Indexed OCR Text

Pages 21-38

الحشرات
ويبيّن ويصف للحق شبهًا ﴿مَّا بَعُوضَةً فَمَا وهي إضلال من شاء وهداية من شاء، وأنه
إنما يضل به الفاسقين، فكانت أعمالهم
فَوْقَهَا ﴾ يعني: بالکیر کالذباب والعنكبوت.
هذه القبيحة التي ارتكبوها سببًا لأن أضلهم
وأعماهم عن الهدى، فكيف يمتنع من
ضرب المثل بالبعوضة، ولو اجتمعت
الإنس والجن على أن يخلقوا بعوضة لا
يقدرون عليه.
وقال بعضهم: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي:
بما دونها في الصغر، أي: يضرب المثل
بالبعوضة وبما دونها، ففوق في مثله
يستعمل في معنى التغلب والزيادة فى صفة،
سواء كانت من المحامد أو من المذام.
يقال: فلان خسيس وفوق الخسيس
وفلان شجاع وفوق الشجاع، وتقول: أعطي
فلان فوق حقه، أي: زائدًا على حقه، وهو
في هذه الآية صالح للمعنيين، أي: ما هو
أشد من البعوضة في الحقارة وما هو أكبر
حجمًا.
ثم ذکر تعالی أن الناس في ذلك فريقان:
فالذين آمنوا يعلمون أنه الحق من ربهم،
ذلك أن إيمانهم بالله یجعلهم يتلقون کل
ما يصدر عنه بما يليق بجلاله وبما يعرفون
من حکمته، وقد وهبهم الإيمان نورًا في
قلوبهم، وحساسية في أرواحهم، وتفتحًا
في مداركهم، واتصالًا بالحكمة الإلهية في
کل أمر وفي کل قول یجیئهم من عند الله،
﴿مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦].
وهو سؤال المحجوب عن نور الله
وحكمته، المقطوع الصلة بسنة الله وتدبيره،
ثم هو سؤال من لا يرجو الله، فيجعلونه
شبهة على الإنكار والريب، ثم أخبر تعالى
عن حكمته وعدله في ضرب تلك الأمثال
ويقال: إنما ذكر المثل بالبعوضة؛ لأن
خلقة البعوضة أعجب؛ لأن خلقتها خلقة
الفيل، ويقال: لأن البعوضة ما دامت جائعة
عاشت فإذا شبعت ماتت، فكذلك الآدمي
إذا استغنى، فإنه يطغى، فضرب الله المثل
للآدمي، والبعوضة واحدة البعوض وهي:
حشرة صغيرة طائرة ذات خرطوم دقيق
تحوم على الإنسان لتمتص بخرطومها من
دمه غذاء لها (١).
وفي هذه الآية: دحض شبهة الذين أنكروا
ذكر الله تعالى لهذه المخلوقات الحقيرة
وأنه تعالی لا یلیق به ذلك، وأن القرآن ليس
من كلام الله، بحجة أن ضرب الأمثال هكذا
بما فيها من تصغير لهم وسخرية منهم لا
تصدر عن الله، وأن الله لا يذكر هذه الأشياء
الصغيرة كالذباب والعنكبوت في كلامه!
وكان هذا طرفًا من حملة التشكيك والبلبلة
التي يقوم بها المنافقون واليهود في المدينة،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١ /٤٠١، تفسير
السمر قندي ٣٦/١.
www. modoee.com
٢٦٧

حرف الحاء
کما کان يقوم بها المشركون في مكة (١).
قال محمد رشيد: ((وأما وجه تقديم
الإضلال على الهداية، فلأن سببه ومنشأه
من الكفر متقدم في الوجود، وإنما جاءت
الآيات المبينة بالأمثال لإخراجهم مما
کانوا فیه من ظلمات الباطل إلى نور الحق،
فزادت الفاسقين رجسًا على رجسهم؛ لأن
نور الفطرة قد انطفأ من أنفسهم بتمادیھم
في نقض العهد، وقطع الوصل والإفساد
في الأرض، كما في الآية التالية لهذه، وقد
علم بما ذكر أن في الآية لقًّا ونشرًا غير مرتب
فإن الضلال ذكر أولًا، وهو للفريق الثاني،
والهدى ذكر آخرًا، وهو للفريق الأول))(٢).
سادسًا: العنكبوت:
العنكبوت: صنف من الحشرات ذات
بطون وأرجل وهي ثلاثة أصناف، منها
صنف يسمى ليث العناكب وهو الذي
يفترس الذباب، و کلها تتخذ لأنفسها نسيجًا
تنسجه من لعابها يكون خيوطًا مشدودة بين
طرفين من الشجر أو الجدران، وتتخذ في
وسط تلك الخيوط جانبًا أغلظ وأكثر اتصال
خيوط تحتجب فيه وتفرخ فيه، وسمي بيتًا
لشبهه بالخيمة في أنه منسوج ومشدود من
أطرافه فهو كبيت الشعر(٣).
(١) انظر: في ظلال القرآن ١/ ٥٠.
(٢) تفسير المنار ١/ ٢٠٠.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٢/٢٠.
شبه القرآن الكريم معبودات المشركين،
وأولياءهم ببيت العنكبوت، قال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ
أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْمَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْئًا
وَإِنَّ أَوْهَنَ اُلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنَكَبُونِّ لَوَّ
كَانُواْ يَعْلَمُونَ (١)﴾ [العنكبوت: ٤١].
لما بينت الآيات السابقة الأشباه والأمثال
من الأمم التي اتخذت الأصنام من دون
الله فما أغنت عنهم أصنامهم لما جاءهم
عذاب الله، ثم بين الله تعالى في هذه الآية
أن من اتخذ معبودًا من دون الله ويعتقد أنها
تنصره في الدنيا وتشفع له في الآخرة، وهي
أضعف من أن تدفع عن نفسها، مثله كمثل
العنكبوت، وقد اتخذت لها بيتًا لا يريحها
إذا هي أوت، ولا یجیرها من حر أو برد إذا
هي ثوت، فالمشركون أشبهوا العنكبوت في
الغرور بما أعدوه، وأولياؤهم أشبهوا بيت
العنكبوت في عدم الغناء عمن اتخذوها
وقت الحاجة إليها وتزول بأقل تحريك،
وأقصى ما ينتفعون به منها نفع ضعيف وهو
السكنی فیها وتوهم أن تدفع عنهم کما ينتفع
المشركون بأوهامهم في أصنامهم، وجملة:
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾
[العنكبوت: ٤١]، معترضة مبينة وجه الشبه،
وهذه الجملة تجري مجرى المثل، فيضرب
لقلة جدوى شيء، فاقتضى ذلك أن الأدیان
التي يعبد أهلها غير الله هي أحقر الديانات
٢٦٨
موسوعة النفسية الوضوء
القرآن الكريم

الحشرات
وأبعدها عن الخير والرشد وإن كانت متفاوتة
فيما يعرض لتلك العبادات من الضلالات
كما تتفاوت بيوت العنكبوت في غلظها
بحسب تفاوت الدويبات التي تنسجها في
القوة والضعف، ثم زاد الإنکار توکیدًا فذکر
أن ما يدعونه ليس بشيء، فکیف یتسنى
للعاقل أن يترك القادر الحكيم، ويشتغل
بعبادة من ليس بشيء؟ ثم أردف هذا ببيان
فائدة ضرب الأمثال للناس، وأنه لا يدرك
مغزاها إلا ذوو الألباب، الذين يفهمون
خبییء الكلام وظاهره، وسره وعلانیته(١).
قال ابن القيم: ((فذكر سبحانه أنهم
ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياءهم
أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه
من اتخاذ الأولياء کالعنكبوت اتخذت بيتا،
وهو أوهن البيوت وأضعفها؛ وتحت هذا
المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا
حين اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا
بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا، كما قال
تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَالِهَةُ
لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا كَلََّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ
وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ [مريم: ٨١-٨٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةٌ
لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ
٧٤
◌َعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ
(٧٥)﴾ [يس: ٧٤ - ٧٥].
وَهُمْ لَهُمْ جُنٌْ تُحْضَرُونَ )
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣١٨/٤،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٢/٢٠.
وقال بعد أن ذكر إهلاك الأمم المشركين:
وَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَكِنِ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ قَمَآ
أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَقْهُ رَيِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ
١١﴾ [هود: ١٠١].
فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على
أن من اتخذ من دون الله وليًّا يتعزز به
ویتکبر به ویستنصر به لم یحصل له به إلا
ضد مقصوده، وفي القرآن أكثر من ذلك،
وهذا من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان
الشرك وخسارة صاحبه وحصوله على ضد
مقصوده)) (٢)
وقال الألوسي: ((وفي الآية إشارة إلى أن
من اعتمد على غير الله عزّ وجلّ في أسباب
الدنيا والآخرة فهو منقطع عن مراده غير
واصل إلیه، قال ابن عطاء: من اعتمد شيئًا
سوی الله تعالی کان هلاکه في نفس ما
اعتمد عليه، ومن اتخذ سواه عزّ وجلّ ظهيرًا
قطع عن نفسه سبيل العصمة ورد إلى حوله
وقوته»(٣).
سابعًا: دابة الأرض (الأرضة):
ودابة الأرض: الأرضة، وهي الدويبة
التي يقال لها السرفة والأرض فعلها،
فأضيفت إليه، يقال: أرضت الخشبة
أرضًا، إذا أكلتها الأرضة، وهي السوس؛
(٢) إعلام الموقعين ١/ ١١٩.
(٣) روح المعاني ١١ / ١٦.
www. modoee.com
٢٦٩

حرف الحاء
أي: سوس الخشب، من رتبة الحشرات، ذلك (١).
وعددها كثير جدًّا؛ لأنه يدخل تحتها أكثر
من خمسين ألف نوع، وحياة الإنسان لا
تکفي لدراستها جيدًا بمفردها، وهي إحدى
الرتب المهمة بسبب تنوع أشكالها ولطافة
ألوانها، خصوصًا الخصال والقوى الإلهامية
الخاصة بكل نوع، وتقسميها إلى أقسام
ثانوية مؤسسة خصوصًا على صفات متخذة
من جهازها الفمي وأجنحتها وأربطتها
وقرونها وانقلاباتها؛ منها الحشرات ذات
الأجنحة الشبكية، والنمل الأبيض ينسب
لهذا القسم، ومنها الحشرات ذات المنقار
وذات المنقاب؛ أي: الآلة التي تنقب بها
هذه الحشرات النباتات لإحداث العفص،
ومنها الحشرات ذات الأجنحة القشرية،
وأبدان هذه الحشرات لها ستة أرجل،
وتقرض أوراق الأشجار والأزهار والجذور
والأزرار والحبوب وتحدث إتلافًا، ومنها ما
يقرض الجوخ والأقمشة التي من الصوف
والفراء، ومنها دودة القز، ومنها الحشرات
الجناحية النصف، وهذه الحشرات دودة
الصبغ ودودة البلوط والبق وحشرة الملك
وسوس الخشب المسمى بالدابة وسوس
القمح وجنس القمل والحشرات الماصة
كالبرغوث ونحوه، ومنها ما سبق الكلام
عليه؛ مثل: النمل والدراريح والنحل وغير
ذكر القرآن الكريم دابة الأرض في سورة
سبأ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ
مَا دَلَّمْ عَلَى مَوْنِهِ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ
مِنْسَأَتَّهُ فَلَمَّا خَرّ ◌َيْتَنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
اُلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِىِ الْعَذَابِ الْمُهِينِ
١٤
[سبأ: ١٤].
لما بين الله تعالى في الآيات السابقة
عظمة ملك سليمان عليه السلام وتسخير
الريح والرواح له، بين في هذه الآية أنه لم
پنج من الموت، وأنه قضی علیه الموت،
تنبيهًا للخلق علی أن الموت لا بد منه، ولو
نجا منه أحد لكان سليمان أولى بالنجاة
منه، يقول المفسرون: ((إن سليمان عليه
السلام كان في محرابه، فأدركه الموت،
وهو متكئ على عصاه، واستمر على ذلك،
كما قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن،
وقتادة وغير واحد - مدة طويلة نحوًا من
سنة، حتى جاءت الأرضة، وأكلت طرف
العصا (المنساة)، فاختل توازنه، فسقط على
الأرض، وتبينت الجن والإنس أيضًا أن
الجن لا يعلمون الغيب، کما کانوا يتوهمون
ويوهمون الناس ذلك (٢).
ذكرت الآية دابة الأرض لإثبات حقيقة
أنه لا یعلم الغيب إلا الله.
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٥٧٣/٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦٩/٢٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٠١.
٢٧٠
جوبه
القرآن الكريم

الحشرات
ثامنًا: الجراد والقمل:
الجراد: هو الحشرة الطائرة من فصيلة
الصرصر والخنافس له أجنحة ستة ذات
ألوان صفر وحمر تنتشر عند طيرانه، یکون
جنودًا کثیرة یسمی الجند منها رجلًا، سمي
به لجرده ما على الأرض(١).
القمل: قيل: هو الدبى وهو الصغار
من الجراد ولا يسمى جرادًا إلا بعد نبات
أجنحته، وقيل: هو القردان جمع القراد
المعروف، وقيل: صغار الذر، وقيل: هي
الجعلان، وقيل: هي البراغيث، وقيل: هي
السوس، وهي الدابة التي تكون في الحنطة
وغيرها(٢).
من الآيات التي أيد الله تعالی بها موسى
عليه السلام: الجراد والقمل.
قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الُّْوفَانَ
وَالْجَرَادَ وَاَلْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتِ
فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ
[الأعراف: ١٣٣].
لما بينت الآيات السابقة تمرد قوم فرعون
وعتوهم، وعنادهم للحق وإصرارهم على
الباطل، بينت هذه الآية أن الله تعالى أرسل
عليهم صنوفًا من العذاب، منها الطوفان:
وهو ما طاف بهم وغشى أماكنهم وحروثهم
من مطر أو سيل فهو اسم جنس من الطواف.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٩/٩.
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٤/٥.
وقيل: إنه في الأصل مصدر، وهو اسم
لكل شيء حادث يحيط بالجهات ويعم؛
كالماء الكثير والقتل الذريع والموت
الجارف.
وقد اشتهر في طوفان الماء، وقيل:
الموت، وقيل: هو الطاعون.
ثم أرسل عليهم الجراد، وهو جند من
جنود الله تعالى يسلطه على من يشاء من
عباده، فأكل زرعهم وثمارهم وثيابهم
وسقوف دورهم، ولم يدخل دور بني
إسرائيل، فضجوا إلى موسى وفزعوا لشدة
ما حل بهم وأعطوه العهود والمواثيق بأنه إذا
کشف عنهم هذا الضر يؤمنون به ويرسلون
معه بني إسرائيل، فدعا ربه فكشفه بعد أن
دام سبعة أيام، وقبل أن يقضي على البقية
الباقية من مواشيهم.
فلما كشف عنهم، قالوا: بقي لدينا ما
يكفينا، ما نحن بتاركي ديننا من أجلك،
ونكثوا عهودهم، فدعا عليهم فأرسل الله
عذابًا سابعًا ذكره بقوله:
وَالْقُمَّلَ
فملأ طعامهم وشرابهم وآلمهم بقرحة
وأكل منهم شعور رؤسهم وأهدابهم
وحواجبهم، ولم يصب بني إسرائيل شيء
منه، فاشتد عليهم البلاء أكثر من ذي قبل،
فعجوا إلى موسى واستغاثوا به ووثقوا إليه
العهود وعظموا له الأيمان بأنه إذا كشف
عنهم هذه المرة يؤمنون ولا يعودون إلى
www. modoee.com
٢٧١

حرف الحاء
الكفر ويرسلون معه بني إسرائيل، وذلك وعلى هذا فصيغة التفعيل للدلالة على
تراخي المدة بين الواحدة والأخرى، ويجيء
على هذا أن العذاب كان أشد وأطول زمنًا،
كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِبِهِم مِّنْ
ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْتَهُم
بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الزخرف: ٤٨].
بعد أن دام عليهم سبعة أيام أيضًا، فرق لهم
موسی ورحمهم ودعا ربه، فکشف عنهم،
فلم يبق منه واحدة، فقالوا: ما كنا نوقن أنه
ساحر مثل اليوم! کیف ذهب ما كنا نراه
بكلمة واحدة، ونكثوا عهدهم، ونقضوا
أیمانهم.
قيل: كان بين الآية منها والأخرى مدة
فدعا عليهم، فأرسل عذابًا ثامنًا بينه شهر أو مدة ثمانية أيام، وكانت تدوم الواحدة
منها مدة ثمانية أيام وأكثر، وعلى هذا الوجه
فالأنسب أن يجعل ﴿مُفَصَّلَتِ﴾ حالًا ثانية
من الطوفان والجراد، وأن لا يجعل صفة
لـ﴿وَيَتٍ﴾، ثم أخبر الله تعالى أن هذه
الآيات لم تنفع فيهم وأنها لم تزدهم إلا
كبرًا وعتوًّا وبعدًا عن الحق، والفاء في قوله
تعالى: ﴿ناستكبروا﴾، للتفریع والترتيب،
أي: فتفرع على إرسال الطوفان وما بعده
استكبارهم، كما تفرع على أخذهم بالسنين
غرورهم بأن ذلك من شؤم موسی ومن معه.
بقوله: ﴿وَالضَّفَادِعَ ﴾.
وهکذا توالت الآيات حتى بلغت تسعًا،
وكلما کشف عنهم عادوا إلى سابق عهدهم
من الكفر والضلال.
وسمى الله تعالى هذا العذاب الذي
أرسله على بني إسرائيل آيات؛ لأنها دلائل
على صدق موسی.
وهي دلائل على غضب الله عليهم؛
لتظافرها عليهم حين صمموا على الكفر
والعناد.
و﴿مُفَصَّلَتٍ﴾ وصف ل﴿مَايَتٍ﴾،
فيكون مرادًا منه معنى الفصل المجازي وهو
إزالة اللبس؛ لأن ذلك هو الأنسب بالآيات
والدلائل.
أي: هي آيات لا شبهة في كونها كذلك فلا يزالون مورطين في وحل الشقاوة.
لمن نظر نظر اعتبار.
وقيل: المراد أنها مفصول بعضها عن
بعض في الزمان، أي: لم تحدث كلها في
وقت واحد، بل حدث بعضها بعد بعض،
فعلم أن من طبع تفكيرهم فساد الوضع،
وهو انتزاع المدلولات من أضداد أدلتها،
وذلك دليل على انغماسهم في الضلالة
والخذلان، وبعدهم عن السعادة والتوفيق،
فالاستكبار: شدة التكبر كما دلت عليه
السين والتاء، أي: عد أنفسهم كبراء، أي
تعاظمهم عن التصديق بموسى وإبطال
دينهم إذ أعرضوا عن التصديق بتلك الآيات
مُؤَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
٢٧٢

الحشرات
المفصلات، وقوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا
تُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣].
معطوفة على جملة فاستكبروا، فالمعنى:
فاستكبروا عن الاعتراف بدلالة تلك الآيات
وأجرموا، وإنما صيغ الخبر عن إجرامهم
بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على ثبات
وصف الإجرام فيهم، وتمكنه منهم،
ورسوخه فیھم من قبل حدوث الاستکبار،
وفي ذلك تنبيه على أن وصف الإجرام
الراسخ فيهم هو علة للاستكبار الصادر
منهم، فـ(كان) دالة على استمرار الخبر وهو
وصف الإجرام، وهذه الآيات التي أرسلها
الله تعالى على فرعون وقومه كانت متعلقة
بالزرع وآفاته، وهم أهل زرع وضرع من
أقدم العصور (١).
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٣/٥،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٩/٩.
الحشرات في المثل القرآني
من الأمثال القرآنية التي ذكرت فيها
الحشرات ما يأتي:
أولًا: الذباب:
ضرب الله تعالى مثلًا في بيان عجز
معبودات المشركين وتفاهتها بالذباب
الحقير، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ
مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُدَّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ
لَهُ، وَإِن يَسْتُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ
مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
٧٣
[الحج: ٧٣].
ضرب الله تعالى المثل في أحقر
المخلوقات وأضعفها وأهونها وذلك
يناسب من يعبد غير الله في حقارته وسفاهة
عقله وذله ومهانته حين رضيت نفسه أن
یعبد مخلوقًا مثله، ولم تكن حقارة الذباب
مانعة من ضرب المثل، فالحقیر یشبه بمثله،
وفي هذا المثل الدليل القاطع الذي يثبت
بطلان الوثنية، ويقيم الدليل على الوحدانية،
فإن الأوثان ومن يتبعونها ولو تضافرت
کل القوى معها لا يمكن أن يخلقوا ذبابًا،
وهذا المثل وإن لم يأت على طريق التشبيه
في الظاهر، فهو متضمن له في المعنى،
يقول صاحب الكشاف: ((قد سميت الصفة
أو القصة الرائعة المتلقاة بالاستحسان
www. modoee.com
٢٧٣

حرف الحاء
والاستغراب مثلًا، تشبيهًا لها ببعض على أقل مخلوقات لآلهة الحق وأذلها
وأصغرها وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك
وتعاونوا عليه))(٣).
الأمثال المسيرة لكونها مستحسنة مستغربة
عندهم»(١).
وفي هذا المثل بيان عجز الأصنام ومن
يعبدونها العجز المطلق وقدرته تعالى
على كل شيء، ثم يقول تعالى: ﴿ضَعُفَ
اُلْطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
وقال ابن القيم أيضًا: ((فتأمل هذا المثل
الذي أمر الناس كلهم باستماعه فمن لم
يستمعه فقد عصى أمره كيف تضمن إبطال
الشرك وأسبابه بأصح برهان في أوجز عبارة
وأحسنها وأحلاها، وأسجل على جميع آلهة
أي: أن ما طلبته منکم هو ضعيف جدًّا،
وتحتقرونه بأعينكم، ومع ذلك فإنكم لا المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في صعيد
واحد وساعد بعضهم بعضًا وعاونه بأبلغ
تستطيعون مقابلة هذا التحدي مع ضعفه(٢).
المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب واحد، ثم
والحكمة من ضرب هذا المثل هي: أن
الحجة بضرب الأمثال أقرب إلى الأفهام،
وبيان ضعف كل ما يعبد من دون الله،
وإقامة الحجة على ذلك.
بین ضعفهم وعجزهم عن استنقاذ ما يسلبهم
الذباب إياه حين يسقط عليهم، فأي إله
أضعف من هذا الإله المطلوب ومن عابده
الطالب نفعه وخيره، فهل قدر القوي العزيز
حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها،
فأقام سبحانه حجة التوحید وبین إفك أهل
الشرك والإلحاد بأعذب ألفاظ وأحسنها لم
يستكرهها غموض ولم يشنها تطويل ولم
يعبها تقصير ولم تزر بها زيادة ولا نقص،
بل بلغت في الحسن والفصاحة والبيان
والإيجاز مالا يتوهم متوهم ولا يظن ظان
أن يكون أبلغ في معناها منها وتحتها من
المعنى الجليل القدر العظيم الشرف البالغ
في النفع ما هو أجل من الألفاظ))(٤).
قال ابن القيم: ((وهذا المثل من أبلغ
ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك،
وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة
على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من
تلاعب الصبيان بالكرة، حيث أعطوا الإلهية
التي من بعض لوازمها القدرة على جميع
المقدورات والإحاطة بجميع المعلومات
والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يصعد
إلى الرب في جميع الحاجات وتفريج
الكربات وإغاثة اللهفات وإجابة الدعوات،
فأعطوها صورًا وتماثيل يمتنع عليها القدرة
(١) الكشاف، الزمخشري ١٧١/٣.
(٢) انظر: تفسير المراغي ١/ ٧١.
(٣) إعلام الموقعين ١٣٩/١.
(٤) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٦٦.
٢٧٤
مَوَسُ حَر النفسية الوضوء
القرآن الكْرِيْمِ

الحشرات
ثانيًا: البعوض:
ومن الأمثال التي ذكرها الله تعالى في
إِنَّ اللّهَ لَا يَسْتَخِيءَ
القرآن قوله تعالى:
أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاً فَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَلْحَقُّ مِن
رَّبِهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ
مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُ بِهِ، كَثِيرًا
وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِهِ إِلَّا
الْفَسِقِينَ (٦)﴾ [البقرة: ٢٦].
بَيَّنَ الله تعالى في هذه الآية أنّ ما استنكره
الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من
الكفار، واستغربوه من أن تكون المحقرات
من الأشياء مضروبًا بها المثل، ليس بموضع
للاستنكار والاستغراب، من قبل أنّ التمثيل
إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى
ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب،
وإدناء المتوهم من المشاهد.
فإن كان المتمثل له عظيمًا كان المتمثل به
مثله، وإن كان حقیرًا کان المتمثل به كذلك،
فليس العظم والحقارة في المضروب به
المثل إذًا إلا أمرًا تستدعيه حال المتمثل له
وتستجرّه إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل
على حسب تلك القضية، ألا ترى إلى الحق
لما كان واضحًا جليًّا أبلج، كيف تمثل له
بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد
صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟(١).
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ١١١/١.
قال ابن القيم: عند تفسير قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِيٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا
بَعُوضَةٌ فَمَافَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، قال: ((وهذا
جواب اعتراض اعترض به الكفار على
القرآن، وقالوا: إن الرب أعظم من أن يذكر
الذباب والعنكبوت ونحوها من الحيوانات
الخسيسة، فلو كان ما جاء به محمد صلى الله
علیه وسلم كلام الله لم يذكر فيه الحيوانات
الخسيسة، فأجابهم الله تعالى بأن قال: ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يَسْتَحِيَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا
فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها
إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه وإبطال
الباطل وإدحاضه كان من أحسن الأشياء
والحسن لا يستحيا منه، فهذا جواب
الاعتراض، فكأن معترضًا اعترض على هذا
الجواب أو طلب حكمة ذلك.
فأخبر تعالى عما له في ضرب تلك
الأمثال من الحكمة، وهي إضلال من شاء
وهداية من شاء، ثم كأن سائلًا سأل عن
حكمة الإضلال لمن يضله بذلك، فأخبر
تعالى عن حكمته وعدله وأنه إنما يضل
به الفاسقين: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ
بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ
يُوصَّلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِّ أُوْلَبِكَ هُمُ
﴾ [البقرة: ٢٧].
الْخَسِرُونَ
فكانت أعمالهم هذه القبيحة التي
www. modoee.com
٢٧٥

حرف الحاء
ارتكبوها سببًا لأن أضلهم وأعماهم عن قد وجدوا في هذه المناسبة منفذًا للتشكيك
الهدى»(١).
والحكمة في هذه الآية: دحض
شبهة الذين أنكروا ذكر الله تعالى لهذه
المخلوقات الحقيرة وأنه تعالى لا يليق به
ذلك، وأن القرآن ليس من كلام الله، بحجة
أن ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تصغير
لهم وسخرية منهم لا تصدر عن الله، وأن
الله لا يذكر هذه الأشياء الصغيرة كالذباب
والعنكبوت في كلامه! وكان هذا طرفًا
من حملة التشكيك والبلبلة التي يقوم بها
المنافقون واليهود في المدينة، كما كان يقوم
بها المشركون في مكة (٢).
ومن الحكمة في ضرب المثل بالبعوضة:
أنه خلق من مخلوقاته، ولو اجتمعت الإنس
والجن على أن يخلقوا بعوضة لا يقدرون
عليه، ويقال: إنما ذكر المثل بالبعوضة؛ لأن
خلقة البعوضة أعجب؛ لأن خلقتها خلقة
الفيل، ويقال: لأن البعوضة ما دامت جائعة
عاشت فإذا شبعت ماتت، فكذلك الآدمي
إذا استغنى، فإنه يطغى، فضرب الله المثل
للآدمي(٣).
قال سيد قطب: ((إن هذه الآيات تشي بأن
المنافقین- وربما كان اليهود والمشركون-
(١) بدائع الفوائد ٤ /١٣٦.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٥٠.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١ /٤٠١، تفسير
السمر قندي ٣٦/١.
في صدق الوحي بهذا القرآن، فجاءت هذه
الآيات دفعًا لهذا الدس، وبيانًا لحكمة
الله في ضرب الأمثال، وتحذيرًا لغير
المؤمنين من عاقبة الاستدراج بها، وتطمينًا
للمؤمنين أن ستزيدهم إيمانًا، فالله رب
الصغير والكبير، وخالق البعوضة والفيل،
والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة
في الفيل، إنها معجزة الحياة، معجزة السر
المغلق الذي لا يعلمه إلا الله، على أن العبرة
في المثل ليست في الحجم والشكل، إنما
الأمثال أدوات للتنوير والتبصير، وليس
في ضرب الأمثال ما يعاب وما من شأنه
الاستحياء من ذكره))(٤)
ثالثًا: العنكبوت:
ومن الأمثال التي ضربها الله تعالى
للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله
تعالى يعبدونها، ويرجون نفعها العنكبوت
اتخذت بيتًا لا يغني عنها في حر ولا برد،
ولا مطر ولا أذى.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُوا مِن
دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ
أَّخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوْهَنَ اُلْبُيُوتِ لَبَيْتُ
الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ))
[العنكبوت: ٤١].
(٤) في ظلال القرآن ١/ ٥٠.
٢٧٦
مُوسُو ◌َ النَّ
القرآن الكريم

الحشرات
هذا المثل ضربه الله تعالى للمشركين في
اتخاذهم آلهة من دون الله، یرجون نصرهم
ورزقهم، ویتمسکون بهم في الشدائد، فهم
في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه
فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا کمن
يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي
عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا
من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم
المؤمن قلبه لله، وهو مع ذلك یحسن العمل
في اتباع الشرع فإنه مستمسك بالعروة
الوثقى لا انفصام لها، لقوتها وثباتها (١).
والحكمة من هذا المثل هي: قطع
الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعًا
ليعلم من تأمل هذا المثل وعرفه أن من
اتخذ من دون الله وليًّا أو شفيعًا فهو كمثل
العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت
لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون، والغرض
تشبيه ما اتخذوه متکلا ومعتمدًا في دينهم
و تولوه من دون الله، بما هو مثل عند الناس
في الوهن والضعف والذلة والمهانة، حتى
تكون الصورة واضحة والحجة قوية، فلا
تدع مجالًا للشك بعد ذلك(٢).
قال ابن القيم: ((وقد قطع الله تعالی کل
الأسباب التي تعلق بها المشركون جميعًا،
قطعًا يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٩/٦.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤٥٤/٣.
دون الله وليًّا أو شفيعًا، فهو كمثل العنكبوت
اتخذت بيتًا وإن أوهن البيوت لبيت
العنكبوت، فقال تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ
زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن
شِرْءٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ﴿ وَلَا نَنفَعُ الشَّفَعَةُ
عِنْدَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَّهُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣].
فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه
یحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا
ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك
لما یریده عباده منه، فإن لم یکن مالگًا كان
شریگًا للمالك، فإن لم یکن شریگًا له كان
معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظھیرًا
كان شفيعًا عنده، فنفى سبحانه المراتب
الأربع نفيًا مترتبًا، متنقلًا من الأعلى إلى ما
دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة،
والشفاعة، التي يظنها المشرك.
وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك،
وهي الشفاعة بإذنه، فکفی بهذه الآية نورًا
وبرهانًا ونجاةً وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا
الأصول الشرك ومواده لمن عقلها، والقرآن
مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر
الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته،
وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد
خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو
الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن»(٣).
(٣) مدارج السالكين ٣٥١/١.
www. modoee.com
٢٧٧

حرف الحاء
رابعًا: الفراش:
شَبَّه القرآن الكريم الناس في وقت
البعث بالفراش المبثوث؛ لأنهم إذا بعثوا
يموج بعضهم في بعض، فقال تعالى: ﴿
يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْتُوثِ
[القارعة: ٤].
شَبَّهَ الله تعالى في هذه الآية الناس في
وقت البعث بالجراد المنتشر، وبالفراش
المبثوث؛ لأنھم لما بعثوا يموج بعضهم في
بعض كالجراد والفراش، ويؤكد ذلك قوله
تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِىِ الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴾
[النبأ: ١٨].
وقوله في قصة يأجوج ومأجوج: ﴿وَتَرَكْنَا
بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِبَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩].
والفراش: فرخ الجراد حين يخرج من
بیضه من الأرض یرکب بعضه بعضًا، وقد
يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات
ويتساقط على النار، ليلًا، وسمي فراشًا
لتفرشه وانتشاره(١).
والحكمة من هذا المثل: التنبيه على
شدة أهوال يوم القيامة، وتبیین حال الناس
في ذلك وضعفهم بما يشبه ضعف الفراشة
وحالها.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٥٧٤، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٥/٥.
لمسات إعجازية في خلق الحشرات
من اللمسات الإعجازية في خلق
الحشرات ما يأتي:
أولًا: النمل:
ذكر القرآن الكريم أن النمل له لغة
يتخاطب بها، قال تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَنُواْ عَلَى
وَادِ اٌلَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ أُدْ خُلُواْ
مَسَكِّنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ، وَهُّؤْلَا
يَشْعُرُونَ ﴾ [النمل: ١٨].
صرحت الآية الكريمة على أن النمل له
لغة يتخاطب ويتحدث بها، وهذا ما أثبتته
الأبحاث الحديثة بوسائلها العلمية الدقيقة
عن حياة النمل الاجتماعية القائمة على
التفاهم فیما بینها، وأن مجتمع النمل له كما
لسائر الكائنات الحية لغة وأنها تتجاذب بها
أطراف الحديث بكلام خاص أو بإشارات
مسموعة أو غير ذلك مما علمه الله لنبيه
سليمان عليه السلام، ويتفاهم النمل بعضه
مع بعض في كل ما يتصل بشئونها المختلفة،
والنمل كما شوهد في مختلف بيئاته يقوم
بمشروعات جماعية، مثل: مد الطرق وإقامة
الجسور وبناء مستعمراته، ولا یمکن أن یتم
التعاون على إنجاز هذه الأعمال إلا بالتفاهم
بلغة متداولة بينها، وكل الذين درسوا حياة
النمل وشاهدوا ما عليه حياة النمل من النظام
الدقيق في بناء مساكنها وما عليه أفرادها من
٢٧٨
مَوَسُوبَةُ الْبَشِد
القرآن الكريم

الحشرات
الذكاء والدهاء وسعة الحيلة وحب العمل أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُونِ لَوْ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤١].
والدأب الذى لا يعرف الكلل، ثم إن النمل
يتلاقى في مجتمعات للتعارف وتبادل
إن الاعجاز العلمي في هذه الآية
المنافع، كما أنه هو الوحيد من بين سائر الكريمة يتجلى بأجلى معانيه في لفظة:
الحشرات الذي يهتم بدفن موتاه وغير ذلك
مما يدل على حياة منتظمة حية نشطة لها
کیان ودستور یحکمها في کل سلوكها(١).
والنمل من أذكى الحشرات وهي ترى
بموجات ضوئية يراها الإنسان، ولغة النمل
كيمياوية، لها وظيفتان: التواصل والإنذار،
فلو سحقت نملة فإن رائحة تصدر عنها
تستغيث بها النملات، أو تحذرها من
الاقتراب من المجزرة، ولا تستطيع نملة
دخول مسكنها إلا إذا بينت كلمة السر،
وللنمل جهاز هضم مدهش فيه فم ومريء
ومعدة وأمعاء وجهاز مص وضخ، فسبحان
من زود هذا المخلوق الصغير بكل وسائل
الحياة (٢).
ثانيًا: العنكبوت:
ذكر القرآن الكريم البناء لبيت العنكبوت
بصيغة المؤنث اتخذت، قال تعالى: ﴿مَثَلُ
الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ
كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ أَّخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ
(١) انظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد
إسماعيل ص ١٠٦.
(٢) انظر: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن
الكريم والسنة المطهرة، يوسف الحاج ص
٤٩٦.
﴿اَّخَذَتْ﴾، بصيغة الفعل المؤنث، وهي
إشارة علمية في غاية الروعة والدقة للدلالة
على أن ما يقوم ببناء بيوت العناكب هي
الأنثى منه، وأن الذكر من العناكب لا شأن له
بذلك، وهذه حقيقة ما كان أحد مطلقًا يفطن
إليها وقت نزول القرآن، ولكن لما اشتغل
علماء الأحياء حديثًا بدراسة الحشرات
ووضعوا في دراستها علمًا قائما بذاته تبينت
لهم حقائق مذهلة عن حياة الحشرات التي
تبلغ مئات الآلاف في أنواعها، وأن کل نوع
منها یتمیز بأشكاله وأحجامه وألوانه وطبائعه
وغرائزه المميزة لكل نوع منها عما سواه،
وقد دلت الدراسة المستفيضة للحشرات
أن بعضها له حياة اجتماعية ذات نظم
ومبادئ وقوانین تلتزم بها في إعداد مساكنها
والحصول على أقواتها والدفاع عن نفسها
والتعاون فيما بينها بصورة تدهش العقول؛
وذلك بإلهام من خالقها الذي يجعلها تبدو
وكأنها أمم لها كيان ونظام وعمران(٣).
ومن الدراسات لحياة العناكب لاحظ
(٣) انظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد
إسماعيل ص ١٢٨، موسوعة الإعجاز
العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة،
يوسف الحاج ص ٥٠١.
www. modoee.com
٢٧٩

حرف الحاء
العلماء: أن لها قدرات في العمليات عندهم العزة والمنفعة فينقلب أولياؤهم
أعداء لهم ويتبرؤون منهم.
الإنشائية حين تشيد بيوتها وتنسج غزلها،
وكشف العلماء عن ثلاثة أزواج من
المغازل توجد في مؤخرة بطن العنكبوت،
تأتيها المادة الخام عن طريق سبع غدد في
الأقل، وأحيانًا يصل عدد هذه الغدد في
بعض أنواع العناكب إلى (٦٠٠)، وخيوط
العنكبوت حريرية جدًّا، وسمك شعرة
واحدة من رأس الإنسان يزيد عن سمك
خيط نسيج العنكبوت بحوالي (٤٠٠) مرة،
ولقد اكتشف عالم ألماني أن كل خيط من
خيوط العنكبوت مؤلف من (٤٠٠٠) خيط،
وكل خيط يخرج من ثقب خاص بجسم
العنكبوت، وإن شعرة واحدة من شعر
الإنسان لهي أغلظ من (٤) مليار خيط من
خيوط العنكبوت.
إن كلمة ﴿أَوْمَنَ﴾ في الآية هي خاصة
بيت العنكبوت وليس بخيطه، إذًا فهذا
البيت غير مأمون.
ثم يضيف في هذه الآية: ﴿لَوْ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ﴾، ذلك أن هذه الآية لم تكن
معلومة في ذلك العصر، إلا أن العلم
الحديث استطاع أن يكتشف أن هذا الوهن
يعود سببه إلى الأنثى التي تقتل الذكر وتأكل
أولادها والأولاد يأكل بعضهم بعضًا، ومما
يزيد من الإعجاز هذه الصورة المتشابهة مع
الذين يتخذون من دون الله أولياء يبتغون
وأما الآية: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا
لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِّمُونَ لا
٤٣
[العنكبوت: ٤٣].
فيبين الله تعالى أن إدراك هذا المثل
يحتاج إلى علم في عالم الحيوان، وهذه
الأسرار في هذا العالم لم تظهر إلا مؤخرًا(١).
ثالثًا: الذباب:
وضرب الله تعالى مثلًا في بيان عجز
معبودات المشركين وتفاهتها بالذباب
الحقير، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ
مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُمَّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ
لَّ وَإِن يَسْبُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ
مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
٧٣
[الحج: ٧٣].
خاطب الله تعالى في هذه الآية الكفار
أن أصنامهم التي يعبدونها من دون الله
لن تستطيع أبدا خلق شيء مهما يكن تافهًا
حقيرًا كالذباب وإن تضافروا جميعًا على
خلقه، بل إن هذا المخلوق التافه لو سلب
من الأصنام شيئًا من القرابين التي تقدم
(١) انظر: الموسوعة العلمية في الإعجاز القرآني،
سمير عبد الحليم ص ١٢٣، موسوعة
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة
المطهرة، يوسف الحاج ص ٥٠١.
٢٨٠
ـوَبَبـ
القرآن الكريم

الحشرات
إليها فإنها لا تستطيع بحال من الأحوال أن ما أخذ منه ﴿وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا
يُسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ [الحج: ٧٣].
تمنعه عنه أو تسترده منه، وما أضعف الذي
یهزم أمام الذباب عن استرداد ما سلبه منه،
وما أضعف نفس الذباب، كلاهما شديد
الضعف، بل الأصنام أشد ضعفًا، فكيف
يليق بإنسان عاقل أن يعبدها ويلتمس النفع
منها؟
وإن القرآن الكريم في هذه الآية تحدی
الناس جميعًا تحديًا ماديًّا أن يخلقوا ذبابة
وهي حشرة ضئيلة فلم يقدروا، واستمر
هذا التحدي قائمًا إلى عصرنا هذا، أي: بعد
أكثر من ألف سنة من نزول القرآن وبعد أن
تقدم العلم تقدمًا هائلًا وبلغت التكنولوجيا
ذروتها في التطور والاختراع، فهل تستطيع
دولة من الدول بعد ما بلغت ما بلغت من
التفوق أن يقف الناس أمام هذا التحدي
المادي ويصنع ذبابة واحدة؟
ثم يسألهم هل لو يسلبهم الذباب حياتهم
بمرض فتاك ينقل جراثيمه إليهم هل يمكنهم
استرداد حياتهم؟
إن القرآن الكريم هو كلام الله المعجز
حقًّا قديمًا وحديثًا، وكتابه الذى لا ريب
فیه، ولقد اكتشف العلم الحديث أن للذباب
غددًا لعابية طويلة وبمجرد أن يأخذ الذباب
شيئًا من الطعام فإنه يفرز عليه كمية كبيرة من
اللعاب تحوله فورًا إلى مادة أخرى؛ لذلك
فالإنسان لا يستطيع أن يسترد من الذباب
إن هذه الدقة في التفاصيل لم تكتشف
إلا حديثاً، إن الذبابة الواحدة تنقل أكثر
من (٣٠) نوعًا من الجراثيم، وتحمل معها
حوالي (٥) ملايين جرثومة، كما أن الذبابة
الواحدة تبيض أكثر من (١٠٠) بيضة في
اليوم دفعة واحدة، وتبيض مثلها كل (١٠)
أيام، قلو قدر للذباب أن تعيش عدة أعوام
بدلًا من أسابيع لانتشر الذباب في الأرض
وأفنى الحياة عليها (١).
رابعًا: البعوض:
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخي»
قال تعالى:
أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاً فَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن
زَّيِّهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ
مَاذَا أَرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا
وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرَاً وَمَا يُضِلُّ بِيِهِ إِلَّا
الْفَسِقِينَ ﴾ [البقرة: ٢٦].
قال الشعراوي: ((نظر المشركون في
هذه الحشرة على قلة حجمها، والإعجاز
العلمي اليوم يسير نحو هذه الدقة، والله
سبحانه وتعالى يقول للكفار في هذه الآية:
(١) انظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد
إسماعيل ص ١٢٨، الموسوعة العلمية في
الإعجاز القرآني، سمير عبد الحليم ص
١٢٣.
www. modoee.com
٢٨١

حرف الحاء
أنتم التفتم إلى صغر حجم البعوضة بالنسبة فاستطعنا أن نرى أشياء لم نكن نراها لدقة
حجمها، ووجدنا أن هذه الأشياء كلما صغر
حجمها زادت قوتها وقدرتها، فالجراثيم
-مثلاً- على دقة حجمها تستطيع أن تقتل
أقوى الكائنات الحية، وتهلكه دون أن
يستطيع النجاة منها))(١).
لحجم الإنسان فاحتقرتموها، ولكنكم لم
تلتفتوا إلى دقة الخلق، فإن هذه البعوضة
بحجمها المتناهي في الصغر تحمل معها
کل أجهزة الحياة، من عیون تری، وأجنحة
تطير، وأجهزة جنسية لحفظ النوع، وجهاز
هضمي للطعام وإخراج الفضلات، وكل
مقومات الحياة، لم يلتفتوا إلى دقة الصنع
وعظمة الخالق الذي وضع كل سبل الحياة
في هذه المساحة.
ولو أنكم التفتم إلى هذا لعرفتم الحكمة
من المثل، ولأدركتم أن هذه البعوضة
الصغيرة التي تستهينون بها في مثل حي
وضعه الله تعالى أمامكم على دقة الخلق
وقدرة الخالق، في أن يجمع كل تلك
الأجهزة اللازمة لحياة هذا الكائن الحي
في هذا الحجم الصغير، ولكنها سطحية
التفكير، وعدم القدرة على التمييز في عقول
الكافرين، ثم يقول تعالى: ﴿فَمَافَوْقَهَا﴾
[البقرة: ٢٦].
أي: أن الله لا يضرب مثلاً بالبعوضة
فقط المتناهية في الصغر في الحجم، بل
إنه سبحانه وتعالى لم تقف قدرته عن خلق
البعوضة في هذا الحجم الصغير، بل هناك ما
هو أصغر من ذلك بكثير خلقه الله، ولذلك
فليس هناك نهاية قدرة بل القدرة ممتدة إلى
ما هو أصغر وأصغر، وقد تقدم بنا العلم
ثم يقول: ((إذن الدقة في الخلق هي
إعجاز من الله سبحانه وتعالى، لا بد أن
ننتبه له، وكلما زادت الدقة زادت معرفتنا
لقدرة الخالق الذي استطاع أن يخلق في هذا
الحيز الصغير الذي لا يرى بالعين المجردة!
استطاع أن يخلق فیہ حیاة تتکاثر، واستطاع
أن يخلق فيه قوة تستطيع أن تفني ما هو أكبر
منها بملايين المرات، وما هو أقدر منها
ظاهريًّا، ولو أن الكفار كان لديهم شيء
من العلم، أو حتى من الفهم لتنبهوا لهذه
الحقيقة، ولعرفوا أن الله سبحانه وتعالى
حين يضرب هذا المثل ببعوضة فما فوقها،
فإنه يلفتنا إلى القدرة الإلهية في دقة الخلق،
ويلفتنا إلى أن ما قد لا نراه بأعيننا قد يكون
أشد قوة وأخطر مما نرى.
فالكفار عاجزون أمام هذه البعوضة
الصغيرة التي يحتقرونها، فهي تستطيع أن
تأخذ جزءًا من دمائهم دون أن يستطيعوا
أن يردوها، أو يعيدوها مرة أخرى إلى
أجسادهم، وهي تستطيع أن تنقل إليهم
(١) معجزة القرآن ٦/ ١٠٠.
٢٨٢
مَوَسُوع
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحشرات
الأمراض التي قد تقتلهم، ولا يستطيعون النحل إلى (٣) أقسام، (الملكة): وهي تضع
البيض، ثم (ذكور النحل) الذين يعيشون
منها النجاة، ولذلك فإن ضرب المثل
بالبعوضة فيه حكمة بالغة)) (١).
عيشة رفاهية، ولا عمل لهم سوى تلقيح
الملكة حتى ينتج جيل جديد من النحل،
خامسًا: النحل:
والنوع الثالث: هن (الشغالات)، وهن إناث
مثل الملكة لكن غير مخصبات.
إن مملكة النحل عالم واسع فيه الكثير
من العبر الدالة على بديع صنع الله وعظيم
قدرته، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ
اَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِنَّا يَعْرِشُونَ (١
◌ُ كُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَأُسْلُكِى سُبُلَ رَيِّكِ ذُلُلًاً
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ
لِلنَّاسِنُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَّةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ (٢)
[النحل: ٦٨-٦٩].
إن مملكة النحل قائمة على أعلى
مستويات التعاون والتكافل والتنظيم
والعمل الدؤوب، وهو مجتمع موحد،
ونظامه نظام ملكي عادل، واكتشف العلم
الحديث أن النحل يملك وسيلة للتخاطب،
وهي الرقص كوسيلة لإرشاد زملائه إلى
مكان الزهور، وتقدر المسافة بدقة، وأن
أفراد خلية النحل تعيش معيشة جماعية
قريبة إلى معيشة الإنسان، حيث تخصصت
كل جماعة في عمل معين، فمنها الشغالات
والمحاربات والآباء والأمهات، ويتراوح
عدد أفراد الخلية التي تضمها الخلية من
(٣٠٠٠٠) إلى (٦٠٠٠٠) نحلة، وينقسم
(١) المصدر السابق ١٠١/٦.
وتقوم الشغالات ببناء العش الذي يوضع
فیه البيض ویربي فیه صغار النحل ويخزن فيه
العسل، كما تقوم الشغالات بجمع الرحيق
من الأزهار وتحويله إلى عسل، كما أنها
تستطيع أن تحول العسل إلى شمع بواسطة
غدد خاصة، وعندما تصبح كمية الشمع
كافية يبنيها النحل مبتدئًا من السقف متجهًا
إلى أسفل، أي: عكس ما يعمله الإنسان، ثم
يتم تفريغه على هيئة سداسية متجاورة.
وقد ثبت أن الخلايا السداسية هي
أکبر متانة وأكثر اقتصاد؛ إذ لا تترك بينها
فجوات كما هي الحال في الخلايا الدائرية
مثلًا، وتقطع الشغالة حوالي (٧) كم حتى
تجد الأزهار المناسبة، ولكنها ما تلبث
أن تعود إلى خليتها بواسطة الشم في خط
مستقيم حاملة معها الرحيق، والرحيق عبارة
عن سائل تفرزه الأزهار ويحتوي على
الجلوكوز، فعندما تحط النحلة على الزهرة
وتمتص الرحيق، يصعد الرحيق على طول
اللسان ومنھا إلی کیس العسل، ویتکرر ذلك
إلى أن يمتلئ كيس العسل.
www. modoee.com
٢٨٣

حرف الحاء
وأثناء رحلة العودة يتحول الرحيق إلى
عسل بواسطة غدد خاصة في جسم النحلة
الشغالة، وعندما تصل النحلة إلى الخلية
تفرغ العسل في إحدى العيون الفارغة في
الخلية، وقد تنتج الخلية الواحدة حوالي
(١٨) كغ من العسل في الموسم الواحد.
إن ملكة النحل تبيض أيام الموسم
حوالي (٢٠٠٠) بيضة في اليوم، لكن عندما
تفقد منصبها كملكة فإن العاملات يجدن
ملكة جديدة، وبذلك تختار العاملات
بيضة واحدة من مئات، ثم تولي هذه البيضة
عناية خاصة، وعندما تفقس البيضة تولي
العاملات اليرقة عناية شديدة فتطعمها
كميات من الغذاء الملكي حتى تكبر وتصبح
ملكة.
لاحظ بعض العلماء وجود أزهار تنفتح
ثم تنغلق في أوقات محددة من اليوم، وإذا
بالنحل يصل إلى أماكن تلك الأزهار في
الوقت الذي تنفتح فيه.
إن نحل الخلية يختص كل يوم بنوع
معين من الزهر، لذلك عندما تأتي نحلة إلى
غير خليتها سرعان ما ينكشف أمرها ويدرك
جميع نحل الخلية أنها غريبة، ويعود فضل
هذا الكشف إلى رائحة نوع الزهرة المقررة
في ذلك اليوم، وكأن الزهرة التي تختارها
الخلية كل صباح تصبح كلمة سر خاصة
بالخلية (١)
موضوعات ذات صلة:
الحيوان، الخلق، الطير، النبات
(١) الموسوعة العلمية في الإعجاز القرآني،
يوسف الحاج ص ١١٩.
عَرُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
٢٨٤