Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الحُوَان عناصر الموضوع مفهوم الحيوان ٢٢٢ الحيوان في الاستعمال القرآني ٢٢٤ الألفاظ ذات الصلة ٢٢٥ الحكمة الإلهية في خلق الحيوان ٢٢٨ أنواع الحيوانات ٢٣٩ الحيوانات المحرّم أكلها ٢٥٦ ٢٦٢ الحيوان في المثل القرآني ٢٦٧ لمسات إعجازية في خلق الحيوانات المُجَلَّدَ الثَّالِثْ عَشَر حرف الحاء مفهوم الحيوان أولًا: المعنى اللغوي: الحيوان من الفعل: (حيّ)، الحاء والياء، والحرف المعتل أصلان: الأوّل: الحياة والحيوان، وهو ضدّ الموت والموتان، وهذا يعني أن الحياة خلاف الموت، ويسمّى المطر حيًّا؛ لأن به حياة الأرض، ويقال: ناقةٌ محي ومحييٌ، يعني: لا یکاد یموت لها ولد، وتقول: أتيت الأرض فأحييتها، إذا وجدتها حيّة النّبات غضّة، والثاني: الاستحياء الذي هو ضدّ الوقاحة، يقولون: استحييت منه استحياءً، وحييت منه أحيا، إذا استحييت، وحياء النّاقة، أي: فرجها(١). والمحيا مفعل من الحياة، تقول: محياي، والحيّ واحد أحياء، وأحياه الله فحيي، وقيل في الجمع: حيوا مخففًا، واستحياه، واستحيا منه بمعنى من الحياء، ويقال: استحيت بياء واحدة، وأصله استحييت، فأعلوا الياء الأولى، وألقوا حركتها على الحاء فقالوا: استحيت، لما كثر في كلامهم، والحياء ممدود الاستحياء(٢). وحيّ یحیا، ويحيّ فهو حيٌّ، وللجميع حيّوا بتشديد الياء، وقيل: حيوا بتخفيفها، والحيّ من كل شيء نقيض الميت، والجمع أحياء، والحيّ كل متكلم ناطق، والحيّ من النبات ما كان طريًّا يهتزّ (٣). وقيل: إن حيي يندب بها، ويدعى بها، يقال: حيّ على الفداء، حيّ على الخير، وقد تأتي بمعنى الحث والدعاء، ومنه قول المؤذن: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، معناه: عجّل إلى الصلاة، وإلى الفلاح، وتقول العرب: حيّ هلا بفلان، وحيّ هلا بفلان، وحيّ هلا بفلان، أي: أعجل(٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: بالنظر إلى التعريفات اللغوية السابقة يتبين أنه لا بد من التعريف الاصطلاحي لكل من الحياة، والحيوان، والحياء. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٢٢/٢. (٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٩٣. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤٢٤/٣. (٤) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٢٨٢/٥. ٢٢٢ جوبيه لِلْقُرآن الكَرِيمِ الحیوان وقد عرّف الجرجاني الحياة فقال: ((هي صفة توجب للموصوف بها أن يعلم ويقدر))(١)، وقال أيضًا: الحياة الدنيا: ((هي ما يشغل العبد عن الآخرة))(٢). وعرّف الحيوان بقوله: ((هو الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة))(٣). وقيل: إن الحيوان: ((كلّ ذي روح ناطقًا كان أو غير ناطق، مأخوذ من الحياة يستوي فيه الواحد والجمع؛ لأنه مصدر في الأصل)) (٤). وخلاصة القول: إن الحيوان: هو الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة، وهذا ينطبق علی کل ذي روح سواء كان ناطقًا أو غير ناطق. (١) التعريفات، ص ٨٣. (٢) المصدر السابق. (٣) المصدر السابق ص ٨٤. (٤) المصباح المنير، الفيومي، ص٨٦. www. modoee.com ٢٢٣ حرف الحاء الحيوان في الاستعمال القرآني لم يرد لفظ (الحيوان) في القرآن بمعنى الحيوانات، وورد لفظ (الحيوان) في القرآن مرة واحدة بمعنى الحياة الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع ولا موت معها (١). وقد ورد جذر الكلمة (حيي) في القرآن بمعنى الحياة التي هي نقيض الموت (٢). وقد تحدث القرآن عن موضوع الحيوانات عند ذكره لبعض أنواع منها، ألا وهي: الإبل والبقر: في قوله تعالى: ﴿وَ مِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَّرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. الضأن والمعز: في قوله تعالى: ﴿مِّنَ الضَّأْنِ آَثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]. الفيل: في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اَلْفِيلِ ﴾ [الفيل: ١]. الحمر والقسورة: في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنِفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ [المدثر: ٥٠-٥١]. الأنعام: في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ آلْأَنْهَرِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]. الخيل والبغال والحمير: في قوله تعالى: ﴿وَاَلْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّرْكَبُوهَا وَزِينَةٌ ﴾ [النحل:٨]. وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٥) الكلب: في قوله تعالى: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. الذئب: في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَيِنْ أَكَلَهُ الذِّثْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّا إِذَا لَّخَسِرُونَ [يوسف: ١٤]. ١٤ الوحوش: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾﴾ [التكوير: ٥]. وقد سميت بعض سور القرآن بأسماء الحيوانات مثل: سورة البقرة، وسورة الأنعام. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٦٠. (٢) انظر: لسان العرب ٢١٤/١٤. ٢٢٤ جوبيبو القرآن الكريم الحیوان الألفاظ ذات الصلة الطير: ١ الطير لغةً: من مادة: (طير)، والطّيران حركة ذي الجناج في الهواء بجناحه، ويقال: طار الطائر يطير طيرًا وطيرانًا وطيرورة، ويقال: وأطاره وطيّره وطار به، وأطاره غيره وطيّره وطايره بمعنى، والطّير معروف اسم لجماعة ما يطير؛ مؤنث، والواحد طائر والأنثى طائرةٌ(١)، ويقال: تطيّر فلان، واطّر، أصله التفاؤل بالطير، ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به، ويتشاءم(٢). الطير اصطلاحًا: قال الراغب: ((الطائر هو كل ذي جناح يسبح في الهواء))(٣)، وهذا من باب التغليب وإلا يدخل في الطير الحيوان الذي له جناح ولا يطير كالدجاج، وورد لفظ الطير في القرآن الكريم عشرون مرة، منها خمسة عشر مرة بلفظة الطير، وأربع مرات بلفظة طير، ومرة واحدة بلفظة طائر، وذكر السلوى ثلاث مرات، والغراب مرتين، والهدهد مرة واحدة. الصلة بين الطير والحيوان: الحيوان: كلّ ذي روح ناطقًا كان، أو غير ناطق، مأخوذ من الحياة، والطير له روح، فيكون الطير صنفًا من أصناف الحيوان. الحشرات : ٢ الحشرات لغةً: جمع حشرة، والحشرة بفتحتين واحدة الحشرات، وهي صغار دوّاب الأرض، وحشر الناس: جمعهم، ومنه يوم الحشر، والمحشر بكسر الشين موضع الحشر، والحاشر اسم من أسماء النبي عليه الصلاة والسلام(٤). الحشرات اصطلاحًا: الحشرة عند علماء الحيوان هي كل كائن يقطع في خلقه ثلاثة أطوار؛ يكون بيضة فدودة ففراشة، وهي الهامة من هوام الأرض؛ كالخنافس، والعقارب، وتطلق أيضًا على الدابة (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢٣٧/٨. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٣١٥. (٣) المصدر السابق. (٤) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٨٢. www. modoee.com ٢٢٥ حرف الحاء الصغيرة من دواب الأرض، كالفئران والضباب(١). الصلة بين الحشرات والحيوان: الحشرات كائنات حية لها روح، وهي من الحيوانات، حيث إن النبي عليه الصلاة والسلام: (نهى عن قتل كل ذي روح)(٢)، وقد عدّ المراغي الحشرات من الحيوانات في قوله: ((والصيد الذي نهت عنه الآية هو كل حيوان وحشي يؤكل لحمه، فلا جزاء في قتل الأهلي، ولا ما لا يؤكل لحمه من السباع، والحشرات، ومنها: الفواسق الخمس التي ورد الإذن بقتلها: وهي: الغراب، والعقرب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور))(٣). الكائنات الحية الدقيقة: ٣ الكائنات الحية الدقيقة اصطلاحًا: عرّفها العلماء بأنها الأحياء التي لا ترى بالعين المجردة؛ لأنها صغيرة جدًّا إذ يبلغ حجمها أقل من الميكرون (٤). لقد ورد ذكر الكائنات الحية الدقيقة في القرآن الكريم في عدة مواضع، ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَ أَقْسِمُ بِمَانُّصِرُونَ * وَمَا لَا نُصِرُونَ ﴾﴾ [الحاقة: ٣٨-٣٩]. والمعنى: أن الله سبحانه أقسم بالذي نشاهده، والذي لا نشاهده، أي: أنه تعالى أقسم بالأشياء كلها، ما يبصر منها، وما لا يبصر، فيدخل في ذلك جميع المخلوقات (٥). وفى ذلك إشارة إلى أن في الوجود أشياء لا تدركها الأبصار، وقد أثبت العلم الحديث بوساطة الآلات التي تكبّر الأشياء أضعافًا مضاعفة (الميكروسكوبيات) أن هناك أشياء لا يمكن رؤيتها إلا إذا كبرت عن حقيقتها آلاف المرات، كالجراثيم (الميكروبات) ولم تكن تخطر على البال في عصر التنزيل، وقد ظهرت للناس الآن فهي من روائع الإعجاز العظيمة الدالة على أن القرآن الكريم من كلام العليم الخبير، وله السبق في كل علم من العلوم التي يصل إليها الإنسان (٦). (١) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ١٩٧. (٢) أخرج الطبراني في المعجم الكبير ٣/ ١٧٠. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ١١٧٠، رقم ٦٩٧٣. (٣) تفسير المراغي، ٣٢/٧. (٤) ندوة الويبو عن الملكية الفكرية للصحفيين، حسام الدين الصغير، ص ١٢. (٥) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣٤٠/٥. (٦) انظر: تفسير المراغي، ١٢٨/١١. ٢٢٦ القرآن الكريم الحیوان وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُّبُ عَنْ زَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِتَبِ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]. فالآية السابقة فيها دلالة إلى سبق القرآن إلى الإشارة إلى أصغر الموجودات في الكون مما لا يدرك بالعين المجردة، وإنما بالمكبّرات، كأجزاء الذرة، والكائنات الحية الدقيقة كالجراثيم، والبكتيريا، وغير ذلك(١). وهذا يدل على أن الآلات الحديثة كشفت دقائق في الكون ما كنا نعرفها قبل ذلك، فسبحان الذي يعلم ما في البر والبحر، وما في الأرض والسماء(٢). يلاحظ من الآيتين السابقتين وجود كائنات حية دقيقة لا يعلم عددها إلا الله عز وجل، والعلم الحديث يكتشف من هذه الكائنات يومًا بعد يوم مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَابَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]. العلاقة بين الحيوان والكائنات الحية الدقيقة: الحيوانات الحية الدقيقة من أنواع الحيوانات التي فيها روح، ولا ترى بالعين المجردة. (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٠٩/١١. (٢) انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي، ١١/ ٦٢. www. modoee.com ٢٢٧ حرف الحاء الحكمة الإلهية في خلق الحيوان لقد امتنّ ربنا سبحانه وتعالى على الإنسان فخلق جميع المخلوقات حتى يتفكر فيها، وتدله على خالقها الذي أبدع صنعها، وذكر الله عز وجل في القرآن الكريم من مخلوقاته بعض الحيوانات التي فيها العبرة والعظة لمن تأملها، والله تعالى خلق الحيوان لحكمة، وبيانها في النقاط الآتية: أولًا: حكمة خلق الحيوان: إنّ المتأمل في آيات كثيرة من القرآن الکریم، يجد أنّ الله سبحانه وتعالى خلق الحیوان لحکم عظيمة، ومنها: أولًا: دلالتها على قدرة الله تعالى، وعظمته، ووحدانيته، وسلطانه العظيم، فقد نشر ربنا سبحانه في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة، وسخرها للناس، ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع؛ فمنها: ما يأكلون من لحمها، ويشربون من درها، ومنها: ما يركبونها، ومنها: ما هو ساع في مصالحهم، وحر استهم، ومنها: ما یعتبر به، ومع أنه بٹ فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم، المتكفل بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، ألا يدل ذلك على عظيم قدرة الله عز وجل؟(١). قال تعالى: ﴿فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآَبَةٍ ﴾ [البقرة: ١٦٤]. ثانيًا: أن الحيوانات لم تخلق عبثًا، وأنها تسبح الله سبحانه وتعالى كباقي المخلوقات. قال تعالى: ﴿تُبِحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِن ◌ِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيْحُ بِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسَبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ومعنى الآية: أن كل شيء ينزه الله سبحانه تنزيها مقترنًا بحمده، فيقول: سبحان الله وبحمده، ومعنى: (لا تفقهون)، أي: لا تفهمون تسبيحهم؛ لأنه ليس بلغتكم(٢). وإذا كانت الأشياء التي لا تعقل تسبح الله تعالى، فکیف یلیق بأصحاب العقول أن يغفلوا عن ذلك؟ ثالثًا: لقد امتنّ اللّه تعالى على عباده بما خلق لهم من الحيوانات، وخاصة الأنعام ذات المصالح، والمنافع المختلفة. قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاْ لَكُمْ فِيهَا دِفْهُ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]. وهذه الأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم، والمعز، وجاء تفصيلها في قوله عز وجل: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٌ مِنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٨. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٨٢/١٥. ٢٢٨ جَوَيُ القرآن الكريم الحيوان اٌلْمَعْزِ أَثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَ مِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ اَلْبَقَرِ أَثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. والله سبحانه سخر للإنسان هذه الأنعام، وجعلها له مصدر رزق، وخير كبير، وأداة لجلب المصالح والمنافع، وجعل فيها الموعظة، والعبرة، والرأفة، والرحمة بعباده، وتوضيح ذلك كالآتي: ١. الموعظة والعبرة، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِ اْأَنْحَمِ لَعِبْرَةٌ ﴾ [المؤمنون: ٢١]. فالأنعام عبرة؛ لأنها مما يستدل بخلقها، وأفعالها على عظيم قدرة الله تعالى(١). ٢. الأكل، والشرب، قال تعالى: ﴿أُشْفِيكُ ◌ِمَّا فِىِ بُطُونَهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١]. فالآية تدل على أن الإنسان ينتفع من الأنعام بمنافع كثيرة، ومنها شرب الحليب الصافي، و کذلك الأکل من لحومها. ٣. الانتفاع بأصوافها، وأشعارها، وأوبارها، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَّكُ مِّن جُلُودٍ اٌلْأَنْعَِ بُونًا تَسْتَخِفُونَهَا يَوْمَ طَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. فدلالة الآية أن الإنسان ينتفع من أصواف، وأشعار، وأوبار الأنعام؛ (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٥٩٥/٣. فيصنع منها الملابس، والأثاث، والفراش، والبيوت الخفيفة التي تستخدم في الترحال. ٤. الركوب عليها، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآَ أَنْعَمَّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ ﴿ وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا وَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١-٧٢]. وقال عز وجل: ﴿وَأَلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلُّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَاْأَنْعَمِ مَا تَكَبُونَ ﴿١٢ لِتَسْتَوَّأْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيَُّمٌ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ، مُقْرِنِينَ (١٣) [الزخرف: ١٢ - ١٣]. فذكرت الآيات السابقة أن الإنسان يستخدم الأنعام للركوب، وأن ذلك يكون سببًا في تذكر نعمة الله تعالى على عباده، ويجعلهم يسبحون الله جل وعلا. والظاهر من الآيات السابقة أن الإبل هي التي تستخدم للركوب من الأنعام، والإنسان يركب أيضًا على الخيل، والبغال، والحمير، قال تعالى: وَاَلْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]. ٥. ومنها ما يتخذ للجهاد، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم ◌ِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اَللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. www. modoee.com ٢٢٩ حرف الحاء ٦. ومنها ما يحمل عليها الإنسان ما يشاء والعين متعة؛ فهي عنصر للغذاء، وأداة إنتاج في الاقتصاد)»(٢). من الأثقال إلى البلدان، والأقطار البعيدة، وفي ذلك الرأفة، والرحمة، قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَشِلِفِيهِ إِلََّّ بِشِقِّ الْأَنفُسَِّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النحل: ٨]. ٧. ومنها ما يتخذ للجمال والزينة، والثروة، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] أي: في وقت راحتها، وسكونها، ووقت حركتها، وسرحها، وذلك أن جمالها لا یعود إليها منه شيء فإنکم أنتم الذین تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم، وأموالكم، وتعجبون بذلك(١). قال الزحيلي: ((ولكم في هذه الأنعام جمال، أي: زينة حين الرواح، وهو وقت رجوعها عشاء من المراعي، ووقت السّروح، وهو وقت الغدوة، والذهاب من مراحها إلى مسارحها، أو المرعى، وخص الله تعالى هذين الوقتين بالذكر لاهتمام الرعاة بهما حين الذهاب، والإياب، وفي ذلك مفاخرة بالقطيع، وقدم الرّواح على السّروح؛ لأن الفائدة فيه أتم، لمجيئها شبعانة، فتدر الحلیب، وتملأ النفس سرورًا، (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٨٥. وجمال الأنعام، والدواب من جمال الخلقة، والتركيب، والصورة (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ وَاَلْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَّكَبُوهَا وَزِينَةً لَرَءُوفٌ لَرَءُوفٌ لَرُونٌ [النحل: ٨]. وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَاُلْأَنَْمِ وَالْحَرْثُ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللهُ عِندَهُ( حُسْبُّ الْمَعَابِ﴾ [آل عمران: ١٤]. فالأنعام مال أهل البادية، ومنها تكون ثروتهم، ومعايشهم، ومرافقهم، وبها تفاخرهم، وتكاثرهم، ومنهم من يتخذها زينة، وقد امتنّ اللّه بها على عباده (٤). وتظل الأنعام ثروة اقتصادية في كل زمان ومكان، ونعمة کبری، والله سبحانه وتعالى قيض هذه الأنعام، وسخرها للإنسان، وجعلها لهم مصدر رزق، وخير كبير، وأداة منافع، وجلب مصالح، وفيها الرأفة والرحمة بعباده، كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ * وَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ﴾ [يس: (٢) التفسير المنير، الزحيلي، ١٤ / ٩٠. (٣) انظر: المصدر السابق. (٤) انظر: تفسير المراغي، ١١٢/٣. ٢٣٠ صوببيو القرآن الكريمِ الحیوان ٧١-٧٢] (١) . وخلاصة القول: إن ربنا عز وجل خلق الأنعام، وجعل فيها عبرًا، ونعمًا من وجوه شتى، ففيها دلائل على قدرة الخالق بخلق الألبان من مصادر هي أبعد ما تكون منها، ونعمًا لنا في مرافقها وأعيانها، فننتفع بألبانها، وأصوافها، ولحومها، ونجعلها مطايا لنا في أسفارنا إلى نحو أولئك من شتى المنافع؛ فمن صنوف الحيوان مصرفة في مصالح الإنسان، فمنها ما هو للدر، والنسل، والغذاء فقط، ومنها ما هو للركوب، والحمولة فقط، ومنها ما هو للجمال، والزينة، ومنها ما يجمع ذلك كله كالإبل، وجعل أجوافها خزائن لما هو شراب، وغذاء، ودواء، وشفاء ففيها عبرة للناظرين، وآيات للمتوسمين، وفي الطير، واختلاف أنواعها، وأشكالها، وألوانها، ومقاديرها، ومنافعها، وأصواتها، صافات، وقابضات، وغاديات ورائحات، ومقيمات، وظاعنات أعظم عبرة، وأبين دلالة على حكمة الخلاق العليم سبحانه وتعالى(٢). وهذا يعني أن الله سبحانه جعل في خلق الحيوانات من المنافع التي امتن بها على البشر، قال عز وجل: ﴿ خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدُ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَةِ الصَّلَوَةَ الصَّلَوَةَ الصَّلَوةَ﴾ (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٤ / ٩١. (٢) انظر: الصواعق المرسلة، ابن القيم، ٤ /١٥٦٦. [لقمان: ١٠]. أي: أن الله سبحانه جعل من الدواب المبثوثة ما ينتفع به الناس من أكل لحوم أوانسها، ووحوشها، والانتفاع بألبانها، وأصوافها، وجلودها، وقرونها، وأسنانها، والحمل عليها، والتجمل بها في مرابطها، وغدوّها، ورواحها(٣). والمنافع والمصالح التي تم ذكرها، وغيرها فيها من الحكم العظيمة، والعبر التي تدل على وحدانية الله تعالى، وأنه هو الخالق والرازق والمدبر، ولا معبود سواه، وله صفات الكمال، والجلال. ثانيًا: الإبداع الإلهي في خلق الحيوان: إن الناظر في مخلوقات الله، وكيفية خلقها يوصله ذلك إلى الإبداع الإلهي في الخلق، والله سبحانه خلق المخلوقات، وهدى كل مخلوق لما خلق له؛ فجعل جسم كل مخلوق يتلاءم مع طبيعته لينتفع بذلك في تحقيق مصالحه، حتى إن لكل حیوان خلقة تناسبه؛ فإن كان في البحر جعل الله سبحانه خلقته تناسب العيش في الماء. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ يَخْلُقُ اَللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍقَدِيرٌ ﴾ [النور: ٤٥]. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٤٦/٢١. www. modoee.com ٢٣١ حرف الحاء فكل حيوان له من الهيئة التي تتلاءم مع البيئة التي يعيش فيها، وهذا کله يدل على بديع صنع الله في خلقه. ولو تأملنا الإبل مثلًا کیف خلقت؟ نجد أنها خلق عجيب، وتر کیبها غريب، وهي في غاية الشدة، والقوة، ومع ذلك فإنها تلين للحمل الثقیل، وتنقاد للقائد الضعيف(١). قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. «قال المفسرون: لما ذكر الله عز وجل أمر أهل الدارين تعجب الكفار من ذلك فكذبوا وأنكروا فذكرهم الله صنعته، وقدرته، وأنه قادر على كل شىء كما خلق الحيوانات والسماء والأرض، ثم ذكر الإبل أولًا؛ لأنها كثيرة في العرب، ولم يروا الفيلة، فنبههم جل ثناؤه على عظيم من خلقه قد ذلّله للصغير يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل، وهو بارك فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه مسخرًا لصغير من خلقه يدلهم بذلك على توحيد الله، وعظيم قدرته))(٢). والله سبحانه وتعالى أعطى الإبل من الخصائص حتى تكون سفائن البر، قال (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥٧٩/٤. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢/ ٢٥٠. الزمخشري رحمه الله: (و حین أراد أن تكون سفائن البر، صبرها على احتمال العطش حتى إن إظماءها ليرتفع إلى العشر فصاعدًا، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم)) (٣). وظهور الإبل مسنمة حتى تكون مهيأة للركوب عليها، وحمل الأثقال عليها، قال ابن القيم رحمه الله عنها: ((ظهورها مسنمة معقودة كالقبو لما خصت به من فضل القوة، وعظم ما تحمله، والقباء تحمل أكثر مما تحمل السقوف حتى قيل: إن عقد القباء إنما أُخذ من ظهور الابل، وتأمل کیف لما طوّل قوائم البعير طول عنقه ليتناول المرعي من قیام فلو قصرت عنقه لم یمکنه ذلك مع طول قوائمه، ولیکون أيضًا طوّل عنقه موازنًا للحمل على ظهره إذا استقل به، كما ترى طول قصبة القبان حتى قيل: إن القبان إنما عمل من خلقة الجمل من طول عنقه، وثقل ما يحمله، ولهذا تراه يمد عنقه إذا استقل بالحمل كأنه يوازنه موازنة» (٤). ولا يقتصر بديع صنع الله تعالى في الحيوان على الإبل، وإنما هو في سائر الحيوانات، فسبحان الله ﴿الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. أي: أن الله عز وجل خلق جميع (٣) الكشاف، ٤/ ٢٤٧. (٤) مفتاح دار السعادة ص٢٤٦. ٢٣٢ صَوَسُولَةُ النَّفِيَّة لِلْقُرآن الكَرِيمِ الحيوان المخلوقات، ومنها الحيوانات، وأحسن ويستبقي سائره عدّة))(٣). خلقها، فأعطی کل مخلوق خلقه اللائق به، الدال على حسن صنعه من خلقه، من كبر الجسم، وصغره، وتوسطه، وجمیع صفاته، وهدى كل حيوان إلى ما خلقه له، فكل حيوان يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عنه، حتى إن الله تعالى أعطى الحيوان البهيم من العقل ما یتمکن به على ذلك(١). قال القرطبي رحمه الله: ((لا اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول))، ونقل أقوالًا للعلماء حول هذا المعنى، فقال: ((قال ابن العربي: وهذه خواص العلوم عندنا، وقد أدركتها النمل بخلق الله ذلك لها؛ قال الأستاذ أبو المظفر شاهنود الإسفرايني: ولا يبعد أن تدرك البهائم حدوث العالم، وحدوث المخلوقات، ووحدانية الإله، ولكننا لا نفهم عنها، ولا تفهم عنا، أما أنا نطلبها وهي تفر منا فبحكم الجنسية))(٢). وقال ابن عطية رحمه الله: ((والنمل حیوان فطن قويّ شمام جدًّا يدخر القرى، ويشق الحب بقطعتين لئلا ينبت، ويشق الكزبرة بأربع قطع؛ لأنها تنبت إذا قسمت شقين، ويأكل في عامه نصف ما جمع، (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص٤٣٢. (٢) الجامع لأحكام القرآن، ١٢٨/١٦. وهذا يدل على شدة إدراك النمل، وأنه يأكل ما يكفيه من الطعام الذي يجمعه، ويدّخر الباقي، وهذا من بديع خلق الله تعالى، وعلى الإنسان أن يتعلم من النمل هذا النظام، والترتيب. ومما يدل على فطنة النمل قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَتَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُدُهُ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]. حيث إن الله تعالى ذكر مخاطبة النملة لأخواتها من النمل كمخاطبة الإنسان للإنسان. قال ابن عطية رحمه الله: ((وهذه النملة قالت هذا المعنى الذي لا يصلح له إلا هذه العبارة قولًا فهمه عنها النمل، فسمعها سليمان على بعده، وجاءت المخاطبة كمن يعقل؛ لأنها أمرتهم بما يؤمر به من يعقل (٤). وقال ابن القيم رحمه الله عن فطنتها: ((ومن فطنتها أنها لا تتخذ قريتها إلا على نشر من الأرض لئلا يفيض عليها السيل فيغرقها، فلا ترى قرية نمل في بطن واد، ولكن في أعلاه وما ارتفع عن السيل منه، ويكفي في فطنتها ما نص الله عز وجل في كتابه من قولها لجماعة النمل، وقد رأت سليمان عليه (٣) المحرر الوجيز، ٢٥٣/٤. (٤) انظر: المصدر السابق. www. modoee.com ٢٣٣ حرف الحاء أَدْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَيُنُودُهُ. وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]. فتكلمت بعشرة أنواع من الخطاب في هذه النصيحة -النداء، والتنبيه، والتسمية، والأمر، والنص، والتحذير، والتخصيص، والتفهيم، والتعميم، والاعتذار، فاشتملت نصيحتها مع الاختصار على هذه الانواع العشرة، ولذلك أعجب سلميان قولها، وتبسم ضاحگا منه، وسأل الله أن يوزعه شکر نعمته علیه لما سمع كلامها، ولا تستبعد هذه الفطنة من أمة من الأمم تسبح بحمد ربها، كما في الصحيح عن النبي صلى الله علیه وسلم قال: (نزل نبي من الأنبياء تحت من خلال الحديث عن بعض الحيوانات، وما في ذلك من الدلالة على الإبداع الإلهي شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من في خلقها حتى تهتدي لما خلقت له، تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى وتقوم على مصالحها، والله تعالى أعطى كل حيوان الصفة، والهيئة التي تمكنه من ذلك، وهذا يدعو أصحاب العقول للتفكر، والاعتبار. ثالثًا: الحث على التفكر في خلق الحيوان: ذكرت في المطلب السابق أمثلة على بديع خلق الله تعالى في الحيوانات، وهي مخلوقات فيها التذكر، والتفكير، والعبرة، وهذه أوصاف لأولي الألباب، قال تعالى: (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، رقم ٣٣١٩، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب النهي عن قتل النمل، ١٧٥٩/٤، رقم ٢٢٤١. (٢) مفتاح دار السعادة، ص٢٥٢. (٣) المصدر السابق، ص٢٥٣. ٢٣٤ جَوَسُوع القرآن الكريم الصلاة والسلام، وجنوده: ﴿يَكَأَيُّهَا النَّمْلُ يحسبه الطير ميتًا فيقع عليه ليأكل منه، فیئب عليه الثعلب فيأخذه، ومن عجيب الفطنة في هذه الذبابة الكبيرة التي تسمى أسد الذباب فإنك تراه حین یحس بالذباب قد وقع قريبًا منه يسكن مليًّا حتى كأنه موات لا حراك فيه، فإذا رأى الذباب قد اطمأن، وغفل عنه دب دبيًا رفیقًا حتی یکون منه بحیث يناله، ثم يثب عليه فيأخذه، ومن عجيب حيل العنكبوت أنه ينسج تلك الشبكة شركًا للصيد، ثم يكمن في جوفها فإذا نشب فيها البرغش والذباب وثب عليه، وامتص دمه))(٣). الله إليه: فهلا نملة واحدة)(١))(٢). وهذه الفطنة أودعها الله تعالى في سائر الحيوانات حتى تقوم على مصالحها، قال ابن القيم رحمه الله: ((ومن عجيب الفطنة في الحيوان أن الثعلب إذا أعوزه الطعام، ولم يجد صيدًا تماوت، ونفخ بطنه حتى الحيوان ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. والمعنى كما قال الزحيلي: ((إن الله تعالى وصف أولي الألباب بأنهم يجمعون بين التذكر والتفكير، يذكرون اللّه في مختلف أحوالهم من قیام، وقعود، واضطجاع، لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم، وضمائرهم، وألسنتهم، ويتفكرون، ويفهمون ما في السموات، والأرض من أسرار، ومنافع، وحكم دالة على عظمة الخالق، وقدرته، وعلمه، ورحمته، والتفكر يكون في مصنوعات الخالق لا في الخالق، لاستحالة الوصول إلى حقيقة ذاته وصفاته ... ، ويقول المتفكرون الذاكرون: ربنا ما خلقت هذا الخلق عبثًا ولا أوجدته باطلًا زائلًا، فأنت منزه عن الباطل، والعبث، وكل خلقك حق مشتمل على فائدة، وحكمة، وقدرة، أي: أن المؤمن المتفكر بعد أن تدبر، ونظر، ودقق، وتفکر یتوجه إلى اللّه تعالى متضرعًا معلنًا قناعته بحكمة اللّه العلیا في خلق المخلوقات، ربنا فاجعل لنا وقاية، وحاجزًا من عذاب النار، وأجرنا من عذابها، ووفقنا للعمل الصالح))(١). والتفكر في الخلق يدل على الخالق تبارك وتعالى، ومن الآيات التي فيها التفكر، والتدبر والاعتبار خلق الحيوانات حيث إن الله عز وجل أحيا الأرض بإنزال المطر، وخلق فيها من کل حيوان. قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَاَلْفُلْكِ الَّتِى ◌َجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَمَآءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَحَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَّوْتِهَا وَبَثَّ فِيَهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِبَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. قال ابن عطية رحمه الله: ((ودابّة تجمع الحيوان كله))(٢). وهذه الآيات تدل على وحدانية الله تعالى وقدرته، ومما يدل على ذلك أن الله عز وجل ذكر هذه الآيات بعد قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ [البقرة: ١٦٣]؛ ليدل على صدق الرَّحِيمُ. الخبر عما ذکره قبلها من وحدانيته سبحانه، وذكر رحمته، ورأفته بخلقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد نزلت علي الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها): ﴿إنّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِمَا بِمَا بِمَا﴾ [البقرة: (١) التفسير المنير ٤ / ٢٠٧. (٢) المحرر الوجيز ٢٢٣/١. www. modoee.com ٢٣٥ حرف الحاء ١٦٤](١) (٢) ومما يدل على معنى ما سبق قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْفِكُمْ وَمَا يَبْتُ مِنْ دَّةٍ مَايَتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) وَأَخْلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآِ مِن رِّزْقٍ فَلَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَهَا وَتَصْرِيفِ الرَّحِ ءَايَتٌ لِقَوْمٍ مَّقِلُونَ ﴾ [الجاثية: ٤-٥]. أي: أکثر الله من كل الأنواع لا يختص ذلك بنوع دون آخر، ويحسن هنا الإشارة إلى أن العلماء ذكروا أرقامًا عالية جدًّا من الحيوانات وخاصة الحشرات (٣). قال ابن كثير رحمة الله في تفسير الآية السابقة: ((أي: على اختلاف أشكالها، وألوانها، ومنافعها، وصغرها، وكبرها، وهو يعلم ذلك كله، ويرزقه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَبَةٍ فِ اْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَسُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِ كِتَبٍ مُبِينٍ﴾ [هود: والدم حتى إذا أنهكت الشاة، أو غيرها حلبًا ٦])) (٤). ولتوضيح التفكر في خلق الحيوان يحسن أن نذكر بعض الأمثلة: الأول: في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُرْ فِي (١) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ٣٨٦/٢، رقم ٦٢٠. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١٤٧/١، رقم ٦٨. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٠١/٢. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢/ ٣٤. (٤) تفسير القرآن العظيم ١/ ٤٧٥. الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ تُشْقِيكُم ◌ِمَّا فِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَّرْثٍ وَدَمِ لََّنَا خَالِصًا سَآَيِغًا لِلشَّرِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]. قال ابن القيم: ((لو تأملنا العبرة التي ذكرها الله عز وجل في الأنعام، وما سقانا من بطونها من اللبن الخالص السائغ الهنيء المريء الخارج من بين الفرث والدم، فتأمل كيف ينزل الغذاء من أفواهها إلى المعدة فینقلب بعضه دما بإذن الله، وما يسرى في عروقها، وأعضائها، وشحومها، ولحومها فإذا أرسلته العروق في مجاريها إلی جملة الأجزاء فیہ کل عضو، أو عصب، وغضروف، وشعر، وظفر، وحافر إلى طبيعته، ثم يبقى الدم في تلك الخزائن التي له، إذ به قوام الحیوان، ثم ینصب ثقله إلى الكرش فيصير زبلًا، ثم ينقلب باقية لبنًا صافيًا سائغًا للشاربين، فيخرج من بين الفرث خرج الدم مشوبًا بحمرة، فصفى الله سبحانه الألطف من الثفل بالطبخ الأول فانفصل إلى الكبد، وصار دمًا، وكان مخلوطًا بالأخلاط الأربعة، فأذهب الله عز وجل کل خلط منها إلى مقره وخزانته المهيأة له من المرارة، والطحال، والكلية، وباقي الدم الخالص يدخل في أوردة الكبد، فينصب من تلك العروق إلى الضرع فيقلبه الله تبارك وتعالى من صورة الدم، وطبعه، وطعمه إلى صورة اللبن، وطبعه، وطعمه فاستخرج من الفرث ٢٣٦ القرآن الكريم الحيوان والدم، من الذي دبر هذا التدبير؟ وقدر هذا العربي: ومن عجيب ما خلق الله في النحل التقدير؟ وأتقن هذا الصنع؟ ولطف هذا أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة، فبذلك اللطف؟ إنه اللطيف الخبير(١). الثاني: في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى اُلَّحْلِ أَنِ أَّخِذِى مِنَ لِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ () ثُمَّكُلٍ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَيِّكِ ذُلُلًا يَخْجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسُِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩]. إنها آية فيها العبرة، وفيها التفكر لمن تأملها فهي من دلائل القدرة الإلهية في خلق النحل، وما فيها من مظاهر النعم على الناس، وأنها تدلهم على التوحيد. ومعنی یتفگّرون: يتأملون في صنعه تعالى، فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة، والأفعال العجيبة حق التدبر، علم قطعًا أنه لا بد من وجود قادر حکیم یلهمها ذلك، ويحملها عليه(٢). والله سبحانه وتعالى أودع الغريزة في الحيوان، فأوحى إلى النحل أن تتخذ بيوتًا تأوي إليها، أي: أوکارًا، ومن الشّجر بیوتًا. وممّا يعرشون، أي: مما يبنيه الناس لها من الأماکن، أي: يصنعونه من الخلايا من طين، أو خشب، أو غيرهما (٣). قال القرطبي رحمه الله: ((قال ابن (١) انظر: مفتاح دار السعادة، ص٢٦٠. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٤/ ١٦٨. (٣) انظر: المصدر السابق. اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع کل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل، وجاءت بينهما فرج، إلا الشكل المسدس؛ فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل كأنه كالقطعة الواحدة)» (٤). وفي اتخاذ النحل البيوت امتثال لأمر ربها، قال ابن القيم رحمه الله: ((وتأمل كيف أداها حسن الامتثال إلى أن اتخذت البيوت أولًا، فإذا استقر لها بیت خرجت منه فرعت، وأكلت من الثمار ثم آوت إلى بيوتها؛ لأن ربها سبحانه أمرها باتخاذ البيوت أولًا، ثم بالأکل بعد ذلك، ثم إذا أكلت سلکت سبل ربها مذللة لا يستوعز عليها شيء ترعى ثم تعود، ومن عجيب شأنها أن لها أميرًا يسمى اليعسوب لا يتم لها رواح ولا إياب ولا عمل ولا مرعى إلا به، فهي مؤتمرة لأمره سامعة له مطيعه وله، عليها تكليف وأمر ونهي، وهي رعية له منقادة لأمره متبعة لرأيه يدبرها، كما يدبر الملك أمر رعيته، حتى إنها إذا آوت إلى بيوتها وقف على باب البيت، فلا يدع واحدة تزاحم الأخرى، ولا تتقدم عليها في العبور، بل تعبر بيوتها واحدة بعد واحدة بغير تزاحم، ولا تصادم، ولا تراكم (٤) الجامع لأحكام القرآن، ١٠/ ١٣٤. www. modoee.com ٢٣٧ حرف الحاء ضیق لا يجوزه إلا واحد واحد، ومن تدبر أحوالها وسياساتها، وهدايتها، واجتماع شملها، وانتظام أمرها، وتدبير ملكها، وتفویض کل عمل إلی واحد منها يتعجب منها كل العجب، ويعلم أن هذا ليس في مقدورها، ولا هو من ذاتها، فإن هذه أعمال محكمة متقنة في غاية الاحكام، والإتقان، فإذا نظرت إلى العامل رأيته من أضعف خلق الله أجهله بنفسه، وبحاله، وأعجزه عن القيام بمصلحته فضلًا عما يصدر عنه من الأمور العجيبة، ومن عجيب أمرها أن فيها أميرين لا يجتمعان في بيت واحد، ولا يتأمران على جمع واحد، بل إذا اجتمع منها جندان، وأمیران قتلوا أحد الأمیرین، وقطعوه، واتفقوا على الأمير الواحد))(١). الثالث: في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيْتُمْ عَلَّهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣]. والمعنى: أن الله سبحانه خالق وسيلة الركوب من الفلك، والأنعام، أي: أن اللّه الذي خلق الفلك، الأنعام، وألهم الإنسان، وعلمه أن يتخذ وسيلة الركوب في البحر، وهي السفن، وأوجد واسطة الركوب في (١) مفتاح دار السعادة، ص٢٥٨. جوبيه القرآن الكريمِ كما يفعل الأمير إذا انتهى بعسكره الى معبر البر من الأنعام، وهي الإبل، إذ المعهود أنه لا يركب من الأنعام إلا هي، واللّه هو الذي ذلّلها لنا، وسخّرها، ويسّرها لركوب ظهورها، وكذا لأكل لحومها، وشرب ألبانها، والانتفاع بأوبارها، ومن الأنعام لم تخلق للركوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل راكب بقرة، إذ قالت له: لم أخلق لهذا، إنما خلقت للحرث، فقال النبي صلی الله عليه وسلم: آمنت بذلك أنا، وأبو بكر، وعمر)(٢)(٣). ومن العجيب أن الله سبحانه وتعالى أعطى بهيمة الأنعام الأسماع، والأبصار ليتم تناولها لمصالحها، ويكمل انتفاع الإنسان بها إذ لو كانت عمياء، أو صماء لم يتمكن من الانتفاع بها، ثم سلبها العقول، إذ إن هناك تباينًا بين عقولها وعقل الإنسان؛ ليتمكن الإنسان من تسخيرها إياها فيقودها، ويصرفها حيث شاء، ولو أعطيت العقول على كبر خلقها لامتنعت من طاعته، واستعصت عليه ولم تكن مسخرة له، فأعطيت من التمييز، والإدراك ما تتم به مصلحتها، ثم تأمل كيف قادها، وذللها على كبر أجسامها، قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَمًّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ٢٠٣/٣، رقم ٢٩٠٦. (٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٢٤/٢٥. ٢٣٨ الحيوان وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَّكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ﴾ ٧١ [يس: ٧١-٧٢]. فالبعير على عظم خلقته يقوده الصبي الصغير ذليلًا منقادًا، والله سبحانه وتعالى ذلّله، وسخره، وقاده على قوته لبشر ضعيف من أضعف المخلوقات، وفرغ بذلك التسخير النوع الإنساني لمصالح معاشه، ومعاده، فأعينوا بهذه الحيوانات مع ما لهم فيها من المنافع التي لا يحصيها إلا الله من الغذاء، والشراب، والدواء، واللباس، والأمتعة، والآلات، والأواني، والركوب، والحرث، والمنافع الكثيرة، والجمال(١). وفيما ذكر من الأمثلة للتفكر في خلق الحيوانات الكفاية، فالذي يتفكر في خلقها يدله تفكيره على خالقها جل وعلا. (١) انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم، ص٢٤٣. أنواع الحيوانات جاء ذكر الحيوانات في القرآن الكريم بمسميات عديدة، والناظر في هذه الحيوانات يجد أن منها المأكولة، ومنها المركوبة، ومنها المفترسة، وسنوضح إن شاء الله تعالى أنواع الحيوانات في النقاط الآتية: أولًا: الحيوانات المأكولة: ورد ذكر الحيوانات مأكولة اللحم على سبيل الإجمال تحت مسمى أنعام اثنين وثلاثين مرة، وبلفظة النعم مرة واحدة، والأنعام تشمل: (الإبل، والبقر، والغنم، والماعز)، وما شابهها من الحيوانات اللبونة، وأما على سبيل التفصيل فورد ذكر الإبل مرتين، وبلفظة بعير مرتين أيضًا، وبلفظة ناقة أربع مرات، والناقة ثلاث مرات، وجاء ذكر البقر تسع مرات، منها لفظة البقر ثلاث مرات، ولفظة بقرة أربع مرات، وبقرات مرتين، وجاءت لفظة عجل عشر مرات، وأما الغنم فورد ذكرها ثلاث مرات بلفظة غنم، الغنم، غنمي، وبلفظة المعز مرة واحدة، وسأذكر ورودها في القرآن الكريم مع توضيح معناها في سياق الآيات. ١. الإبل. قال تعالى: ﴿وَ مِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ www. modoee.com ٢٣٩ حرف الحاء اٌلْبَغَِّ اثْنَيْنُ قُلْ ءَ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَبَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَبَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَأْ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ وَلَا تَفَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * تَمَنِيَةَ أَزْوَجٌ مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِّ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ آلْأُنَيَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَئِنِّ نَبِعُونِ بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٢ - ١٤٣]. والمعنى: أن الأنعام التي هي حمولة وفرش ثمانية أصناف، فإنّ الحمولة: إما إيل، وإما بقر، والفرش: إما ضأن، وإما معز، وكلّ قسم من هذه الأربعة: إما ذكر، وإما أنثى، وقد أنشأ اللّه من الضّان زوجين اثنين: الكبش، والنّعجة، ومن المعز زوجين اثنين: التّيس والعنزة، ومن الإبل اثنين: الجمل، والنّاقة، ومن البقر اثنين: الثّور والبقرة، والله عز وجل قال للرسول صلى الله عليه وسلم: قل لمشركي العرب إنكارًا لصنعهم بتقسيم الأنعام إلى بحيرة، وسائبة، ووصيلة، وحام، وغير ذلك مما ابتدعوا فيها: أحرم اللّه الذّكرين من الكبش، والّيس؟ أم حرّم الأنثيين من النّعجة، والعنز؟ أم حرّم ما حملت إناث النّوعين؟ يعني: هل يشتمل الرّحم إلا على ذكر، أو أنثى، فلم تحرمون بعضًا وتحلّون بعضًا؟ أخبروني عن يقين، کیف حرّم الله علیکم ما زعمتم تحريمه من البحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحام ونحو ذلك؟ أخبروني ببيّنة تدلّ على هذا التّحريم من كتاب اللّه، أو خبر نبي من الأنبياء إن كنتم صادقين في ادّعاء التّحريم (١). قال الزحيلي: ((والحقيقة أنه لا منطق في تقسيم العرب في الجاهلية قبل الإسلام لأنواع الأنعام، فمنها الحرام، ومنها الحلال، فإن كان المحرّم منها الذّكر، وجب أن يكون كلّ ذكورها حرامًا، وإن كان المحرّم منها الأنثى، وجب أن یکون کلّ إناثها حرامًا، وإن كان المحرّم منها ما حملته الأجنّة في بطون الإناث، وهي تشتمل على الذّكر والأنثى، وجب تحريم الأولاد كلّها، واللّه تعالى ما حرّم عليهم شيئًا من هذه الأنواع، وإنهم لكاذبون في دعوى التحریم، ولا أحد في الدّنيا أظلم ممن يفتري الكذب على اللّه، فيدّعي أنه حرّم شيئًا ولم يحرّمه، ونسب إليه تحريم ما لم يحرم، من أجل إضلال النّاس، وهو عمرو بن لحيّ بن قمعة الذي بحر البحائر، وسيّب السّوائب، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، وغيّر دين الأنبياء، إن اللّه لا يهدي إلى الحقّ والخير القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم، فشرعوا ما لم يشرع (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٧١/٨. ٢٤٠ القرآن الكريم