Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ 2 عناصر الموضوع مفهوم الحكمة ٣٦ ٣٨ الحكمة في الاستعمال القرآني ٤٠ الألفاظ ذات الصلة ٤٢ الحكمة نعمة إلهية ٤٦ الحكمة من صفات الله تعالى ٥٣ وصف القرآن الكريم بالحكمة ٥٦ وصف الرسل والصالحين بالحكمة ٦٩ مجالات الحكمة ٧٤ آثار الحكمة المُجَلَّدَ الثَّالِثْ عَشَر حرف الحاء مفهوم الحكمة أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: ((الحاء والكاف والميم أصل واحد، ومعناه المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة؛ لأنها تمنعها، ويقال: حكمت السّفيه وأحكمته، إذا أخذت على يديه(١). قال جريرٌ (٢): أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إنّي أخاف عليكم أن أغضبا والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل، والمحكّم: المجرب المنسوب إلى الحكمة (٣). والحكيم، هو ذو الحكمة، والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم، وعرّف الحكم في اللغة بأنه الحكمة من العلم، وصاحب الحكمة هو المتقن للأمور. ولو تدبرنا معاني الحكمة في اللغة على نحو ما سبق لوجدنا أن مدارها على شيئين: أولهما: المنع، لأنها تحكم صاحبها أو المتصف بها من الوقوع فيما يذم عليه أو يلحقه الندم، وثانيهما: الفطنة في تدبير الأمور وحسن إدارتها، من حيث تقديم الأهم على المهم، وتقديم الفاضل على المفضول (٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: للحكمة في الاصطلاح تعريفات عدة نختار منها ما يأتي: أنّ الحكمة هي: ((معرفة الحق والعمل به، والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام، وحقائق الإيمان، وهذا التعريف للإمام مجاهد والإمام مالك، وقد قال عنه ابن القيم: ((إنه أحسن ما قيل في الحكمة))(٥). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٩١. (٢) بيت جرير في: ديوان المعاني، العسكري ٨٩/١، خزانة الأدب، البغدادي ٢٣٦/٩. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤٣/١٢. (٤) انظر: الحكمة، ناصر العمر ص٩. (٥) التفسير القيم، ابن القيم ص٢٢٦. ٣٦ جَوَنُوا القرآن الكريمِ الحكمة أنها «ضرب من العلم يمنع من ركوب الباطل)) (١). أنها ((خروج نفس الإنسان إلى كمالها الممكن))(٢). ومن التعريفات المعاصرة للحكمة: أ- أنها ((العلوم النافعة والمعارف الصائبة، والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال))(٣). ب- أنها: «القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغايات، والبصيرة المستنيرة التي تهديه للصالح الصائب من الحركات والأعمال)» (٤). ج- أنها ((وضع الشيء في موضعه))(٥). د- أنها:((فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي))(٦). التعريف المختار: الذي يمكن للباحث اختياره استخلاصًا من التعريفات السابقة أنّ الحكمة ((ملكةٌ فطريةٌ أو مكتسبةٌ يمكن بها وضع الأمور في مواضعها أقوالا وأفعالا وأحكامًا وفق روية ودراية)». فالصلة بين المعنى الاصطلاحي واللغوي وثيقة جدًّا؛ إذا كلاهما يدلان على تدبير الأمور وحسن إدارتها والمنع من ركوب الباطل. (١) نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ١/ ٢٦٠. (٢) المصدر السابق. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٣٢. (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣١٢/١. (٥) انظر: معجم لغة الفقهاء، قلعجي والقنيبي ص ١٨٤، مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله، ناصر الحميد ص ٢٩. (٦) الحكمة، ناصر العمر ص١٩. www. modoee.com ٣٧ حرف الحاء الحكمة في الاستعمال القرآني وردت مادة (أحكم) في القرآن الكريم (١٢٣) مرة (١). والصيغ التي جاءت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ [هود: ١] ﴿فَيَنْسَخُ اَللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُه ◌َايَتِهِ. وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الحج: ٥٢] المصدر ٢٠ ﴿يُؤْتِ اَلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] الصفة المشبهة ٩٧ ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْءَانَ مِن ◌َّدُنْ حَكِيٍ عَلِيمٍ ﴾ [النمل: ٦] اسم التفضيل ٢ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعَكَمِ الْحَكِمِينَ ( ﴾ [التين: ٨] ٨ اسم المفعول ٢ ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأُخَرٌ مُتَشَيِهَتٌ ﴾ [آل عمران: ٧] وجاءت الحكمة في القرآن على خمسة وجوه(٢): أحدها: وضع الأشياء مواضعها، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهْدَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [التغابن: ١٨]، يعني: الموصوف بالحكمة، لا يدع معاملة الناس بما تقضيه الحكمة من وضع الأشياء مواضعها، ونوط الأمور بما يناسب حقائقها. والثاني: الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿حِكْمَةُ بَلِغَّةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ﴾﴾ [القمر: ٥]، يعني: موعظة قد بلغت الغاية، ووصلت إلى النهاية. (١) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٢١٣-٢١٥، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الحاء ص ٤٧٤ - ٤٥٠. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص١٧٤، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٢٦١- ٢٦٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٩١/٢٨. ٣٨ جوبيه القرآن الكريمِ ﴿الَرَكِنَبُّ أُعْكِمَتْ ءَايَتُهُ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن ◌َّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ٠ الفعل المضارع ١ الحكمة والثالث: السنة، ومنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّعِنَ رَسُولًا ◌ِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَيْهِ، وَيُزَكِيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]، يعني: القرآن والسنة. والرابع: العلم والفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢]، يعني: العلم والفهم. والخامس: النبوة: ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيمَ اُلْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤]، يعني: النبوة. www. modoee.com ٣٩ حرف الحاء الألفاظ ذات الصلة العلم: ١ العلم لغةً: نقيض الجهل، والمعرفة، واليقين، والعلّامة: النسّابة، وهو من العلم (١)، ويقال: ((علمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته))(٢). العلم اصطلاحًا: عرفه الجرجاني: ((العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، ونقل عن الحكماء فقال: هو حصول صورة الشّيء في العقل))(٣). وأنكر ابن العربي تعريف العلم لوضوحه وقال: ((العلم أبين من أن يبين)» (٤)، وأنكر على من تصدى لتعريف العلم. الصلة بين العلم والحكمة: يمكن إبرازها في الآتي: ١. أن العلم يشبه الحكمة من حيث كون كلَّ منهما يفيد المرء ويفيد غيره، ويورث صاحبه قبولا ومكانة ورفعة بین الناس. ٢. أن الحكمة ضرورية لطلب العلم وتعليمه، فمن التزم بالحكمة أحسن التعلم إن كان تلميذًا، والتعليم إن كان معلمًا. القضاء: ٢ الفقه لغةً: ((العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة. وغلب على علم الدين؛ لشرفه)»(٥). الفقه اصطلاحًا: هو الإصابة والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلّق به الحكم، وهو علمٌ مستنبطٌ بالرأي (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٣٠٨٣/٤، تهذيب اللغة، الأزهري، ٤١٨/٢. (٢) الصحاح، الجوهري، ١٩٩٠/٥. (٣) التعريفات، ص ١٩١. (٤) فتح الباري، ابن حجر، ١٤١/١. (٥) القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص ١٢٥٠. جَوَسُوع القرآن الكريمِ ٤٠ الحكمة والاجتهاد، ويحتاج فيه إلى النظر والتأمّل(١). الصلة بين الفقه والحكمة: أن الفقه طريق إلى الحكمة، فكل من تفقه في دينه، ووقف على شيء من أسرار الأحكام الشرعية، وأعمل ذهنه في استنباطها كان حكيمًا في تصرفاته، متزنًا في أفعاله وأقواله. القضاء: ٣ الفطنة لغةً: الفطنة بالكسر وسكون الطاء المهملة لغة: هي الفهم، وفي الصحاح هي كالفهم، وهذه قد تكون جبليّة وقد تكون مكتسبة، كما أنّ عدم الفطنة قد يكون جبليّاً وقد يكون عارضًا(٢). الفطنة اصطلاحًا: تعرف في الاصطلاح بأنها ((جودة تهيئ النفس لتصوّر ما يرد عليها من الغير))(٣). وتعرف كذلك بأنها «الفطنة: سرعة ما يقصد إشكاله)) (٤). الصلة بين الفطنة والحكمة: أن الحكمة تنبني على الفطنة، إلا أن الفطنة فيها جانب معنوي به تدرك بواطن الأمور ومراميها، مما يؤدي إلى الحكمة في التصرفات، ولهذا فإن الحكيم لابد أن يكون فطنًا. (١) انظر: التعريفات، الجرجاني، ص١٦٨. (٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٥١٠/٣٥. (٣) كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي ١٢٧٩/٢. (٤) مقاليد العلوم، السيوطي ص ٢٠٠. www. modoee.com ٤١ حرف الحاء الحكمة نعمة إلهية أولًا: الحكة نعمة: الحكمة نعمة من نعم الله تعالى التي ينعم بها على من يشاء من عباده، يصدق ذلك قول الله تعالى ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًاً كَثِيرَأُ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. قال الشيخ المراغي في تفسير قوله تعالى:((﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ أي: إنه تعالى يعطى الحكمة والعلم النافع المصرّف للإرادة لمن يشاء من عباده، فيميز به الحقائق من الأوهام، ويسهل عليه التفرقة بين الوسواس والإلهام وآلة الحكمة العقل المستقل بالحكم في إدراك الأشياء بأدلتها، وفهم الأمور على حقيقتها -ومن أوتى ذلك عرف الفرق بين وعد الرّحمن ووعد الشيطان، وعضّ على الأول بالنواجذ وطرح الثاني وراءه ظهريًّا، ﴿وَمَن يُؤْتَ اَلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِيَ خَيْرًا كَثِيرً﴾ أي: ومن يوفقه الله لهذا النوع النافع من العلم، ويرشده إلى هداية العقل، ووجهه الوجهة الصحيحة- فقد هدى إلى خيرى الدنيا والآخرة، فهو يسخر القوى التي خلقها الله له من سمع وبصر وشعور ووجدان في النافع من الأشياء، ويعدّها لتنفيذ ما يرغب فیه، ثم بعدئذ یفوض الأمر إلى بارئه الذي فطره وسوّاه، ومنه مبدؤه وإليه منتهاه، وبهذا لا يستسلم لوساوس الشيطان، ولا يقض مضجعه ما يجده من مكدرات الحياة وآلامها))(١). في هذا الموضع وقد فسرت الحكمة بتفسيرات عدة أشهرها ما يأتي: ١. أن الحكمة هي الإصابة في القول والفعل، روي هذا عن مجاهد(٢). ٢. أن الحكمة هي العقل في الدين، روي هذا عن عبد الرحمن بن زيد(٣). ٣. أن الحكمة هي الفهم، وهو مروي عن إبراهيم النخعي (٤). ٤. أن الحكمة هي النبوة، وهو مروي عن ابن عباس والسدي(٥). ٥. أن الحكمة هي علم القرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله، وهذا مروي عن قتادة (٦). ٦. أن الحكمة هي الخشية، وهو مروي (١) انظر: تفسير المراغي ٣٤١-٤٢ بتصرف. (٢) جامع البيان، الطبري ٥/ ٥٧٧. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٧٨/٥، تفسير ابن أبي حاتم ٥٣٢/٢. (٤) انظر: المصادر السابقة. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٧٩/٥، تفسير السمر قندي ١٧٩/١. (٦) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١/ ٢٥٢. ٤٢ القرآن الكريمِ جَوَهُ الحكمة عن الربيع بن خیثم(١). أقسامه، لأن الأنبياء مسددون مفهمون، ٧. أن الحكمة هي المعرفة بالدين والفقه وموفقون لإصابة الصواب في بعض الأمور، ((والنبوة)) بعض معاني الحكمة، فيه والاتباع له، حكاه ابن وهب عن مالك (٢). فتأويل الكلام: يؤتي الله إصابة الصواب في القول والفعل من يشاء، ومن يؤته الله ذلك فقد آتاه خيرًا كثيرًا(٤). وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك قوله: ((وإنه ليقع في قلبي، أن الحكمة هو الفقه في دين الله؛ وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا، إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه، ويحرمه هذا، فالحكمة: الفقه في دين الله»(٣). ولا مانع من إطلاق الحكمة على كل المعاني السابقة، يقول الإمام الطبري بعد أن ذكر هذه المعاني: ((إنها مأخوذة من ((الحكم)) وفصل القضاء، وأنها الإصابة بما دل على صحته، فأغنى ذلك عن تكريره في هذا الموضع، وإذا کان ذلك کذلك معناه، كان جميع الأقوال التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولهم في ذلك داخلًا فيما قلنا من ذلك، لأن الإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة. وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيب عن فهم منه بمواضع الصواب في أموره مفهمًا خاشيًا لله فقيهًا عالمًا، وكانت النبوة من (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/ ٣٤٤. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٧٨/٥. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٥٣٢/٢. ولما كانت الحكمة نعمة كان إيتاؤها من رضا الله تعالى على المرء، حبًّا لها، ورفعة لمنزلته، وجزاء له على طاعته وامتثاله لأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه، وقد ينعم الله تعالى على المرء في شبابه بالطاعة وييسر له سبلها ليؤهله بعد ذلك لتلقي الحكمة. روي عن الحسن البصري قوله: ((من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اکتھاله»(٥). ثانيًا: تعلّم الحكمة: الحكمة هبة وعطية من الله يهبها من يشاء من عباده الصالحين، أما كونها هبة وعطية فهي نعمة من نعم الله تعالى التي ينعم بها على أحد من خلقه، وهذه درجة سامية من درجات الحكمة، ولکن یمکن في الوقت ذاته اكتساب الحكمة أو تعلمها. وأما كونها فطرية فقد تقدم ذكر الآية الصريحة في أن الحكمة نعمة يؤتيها الله (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٧٩/٥. (٥) أخرجه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم، ٦/ ٢٤٠، رقم ٢٥٧٩. www. modoee.com ٤٣ حرف الحاء تعالی لمن يشاء. وورد في السنة كذلك ما يمكن الاستئناس به علی فطریتها، وذلك في قول النبي صلی الله عليه وسلم لأشجّ عبد قيس (إنّ فيك لخلقين يحبّهما الله: الحلم والأناة)(١)، فقال: يا رسول الله، أنا تخلّقتهما، أو جبلني الله عليهما؟ قال: (بل الله جبلك عليهما). قال: الحمد للّه الّذي جبلني على خلقين یحبّهما الله ورسوله(٢). ووجه الاستئناس بالحديث هنا أن الحلم والأناة وإن كان خلقین مستقلین إلا أن منبعهما الحکمة، فالحکیم تدفعه حکمته إلى الحلم والأناة. وأما عن كونها مکتسبة فذلك بأن ييسر الله تعالى للمرء مخالطة الحكماء ومجالسة العلماء والإطلاع على التجارب والخبرات واكتساب الصفات والخلال التي تؤهله لیکون في مصاف الحكماء وبتعاطي أسباب الإخلاص، والتفكر والاعتبار بالحوادث، والصمت إذا خاض الإنسان فيها، كلها من الأسباب المعينة على الاقتباس من نور (١) إلى هنا أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله، رقم ١٧. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، في مسند الوازع بن زارع العبدي، ٤٩٠/٣٩، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، ٣٠٤/٣، رقم ١٦٨٤، والخرائطي في مكارم الأخلاق، باب فضل الحلم والرفق والأناة ١/ ٣٣٢، رقم ٢٩. الحكمة و کل ذلك بتوفيق الله وإعانته. وروي عن الإمام مالك؛ أنّه بلغه أنّ لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: ((يا بنيّ جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإنّ الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحبي الأرض الميتة بوابل السّماء)»(٣). وقد استنبط الشيخ محمد الطاهر بن عاشور كون الحكمة مكتسبة من الحوار الذي دار بين سيدنا سليمان عليه السلام وملئه حول إمكانية إحضار عرش ملكة سبأ، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَكَيُّهَا الْمَلُوَّأَ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ ) قَالَ عِفْرِيتُ مِنَ الْجِنِ أَنَاْ مَائِكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ـسة وَإِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ ؟ قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتَبِ أَنْ مَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكْ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ، قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبٍِ لِيَبْلُوَبِّ ءَ أَشْكُرُأَمْ أَكْفُرٌ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّكَرِيمٌ ﴾ [النمل: ٣٨ -٤٠]. قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: ((وهذه المناظرة بين العفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب ترمز إلى أنه يتأتى بالحكمة والعلم ما لا يتأتى بالقوة، وأنّ الحكمة مكتسبة لقوله: عنده علم من الكتاب، وأن قوة العناصر طبيعة فيها، وأن الاكتساب بالعلم طريق لاستخدام القوى التي لا تستطيع استخدام بعضها بعضًا. فذكر (٣) تنوير الحوالك، السيوطي ١٦١/٣. ٤٤ القرآن الكريم الحكمة في هذه القصة مثلًا لتغلب العلم على القوة، أبا حازم (أحد الزهاد بالمدينة) فقال: يا ولما كان هذان الرجلان مسخرين لسليمان كان ما اختصا به من المعرفة مزية لهما ترجع إلى فضل سليمان وكرامته أن سخر الله له مثل هذه القوى))(١). أبا حازم من أعقل النّاس ؟ قال: من تعلم الحكمة وعلمها النّاس، قال: فمن أحمق النّاس؟ قال: من دخل في هوى رجل ظالم (٣). وأيًّا كان الأمر من كون الحكمة فطرية أو مكتسبة، فإن كليهما يستلزم من المرء العمل بها وتعلیمها، وإلا دخل في عداد واحد من اثنين، الأول: العالم الذي لا يعمل بعلمه، والثاني: العالم الذي يكتم علمه، وكلاهما مذموم. أما الأول فمذموم بقول الله تعالى ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ٢﴾ [الصف: ٢]. وأما الثاني فمذموم بقول رسول الله صلی الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النّار، فتندلق أقتابه في النّار، فیدور کما یدور الحمار برحاه، فیجتمع أهل النّار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس کنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنکر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)(٢). وروي أن سليمان بن عبد الملك سأل (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧١/١٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة، رقم ٣٢٦٧. ويمكن بيان أوجه الفرق بين الحكمة الفطرية والحكمة المكتسبة، أو الحكمة التي يؤتيها الله والحكمة التي يتعلمها المرء على هذا النحو: أنّ الحكمة التي يؤتیها الله تعالى إنما يؤتيها لمن أحب من خلقه، فهي نور لا يؤتيه لعاصٍ، أما تعلم الحكمة فقد ينالها الطائع والعاصي، فتكون للطائع نعمة، وعلى العاصي قد تكون استدراجًا ونقمة. أعظم من الحكمة التى يتعلمها وأكثر إفادة من المكتسبة وفي کل خير، وذلك لأن علم البشر قاصر، قال الله تعالى ﴿نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن ◌َّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِيِّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. أنّ الحكمة المؤتاة من الله تعالى هي علم لدني، كما في حالة الخضر عليه السلام، ولقمان عليه السلام، أما الحكمة التي يتعلمها المرء فتأتي من طرق عدة، وبدرجات متفاوتة، فقد يتعلمها المرء من الإنسان، وقد يتعلمها من الحيوان. (٣) المنهج المسلوك في سياسة الملوك، الشيزري ص٧١٧، مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة ص١٣٥. www. modoee.com ٤٥ حرف الحاء الحكمة من صفات الله تعالى وصف الله تعالى نفسه بالحكمة، وسمی نفسه الحكيم في آيات عديدة بلغت أكثر مائة موضع، من كتاب الله عز وجل، فالحكيم من أسماءالله الحسنى، وأكثر ما ورد من اسم ((الحكيم)) في القرآن الكريم ورد مقترنًا بغيره من الأسماء؛ كالعزيز والعليم والخبير والتواب ونحو ذلك. قال ابن منظور: ((الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، وهو الحكيم، له الحكم سبحانه وتعالى. قال اللّيث: الحكم الله تعالى. وقال الأزهريّ من صفات الله: الحَكَم والحَكِيم والحَاكِم، ومعاني هذه الأسماء متقاربة، وعلينا الإيمان بأنّها من أسمائه. وقال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى (الحكم) و(الحكيم) وهما بمعنى الحاكم، وهو القاضي فهو فعيل بمعنى فاعل، أو هو الّذي يحكم الأشياء ويتقنها فهو فعيل بمعنى مفعل، وقيل: الحكيم: ذو الحكمة وهي عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم)» (١). ولهذه التسمية ولهذا الاقتران معان دار حولها العلماء، أتناول ما تيسر منها على هذا النحو: (١) لسان العرب، ابن منظور ١٢/ ١٤٠. أولًا: معنى الحكمة في حق الله تعالى: الحكمة في حق الله تعالى تعني صفة عظيمة من صفاته جل وعلا، واسمًا من أسمائه الحسنى، تتعلق بالعلم والإحاطة بخلقه، وتدبير شؤونهم، وتشريعاته الصالحة لكل زمان ومكان، ورحمته التي وسعتهم بتقدیر وتدبیر محکمین. ولذلك فإن اسم الله تعالى ((الحكيم)) تتعدد معانيه وتتسع حسب المواضع الكريمة التي ورد فيها في كتاب الله تعالى، وكلها تصف المولى جل وعلا بالحكمة التي سبق ذكر معانيها. فالحکیم جل وعلا له في خلقه شئون، وله في تدبير أمورهم إرادة لا يعتريها العبث، ولا يدخلها الخلل، قال تعالى مبينًا جوانب حكمته في الخلق: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. فالحكيم جل وعلا جعل الناس متفاوتين في المعايش والأوصاف، كما قال ابن القيم: «الله سبحانه یحب أن یشکر، ولذا فاوت بين عباده في صفاتهم الظاهرة والباطنة في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ومعايشهم وآجالهم، فإذا رأى المعافى المبتلى والغنيّ الفقير والمؤمن الكافر عظم شكره لله، وعرف قدر نعمته علیه، وما فضّله به على غيره، فازداد شكرًا وخضوعًا واعترافًا بالنعمة، فالضد يظهر حسنه الضد، ٤٦ جَوَسُورَةُ النَّقِين القرآن الكريم الحكمة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، والله عزّ ويضدها تتبين الأشياء))(١). والحكيم سبحانه وتعالى فاضل بين وجلّ هو الحكيم الحقّ، لأنّه يعلم أجلّ الناس، فوفّق قومًا للدين، ووكل قومًا الأشياء بأجلّ العلوم، إذ أجلّ العلوم هو العلم الأزليّ الدّائم الّذي لا يتصوّر زواله، المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرّق إليه خفاء ولا شبهة ولا يتّصف بذلك إلّا علم الله سبحانه وتعالى))(٤). لأنفسهم فاختاروا الكفر، ولا يعجز الله هدایتهم، ولو شاء لهدی الناس أجمعين، لكنه حكيم، جعل الكفر والإيمان، وسلط الشيطان على بني الإنسان حكمة منه(٢). قال ابن القيم: ((في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله، فالله سبحانه لم يخلقه عبثًا، ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم، فکم لله في خلقه من حكمة باهرة، وحجة قاهرة، وآية ظاهرة، ونعمة سابغة؛ وهو وإن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفویتھا»(٣). وللعلماء كلام طيب في معنى الحكمة في حق الله تعالى إما على جهة الإطلاق أو مستفادًا من الآيات القرآنية الورادة في الحكمة، وأورد هنا طرفًا من كلامهم وتفسيراتهم على هذا النحو: قال الغزاليّ: ((الحكمة عبارة عن معرفة (١) شفاء العليل، ابن القيم ص٢٢١. (٢) انظر: تأملات في اسم الله تعالى الحكيم، منصور الصقعوب، خطبة بموقع ملتقى الخطباء ص ٥ بتصرف. (٣) شفاء العليل، ابن القيم ص١٤٨. وقال الشيخ ناصر السعدي ما ملخصه: ((الحكيم: الموصوف بكمال الحكمة وبکمال الحکم بین المخلوقات، فالحكيم هو واسع العلم، والاطّلاع على مبادئ الأمور وعواقبها، واسع الحمد، تام القدرة، غزير الرحمة، فهو الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلقه وأمره، فلا یتوجّه إلیه سؤال، ولا يقدح في حکمته مقال. وحکمته نوعان: النوع الأول: الحكمة في خلقه؛ فإنه خلق الخلق بالحق ومشتملًا على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتّبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللّائق به، بل أعطى كلّ جزء من أجزاء المخلوقات وكلّ عضو من أعضاء الحيوانات خلقته وهيئته، فلا يرى أحد في خلقه خللًا، ولا نقصًا. (٤) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، الغزالي ص ١٢٠. www. modoee.com ٤٧ حرف الحاء النوع الثاني: الحكمة في شرعه وأمره، يقال: سمع بمعنى سميع، قال عمرو فإنه تعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب، بن معدي كرب: أمن ريحانة الداعي السميع»(٣). وأرسل الرسل ليعرفه العباد ويعبدوه، فأي ثانيًا: حكمة اقتران صفة الحكمة بصفات الله الأخرى: حكمة أجلّ من هذا؟ وأيّ فضل وكرم أعظم من هذا، فإنّ معرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له وحمده، وشكره والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق، وأجلّ الفضائل لمن يمنّ الله علیه بها))(١). وإذا نظرنا إلى اسم الله تعالی الحكيم، لوجدناه لم يأت في القرآن الكريم مفردًا قط، وإنما مقرونًا باسم آخر على نحو ما سيتضح لاحقًا. وللعلماء كلام طيب في تفسير اسم الحكيم جل وعلا، منه قول ابن القيم: ((اسم الحكيم له سبحانه من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله، ووضعه الأشياء في مواضعها، وإيقاعها على أحسن الوجوه))(٢). وقول العسكري: ((وتسمية الله بأنه حکیم علی وجھین: أحدهما: يستحقه لذاته، وهو أنه عالم. والآخر: يستحقه لفعله، وهو أن أفعاله محکمة. وفعيل بمعنى مفعل معروف في اللغة، (١) انظر: الثمر المجتنى مختصر شرح أسماء الله الحسنى، ناصر السعدي ص٢٨-٣١. (٢) التفسير القيم، ابن القيم ص٣١. وردت الحكمة مقترنة بصفات أخرى لله عز وجل، حيث جاء اسم الحكيم مع أسماء أخرى في عشرات الآيات المكية والمدنية على اختلاف مقاصد هذه الآيات، ولا يتسع المقام لسردها بالتفصيل، ولكن اكتفي بالإشارة إلى ذكر ذلك إجمالًا، ثم استلهام بعض المعاني من مواطن بعينها. العزيز الحكيم: جاء اسم الله تعالى (الحكيم) مقرونًا باسمه (العزیز) جل وعلا في (٤٤) موضعًا في القرآن الكريم(٤). و کل آية ورد فيها الاسمان الکریمان، لها مدلولها ومعانيها المناسبة للمقام، المبسوطة في مواضعها من كتب التفسير. فعلى سبيل المثال في قول الله تعالى هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ الْأَرْحَاِ كَيْفَ بَشَاءَ لَآَ إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْعَهِزُ اَلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]. يقول الطبري: ((أخبر جل ثناؤه خلقه (٣) الوجوه والنظائر، العسكري ص ١٨٠. (٤) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد عبد الباقي ص٢١٤-٢١٥، موسوعة نضرة النعيم ٥/ ١٦٨٠. بَرُ النَِّيـ جوببيو الْقُرآن الكَرِيمِ ٤٨ الحكمة بصفته، وعيدًا منه لمن عبد غيره، أو أشرك المناسب للآيات الواردة فيه. في عبادته أحدًا سواه، فقال: ((هو العزيز)) الذي لا ينصر من أراد الانتقام منه أحدٌّ، ولا ينجيه منه وألّ ولا لجأٌ، وذلك لعزته التي يذلّ لها كل مخلوق، ويخضع لها كل موجود، ثم أعلمهم أنه «الحكيم في تدبيره وإعذاره إلى خلقه، ومتابعة حججه علیهم، ليهلك من هلك منهم عن بيّنة، ويحيا من حيّ عن بينة))(١). وفي قوله جل شأنه: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اَللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَظْمَيْنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]. يقول الطبري في معناها: ((العزيز في انتقامه من أهل الكفر بأيدي أوليائه من أهل طاعته، الحكيم في تدبيره لكم أيها المؤمنون على أعدائكم من أهل الكفر، وغير ذلك من أموره»(٢). * العليم الحكيم: باسمه (العليم) جل وعلا، في (٣٣) موضعًا في القرآن الكريم(٣). وجميع المواضع التي وردت فيه العلم مقترنًا بالحكمة لكل موضع منها معناه (١) جامع البيان، الطبري ٦/ ١٦٨- ١٦٩. (٢) المصدر السابق ١٩١/٧-١٩٢. (٣) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد عبد الباقي ص٢١٤ -٢١٥، موسوعة نضرة النعيم ١٦٨٠/٥. والناظر في المواضع يجد أن (٣١) موضعًا منها سبق العلم الحكمة، وموضعین فقط سبقت الحكمة العلم: الأول: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ فِ السَّمَآءِ إِلَهُ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهُ وَهُوَ اَلَْكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤]. وذكر الطبري في تفسيرها أنه سبحانه وتعالى الحكيم: في تدبير خلقه، وتسخيرهم لما يشاء، العليم بمصالحهم (٤). وذكر ابن كثير أن المعنى: حكيم في أقواله وأفعاله (٥). ولهذا فإن العبد إذا علم أن الحكيم سبحانه وتعالى هو المدبر للأمور المتقن لها والموجد لها على غاية الإحكام والإتقان والكمال، والواضع للأشیاء في مواضعها، والعالم بخواصها ومنافعها الخبير بحقائقها ومآلاتها .. فإذا عرف العبد ذلك وتيقن هذا جاء اسم الله تعالى (الحكيم) مقترنًا المعنى وأن كل ما يجري في هذا الكون هو لحكمة بالغة أرادها الله تبارك وتعالى -علم هذه الحكمة من علمها وجهلها من جهلها- كان لهذه المعرفة الأثر البالغ في حياته وتصرفاته ونظرته للكون والحياة وعاش مطمئن القلب قرير العين مفوضًا الأمر كله إلى الله تعالى متقنًا لعمله محسنًا لعبادته، (٤) انظر: جامع البيان، ٢١ / ٦٥٣. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ٣٩٣/٧. www. modoee.com ٤٩ حرف الحاء ومتيقنًا أن كل ما يجري في الكون والحياة من التنبيه على حكمه وعلمه، وفيه لطيفة هو من تقدير الحكيم العليم اللطيف الخبير الذي لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه(١). والثاني: في قوله جل شأنه: ﴿قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠]. والمعنى: أنه تعالی حكيم في تدبيره خلقه، علیم بمصالحهم، وبما کان وبما کائن، وقيل: علیمٌ بما تستحقّون من الكرامة، حكيم في أقواله وأفعاله(٢). ومن لطائف الآية ما ذكره الرازي قائلًا: «إن قیل: لم قال هاهنا الحكيم العليم، وقال في هود: (حميد مجيد)؟ نقول: لما بينا أن الحكاية هناك أبسط، فذكروا ما يدفع الاستبعاد بقولهم: أتعجبين من أمر الله، ثم لما صدقت أرشدوهم إلى القيام بشکر نعم الله، وذکروهم بنعمته بقولهم: حميد، فإن الحميد هو الذي يتحقق منه الأفعال الحسنة، وقولهم: مجيد، إشارة إلى أن الفائق العالي الهمة لا يحمده لفعله الجميل، وإنما يحمده ويسبح له لنفسه، وهاهنا لما لم يقولوا: أتعجبين، إشارة إلى ما يدفع تعجبها (١) انظر: معنى اسم: الحكيم وأثره على المسلم، فتوى رقم ١٧١٨١٩، موقع إسلام ويب، منشور بتاريخ الخميس ٢٤ صفر ١٤٣٣ /، ١٩-١-٢٠١٢ م. (٢) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١١/ ٧٠٥٠، تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٧/ ٣٩٣. وهي أن هذا الترتيب مراعى في السورتين، فالحميد يتعلق بالفعل، والمجيد يتعلق بالقول، و کذلك الحکیم هو الذي فعله، كما ينبغي لعلمه قاصدًا لذلك الوجه بخلاف من يتفق فعله موافقًا للمقصود اتفاقًا، كمن ينقلب على جنبه فيقتل حية وهو نائم، فإنه لا یقال له: حکیم، وأما إذا فعل فعلًا قاصدًا لقتلها بحیث یسلم عن نهشها، يقال له: حکیم)»(٣). # الحكيم الخبير: جاء اسم الله تعالى (الحكيم) مقترنًا باسمه (الخبير) في أربعة مواضع من كتاب الله عز وجل. ولو تتبعنا آثار اسمي الحكيم والخبير لوجدنا أن الله سبحانه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله غير منزله، التي يقتضيها كمال علمه وحکمته و خبرته. فلا يضع الحرمان والمنع موضع العطاء والفضل، ولا الفضل والعطاء موضع الحرمان والمنع، ولا الثواب موضع العقاب، ولا العقاب موضع الثواب، ولا الخفض موضع الرفع، ولا الرفع موضع الخفض، ولا العز مكان الذل، ولا الذل (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٧٨/٢٨. جوسيق لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الحكمة مكان العز، ولا يأمر بما ينبغي النهي عنه، وهو الحكيم، يقول: والله الحكيم في عّوه ولا ينهى عما ينبغي الأمر به. فهو أعلم حیث یجعل رسالته، وأعلم بمن يصلح لقبولها، ويشكره على انتهائها إليه ووصولها، وأعلم بمن لا يصلح لذلك ولا يستأهله، وأحکم من أن يمنعها أهلها، وأن يضعها عند غير أهلها. فلو قدر عدم الأسباب المكروهة البغيضة له لتعطلت هذه الآثار، ولم تظهر لخلقه، ولفاتت الحكم والمصالح المترتبة عليها، وفواتها شر من حصول تلك الأسباب(١). ولو تتبعنا بعضًا من مواضع اقتران اسم الحكيم باسم الخبير لوجدنا فيها معان كثيرة على هذا النحو: أولها: قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ اَلْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]. وقد فسرها الطبري هنا بقوله: ((يعني تعالى ذكره بقوله: (وهو)، نفسه، يقول: والله الظاهر فوق عباده، ويعني بقوله: (القاهر)، المذلّل المستعبد خلقه، العالي علیهم، وإنما قال: (فوق عباده)؛ لأنه وصف نفسه تعالی ذکره بقهره إياهم. ومن صفة كلّ قاهر شيئًا أن يكون مستعليًا عليه. وثالثها: في أول سورة سبأ في قول الله فمعنى الكلام إذًا: والله الغالب عباده، تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَلَهُ اٌلْحَمْدُ فِ الْآَخِرَةَّ وَهُوَ اَلْحَكِيمُ المذلّلهم، العالي عليهم بتذليله لهم، وخلقه إیاهم، فهو فوقهم بقهره إیاهم، وهم دونه (١) مدارج السالكين، ابن القيم ١٩٠/٢. على عباده، وقهره إياهم بقدرته، وفي سائر تدبيره الخبير، بمصالح الأشياء ومضارّها، الذي لا يخفي عليه عواقب الأمور وبواديها، ولا یقع في تدبيره خلل، ولا یدخل حکمه دخل»(٢). وقال الإمام البقاعي في هذه الآية: ((﴿وَهُوَ اَلْقَاهِرُ﴾ أي الذي يعمل مراده كله، ويمنع غيره مراده إن شاء، وصوّر قهره وحقّقه لتمكن الغلبة بقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وكل ما سواه عبد؛ ولما كان في القهر ما يكون مذمومًا، نفاه بقوله: ﴾ فلا يوصل أثر القهر أي: وحده بإيقاع المكروه إلا لمستحق، وأتم المعنى بقوله ﴿اَلَبِيرُ﴾ أي: بما يستحق كل شيء، فتمت الأدلة على عظیم سلطانه وأنه لا فاعل غيره»(٣). وثانيها: في السورة نفسها: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَاْأَرْضَ بِأَلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِىِ الصُّورِّ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ لْلَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]. (٢) جامع البيان، الطبري ٢٨٨/١١. (٣) نظم الدرر، البقاعي ٣٩/٧-٤٠. www. modoee.com حرف الحاء اَلْضِيرُ﴾ [سبأ: ١]. ورابعها: في قوله جل شأنه: ﴿الَركِتَبُ ◌ُعْكِمَتْ ءَايَتُهُ, ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَُّنْ حَكٍِ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]. والمعنى هنا: أنه سبحانه وتعالی حکیم بتدبیر الأشياء وتقدیرها، خبير بما تؤول إليه عواقبها(١). وفسرها قتادة وأبو العالية بأنه سبحانه وتعالى حكيم في أمره خبير بخلقه(٢). أما بقية الأسماء فنجد أن اقتران اسم الحكيم بها مرة واحدة وذلك كأسماء: · التواب: جاء مقترنًا باسم (الحكيم) في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وَأَنَّ اللّهُ تَوََّبُّ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠]. وهنا جاءت الآية جواب ((لولا متروك)»، والمعنى - والله أعلم -: ولولا فضل الله عليكم لنال الكاذب لما ذكرنا عذابٌ (٣) عظيم (٣). وقيل المعنى: ((ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته بكم، وأنه عوّاد على خلقه بلطفه وطوله، حكيم في تدبيره إياهم، وسياسته لهم، لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم وفضح أهل الذنوب منكم (١) جامع البيان، الطبري ٢٢٨/١٥. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦ / ١٩٩٦. (٣) معاني القرآن، وإعرابه، الزجاج ٣٣/٤، الكشف والبيان، الثعلبي ٦٨/٧. بذنوبهم، ولكنه ستر عليكم ذنوبكم وترك فضيحتكم بها عاجلا رحمة منه بكم، وتفضلا علیکم»(٤). * الحميد: جاء مقترنًا باسم (الحكيم) في قول الله تعالى في وصف القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَ هُمٍّ وَإِنَّهُ لَكِتَبُّ عَزِيزٌ ) لَا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. وقد فسر بعض العلماء (الحكيم) هنا بأنه الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره أو في حكمه، و(الحميد) بأنه الذي لا يلحقه الذم في فعله(٥) . # العلي: جاء مقترنًا باسم (الحكيم) في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلََّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِىّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. وهذه الآية الكريمة واردة في بيان أقسام الوحي إلى الأنبياء والرسل عليهم السلام، وقد ختمها الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيدٌ﴾. والمعنى كما ذكره الرازي: أنه تعالى ﴿عَلِىُّ﴾ عن صفات المخلوقين (٤) جامع البيان، الطبري ١١٥/١٩. (٥) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٩/ ٨٨. ٥٢ مَوَسُو ◌َرَا لِلْعُرْآن الكَرِيمِ الحكمة ﴿حَكِيمٌ﴾ يجري أفعاله على موجب الحكمة (١). الواسع: جاء مقترنًا باسم (الحكيم) في قول الله تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّمِنْ سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]. وهذه الآية وردت في مسألة التفرقة بين الزوجين حين تتعذر الحياة بينهما على النحو الصحيح، فإذا كان الله تعالى قد علق الغنى على النكاح في موضع، فقد علقه في هذا الموضع على الفرقة. ويؤيد هذا ما روي عن الحسن بن علي أنه کان طلق زوجته، فقيل: له في ذلك، فقال: إني رأيت الله تعالى علق على الأمرين غنى، فقال تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمُ وَإِمَّبِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]. وقال: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّمِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠](٢). والواسع: عام في الغنى، والقدرة، والعلم، وعقبه بالحكم، منبها أن السعة ما لم یکن معها الحكمة، والعلم، کان إلى الفساد أقرب منها إلى الصلاح (٣). (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٦١٤. (٢) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٤ / ١٨٦. (٣) انظر: المصدر السابق. وصف القرآن الكريم بالحكمة القرآن الكريم له أسماء عدة وأوصاف مختلفة بعضها ذكر في القرآن نفسه، وبعضها ورد في السنة النبوية، ومن ذلك وصفه بالحكمة في أكثر من موضع. قال الرازي في معرض ذكره لأسماء القرآن الكريم: («ثامنها: الحكم، والحكمة، والحكيم، والمحكم. أما الحكم فقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عربيًا ﴾ [الرعد: ٣٧]. وأما الحكمة فقوله: ﴿حِكْمَةُ بَلِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥]. وقوله: ﴿ وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: ٣٤]. وأما الحكيم فقوله: ﴿يَسْ ل وَالْقُرْءَانِ ﴾ [يس: ١ - ٥]، وأما المحكم فقوله: اَلْحَكِيـ ﴿الَرَّكِتَبُّ أُعْكِمَتْ ءَلُهُ, ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن ◌َّدُنْ حَكِيمٍ [هود: ١])) (٤) . وبيان معاني هذه المواضع على هذا النحو: أولًا: وصف القرآن بالحكمة في معرض القسم به في مطلع سورة يس: قال تعالى: ﴿يَسْ ل وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ن إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنزِيلَ (٤) انظر: مفاتيح الغيب، ٢٦١/٢. www. modoee.com ٥٣ حرف الحاء الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ [يس: ١ - ٥]. عيسى، من الدلائل الواضحة على صحة والحكيم هنا فسر بتفسيرات عدة أشهرها رسالتك، وصحة القرآن الحكيم الذي يفصل بين الحق والباطل، فلا شك فيه ولا امتراء. ما يلي: ١. ما ذکره الطبري آنه «المحكم بما فيه من أحكامه، وبيّنات حججه))(١). وأكثر المفسرين قالوا بأن الذكر الحكيم ٢. ما ذكره الزجاج بأن «آياته أحكمت هنا هو القرآن الكريم، حيث روي هذا وبيّن فيها الأمر والنهي والأمثال عن ابن عباس رضي الله عنه والضحاك ومحمد بن جعفر بن الزبير، كما رواه عنهم وأقاصيص الأمم السالفة (٢). الطبري (٦). ٣. ما ذكره الرازي في موضع بأنه -أي: القرآن- ذو حکمة بمعنی أنه ناطق بها کأنه حي يتكلم(٣). ٤. ما ذكره الرازي في موضع آخر بأنه بمعنى ((الحاكم))(٤). ومما سبق ذكره نجد ما يشبه اتفاق المفسرين على أن الحكيم هنا بمعنى المحكم(٥). ثانيًا: في قول الله تعالى ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: ٥٨ ]. والمراد ذلك الذي نقصّه عليك في شأن بالقرآن الكريم (٨). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩٠/٢٠. (٢) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ / ٢٧٧. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥١/٢٦، مدارك التنزيل، النسفي ٣/ ٩٥. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٥/٢٦. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩٠/٢٠، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٧٧/٤، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣٨/٤، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكّ بن أبي طالب ٩/ ٦٠٠٠. فابن عباس رضي الله عنهما فسره بأنه «الکامل في حکمته». ومحمد بن جعفر فسره بقوله: ((القاطع الفاصل الحقّ، الذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى وعما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلنّ خبرًا غيره))(٧). ثالثًا: تسمية القرآن بالحكمة في قوله جل شأنه: ﴿حِكْمَةُ بَشِفَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥]. حيث فسرها غير واحد في هذا الموضع وجاء في السنة النبوية أحاديث تصف القرآن الكريم بالحكمة، أو مفسرة لوصفه بذلك منها ما يأتي: (٦) جامع البيان، الطبري ٦ / ٤٦٧. (٧) المصدر السابق. (٨) انظر: تفسير مقاتل ١٧٧/٤، جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٧٥٢، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣١٦/٤. جَوْسُورَةُ النَّقَتَّـ القرآن الكريم ٥٤