاِكَ الْمُبْطِلُونَ ()﴾ [غافر: ٧٨]. فإذا جاء الوقت وحان موعد العذاب، ينزله الله على الكافرين لإهلاكهم، وينجي الله رسله، والذين آمنوا معهم، ويهلك الذین افتروا و كذبوا وجحدوا آياته عز وجل وخسر في ذلك العذاب المتمسكون بالباطل على الإطلاق، فيدخل فيهم المعاندون المقترحون دخولًا أوليًّا، لكونهم يجادلون في آيات الله سبحانه وتعالى (١). وسنورد إن شاء الله نماذج من الخاسرين في القرآن في السطور الآتية: (١) انظر: روح المعاني، الألوسي، ١٣٥/١٣، المبصر لنور القرآن، نائلة صبري، ٢٤/ ١٤٧. أولًا: قابيل ابن آدم عليه السلام: قال تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ, نَفْسُهُ، قَتْلَ أَخِيدٍ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ [المائدة: ٣٠]. هذه الآية تتحدث عن ابني آدم قابيل وهابیل؛ حيث إن هابیل کان أول من قتل في الأرض. وقال الماوردي في كتابه: ((إِن (طوعت) فيها ثلاثة تأويلات، وهي: أحدها: يعني: شجعت، وهو قول مجاهد. والثاني: يعني: زينت، وهو قول قتادة. والثالث: يعني: ساعدته))(٢). ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ أي: زيّنت له وسهّلت عليه القتل، والإنسان إذا تصور أن قتل النفس من أكبر الكبائر صار ذلك صارفًا له عن القتل فلا يقدم عليه، فإذا سهّلت عليه نفسه هذا الفعل فعله بغیر كلفة. وقرئ ﴿فَطَاوَعَتْ﴾ على أنه فاعل بمعنی فعل، أو علی أن قتل أخيه کأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع. وروي أنه جهل کیف یقتله، فجاء إبليس بطائر - أو حيوان غيره- فجعل يشدخ رأسه بین حجرین؛ ليقتدي به قابيل ففعل، وقال ابن عباس وابن مسعود: وجدہ نائمًا فشدخ رأسه بحجر، وكان ذلك في ثور ((جبل (٢) النكت والعيون، ٢/ ٣٠، بتصرف. ٣٣٨ مَوَسُولَةُ النَّقِين القرآن الكريم الخسران بمكة)). وقيل: عند عقبة حراء، ويقال: إن قابيل كان يعرف القتل بطبعه؛ لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية ويمكن إتلافها، فأخذ حجرًا فقتله، ولما قتله ندم فقعد یبکي عند رأسه، إذ أقبل غرابان فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل القاتل بأخيه كذلك(١). ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ لْخَسِرِينَ﴾ أي: ممن خسر حسناته، وقال مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلی فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس حيثما وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج. دارت، عليه في الصيف حظيرة من نار، قاطعًا على أنه عليه السلام على الحق قال ابن عطيه: «فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمّنه قوله تعالى: ﴿فَاضْبحَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ وإلا فالخسران يعم خسران الدنيا والآخرة)»(٢). ثانيًا: قوم إبراهيم عليه السلام: قال تعالى: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾ [الأنبياء: ٧٠]. قد روي أن الملك المعاصر لإبراهيم كان يلقب ((بالنمرود)) وهو ملك الآراميين بالعراق، وأنه قد أهلك هو والملأ من قومه بعذاب من عند الله، تختلف الروايات في (١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٣١٧/٢، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٢/ ٤٦١. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٨٠. تفصيلاته، وليس لنا عليها من دليل. المهم أن الله قد أنجى إبراهيم من الكيد الذي أريد به، وباء الكائدون له بخسارة ما بعدها خسارة، والكيد هنا: أي مكر عظيم في الإضرار به، وقيل: هو الإضرار الشديد الذي يكون نتيجة الكيد والتدبير الخبيث، فأطلقوا السبب وأراد المسبب وهو الضرر، وکیدهم کان في مغالبتهم له ومجادلتهم، فكانوا هم الخاسرين في هذه المغالبة في الدنيا والآخرة، أي: أخسر من كل خاسر حیث عاد سعيهم في إطفاء نور الحق برهانًا وهم على الباطل، وموجبًا لارتفاع درجته، واستحقاقهم لأشد العذاب، والأخسرون جمع أخسر، والمراد: من بلغوا أقصى درجات الخسران (٣). وقيل: ﴿فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ أي: في أعمالهم، ورددنا مكرهم عليهم بتسليط أضعف خلقنا، قال ابن عباس: سلّط الله عليهم أضعف خلقه البعوض، فما برح نمرود حتى رأى عظام أصحابه وخيله تلوح، أكلت لحومهم وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في منخره فلم تزل تأكل (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٣٨٨/١٧، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٦٨٢/٤، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٦٩، زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، ٩/ ٤٨٩٢. www. modoee.com ٣٣٩ حرف الخاء إلى أن وصلت دماغه وكان أكرم الناس عليه جاثمين(٢). الذي يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام بهذا نحوًا من أربعمائة سنة (١). ثالثًا: قوم شعيب عليه السلام: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ مُّعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَفْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ ﴾ [الأعراف: ٩٢]. هذه الآية جملة مبنية لما حل بقوم النبي شعيب عليه السلام من النقمة: فيخبر الله تعالى عن شدة قوم شعيب وتمردهم وعتوهم، وما هم فيه من الضلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق، ولهذا أقسموا وقالوا: ﴿لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٩٠]. ﴿فَأَخَذَ تْهُمُ الرَّجْفَةُ فلهذا أعقبه بقوله: فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَئِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١]. والمناسبة في ذلك: أنهم لما تهكموا بنبي الله شعيب في قولهم: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود:٨٧] فجاءت الصيحة فأسكتتهم، أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجساد، فأصبحوا في دارهم (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥٢٤/٦. وقوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ والغنى: المنزل، والجمع المغاني، وهي المنازل التي بها أهلها، يقال: غنیت بالمكان إذا أقمت به، وغني القوم في دارهم، أي: طال مقامهم فيها، وقال ابن عباس وقتادة في معناها: كأن لم يعيشوا فيها، وقال ابن عباس: كأن لم يعمروا فيها. ومعنى الآية: كأن لم يقيموا في دارهم أصلًا ولم ينزلوها يومًا من الدهر، فإن الله سبحانه استأصلهم بالعذاب، وقيل: المعنى كأن لم یعیشوا فيها متنعمین مستغنین، يقال: غني الرجل إذا استغنى، وهو من الغنى الذي هو ضد الفقر، والأول أولى(٣). ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًاكَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ ٢)): هذه الجملة متضمنة لبيان خسران القوم المكذبين، وهل هناك خسران أشدمن أن يخسر الإنسان نفسه، بعذاب في الدنيا والآخرة؟ وإعادة الموصول والصلة كما هي، لزيادة التقرير والإيذان بأن ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين (٤). فکل من عادی نبيًّا فهو خاسر في عاجل أمره وآجله؛ لأنه قد عادی الله الذي أرسل أنبياءه لخلقه. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٠٢. (٣) انظر: الدر المنثور، السيوطي، ٣ / ٥٠٤، فتح البيان، القنوجي ٤/ ٤١٣. (٤) انظر: في رحاب التفسير، كشك، ٣٦٣/٩. ٣٤٠ جوسُو حَرَ النَّفْسِيْ الْقُرآن الكَرِيْمِ الخسران وسائل النجاة من الخسران بعد الانتهاء من بيان أسباب الخسران بالشرح والتوضيح والبيان، والإشارة إلى نماذج من الخاسرين في القرآن الكريم، كان لابد من وقفة على وسائل النجاة من الخسران التي هي بمثابة الذراع الحامي، والواقي للإنسان من الوقوع في الخسران، وهذه الوسائل هي التي تصل بالإنسان إلى الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة. وسنتناول هذه الوسائل بالشرح والبيان؛ ليتضح للإنسان مدى أهميتها، ويتخذها وقايةً له من الوقوع في الخسران، ولذلك کان المثل المشهور: «درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج)»(١). أولًا: الإيمان والعمل الصالح: أول وسيلة من وسائل النجاة من الخسران يدور حول تحقيق الإيمان والعمل والصالح، وهذا العنوان يعتبر من أخطر العناوين شأنًا، وأعظمها قدرًا؛ لأنه أصل الأصول في النظام العام لحياة المسلم بكاملها، فالإيمان هو الذي أمرنا الله أن نلتزم به، ونحققه في حياتنا؛ لأنه السبيل إلى فلاحنا يوم القيامة، ونجاتنا من نار جهنم -والعياذ بالله- لقول النبي صلى الله عليه (١) قالوا في المثل، موسوعة في الأمثال والحكم السائرة نثرًا وشعرًا، عيسى عطا الله، ١٥٥/١. وسلم: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)(٢). وليتجنب أيضًا المؤمن الخسارة عليه بطاعة الله ورسله، إذ الإيمان بالأنبياء رکن من أركان الإيمان، فإن اختل هذا الركن اختل إيمان الإنسان؛ وذلك لأن الأنبياء هم رحمة الله إلى عباده؛ ليقودوهم إلى رضوان الله والجنة، والنجاة من سخطه والنار. قال تعالى: ﴿مَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَكَبِكَئِه وَلُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٥)﴾ [ البقرة: ٢٨٥]. فهذا حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم، والله حصر الإيمان فيمن التزم الدين كله باطنًا وظاهرًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ )) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال: ٢-٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ أ ◌َ نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ﴿ فَلَا تَعْلَمُ (٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، رقم ٣٠٩٢. قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)). www. modoee.com ٣٤١ حرف الخاء نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنِ جَزَّءُ بِمَا كَانُواْ استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان(٢). يَعْمَلُونَ (٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. والإيمان الكامل هو الإيمان الشامل لكلِّ من الإيمان بالله، وملائكته، و کتبه، ورسله، والقضاء خيره وشره، والإيمان بالغيب، والبعث، والحساب، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن وفد عبد القيس ... أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس) (١). وقوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَ وَأَلْيَتَحَىِّ وَالْمَسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِى الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَاَلْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّنِينَ فِىِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِّ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ (١٦). [البقرة: ١٧٧]. فالإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان، رقم ٥٣. ومن تحقق الإیمان في قلبه حقًّا فقد نال أجره كاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصََرَىْ وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَبْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: ٦٢]. وفاز فوزًا عظيمًا، وكان من المفلحين، ونال ما وعده الله سبحانه به يوم القيامة من نیل رضوان الله ورحمته و دخول جنته، قال تعالى: ﴿لَيُدْ خِلَ الْمُؤْعِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َِّهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اَللَّهِ فَوْزَا عَظِيمًا (٥)﴾ [الفتح: ٥]. وقوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَُرْ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ رِزْقَاً قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَثُواْ بِهِ. مُتَشَيِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢٥]. ومن الأعمال الصالحة التي لابد أن يقوم بها الإنسان، التزام الأخلاق والسلوكيات الصالحة، والأخلاق قسمان: أخلاق كريمة، وأخلاق ذميمة. وقد جاءت الشريعة الإسلامية تدعو إلى (٢) انظر: معارج القبول، حافظ حكمي ٢ / ٥٩٧. ٣٤٢ القرآن الكريمِ الخسران تزكية النفوس وتطهيرها؛ حتى تكون كريمة الفاضلة، من الإنفاق في حال اليسر الأخلاق، نبيلة السجايا، فلم تدع خلقًا كريمًا والعسر، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس إلا رغبت فيه، كالصدق، والوفاء بالعهد، وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ في قوله تعالى: مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ [آل النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. والجود، والصبر، والتقوى إلى غيرها من الأخلاق الكريمة، ولم تدع خلقًا ذميمًا إلا حذّرت منه، كالكذب والبخل والتجسس والنميمة إلى غيرها من الأخلاق الذميمة، بل إن جميع الأحكام الشرعية تدور مع الأخلاق حیث دارت، فلا ترى حكمًا شرعيًّا لَّيْسَ أَلْبِرَّ أَن تُوَّلُّواْ وقوله تعالى: يعارض الأخلاق ويصادمها، وحسبك أن الله أثنى على عبده ورسوله محمد بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم : ٤]. فالنبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، فهو الأسوة والقدوة لنا جميعًا حيث بلغ بأخلاقه الكريمة منازل عالية. والأخلاق الكريمة تدعو إليها الفطرة السليمة، فالبشر كانوا ولا يزالون يعدّون الصدق والوفاء بالعهد والجود والشجاعة والصبر أخلاقًا فاضلة، يستحق صاحبها الثناء والتكريم، ولا يزالون يعدون الكذب والغدر والجبن أخلاقًا سيئة، ترفضها العقول السليمة وتذم صاحبها، والشريعة جاءت داعية إلى المعروف من الأخلاق، والسلوكيات الصالحة، وتنهى عن المنكر منها، فدعا الحق عباده إلى المبادرة إلى رحمته وجنته التي أعدها للمتقين من عباده، وأول صفاتهم تحليهم بالأخلاق وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ أَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْئِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَاَلْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِى الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِي الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِيْنَ اَلْبَأْسِ ◌ُ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ (١٧ [البقرة: ١٧٧]. وكذلك رغّب النبي صلى الله عليه وسلم باتباع الأخلاق الحميدة، وحذّر من كل خلق ذميم، فالخير الحقيقي في ميزان الرسول هو الخلق الحسن، فعن النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع عليه www. modoee.com ٣٤٣ حرف الخاء الناس)(١). والخلق سبيل الارتقاء إلى مدارج الکمال، عن النبي صلی الله عليه وسلم: (إن من خيركم أحسنكم خلقًا)(٢)، وأيضًا عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله)(٣). وأحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقربهم منه مجلسًا يوم القيامة أحسن المؤمنين خلقًا، فعن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أحبكم إليّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن من أبغضكم إليّ، وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله؟ قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون) (٤). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب تفسير البر والإثم، رقم ٦٥١٦. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب لم يكن النبيّ فاحشًا ولا متفحشًا، رقم ٦٠٢٩. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الإيمان، باب في استكمال الإيمان والزيادة والنقصان، رقم ٢٦١٢. قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)). (٤) أخرجه الترمذي في صحيحه، كتاب البر والصلة عن رسول الله، باب ما جاء في معاني الأخلاق، رقم ٢٠١٨. قال الترمذي: «هذا حدیث حسن غریب)). جوسي القرآن الكريم والمؤمن هو من يلتزم بأوامر الله سبحانه وتعالى ويتحلى بالأخلاق الحميدة، ويبتعد عن نواهيه، ويتجنب الأخلاق الذميمة (٥). فإن صار على ذلك فقد فاز وأفلح يوم القيامة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا بذلك في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١]. وقوله: ﴿﴿ يَسْشَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّبِأَن تَأْتُواْ اَلْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ أَلْبِرَّ مَنِ اتَّقَىُّ وَأَتُواْ أَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَيِهَا وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الـ (١٨٩) ﴾ [البقرة: ١٨٩]. ومن الآيات التي بينت الفوز والفلاح والثواب الذي يناله من يلتزم بالأخلاق الفاضلة، وفى ذلك وقاية له من الخسارة في الدنيا والآخرة: قوله تعالى: ﴿قَالَ اَللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّتُ تَِّى مِن تَجْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبْدًا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ١٨٩)﴾ [المائدة: ١١٩]. تبيّن هذه الآية الجزاء الذي يليق بالصدق والصادقين، الذين التزموا بهذا الخلق الحميد، فيقول الله تعالى يوم القيامة عقب جواب عيسى عليه السلام مشيرًا إلى صدقه في ضمن بيان حال الصادقين الذين وصححه الألباني في صحيح الترمذي، رقم ١٦٤٢. (٥) انظر: نحو ثقافة إسلامية أصيلة، عمر الأشقر، ص ٢٥٠. ٣٤٤ الخسران هو في زمرتهم، ﴿ قَالَ اَللَّهُ هَذَايَوْمُ﴾ أي: يوم القيامة ﴿يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، ومعنى نفع الصدق صاحبه في ذلك اليوم، أن ذلك اليوم هو يوم الحق، فالصادق ينتفع فيه بصدقه؛ لأن الصدق خلق حسن، فلا يكون له في الآخرة إلا الأثر الحسن. والصادقون: الرسل الناطقون بالصدق الداعون إلى ذلك، والأمم المصدّقون لهم، المعتقدون بهم قولا وعملا، لھم نعیم دائم، وثواب خالد، وهو الفوز الكبير، رضي الله عنهم بالطاعة، ورضوا عنه بنيل الكرامة والرضوان، وهو فيض زائد على الجنات لا غاية وراءه، ولذلك قال تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: نيل الرضوان ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: النجاة الوافرة، وحقيقة الفوز نيل المراد، وقد عظّم الفوز لعظم شأن المطلوب، الذي تعلق به الفوز، وهو الرضى الذي لا مطلب وراءه أصلًا (١). ثانيًا: التوبة من المعاصي: من رحمة الله تعالى بعباده، أن شرع التوبة للعاصي؛ لئلا ييأس من رحمة الله بمجرد المعصية. قال تعالى: ﴿﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُالرَّحِيمُ ﴾ (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١١٨/٧. [الزمر : ٥٣]. وکیلا يزداد العاصي انحرافًا وطغيانًا، فقد جعل له طريق الرجوع إلى الصواب، وهي مبدأ طريق السالكين، ومفتاح سعادة المریدین. قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِّ قُلْ هُوَ أَذَّى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءُ فِىِ الْمَحِيضِّ وَلَا نَقْرَ بُوهُنَّ حَقَّ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَّطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اَللَّهِ جَمِيعًا وقال أيضًا: أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: ٣١]. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم: إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم: لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك، يا ابن آدم: إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة) (٢). قال الحسن البصري: التوبة النصوح: (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، رقم ٣٥٤٠. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غریب)). وصححه الألباني في صحيح الترمذي، رقم ٣٥٤٠. www. modoee.com ٣٤٥ حرف الخاء هي الندم بالقلب، والاستغفار، والترك بالجوارح، والإضمار أن لا يعود؛ ولهذا أوجب الله تعالى التوبة على عباده، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اَللَّهِ جَميعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٣١)﴾ [النور: ٣١]. والتوبة تكون بالقلب واللسان والجوارح، فبالقلب يكون التضرع، والتذلل، وباللسان الاعتراف بالظلم والاستغفار، فعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رچل پذنب ذنبًا، فیتوضا ویحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين، ويستغفر الله عز وجل، إلا غفر له)(١)(٢). وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾ [القصص: ٦٧]. ٦٧ وقوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) [النور: ٣١]. (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة عند التوبة، رقم ٤٠٦، وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في أن الصلاة كفارة، رقم ١٣٩٥. وحسنه الترمذي. (٢) انظر: الأربعين في أصول الدين، الغزالي، ص١٤٣، قطوف دانية من الكتاب والسنة، محمود القيسية، ص ١٨١. أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين والمؤمنات بالتوبة، وهي ترك ما من شأنه أن یغضب الله تعالی، وفعل ما وجب فعله، ومن ذلك غض البصر، وحفظ الفرج، والالتزام بالعفة، والستر، والتنزه عن الإثم صغيره وكبيره، فأعلنوا توبتكم، وارجعوا إلى الله بالطاعات، وامتثال أوامر الله عز وجل لتنالوا رضاه، وتتأهلوا للفلاح، الذي هو الفوز بالنجاة من المرهوب، والظفر بالمحبوب المرغوب -الجنة- والسعادة في الدنيا والآخرة (٣). ثالثًا: التواصي بالحق: من صفات المؤمن التقي الذي يسعى لنيل رضا الله ورضوانه والفوز بجنته، أنه يحرص كل الحرص على التزام الحق في كل حياته وأمورها، ويحرص على دعوة الآخرين للتواصي بالحق، ومن استجاب فقد انطبق عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَيِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: ٣]. والله سبحانه تعالى يحق الحق بكلماته رغمًا عن المشركين الكارهين؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِنَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ (٣) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ٥٦٧/٣، المبصر لنور القرآن، لنائلة صبري، ١٣١/١٨. مَوَسُولَةُ النفسية القرآن الكريمِ ٣٤٦ الخسران دَابِرَ اَلْكَفِرِينَ ، لِيُحِقَّ لُمَّ وَبُطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [الأنفال: ٧-٨]. وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًاٌ فَإِن يَشَِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِىّ اَلَّْ بِكَلِمَتِهِ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) [الشورى: ٢٤]. هذا هو حال الله، ولما لا نكون ممن يتمسك بالحق، ونحرص على نشره وتطبيقه، وأن نتقي الله في ذلك؛ لأن به الفلاح في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. رابعًا: التواصي بالصبر: الصبر فضيلة من أمهات الفضائل، وهو من أبرز الأخلاق التي عني بها القرآن العظيم، ويعتبر من دلائل صدق الإيمان، ووسيلة ضرورية يستعان بها في هذه الدنيا، وهو الدواء الشافي لنفس المصاب حيث يخفّف حزنها وآلامها، فذلك الصبر ضروري للإنسان لما له من قيمة كبيرة دينية وخلقية، فهو ضرورة لازمة له ليرقى ماديًّا ومعنويًّا، ويسعد فرديًّا واجتماعيًّا، فلا ينتصر دين، ولا تنهض أمة إلا بالصبر، والصبر ضرورة دنيوية كما هو ضرورة دينية، فلا نجاح في الدنيا ولا فلاح في الآخرة إلا بالصبر. وهو ضرورة لازمة لأهل الإيمان؛ لأنهم أشد الناس تعرضًا للأذى والابتلاء في أموالهم وأنفسهم، وفي كل عزيز لديهم، وكان أولوا العزم من الرسل أشد المرسلين ابتلاءً، فكان صبرهم محل القدوة والأسوة، كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبِرُ كُمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْبِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَُّمْ كَأَنَهُمْ يَوْمَ يَرَوَّنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّ سَامَةً مِّن نَّهَارِّ بَعٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ [الأحقاف: ٣٥]. ولأهميته أمرنا الله به، في قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ ٢﴾ [الأنفال: ٤٦]. وأخبر الله أنه مع الصابرين في صبرهم في قوله تعالى أيضًا: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّيْرِ وَالصَّلَوْوَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ ﴾ [البقرة: ١٥٣]. يعينهم الله على المشاق، وما يواجهونه في حياتهم، ويكافئهم على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنَفَذٌّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍّ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوّا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١)﴾ [النحل: ٩٦]. وأنواع الصبر ثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على ـة (١). المصيبة (١) انظر: الأخلاق في الإسلام، كايد فرعوس www. modoee.com ٣٤٧ حرف الخاء فيتحلى بخلق الصبر، ويصبر على ما يصيبه فقد أعد الله له الجزاء العظیم، فأولًا يستحق البشری. قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَِّرِينَ ﴾ [البقرة: ١٥٥]. وقال أيضًا: ﴿وَلَيِن صَبِّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَِّرِينَ (٣)﴾ [النحل: ١٢٦]. و کذلك یبیّن الله أنه يحب أهل الصبر في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ ﴾[آل عمران: ١٤٦]. ويعدهم الله بمضاعفة الأجر، فقال: ﴿أُوْلَكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ﴾ [القصص: ٥٤]. وبیّن الله أيضًا أن ثوابهم غير محدود، بل هو موكول لفضل الله تعالى الذي لا حدود له ولا قیود. قال تعالى: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: ١٠]. ولهم الفوز والفلاح يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِّ جَزَيْتُهُمُ اَلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ ﴾ [المؤمنون: ١١١]. الْفَابِرُونَ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قال تعالى: أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. يحض الله تعالى المؤمنين في هذه الآية وخالد القضاة وغيرهم، ص ١٢٣. جَوَسُوع القرآن الكريم والمؤمن الذي يستجيب لأمر الله على ما يوصلهم إلى الفلاح وهو: الفوز بالسعادة والنجاح، والطريق الموصل إلى ذلك هو: لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس عما نكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم الله بالصبر على جميع ذلك، وأمرهم بالمصابرة أيضًا وهي: لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه(١). وقيل: ((﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُوا﴾ بمعنى واحد للتأكيد، وقال الحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جريج: اصبروا على طاعة الله في تكاليفه، وصابروا أعداء الله في الجهاد. ورابطوا في الثغور في سبيل الله، وقيل: استعدوا للجهاد))(٢)، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُؤَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ اَللَّهُ يَعْلَمُهُمّْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ [الأنفال: ٦٠]. ﴿وَأَّقُواْ اللّهَ ﴾ أي: ((خافوه فلا تعصوه، واعملوا بما أنزل، ولا تھملوه، وارضوا بما قسم فلا تكفروه، واستعدوا لیوم الرحیل فلا تنسوه، ثم تأتي النتيجة بعد ذلك ﴿لَعَلَّكُمْ (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٢٩. (٢) البحر المحيط، أبو حيان، ٤٨٥/٣. ٣٤٨ الخسران تُفْلِحُونَ﴾، أي: لتفلحوا، وتلك نتيجة أكيدة ويقينية، فمن صبر، وصابر، ورابط، واتقى الله نال السعادة في الدنيا، ودار الكرامة في الآخرة، وسعد برضوان من الله ذلك هو الفوز العظيم)»(١). (١) في رحاب التفسير، كشك، ١/ ٧٦٣. عقوبة الخاسرين ذكر القرآن الكريم بعضًا من العقوبات التي تلحق بالخاسرين في الدنيا والآخرة، وبيان ذلك فيما يأتي: أولًا: عقوبة الخاسرين في الدنيا: فعقوبة الخاسرين في الدنيا، حرمانهم من أفضل نعمة أنعمها الله علينا ألا وهي نعمة الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كُمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوّا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: ٢٠]. يقول الماوردي: ((﴿الَّذِينَ خَسِرُوّا أَنفُسَهُمْ﴾ فيها تأويلان: أحدهما: أنهم خسروا بالكفر منازلهم وأزواجهم في الجنة؛ لأنه ليس أحد من مؤمن ولا كافر إلا وله منازل وأزواج، فإن أسلموا كانت لهم، وإن كفروا كانت لمن آمن من أهلهم، وهو معنى قوله تعالى: الَّذِينَ يَرِقُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ ٢﴾ [المؤمنون: ١١]. والثاني: معناه: غبنوها فأهلكوها بالكفر والتكذيب))(٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [المنافقون: ٩]. وقوله: ﴿قَالَ نُحُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنٍ وَأَتَّبَعُواْ مَن أَوْيَزِدُهُ مَالُهُ, وَوَلَدُهُنِإِلََّ خَسَارًا﴾ [نوح: ٢١]. (٢) النكت والعيون، ٢/ ١٠٠. www. modoee.com ٣٤٩ حرف الخاء فتوضّح هذه الآيات أن سبب حرمانهم من الإيمان، انغماسهم في ملذات الدنيا وشهواتها وذلك بالانشغال في جمع الأموال وإكثارها، والانشغال بالأولاد، والسعي وراء الشهرة والمكانة، مع غيرها من الأسباب الأخرى، ألهاهم ذلك كله عن الإيمان بالله وعبادته وذكره، وبالفساد في الأرض بكل أشكاله، فكان سببًا في خسارتهم، وبإضلالهم وعدم هدایتھم، وعدم نيل مغفرة الله ورحمته، وأن يغفل عن شيء مهم، وهو أن الله عز وجل أو جدنا على سطح الأرض في هذه الحياة الدنيا لهدف وغرض، ألا وهو عبادة الله سبحانه وتعالى. والدين إذا لم يصل بصاحبه إلى هذا الخضوع والانقياد لله تعالى كان رسومًا وتقاليد لا تجدي شيئًا، بل تزيد النفوس فسادًا، والقلوب ظلامًا، ويكون حينئذٍ مصدر الشحناء والعداوة بين الناس في الدنيا، ومصدر الخسران في الآخرة بالحرمان من النعيم المقيم، والعذاب الأليم، وبالتالي يكون جزاء من يقبل بغير الإسلام دينًا أنه في الآخرة من الخاسرين؛ لأنه أضاع ما جبلت عليه الفطرة السليمة من توحيد الله والانقياد له، كما جاء في الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء)(١). فخسر نفسه بضياع رضوان الله، وخسر النعيم المقيم، ورحمة الله، فألقي في الجحيم(٢). اللهم هب لنا الإخلاص، وأنر به بصائرنا، وامنحنا قبولك ورضاك يا أرحم الراحمين. ومن العقوبات للخاسرين في الدنيا أيضًا حبوط الأعمال وخسارتها، فلو تساءلنا كيف يخسر الإنسان أعماله؟ كما نعلم أن العمل للآخرة ميدانه هذه الحياة الدنيا، ومدّته لكل إنسان عمره، من حین یبلغ الحلم، إلى أن يدركه الأجل، وهو لهذا جاء إليها، وأعطي الفرصة فيها، قال تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالَيَةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَبُّكُو أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: ٢]. فكل إنسان يجازى على حسب عمله في الحياة الدنيا، فإن عمل عملًا حسنًا نال الجزاء الحسن، وإن عمل عملا سيئاً، نال الجزاء السيء علی حسب عمله، كما يقال: إن الجزاء من جنس العمل، عن أبي بكرة أن رجلًا قال: (يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: (من طال عمره وحسن عمله). قال: فأي الناس شر؟ قال: (من طال عمره وساء (١) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم ١٣٨٥. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٨٥/٢، تفسير المراغي، ٢٠٤/١، زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، ١٣٠٢/٣. ٣٥٠ جَوَسُور القرآن الكريم