Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ ٩ عناصر الموضوع ١٧٦ مفهوم الحياة ١٧٨ الحياة في الاستعمال القرآني ١٧٩ الألفاظ ذات الصلة ١٨١ حقيقة الحياة وأهميتها ١٨٥ نظرة الناس للحياة ١٨٨ الحياة الدنيا في القرآن ١٩٧ الحياة البرزخية ٢٠٢ الحياة الآخرة في القرآن ٢١٤ المقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة المُجَلَّدَ الثَّالِثْ عَشَر حرف الحاء مفهوم الحياة أولًا: المعنى اللغوي: الناظر في معاجم العربية يجد أن مادة (حيّ) تدور حول أصلین، كما أشار ابن فارس: ((الحاء والياء والحرف المعتلّ أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الّذي (هو) ضدّ الوقاحة. فأمّا الأوّل فالحياة والحيوان، وهو ضدّ الموت والموتان. ويسمّى المطر حيًّا لأنّ به حياة الأرض. والأصل الآخر: قولهم استحييت منه استحياءً)) (١). والحياء: «تغيير وانكسار يعتري الإنسان من خوف وما یعاب به»(٢). ((وأما الاستحياء بمعنى الاستبقاء: فحقيقته طلب الحياة وإرادة أن يكون فرد آخر حيًّا في مقابل من يريد الموت والهلاك، ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]. وقد ذكر في مقابل الذبح والقتل: ﴿سَنُقَيِّلُ أَبْنَءَهُمْ وَنَسْتَحِيْ نِسَآءَ هُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ﴿يُذَتِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَ كُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]))(٣). وبين الأصلين علاقة؛ ((فالحياء من قوة الحس ولطفه وقوة الحياة))(٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: («الحياة: في الأصل: الروح وهي الموجبة لتحرك من قامت به، ذكره العكبري. وقال الحرالي: الحياة تكامل في ذات ما أدناه حياة النبات بالنمو والاهتزاز مع انغراسه إلى حياة ما يدب بحركته وحسه إلى غاية حياة الإنسان في تصرفه وتصريفه إلى ما وراء ذلك من التكامل في علومه وأخلاقه. وقال في موضع آخر: الحياة كل خروج عن الجمادية من حيث إن معنى الحياة بالحقيقة تكامل الناقص))(٥). وقال الشريف الجرجاني: ((الحياة هي صفة توجب للموصوف بها أن يعلم ويقدر))(٦). وقال الراغب: ((الحياة تستعمل على أوجه: الأوّل: للقوّة النّامية الموجودة في النّبات والحيوان، ومنه قيل: نبات حيٌّ، قال عزّ وجلّ: (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٢/٢. (٢) القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص١٠٩. (٣) التحقيق في كلمات القرآن الكريم، المصطفوي ٣٩٥/٢-٣٩٦. (٤) المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي ٥/٢. (٥) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٤٩. (٦) التعريفات، ص ٨٣. جَوَسُولَةُ التَفيمـ القرآن الكريم ١٧٦ هية ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٧]. ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا﴾ [ق: ١١]، [الأنبياء: ٣٠]. الثاني: للقوّة الحسّاسة، وبه سمّي الحيوان حيوانًا، قال عزّ وجلّ: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَهْلَةُ وَلَا اٌلْأَمْوَتُ﴾ [فاطر: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿أَلَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا(٥) أَحْيَاءُ وَأَمْوَانًا﴾ [المرسلات: ٢٥-٢٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْقَ إِنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فصلت: ٣٩]. فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا﴾ إشارة إلى القوّة الّامية، وقوله: ﴿لَمُحِى الْمَوْقَ﴾ إشارة إلى القوّة الحساسة. الثالث: للقوّة العاملة العاقلة، كقوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقول الشاعر: وقد أسمعت لو نادیت حيًّا ولكن لا حياة لمن تنادي والرابع: الحياة الأخرويّة الأبديّة، وذلك يتوصّل إليه بالحياة التي هي العقل والعلم، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِْيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقوله: ﴿يَلَيَّتَنِ قَدَّمْتُ ◌ِحَاتِ﴾ [الفجر: ٢٤]، يعني بها: الحياة الأخرويّة الدّائمة. والخامس: الحياة التي يوصف بها الباري، فإنه إذا قيل فيه تعالى: هو حيّ، فمعناه: لا يصحّ عليه الموت، وليس ذلك إلّا لله عزّ وجلّ))(١). فالمعنى الاصطلاحي متوافق مع المعنى اللغوي على الأصل الأول الذي يدل على خلاف الموت. (١) المفرادات، الراغب الأصفهاني ص ١٣٨ -١٣٩. www. modoee.com ١٧٧ حرف الماء الحياة في الاستعمال القرآني وردت مادة (حبي) الدالة على الحياة في القرآن الكريم (١٧٥) مرة (١). والصيغ التي جاءت هي: الصيغة عدد المرات ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ١٧ [المائدة: ٣٢] وَإِذْ قَالَ إَِهِمُ رَبِّىَ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِيء الفعل المضارع ٤٦ وَأُمِيتُ ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ﴿قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، وَأَسْتَحْيُواْ فعل الأمر ١ نِسَآءَ هُمْ ﴾ [غافر: ٢٥] المصدر ٧٩ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦] اسم الفاعل ٢ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْىِ الْمَوْقَى﴾ [الروم: ٥٠] الاسم ٣٠ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وجاءت (الحياة) في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه (٢): الأول: الخلق الأول ونفخ الروح، قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمِّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَمُونَ )) فخلقكم وجعل فيكم الأرواح. الثاني: الإيمان والهدى، قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، يعني: فهدیناء للإيمان. الثالث: الإبقاء على قيد الحياة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، يعني: ومن أبقاها فكأنما أبقى الناس جميعًا. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص٢٢٣ - ٢٢٥. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص ٢٢٠ - ٢٢٢، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص١٨٦ - ١٨٨، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص٢٥٣، ٢٥٤. جوبين القرآن الكريمِ ١٧٨ المثال الفعل الماضي [البقرة: ٢٨]، يعني: كنتم نطفًا الألفاظ ذات الصلة النماء: ١ النماء لغة: يقول ابن فارس: (((نمى) النّون والميم والحرف المعتلّ أصلٌ واحدٌ يدلّ على ارتفاعِ وزيادةٍ (١). النماء اصطلاحًا: لا يخرج عن المعنى اللغوي، فهو الزيادة سواء أكانت حقيقية أم تقديرية. الصلة بين الحياة والنماء: ((أن الحياة هي ما تصير به الجملة كالشيء الواحد في جواز تعلق الصّفات بها، فأما قوله تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] فمعناه: أنا جعلنا حالها كحال الحيّ في الانتفاع بها، والصّفة لله بأنّه حيّ مأخوذه من الحياة على التّقدير، والنماء يزيد الشّيء حالًا بعد حال من نفسه، لا بإضافة إليه فالنبات ینمي ویزید وليس بحي، والله تعالى حيّ ولا ينام ولا يقال لمن أصاب ميراثا أو أعطي عطيّة: إنه قد نمى ماله، وإنّما يقال: نمى ماله إذا زاد في نفسه، والنماء في الماشية حقيقة؛ لأنّها تزيد بتوالدها قليلًا قليلً، وفي الورق(٢) والذّهب مجاز، ويقال للأشجار والنبات: نوام؛ لأنّها تزيد في كل يوم إلى أن تنتهي إلى حد التّمام))(٣). العيش: ٢ العيش لغة: يقول ابن فارس: (((عيش) العين والياء والشّين أصلٌ صحيحٌ يدلّ على حياةٍ وبقاءٍ، قال الخليل: العيش لغة: الحياة. والمعيشة: الّذي يعيش بها الإنسان: من مطعم ومشربٍ وما تکون به الحیاة. العیش اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي. (١) مقاييس اللغة ابن فارس ٤٧٩/٥. (٢) الوَرِق - بكسر الراء -: الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة. انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص ١٠٢٦. (٣) الفروق اللغوية، العسكري ص ١٠٢. www. modoee.com ١٧٩ حرف الحاء الصلة بين الحياة والعيش: قال الراغب: ((العيش: أخصّ من الحياة، لأنّ الحياة تقال في الحيوان، وفي الباري تعالى، وفي الملك، ويشتقّ منه المعيشة لما يتعيّش منه))(١). والحياة صفة ذاتية بها يستمر الوجود، وأما العيش فهو كيفية حادثة عارضة بعد الحياة(٢). وقيل: بينهما عموم وخصوص، فالعيش هو الحياة المختصة بالأجسام، ويشتق منه المعيشة، وهو كل ما يتعيش منه ويقيم الأود، ويلبي رغبات الجسم، من مأكل ومشرب ومسكن ومنكح وغير ذلك(٣). ٣ الروح: الروح لغة: أصل مادة (روح) تدلّ على سعةٍ وفسحةٍ واطّرادٍ، وأصل ذلك كلّه الريح. والرّوح: روح الإنسان، وهي مشتقّةٌ من الرّيح (٤). الروح اصطلاحًا: قال القرطبي: ((والروح: جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم))(٥). وقال عنها المراغي: ((إنها جسم نوراني، علويّ، خفيف، حي، متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسرى فيها سريان الماء في الورد، والنار في الفحم)) (٦). وقال البغوي في تفسيره: ((والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان))(٧). الصلة بين الحياة والروح: أن لكل كائن حي حياة تناسبه، ولا يلزم من ذلك أن يكون فيه الروح الخاصة بالحيوان الحي المتحرك بالإرادة، فالشجر والنباتات عامة ليس فيها روح، مع أن فيها حياة، وهذا أمر معلوم بالاضطرار. (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٥٣. (٢) التحقيق في كلمات القرآن، المصطفوي ٣٣٨/٨. (٣) مفهوم الحياة في القرآن والحديث، د.محمد الأحمدي ص ١٠٧. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ص٤٥٤. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤/١٠. (٦) تفسير المراغي ٤ / ١٧٦ . (٧) معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٣٨٠. ١٨٠ القرآن الكريمِ حقيقة الحياة وأهميتها «إن الحياة في مفهومها الإسلامي ليست هي هذه الفترة القصيرة التي تمثل عمر الفرد وعمر الأمة من الناس، كما أنها ليست هي الفترة المشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الحياة الدنيا. إن الحياة في مفهومها الإسلامي تمتد في الزمان، فتشمل هذه الفترة المشهودة-فترة الحياة الدنيا- وفترة الحياة الآخرة، وتمتد في المكان، فتضيف إلى هذه الأرض التي یعیش علیها البشر، دارًا أخرى: جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، ونارًا تسع الكفرة من جمیع القرون. وتمتد الحياة في حقيقتها، فتشمل هذا المستوى المعهود في الحياة الدنيا، إلى تلك المستويات الجديدة في الحياة الآخرة ... في الجنة والنار سواء، وهي ألوان من الحياة ذات مذاقات ليس من مذاقاته هذه الحياة الدنيا))(١). أولًا: حقيقة الحياة الدنيا: ١. دار استخلاف. تكمن قيمة وأهمية الحياة الدنيا في میزان القرآن أنها الدار التي استخلف الله عز وجل فيها عباده من أجل حمل أمانة الاستخلاف (١) الحياة في القرآن الكريم، أحزمي سامعون ٢٣٩/١. والقيام بمقتضيات العبودية وحق الربوبية. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَتَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِّ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٣٠]. ((وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود، زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين، والتحليل والتركيب، والتحوير والتبديل، وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات، وتسخير هذا كله -بإذن الله- في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه. وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة، والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات، ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية)»(٢). هذه المهمة جعلت الإنسان موضع التكليف والمسئولية، والمكلف مأمور، تجب عليه الطاعة وهو مسئول عن عمله، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْتَها وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ، كَانَ ظَلُومًا [الأحزاب: ٧٢]. جَهُولًا ﴾ (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ٥٦. www. modoee.com ١٨١ حرف الحاء ويرتبط الاستخلاف في الحياة الدنيا الأرض ((أيًا كان مكانه فى المجتمع، غنيًّا بعمارة الأرض وفق المنهج الرباني من أجل أو فقيرًا، عالمًا أو جاهلًا، قويًّا أو ضعيفًا، إقامة العدل وتحقيق الإصلاح، والبعد عن الظلم والطغيان، وكل ما من شأنه أن يكون وسيلة للإفساد والتخريب في هذه الأرض. وهذا الإصلاح يرتبط بالإيمان الصادق والطاعة الدائمة والعبادة الخاشعة، والعلم النافع المثمر. ولقد امتن الله تعالى على بني آدم بهذه النعمة الكبرى والتي تظهر تكريمه سبحانه لهم، وإحسانه إليهم فقال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَبِكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآ ءَاتَنْكُنْ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. «أي: إن ربكم الذي هو رب كل شىء هو الذي جعلکم خلائف هذه الأرض بعد أمم قد سبقت، وفی سیرها عبر وعظات لمن ادكر وتدبر، وكذلك هو قد رفع بعضكم فوق بعض درجات فى الغنى والفقر، والقوة والضعف، والعلم والجهل، ليختبركم فيما أعطاكم، أي: ليعاملكم معاملة المختبر لكم فى ذلك، ويبنى الجزاء على العمل، إذ قد جرت سنته فى أن سعادة الناس أفرادًا وجماعات فى الدنيا والآخرة أو شقاءهم فيهما تابعة لأعمالهم وتصرفاتهم)) (١). وعلى هذا فإن الإنسان خليفة في (١) تفسير المراغي، ٣ / ٢٥٤. ومن واجبه أن يعمل بمقتضى هذه الخلافة، ويجمع إلى يديه أسبابها ومقوّماتها، وإنه لمن ظلم الإنسان لنفسه، ومن استصغاره لوجوده، أن يسفّ وينحدر عن هذا المستوي الكريم الذي رفعه اللّه إليه، فيتحول إلى كائن حيوانيّ ذليل، يقاد فينقاد، ويستذل فيذلّ، حتى لينعزل عن العالم الإنساني، ويصبح على غير الخلق السويّ الذي خلقه الله علیه»(٢). ٢. دار ابتلاء. اقتضت سنة الله في الحياة الدنيا أن تكون دار ابتلاء واختبار، يتقلب فيه العباد بين السراء والضراء، والشدة والرخاء، واليسر والعسر، ((ذلك أن طبيعة الحياة الدنيا، وطبيعة البشر فيها، تجعلان من المستحيل أن يخلو المرء فيها من كوارث تصیبه، وشدائد تحل بساحته، فكم يخفق له عمل أو یخیب له أمل. أو يموت له حبيب أو یمرض له بدن، أو یفقد منه مال، أو .. أو .. إلى آخر ما يفيض به نهر الحياة ... ))(٣). قال الله عز وجل: ◌َالَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَبُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٣٥٩/٤. (٣) الإيمان والحياة، يوسف القرضاوي ص ١٧٨. ١٨٢ جَوَبُور القرآن الكريم [الملك: ٢]. وهكذا ((ليست المسألة مصادفة بلا تلبیر، وليست كذلك جزافًا بلا غاية، إنما هو الابتلاء لإظهار المكنون في علم الله من سلوك الأناسي على الأرض، واستحقاقهم للجزاء على العمل))(١). أما مادة الابتلاء فهي زينة هذه الأرض كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى اُلْأَرْضِ زِينَةٌ لََّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ٧ وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدً ا جُزًا )﴾ [الكهف: ٧-٨]. إن ((جميع ما على وجه الأرض، من مآكل لذيذة، ومشارب، ومساكن طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، ورياض أنيقة، وأصوات شجية، وصور مليحة، وذهب وفضة، وخيل وإبل ونحوها، الجميع جعله الله زينة لهذه الدار، فتنة واختبارا)) (٢). وقد عرضت آيات القرآن الكريم أهم شهوات الدنيا المادية وهي في ذاتها تمثل صورة من صور الزينة. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦ / ٣٦٣٢. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٤٧. الدُّنَّا وَالَهُ عِندَهُ، حُسْبُ الْمَشَابِ عمران: ١٤]. [آل («هذه زينة الحياة الدنيا، وهذه متعها، وهي مصدر الخير، ومصدر الشر فيها، وبها تكون الرفعة، وبها يكون السقوط، وبها تكون العزة، وبها تكون الذلة؛ والإرادة الإنسانية هي التي تجعلها في أحد الطريقين، فإن كانت الإرادة قوية حازمة جعلت من هذه الأمور مصدر خير وطريقًا إلى الجنة، وإن تحكّم الهوى وغلب الشيطان، وضعف الوجدان الديني، كانت هذه الأمور مصدر شر وطريقًا إلى النار؛ فهي طريق الجنة عند الأبرار، وطريق النار عند الأشرار، وكل امرئ وما تهوی نفسه»(٣). والابتلاء في هذه الزينة والشهوات تارة يكون بالسراء وتارة بالضراء، بالمنع والعطاء، كما قال الله عز وجل ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وفي هذه الآية: إشارة إلى أن الابتلاء بما يمثله من امتحان لتقلب البشر بين السراء والضراء، والخير والشر ضروري لإظهار قوة الإيمان في النفس أو ضعفه فيها، حیث تقاوم النفس -فى لحظات الضراء- مشاعر الجزع والهلع لتتذوق حلاوة الصبر والرضا والتسليم، كما تتمرس على الحمد والشكر في لحظات السراء بما يعصمها من البطر (٣) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٢/ ١١٣١. www. modoee.com ١٨٣ حرف الحاء والعجب والغرور. ثانيًا: أهمية الحياة الدنيا: إن الحياة الدنيا حينما تقاس بمقاييسها الدنيوية، وتوزن بموازينها تبدو في العين والحس أمرًا عظيمًا هائلًا، وشيئًا جميلًا رائعًا، ولكنها حين تقاس بمقاييس الوجود، وتوزن بميزان الآخرة، تبدو شيئًا زهيدًا تافهًا؛ فهي لعب وضياع ولهو وتفاخر، وغرور خادع، وأمل كاذب، وظل زائل. فما هذه الحياة إلا مرور عابر واستراحة مسافر، ولكنها مع كل ذلك يمكن أن يجعل منها الإنسان مجالًا لسروره، ومیدانًا لحبوره، وفرصة لخلوده، ومقرًّا لرفعته، ومحطة لغناه، وسوقًا لمناه، وفوزًا بمبتغاه. يقول الإمام ابن القيم: ((فالدنيا فى الحقيقة لا تذم، وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها، وهي قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار، ولكن لما غلبت عليها الشهوات، والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة، فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها وهو الغالب على اسمها، صار لها اسم الذم عند الاطلاق، وإلا فهي مبنى الآخرة ومزرعتها، ومنها زاد الجنة، وفيها اكتسبت النفوس الايمان، ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته، وخير عیش ناله أهل الجنة فى الجنة، إنما كان بما زرعوه فيها، وكفى بها مدحًا وفضلًا لأولياء الله فيها من قرة العيون، وسرور القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح، والنعيم الذي لا یشبهه نعيم، بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والأنس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته والإقبال عليه والاشتغال به عن سواه، وفيها كلامه ووحیه وهداه وروحه الذى ألقاه من أمره، فأخبر به من شاء من عباده))(١). مما سبق يتضح أنه لا انفصال في التصور القرآني للحياة بين الدنيا والآخرة، فالطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا عبر بوابة الإيمان ومدارج التقوى. فهما طريقان يكمل بعضهما البعض، طريق يجتمع فيه العمل مع العبادة في اتحادٍ وتعاضد، فكلاهما يحقق غاية وجود الإنسان على هذه الأرض وهو تحقيق العبودية الخالصة لله عز وجل. فكل أعمال المؤمن في هذه الحياة تتحول - إن صحت النية - إلى عبادة يجني ثمارها في الدنيا قبل الآخرة، حيث يتنعم في ظلالها بالحياة الطيبة التي وعده ربه عز وجل بها في كتابه مع ما ينتظره في الآخرة من النعيم والتكريم الذي لا يخطر على البال. (١) عدة الصابرين، ابن القيم ص٣٣١-٣٣٢. ١٨٤ جوبيـ القرآن الكريمِ نظرة الناس للحياة تختلف نظرة الناس للحياة وفقًا لاختلاف عقائدهم وأفكارهم وتصوراتهم التي تنبع من المنهج الذي يستقون منه معرفتهم، فالمؤمنون الذين يجعلون القرآن الكريم منهج حياتهم يعلمون أنها دار زائلة فانية يتزودون فيها بما ينفعهم للفوز والنجاة في الآخرة؛ لذا يترفعون عن الشهوات والملذات إلا بالقدر الذي يحقق لهم الحياة ويعينهم على أداء وظيفة العبودية. أما غير المؤمنين وقد اتبعوا مناهج أرضية مختلفة وأعرضوا عن منهج القرآن فقد أضحت الدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم ومنتهى آمالهم، فكل سعيهم وجهدهم وتحركاتهم وعلاقاتهم من أجل نيل متاعها الزائل والافتخار بزخارفها الخادعة. أولًا: نظرة المؤمنين: ينظر المؤمنون إلى الحياة الدنيا فيرونها على حقيقتها کما وصفها کتاب ربهم: دار ابتلاء ومحن، دائمة التقلب وسريعة الزوال ولا تدوم على حال، مزينة بالشهوات، تغر الناظرين بزخارفها ومفاتنها، فيتخذونها وسيلة لا غاية، لا يتركونها بالكلية كما يفعل الرهبان أو يهجرون طيباتها أو يفرون من فتنتها بالعزلة والصمت، ولا يتكالبون على شهواتها وملذاتها بدون ضابط أو رادع. فهم يمارسون فيها وظيفة العبودية ويتقربون إلى ربهم بالأعمال الصالحات على أساس من الإيمان والتقوى، واضعين نصب أعينهم أن هذه الحياة مزرعة الآخرة، فما زرعه الإنسان في هذه الحياة سيحصد ثماره في الحياة الآخرة، تلك الحياة الحقيقية التي تهفو لها القلوب وتتطلع لها الأبصار حيث النعيم المقيم والسعادة الدائمة. وهذه النظرة المتوازنة للحياة الدنيا يستقيها المؤمن من قول ربه عز وجل: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَئِكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] ((لقد خلق الله طيبات الحياة ليستمتع بها الناس، وليعملوا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها، فتنمو الحياة وتتجدد، وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض، ذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة، فلا ينحرفون عن طريقها، ولا يشغلون بالمتاع عن تكاليفها، والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمنعم، وتقبل لعطاياه، وانتفاع بها، فهو طاعة من الطاعات يجزي عليها الله بالحسنى .. وهكذا يحقق هذا المنهج التعادل والتناسق في حياة الإنسان، ويمكنه من الارتقاء الروحي الدائم من خلال حياته الطبيعية المتعادلة، التي لا حرمان فيها، ولا إهدار لمقومات الحياة www. modoee.com ١٨٥ حرف الحاء الفطرية البسيطة))(١). كما يدرك المؤمنون قيمة هذه الحياة الدنیا من التشبيه النبوي الرائع لها (عن جابر بن عبد اللّه، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مرّ بالسّوق، داخلًا من بعض العالية، والنّاس كنفته (٢)، فمرّ بجديٍ أسكّ(٣) مَيّتٍ. فتناوله فأخذ بأذنه. ثمّ قال: (أَيُكم يحبّ أنّ هذا له بدرهم)، قالوا: ما نحبّ أنّه لنا بشىءٍ. وما نصنع به؟ قال: (أتحبّون أنّه لكم)، قالوا: واللّه! لو كان حيًّا، كان عيبًا فيه، لأنّه أسكٌ، فكيف وهو مّتٌ؟ فقال: (فوالله! للدّنيا أهون على اللّه، من هذا عليكم) (٤). وهكذا .. عندما تكون الحياة الدنيا في حس المؤمن دار ممر إلى الحياة الحقيقية في الآخرة، عندها لاينخدع بزينتها وزخارفها، بل يجعلها وسيلة لعمارة هذه الأرض وفق المنهج الرباني، ويصبح شاغله الشاغل فيها هو استعمال ما وهبه الله فيها من نعم وقدرات فيما يقربه من مولاه، وفيما ينفعه في الآخرة، فكل ما يغرسه من أعمال صالحة في الدنيا يجد ثمراته في الآخرة، (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥ / ٢٧١١. (٢) وفي بعض النسخ: کنفتیه، معنی الأول جانبه، والثاني جانبيه. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ٩/ ٢٩٤. (٣) أي: صغير الأذنين. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ٩/ ٢٩٤. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، أول كتاب الزهد والرقائق، ٢٢٧٢/٤، رقم ٢٩٥٧. الحياة الحقيقية اللائقة بهذا المخلوق المكرم. ثانيًا: نظرة الكافرين: أما نظرة الكافرين إلى الحياة الدنيا فهي نظرة المخدوع بزينتها، العاشق لشهواتها، الغارق في أهوائها، فهم لا يمدون أبصارهم إلى أبعد من مواقع أقدامهم، يرونها الفرصة الوحيدة لإشباع ملذاتهم وشهواتهم .. أما الآخرة فلا تخطر على بالهم ولا تشغل همهم، فعشق الدنيا أعمى أبصارهم وطبع على قلوبهم، تمامًا كما وصفهم الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَِهِرًا مِّنَ اْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ٧ [الروم: ٧]. ((أي: مبلغ علمهم لا يتعدى مابه معاشهم في الحياة الدنيا، بصيرين بسبل رخائهم المادي في الدنيا، عمين عن طريق سعادتهم في الدنيا والآخرة، فهي حياة الحواس واللذة. والحضارة المتنكرة للدين وخالق الكون، الفاقدة لكل إشارة إلى معنى وجود الإنسان ووظيفته وغايته ومصيره بعد الموت، فلا تجد في سلم قيمها إلا مصطلحات من قبيل: اختراع، واقتصاد، وتنمية، وتمويل، ومواد أولية، وسوق، واستهلاك، ودخل فردي، ومستوى معيشة، ١٨٦ القرآن الكريم إلى آخر القاموس)»(١). وهذه النظرة المنحرفة للحياة الدنيا -والتي تصدر عن عقيدة فاسدة- تدفعهم لاتباع الباطل والدفاع عنه، وسلوك سبيل الضلال، وإيثار الفساد على الإصلاح، والطغيان على العدل والإنصاف .. فعندما يتصور الإنسان أن هذه الحياة الدنيا هي نهاية المطاف وأنه لا حياة خالدة بعدها، عندها یندفع کالوحش المفترس نحو شهوات الدنيا وزينتها يغترف منها بلا ضابط أو رادع، ويتقاتل من أجل متاعها ويتصارع في سبیل الاستئثار بملذاتها، حتى أنه یرتکب في سبيل تحصيل لذاتها ومشتهياتها أبشع الجرائم وأخس الأفعال، ولم لا يفعل ذلك، وهي في حسه الفرصة الوحيدة المتاحة لإرواء شهواته وإشباع نهمه، وعندها تختفي كل معاني الإنسانية وتغيب القيم العليا والعواطف النبيلة لتتحول الأرض إلى غابة يفترس فيها القوي الضعيف، ويبغى الغني على الفقير، وهذا الأمر ظاهر للعيان -خاصة- في العالم الغربي الذي لا يؤمن إلا بهذه الحياة الدنيوية. لذا توعد الله عزوجل أولئك الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ (١) مفهوم الحياة في القرآن والحديث، د. محمد الأحمدي ص ٢٥٧. بِكْخَيَوْمِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ ( أُوْلَكَ مَأْوَنَّهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٥)﴾ [يونس: ٧-٨]. مما سبق يتضح لنا الفرق بين نظرة المؤمنين ونظرة الكافرين إلى الحياة الدنيا، فشتان شتان بين نظرة تقود صاحبها إلى الحياة الطيبة والسكينة النفسية في الحياة الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة، وبين نظرة تلقي صاحبها في أتون الهم والشقاء، والقلق والحيرة والاضطراب في الحياة الدنيا، والعذاب والخسران والهوان في الآخرة .. شتان شتان بين مصير المؤمنين ومصير غير المؤمنين في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى واصفًا أحوال المؤمنين: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْقَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ. حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم ◌ِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: ٩٧]. وقال سبحانه واصفًا أحوال غير المؤمنين: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ. مَعِيِشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤]. فما أبعد الشقة بين الفريقين! www. modoee.com ١٨٧ حرف الحاء الحياة الدنيا في القرآن أولًا: وصف الحياة الدنيا: عرضت الآيات القرآنية صفات الحياة الدنيا بما يجلي حقيقتها، ويكشف عن قيمتها في میزان الله عز وجل حتى لا ينخدع الناس بها أو يغفلون بسببها عن الحياة الحقيقية في الآخرة. وفيما يلي نعرض بعض أوصاف الحياة الدنيا كما جاءت في القرآن: ١ . متاع. وردت لفظة متاع مضافة إلى (الحياة) في كتاب الله (٧) مرات: آل عمران ١٤، التوبة ٣٨، يونس ٢٣، القصص ٦٠، ٦١، الشورى ٣٦، الزخرف ٣٥. ووردت مرة مضافة إلى (الدنيا) في النساء ٧٧. ووردت مضافة إلى (الغرور) في موضعين: آل عمران ١٨٥، الحديد ٢٠. ونستنتج من ذلك أن لفظ (المتاع) لم يضف إلا للدنيا وغرورها، ولم يوصف نعيم الآخرة بأنه متاع؛ لأنه نعيم كامل باق لا يفنى ولا يزول. قال ابن منظور في اللسان: ((قال الأزهري: فأما المتاع في الأصل فكل شيء ينتفع به ويتبلّغ به ويتزود، والفناء يأتي عليه في الدنيا))(١). وفي الاصطلاح العام هو كل ما أوتي الإنسان في الحياة الدنيا من نساء وبنين ومساكن وأموال، كما قال الله عز وجل ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَاَلْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْمِ وَالْحَرْثُ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا وَالَهُ عِندَهُ حُسْبُ الْمَعَابِ ﴾ [آل عمران: ١٤] وقد جعل هذا المتاع فتنة وإمتحانًا. قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَثَّعْنَا بِّ أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوِ الدُّنْيَالِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ ﴾ [طه: ١٣١]. ١٣٦ رَيِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى: ونقطة الابتلاء في حياة الإنسان هي هذا المتاع الذي وهبه ربه، هل يتناول منه القدر الذي أباحه الله وأحله، أم ينتهب ما حرم الله ولا يلتزم بطاعته؟ كما بينت الآيات أن هذا المتاع قليل وزائل لزوال الحياة الدنيا نفسها وانقضائها، قال عز وجل: ﴿وَمَآ أُوِتُمْ مِن شَىْءٍ فَمَتَعُ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَاْ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [القصص: ٦٠]. ٦٠ كما أنه متاع يخدع الغافلين ويغر المغرورين، قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ الْوَّتِ وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ (١) لسان العرب، ابن منظور ٤١٢٧/٦. ١٨٨ الْقُرآن الكَرِيمِ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازُّ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ مواضع: الأنعام ٣٢، العنكبوت ٦٤، محمد ٣٦، الحديد ٢٠. الْفُرُورِ (ص)﴾ [آل عمران: ١٨٥] ((وما الحياة الدنيا التي نعيشها ونستمتع بها باللذات الجسدية من طعام وشراب والمعنوية من جاه ومنصب وسمو إلا كالمتاع المشترى بخداع وتغرير، ثم یتبین فساده ورداءته؛ لأن صاحبها دائمًا مغرور مخدوع بها، أو لأنها حقيرة متروكة فانية زائلة، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ ١٧ اَلْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ا وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦-١٧]، وفي الحديث: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في الیم، فلينظر بم يرجع)(١))(٢). وتهوين شأن الدنيا على هذا النحو لمن آثرها على الآخرة، قال سعيد بن جبير: «إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ))(٣). فهل ينخدع العاقل بهذا المتاع ويضحي من أجله بنعيم خالد وسعادة سرمدية ؟، ألا إنها الحماقة التي لا يرتكبها إنسان يسمع ویری! ٢. لعب ولهو. ورد اللعب واللهو صفة للدنيا في أربعة (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، رقم ٢٨٥٨. (٢) التفسير المنير، وهبة الزحيلي ٤ / ١٩٤. (٣) الكشاف، الزمخشري ١/ ٦٧٠. و((اللعب واللهو هما الاشتغال بما لايعني العاقل من لهو وطرب، سواء كان ذلك محرمًا أم غير محرم، بيان ذلك: أن هناك أمورًا ثبت تحريمها بالشرع، كالزنا واغتصاب الأموال، والاشتغال ببعض الآلات التي تشغل الإنسان عن القيام بواجبه، وهناك أمور أخرى لم يرد نص في تحریمها، وذلك کالألعاب التي ليس فيها نفع، كما هو شأن كثير من الألعاب المنتشرة في عصرنا، فهذا کله يصدق عليه أنه لهو ولعب، لأنه لا نفع فيه، أما إذا كانت هذه الألعاب تحقق غرضًا ومصلحة كأعمال الفروسية والرماية، فإن هذا مما أباحه الشرع ولا حرج فيه»(٤). فاللهو واللعب بينهما عموم وخصوص؛ وذکر العسكري بينهما فرقًا، فقال: ((لا لهو إلا لعب، وقد یکون لعب لیس بلهو ؛ لأن اللعب يكون للتأديب وغيره، ولا يقال لذلك: لهو، وإنما اللهو لعب لا يعقب ... نفعًا، وسمي لهوًا؛ لأنه يشغل عما يعني، من قولهم: ألهاني الشيء، أي: شغلني، ومنه قوله تعالى: ﴿اَلْهَنْكُمُ اَلْتَّكَاؤُُّ)﴾ [التكاثر: ١]))(٥). (٤) خماسيات مختارة في تهذيب النفس الأمارة، فضل عباس ص ٩٧. (٥) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٥٤. www. modoee.com ١٨٩ حرف الحاء ومن أمثلة اللهو ما يفعله الذين ينفقون أعمارهم وطاقاتهم في العبث بلعبة النرد، أو بألعاب الورق ذات الأرقام والصور، ونحو ذلك من وسائل لهو وعبث. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَلََّّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٢]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاْ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبُّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ [العنكبوت: ٦٤]. (٦٤ كَانُواْ يَعْلَمُونَ وقوله تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُّ وَلَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اَلْأَمْوَلِ وَاْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ، ثُمَّ يَمِيجُ فَتَرَنَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًا وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: ٢٠]. فما أشد بؤس المرء الذي تخلو حياته من الجد والعمل، وتقتصر على اللهو واللعب، فلا غرس عملًا صالحًا ولا حصّل خلقًا فاضلاً، والاستغراق في ممارسة اللهو واللعب يؤدي إلى الإنزلاق في مستنقع الغفلة، فينطلق المرء نحو زينة الحياة الدنيا في سعار محموم لا يتوقف ولا ينتهي، فينسى الآخرة، ويتشاغل عنها حتى إذا جاء وقت الحصاد في الآخرة لم يحصد إلا الخيبة والندم، ولم یجن سوی الهوان والخسران، فالجزاء من جنس العمل! ٣. زينة. وصفت الحياة الدنيا بالزينة فى القرآن الکریم في موضع واحد، في قول الله عز وجل: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْمَيُوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُّ وَلَّوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَّدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ، ثُمَّ ◌َهِيجُ فَرَنُهُ مُصْفَّرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَاً وَفِ اْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلََّ مَتَعُ الْغُرُورِ ٥ ﴾ [الحديد: ٢٠]. ووردت مضافة للحياة الدنيا مرتين في سورة الكهف ٢٨-٤٦، وثلاث مرات مضافة للضمير العائد على الحياة الدنيا في سور: هود ١٥، والقصص ٦٠، والأحزاب ٢٨. ((الزينة هي في الأصل اسم جامع لكل ما يتزين به، والتزيين هو تحسين المظهر وتجميله حتى تميل إليه الحواس، وترتاح إليه النفوس، ولا يشترط فيما هو حسن المظهر أن يكون في حقيقته جوهرًا نافعًا، وذا قيمة حقيقية باقیة، بل ربما یکون ضارًّا وجالبًا لشر وعذاب. وقد أبان الله عز وجل أنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلوا الناس أيهم أحسن عملًا، فقال عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف: ٧]))(١). ٧ (١) الأخلاق الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن جَوَسُـ الْقُرآن الكَرِيْمِ ١٩٠ «فکلّ ما علیھا من قصور وأنهار، ومدائن ودیار، وزروع و ثمار، وبحيرات وغابات، وكنوز وثروات، وضيعاتٍ وروضات، ومراکب فارهة، وأسواقٍ عامرة، ومراتب عالية، كلّ ذلك من أعراض زينتها الفانية؟ أمتحانٌ لأهلها ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وفي هذا: بيانٌ لحقيقة الدنيا وزينتها، ودعوةٌ إلى الاجتهاد في هذه الدار، فهي دار عملٍ وسعيٍ، ووعيدٌ لمن ركن إليها وافتتن بسرابها، وركن إلى متاعها بأن عمرها قصير وإلى الفناء تصير)) (١). وقد سمى الله تعالى المال والبنين زينة من زينة الحياة الدنيا، قال الله عز وجل: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرٌّ عِندَ رَبِّكَ ثَّوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًّاً )﴾ [الكهف: ٤٦]. (وفي الآية دليل على أن المال والبنين زينة وليسا قيمة، فلا يجوز وزن الناس بهما، قيمة الناس بالباقيات الصالحات لا بالفانيات الزائلات، وسبيل النجاة من فتنة الأموال والأولاد إنزالهما سلوكًا وعملًا في منزلهما الذي وضعهما الله فيه، فهما زينة لا قيمة، والإسلام لم يحرم الزينة ما دامت في حدود ما أحل الله. حبنكة ٢ / ٥٤٢. (١) التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، إعداد نخبة من علماء التفسير وعلوم القرآن بإشراف د. مصطفى مسلم ٤ / ٢٩٦. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ اَلِّى أَخْرَجَ لِبَادِهِ، وَاَلَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْفِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ اْلَيْنَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٢]))(٢). ٤. تفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد. وصفت الحياة الدنيا ب (التفاخر والتكاثر) في القرآن الكريم في موضع واحد، في قول الله عز وجل: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَائُهُ، ثُمَّ بَهِيجُ فَتَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَّاً وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَتَحُ الْغُرُورِ [الحديد: ٢٠]. قال ابن فارس: ((الفاء والخاء والرّاء أصلٌ صحيحٌ، وهو يدلّ على عظمٍ وقدمٍ. من ذلك الفخر))(٣). ((قرأ الجمهور بتنوين ((تفاخر)) والظرف صفة له، وقرأ السّلميّ بالإضافة، أي: يفتخر به بعضكم على بعضٍ، وقيل: يتفاخرون بالخلقة والقوّة، وقيل: بالأنساب والأحساب كما كانت عليه العرب)» (٤) التکاثر: (٢) العواصم من الفتن في سورة الكهف، الشيخ عبد الحميد طهماز ص ٧٨ . (٣) مقاييس اللغة ابن فارس، ٤ /٤٨٠. (٤) فتح القدير، الشوكاني ص ١٤٦٠. www. modoee.com ١٩١ حرف الحاء قال ابن فارس: ((الكاف والثاء والراء أصلٌ صحيح، يدل خلاف القلّة، من ذلك الشّيء الكثير، وقد كثر))(١). ((والمكاثرة والتكاثر: التباري في كثرة المال والعز، ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر، فصارت تستعمل في الحرص على تحميل الكثير، من غير مراعاة مغالبة الغیر ممن حصل علیه»(٢). وفى قوله تعالى: ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ ((إشارة إلى ما يجرى بين الناس من تنافس فى الاستكثار من متاع الحياة الدنيا، وزينتها من أموال وأولاد، لا لسدّ الحاجة، وإنما لإشباع رغبة التعالي والتفاخر، تلك الرغبة التي كلما ألقى إليها ما تشتهيه، اشتد جوعها، وازداد نهمها، فلا تشبع أبدًا، إن من شأن التعالى والتفاخر أن يجور على حياة الإنسان نفسه، كما أن من شأن هذا أن يحمله على الجور على حقوق الناس، ابتغاء الوصول إلى الغاية التي يبلغ فيها حدّ التعالى الذي يملؤه فخرًا وتيهًا))(٣). ٥. عرض. ورد لفظ (عرض) مضافة إلى (الحياة الدنيا) في سورتي النساء ٩٤، والنور ٣٣، كما ورت مضافة إلى (الدنيا) في سورة الأنفال ٦٧، ووردت دون إضافة في (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٦٠/٥. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧/ ٤٠٣. (٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٤/ ٧٧٥ - ٠٧٧٦ الأعراف ١٦٩. قال الله عز وجل: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ نَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةُ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: ٩٤]. وقال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ اَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَلِحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهُِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّ مَلِكَتْ أَيْمَنْكُمْ فَكَائِبُوهُمٍْ إِنْ عَلِّمْتُمْ فِهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَمْكُمْ وَلَا تُكْرِهُواْ فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَّعَصُّنَا لِلْنَغُواْ عَرَضَ لٌلْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهِقُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدٍ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النور: ٣٣]. ((العرض: ما لا يكون له ثباتٌ، ومنه استعار المتكلّمون العرض لما لا ثبات له إلّا بالجوهر كاللّون والطّعم، وقيل: الدّنيا عرضٌ حاضرٌ، تنبيهًا أن لا ثبات لها))(٤). وفي تسمية متاع الدنيا عرضًا ما يدل على كونه سريع الفناء، قريب الانقضاء، فهو عارض زائل غير باق. وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ليس الغنى عن كثرة (٤) المفرادات، الراغب الأصفهاني ص٣٣١. ١٩٢ لِلْقُرآن الكَرِيمِ العرض، ولكنّ الغنى غنى النّفس)(١). ((قال ابن بطال: معنى الحديث ليس حقیقة الغنی کثرة المال، لأن کثیرًا ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي، فهو يجتهد في الازدياد ولا يبالي من أین یأتیه، فكأنه فقير لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتي، وقنع به ورضي ولم يحرص على الازدياد ولا ألح في الطلب، فكأنه غني. وقال القرطبي: معنى الحديث أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس، وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع فعزت وعظمت، وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس لحرصه فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله، ویکثر من یذمه من الناس، ويصغر قدره عندهم فیکون أحقر من کل حقیر وأذل من كل ذليل))(٢) ٦. زهرة. وردت بصيغة (زهرة الحياة الدنيا) مرة واحدة في سورة طه، قال الله عز وجل (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الغنى غنى النفس، رقم ٦٤٤٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض، رقم ١٠٥١. (٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر ١١/ ٣٢٨ - ٣٢٩. ﴿ وَلَا تَمُدَّنَ عَيَّنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَ لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: ١٣١]. وزهرة الحياة الدنيا أي: حسنها ونضارتها، وفي ذلك إشارة إلى أن الحياة الدنيا قصيرة وسريعة الزوال، كالزهرة تذبل بمرور الوقت. ثانيًا: ضرب الأمثال للحياة الدنيا: مثلت الحياة الدنيا في القرآن الكريم بثلاثة أمثال في سور يونس، الكهف، الحديد. وقد ذهب أكثر المتحدثين عن هذه الأمثال -من مفسرين وغيرهم - إلى أن الحياة، أو متعها كانت قد شبهت - لسرعة زوالها، وفنائها - بماءٍ أنبت نباتًا، أو بنباتٍ كسا الأرض بهجة ونضارة، ثم ما لبث أن ذبل وجف وتهشم، وتبدد هباءً منثورًا، فعادت الأرض و کأنها لم تكن قد اكتست به في يوم من الأيام. وسنقف بإيجاز مع كل مثل من هذه الأمثال: المثل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَّ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتٌَّ إِذَا أَخَذَتِاَ لْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنْهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَّهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ www. modoee.com ١٩٣ حرف الحاء كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ [يونس: ٢٤]. يقول الإمام الطبري في شرح المثل الأول في سورة يونس: ((إنما مثل ما تباهون في الدنيا وتفاخرون به من زينتها وأموالها، مع ما قد وكّل بذلك من التكدير والتنغيص وزواله بالفناء والموت، كمثل ماءٍ أنزلناه من السماء، يقول: كمطر أرسلناه من السماء إلى الأرض ﴿فَاخْئَلَطَ بِىنَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، يقول: فنبت بذلك المطر أنواعٌ من النبات، مختلطٌ بعضها ببعض، فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنیاکم وزخارفها، فيفنيها ويهلكها كما أهلك أمرنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجتها، حتى صارت كأن لم تغن بالأمس، كأن لم تكن قبل ذلك نباتًا على ظهرها))(١). وللإمام ابن القيم كلام لطيف في شرح هذا المثل فيقول: ((شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر فتروقه بزينتها وتعجبه، فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها حتى إذا ظن أنه مالك لها قادر عليها سلبها بغتة (إما بالموت وهذا ظاهر، وإما بمرض ينزل بالمرء فلا يستفيد بها أو بآفة تجتاحها وتزيلها أحوج ما کان إليها وحیل بينه وبينها، فشبهها بالأرض الذي ينزل الغيث عليها فتعشب ويحسن نباتها ويروق منظرها (١) جامع البيان، الطبري ١١ / ٧١-٧٢. جوية القرآن الكريم للناظر، فیغتر به ویظن أنه قادر عليها مالك لها، فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتة، فتصبح کان لم تکن قبل فیخیب ظنه وتصبح يداه صفرا منهما، فهكذا حال الدنيا والواثق بها سواء)) (٢). والمتأمل في المثل السابق يجد أنه يمثل طرقات قوية تهز القلب البشري الغافل الذي تخدعة زينة الحياة ونضارتها، فيتوهم فيها الخلود الخادع، ويغره الأمل الكاذب حتى ينسى في غمرة انشغاله بشهواتها الحياة الحقيقية التي وعد الله عز وجل بها عباده الصالحين ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَّمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمٍ ﴾ [يونس: ٢٥]. «فیالبعد الشقة بین دار یمکن أن تطمس في لحظة، وقد أخذت زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها فإذا هي حصيد كأن لم تغن بالأمس، ودار السلام التي يدعو إليها الله، ويهدي من يشاء إلى الصراط المؤدي لها، حینما تنفتح بصيرته، ويتطلع إلى دار السلام))(٣). المثل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبٌ ◌َُم مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ ◌ِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُؤُهُ الْرَّخُ وَكَانَ اَللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ [الكهف: ٤٥]. يقول الشيخ المراغي رحمه الله: (٢) إعلام الموقعين ٢ / ٢٧٤. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٧٧٥. ١٩٤