Indexed OCR Text
Pages 1-20
صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ الأُنْ عناصر الموضوع مفهوم الحزن ١١٦ الحزن في الاستعمال القرآني ١١٨ الألفاظ ذات الصلة ١١٩ الحزن طبيعة إنسانية ١٢٤ أسباب الحزن ١٣٨ الحزن المنهي عنه ١٤٩ نفي الحزن عن المتقين يوم البعث ١٥٢ نفي الحزن عن أهل الجنة ١٥٥ علاج الحزن المجلد الثانىعشر ١٢٢ حرف الحاء مفهوم الحزن أولًا: المعنى اللغوي: الحاء والزاء والنّون أصلٌ واحدٌ، وهو خشونة الشّيء وشدّةٌ فيه(١). وللعرب في الحزن لغتان، إذا فتحوا ثقلوا، وإذا ضَمُّوا خفّفوا، يقال: أصابه حَزَنٌ شديدٌ، وحُزْنٌ شديد (٢). والحَزَن والحُزْن: ضدّ الفرح وخلاف السّرور، والحزن يأتي بمعنى: الهمّ. والحزونة: الخشونة، والحزن: ما غلظ من الأرض(٣). قال الراغب: ((الحُزْن والحَزَن: خشونة في الأرض، وخشونة في النفس؛ لما يحصل فيه من الغمّ، ويضادّه الفرح، ولاعتبار الخشونة بالغم، قيل: خشّنت بصدره: إذا حزّنته، يقال: حَزِن يَحْزَن، وحَزَنْتُه وأَخْزَنْتُه (٤). والحَزُون: الشاة السَّيِّئَة الخُلُق. ورجلٌ حَزَنٌ، أي: غير سهل الخُلُق. وتَحَزَّن عليه: توجّع. ويقال: أحزنه: جعله حزينًا، وحَزَنَهُ: جعل فيه حُزْنًا. وهو يقرأ بالتّحزين: يرقّق صوته (٥). ومن خلال ما سبق تبين أن الحزن يتمركز معناه اللغوي حول الهم والغم والخشونة والغلظة أو الشدة في الشيء، وهو ضد الفرح والسرور. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال السمعاني: ((الحزن: ألم القلب بفراق المحبوب)»(٦). وقال الجرجاني: ((الحزن: عبارة عمّا يحصل لوقوع مكروه، أو فوات محبوب في الماضي)»(٧). وقال المناويّ: الحَزَن بالفتح: ما غلظ وخشن من الأرض. وبالضم: الغمُّ الحاصل لوقوع (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٥٤. (٢) تهذيب اللغة، الأزهري، ٤ / ٢١١. (٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٧٢، القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ١١٨٩. (٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٣١. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٣/ ١١٤، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١١٨٩، تاج العروس، الزبيدي ٤١٦/٣٤. (٦) تفسير القرآن، السمعاني ٣/ ١٢. (٧) التعريفات، الجرجاني ص ٨٦. ١١٦ جَوَسُوبَة النفسية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الحزن مكروه أو فوات محبوب في الماضي، ويضاده الفرح))(١). وعرفه محمد رشيد رضا بقوله: «الحزن ألمّ يلمّ بالنّفس عند فقد محبوبٍ أو امتناع مرغوب، أو حدوث مكروه»(٢). والمتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما، حيث إن المعنى الاصطلاحي يعني: الغم أو ألم القلب الحاصل لوقوع مكروه، أو فوات محبوب، أو امتناع مرغوب. وهذا مرتبط بمعنى الحزن في اللغة التي هي بمعنى الهم والغم من جهة، ومن جهة أخرى أن الخشونة والغلظة أو الشدة تحصل في النفس من الغمّ والهم. فالهم والغم سبب لخشونة النفس وغلظتها. (١) التوقيف، المناوي، ص ١٣٩. (٢) المنار، محمد رشيد رضا ٧/ ٣١٠. www. modoee.com ١١٧ حرف الحاء الحزن في الاستعمال القرآني ورد الجذر (ح زن) في القرآن (٤٢) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا الفعل المضارع ٣٧ [التوبة: ٤٠ ] المصدر ٢ ﴿وَأَتْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] اسم ٣ ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وجاء الحزن في الاستعمال القرآني بمعناه في اللغة وهو: خشونة في النفس لما يحصل فيه من الغمّ، ويضادّه الفرح(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٩٩- ٢٠٠. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٢٣١. ١١٨ جَوَسُولُ اللَّجية القرآن الكريم الحزن الألفاظ ذات الصلة الكآبة: ١ الكآبة لغة: أصل مادة (ك ء ب) تدلّ على أنكسارٍ وسوء حالٍ. من ذلك الكآبة. يقال: كَأَبةُ وكَابَةٌ(١). الكآبة اصطلاحًا: ((هي سوء الحال والانكسار من الحزن)»(٢). الصلة بين الحزن والكآبة: «الكآبة أثر الحزن البادي على الوجه، ومن ثم يقال: علیه كآبة، ولا يقال علاه حزن أو کرب؛ لأن الحزن لا يرى ولكن دلالته على الوجه وتلك الدلالات تسمى كآبة، والشاهد قول النابغة: إذا حلَّ بالأرض البرية أصبحت كئيبةَ وجه غَبُّها غير طائل فجعل الكآبة في الوجه))(٣). ٢ الغم: الغم لغة: الغَمُّ والغُمُّة: الكرب. والغَمّ: ستر الشيء، ومنه: الغمام لكونه يستر ضوء الشمس. والغُمَّى مثله، ومنه: غُمَّ الهلال، ويوم غَمّ، وليلة غُمّة وغُمّى، وغمّه الأمر، أي: كَرَبَه. يقال: غَمٌ وغُمّةٌ. أي: كَرْب وكُرْبة (٤). الغم اصطلاحًا: هو الكرب أو الحزن يحصل للقلب بسبب ما(٥). الصلة بين الحزن والغم: الغم: معنى ينقبض القلب معه، ويكون لوقوع ضرر، أو توقعه، وقد سمي الحزن الّذي (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ١٥٢. (٢) الكليات، الكفوي ص ٧٧٣. (٣) الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٤٣. (٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦١٣ - ٦١٤، لسان العرب، ابن منظور ١٢ / ٤٤١. (٥) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٦٦٣. www. modoee.com ١١٩ حرف الحاء تطول مدّته حتّى يذيب البدن هَمَّا، واشتقاقه من قولك: انهَمَّ الشّحم إذا ذاب، وهَمَّةَ: أذابه(١). ٣ الأسف: الأسف لغة: أشدّ الحزن. وقد أسف على ما فاته وتأسّف، أي: تلهف. وأسف عليه أَسَفًا، أي: غَضِب. وآسَفَهُ: أَغْضَبه. والأَسِيفُ: السريع الحزن، وقد يكون الأسيف: الغضبان مع الحزن(٢). الأسف اصطلاحًا: هو الحزن والغضب معًا، وقد يقال لكل منهما منفردًا، فمتى كان على من دونه أو من فوقه انتشر فصار غضبًا، أو من قوته انتشر فصار حَزَنًا وجَزَعًا (٣). الصلة بين الحزن والأسف: الحَزَن: هو الأسف على ما فات، والأسف: أشد الحزن (٤). الحسرة: ٤ الحسرة لغة: أصل مادة (ح س ر) تدل على كشف الشّيء. والحَسْرَة: التّلهّف على الشّيء الفائت. ويقال: حَسِرْت عليه حَسَرًا وحَسْرَةً، وذلك انكشاف أمره في جزعه وقلّة صبره(٥). الحسرة اصطلاحًا: هي الغم على ما فات والندم عليه، كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه (٦). وقيل: هي بلوغ النهاية في التلهف حتى يبقى القلب حسيرًا لا موضع فيه لزيادة التلهف، كالبصر الحسير لا قوة فيه للنظر (٧ الصلة بين الحزن والحسرة: الحسرة غم يتجدّد لفوت فائدة (٨)، والحسرة شدّة التّلهّف والحزن على شيء فات (٩). (١) الفروق اللغوية، العسكري ص ٥٦٠. (٢) الصحاح، الجوهري ٤/ ١٣٣٠. (٣) التوقيف، المناوي ص ٥٠ (٤) الفروق اللغوية، العسكري ص ١١١، ٥٦٠. (٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٦١، مختار الصحاح، الرازي ص ٧٢. (٦) التوقيف، المناوي ص ١٤٠. (٧) التعريفات، الجرجاني ص ٨٧. (٨) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٦٧. (٩) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١/ ٤٩٣. ١٢٠ مَوَسُولَهُ النَّفِيَة الْقُرآن الكَرِيْمِ الحزن قال الجرجاني: ((كل ما في القرآن من حسرة فهي الندامة، إلّ ﴿يَجْعَلَ اَللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، فإن معناه الحزن))(١). قُلُوبهم الهم: ٥ الهم لغة: ما هممت به في نفسك. تقول: أهمّني هذا الأمر. والهمّ: الحزن. والهمّة: ما هممت به من أمرٍ لتفعله. يقال: إنّه لعظيم الهمّة، وإنّه لصغير الهمّة. ويقال: أهمّني الشّيء، أي: أحزنني. وهمّني، أذابني. والمهمّات من الأمور: الشّدائد(٢). الهم اصطلاحًا: الهم الحزن الذي يذيب الإنسان. يقال: هممت الشحم فانهمّ، والهمّ: ما هممت به في نفسك، وهو الأصل(٣). الصلة بين الحزن والهم: الهم يغلظ النّفس، والحزن يقبضها، والحزن يفيد غلظ الهم (٤) قال ابن القيم: ((المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماض أحدث الحزن، وإن كان من مستقبل أحدث الهم، وإن كان من أمر حاضر أحدث الغم)) (٥). الفرح: ٦ الفرح لغة: يقال فرح يفرح فرحًا، فهو فرحٌ على خلاف الحزن (٦). الفرح اصطلاحًا: (انشراح الصّدر بلذّة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللّذات البدنيّة الدّنيوية))(٧). الصلة بين الحزن والفرح: الحزن ضد الفرح، فھو یحصل لوقوع مكروه، أو فوات محبوب، أما الفرح فیحصل بنیل القلب مشتهاه. (١) الكليات، الكفوي ص ٣٥٩. (٢) العين، الفراهيدي ٣/ ٣٥٧. (٣) المفردات، الراغب الأصبهاني ص ٨٤٥. (٤) انظر: الكليات، الكفوي ص ٩٦٠، الفروق اللغوية، العسكري ص ١٨٤. (٥) الفوائد، ابن القيم ص ٢٦. (٦) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤ / ٤٩٩. (٧) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٦٢٨. www. modoee.com ١٢١ حرف الحاء الحزن طبيعة إنسانية روى البيهقي عن ابن عبّاسٍ في قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تُفْرَحُواْ بِمَّآ ءَاتَنكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]. قال: «ليس أحدٌ إلّا وھو یفرح ویحزن، ولكن إذا أصابته مصيبة جعلها صبرًا، فإن أصابه خيرٌ جعله شكرًا))(١). فالحزن يعد أمرًا فطريًّا طبيعيًّا، يستجيب له الإنسان بشکل لا شعوري، فیحزن على ما فاته، أو أصابه من مصائب الدنيا؛ التي لا تخلو حياة الإنسان منها؛ كفقد الأحبة، أو جفوتهم، أو غير ذلك من المكروهات التي تصيب الإنسان. فهذا نبي الله يعقوب عليه السلام يحزن على فقد ولده يوسف عليه السلام حزنًا شديدًا کاد یهلك من شدته. يقول الله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَتَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ قَالُواْ تَاللَّهِ تَفْتَوُاْ تَذْكُرُ فَهُوَ كَظِيمٌ يُوسُفَ حَّ تَكُونَ حَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَنِى وَحُزْنِيِّ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٨٦ ﴾ [يوسف: ٨٤-٨٦]. يقول السعدي: ((أي: وتولى يعقوب عليه الصلاة والسلام عن أولاده بعد ما أخبروه (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، ٣٩٧/١. هذا الخبر، واشتد به الأسف والأسى، وابيضت عيناه من الحزن الذي في قلبه، والکمد الذي أوجب له كثرة البكاء، حيث ابيضت عيناه من ذلك. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: ممتلئ القلب من الحزن الشديد، ﴿وَقَالَ یتأسفى على ◌ُوسُفَ﴾ أي: ظهر منه ما کمن من الهم القديم والشوق المقيم، وذكرته هذه المصيبة الخفيفة بالنسبة للأولى، المصيبة الأولى. فقال له أولاده متعجبين من حاله: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال تذكر يوسف في جميع أحوالك. ﴿حَتَّى تَكُنَ حَضًا﴾ أي: فانيًا لا حراك فيك ولا قدرة على الكلام. ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ﴾ أي: لا تترك ذكره مع قدرتك علی ذکره أبدًا. ﴿قَالَ﴾ يعقوب ﴿إِنَّمَا أَشْكُواْ بَنِّ﴾ أي: ما أبث من الكلام ﴿وَحُزْنِ﴾ الذي في قلبي ﴿إِلَى اُللَّهِ﴾ وحده، لا إلیکم ولا إلى غيركم من الخلق، فقولوا ما شئتم ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أنه سيردهم علي ويقر عيني بالاجتماع بهم»(٢). وهذه مريم بنت عمران عندما جاءها المخاض وهي وحيدة فريدة، رثت لحالها وحزنت على نفسها، وهذه نتيجة طبيعة تحصل للإنسان عندما يلاقي المتاعب (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٤. ١٢٢ القرآن الكريم الحزن والمصاعب، وتتوالى عليه الأحداث الأليمة، فإنه يحزن ويتألم، ﴿فَأَجَاءَهَا اُلْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَنْسِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٢٣]. فإذا المنادي ینادیھا یسکن من روعها ويطمئنها ﴿فَنَادَتِهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيًّا ، وَهُزِىّ إِلَيْكِ بِذْعُ النَّخْلَةِ فَكُلِى وَاُشْرِعِ ٢٥ تَُقِطْ عَلَيْكِ رُطَبَّا جَنِيًّا وَقَرِى عَيْنَا فَإِمَّا تَرَِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِ إِنِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِمَ الْيَّوْمَ إِنسِيًّا ﴾ [مريم: ٢٤-٢٦]. ٢٦ ونبينا محمد صلی الله عليه وسلم قد انتابه ما ينتاب البشر من الحزن نتيجة ما كان يلاقيه من صدود قومه وإعراضهم عن دعوته، بل وتطاولهم عليه بأقوالهم وأفعالهم الشنيعة، فكان ينزل القرآن يسليه: ﴿وَلَا يَحْزُ نكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّواْ اللَّهُ شَيْئًاً يُرِيدُ اللّهُ أَلَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظَا فِى الْآَخِرَةِ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [آل عمران: ١٧٦]. والمقصود من الخطاب تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وإدخال الطمأنينة على قلبه، حتى لا يتأثر بما يراه من کفر الکافرین، ونفاق المنافقين، وفسق الفاسقين(١). وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْرُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الَّلِينَ بِثَايَتِ [الأنعام: ٣٣]. ٣٣ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (١) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢/ ٣٤٦. وقد فقد عليه الصلاة والسلام الأحبة من الأقرباء والأصحاب فحزن لذلك وبکی لفقدهم، وقد قال عندما مات ولده إبراهيم: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)(٢). يقول ابن عثيمين: ((الحزن على الفائت من طبيعة الإنسان، ولا يؤاخذ الإنسان به، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مات ابنه إبراهيم: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون)، ولكن إن اقترن بالحزن شيء من المحرم؛ كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور صار من هذه الناحية حرامًا؛ لأنه اقترن بفعل محرم. أما مجرد الحزن الذي لا يصحبه شيء فقد حصل من النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : (لا نقول إلا ما يرضي الرب) فلا نقول: يا ويلاه، واثبوراه»(٣). ومن خلال ما سبق يتبين أن الحزن طبيعة إنسانية فطر الله الخلق عليها، وتحصل (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا بك لمحزونون)، ٢/ ٨٣، رقم ١٣٠٣. (٣) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ٤١٩/١٧. www. modoee.com ١٢٣ حرف الحاء للإنسان بغير اختياره فنجده يتأثر ويتألم قلبه على ما يحدث له. وهذه الجبلة مخلوقة كغيرها من الطبائع التي طبع عليها البشر، كالخوف، والغضب، والفرح والسرور. أسباب الحزن ذكر القرآن الكريم جملة من الأسباب التي تسبب الحزن، وفي النقاط الآتية سنتناول الآيات الدالة على ذلك مع ذكر أقوال المفسرين حول هذه الآيات: أولًا: الإعراض عن الإيمان: تقدم النهي عن الحزن على المعرضين، وقد تناولنا الآيات التي كانت تنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن بسبب إعراض الكافرين عن دعوته صلى الله عليه وسلم وكفرهم بما جاء به، فالنبي صلى الله علیه وسلم کان یصاب بالحزن عندما كان يجد الإعراض عن الإيمان من قومه، والكفر برسالته، وعدم الاستجابة له، والدخول في دينه، فكان القرآن يتنزل ليسليه عما يلقاه من أذى قومه، وينهاه عن الحزن. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظَا فِىِ الْآَخِرَةِّ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧) ﴾ [آل عمران: ١٧٦]. يَتَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ وقال: الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَنَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكٌ يُحِّفُونَ اَلْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوِتُمْ ١٢٤ جوبي القرآن الكريم الحزن هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَقَّهُ فَأَحْذَرُواْ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ, مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: ٤١]. وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنِكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَتُنِيِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيُمْ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [لقمان: ٢٣]. فإعراض الكافرين عن الإيمان كان یسبب للنبي صلى الله عليه وسلم الحزن والحسرة، إما على هؤلاء؛ لأنهم لم يهتدوا؛ أو لأنهم كانوا يؤذونه صلی الله عليه وسلم فيحزن لما يلاقيه. یقول ابن کثیر عند قوله تعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ﴾: ((أي: لا تحزن علیهم يا محمد في كفرهم بالله وبما جئت به، فإن قدر الله نافذ فيهم، وإلى الله مرجعهم فينبئهم بما عملوا، أي: فيجزيهم عليه ﴿إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلا تخفى عليه خافية))(١). وقال الطنطاوي: ((﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَاَ يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ﴾ تسلية للرسول صلى الله علیه وسلم، عمَّا أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم. أي: ومن استمر -أيها الرسول- على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا، فلا (١) تفسير القرآن العظيم، ٦/ ٣١١. يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله، فأنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب، وإنك لا تهدی من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء)»(٢). كما أن من أعرض عن الإيمان والهدى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يعيش في ضنك وتعاسة، وقلق وحيرة، وكل من أعرض عن الله وعن وحيه وهديه فإنه يتخبط في الظلمات، ويحرم السعادة واللذة الحقيقية. كما أن الله سبحانه وتعالى قد وعد من اتبعوا هداه بأنهم لا خوف عليه ولا هم يحزنون، فقال: ﴿قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدَى فَمَن تَّبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: ٣٨]. ﴿ قَالَ أَهْيِطَا مِنْهَا وقال في سورة طه: جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِنِّى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاءَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْغَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ١٢٣ ضَنكاً وَغَخْشُرُهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى : [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. فمن أعرض عن ذكر الله حرم من الجزاء الذي هو الأمن والطمأنينة وراحة البال، وحرم من الوعد الإلهي، وكانت معيشته ضنگًا. يقول ابن كثير: ((﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن (٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ١١/ ١٢٧. www. modoee.com ١٢٥ حرف الحاء ذِكْرِى﴾ أي: خالف أمري وما أنزلته * قد تعلم يقول الله سبحانه وتعالى: على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من إِنَّهُ لَيَحْرُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ فَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِثَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ ٣٣ [الأنعام: ٣٣]. غيره هداه، ﴿فَإِنَّ لَهُ, مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ أي: ضنكًا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح ﴿فَلَ يَحْزُّنِكَ قَوْلُهُوُ إِنَّا نَعْلَمُ مَا وقال: لصدره، بل صدره ضیق حرج لضلاله، وإن يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [يس: ٧٦]. تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ماشاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة)) (١). وقد وعد الله سبحانه الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنهم لا خوف عليه ولا هم يحزنون، فمن لم يؤمن فإنه سيحرم حتمًا من ذلك. ومن خلال ما سبق يتبن لنا أن من أسباب الحزن الإعراض عن الإيمان وعن الهدى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. ثانيًا: التكذيب: وكذلك تقدم معنا في مبحث النهي عن الحزن، النهي عن الحزن على المعرضين، وبینا هناك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصيبه الحزن جراء تكذيب قومه له ووصفه بالكذب، واتهامه بأن ما جاء به لیس من عند الله، وإنما هو اختلاق من قبله، وكان القرآن یتنزل يرد عليهم ویسلي النبي صلى الله عليه وسلم وينهاه عن الحزن. (١) تفسير القرآن العظيم، ٥/ ٢٨٣. أي: لا تحزن یا محمد علی تکذیبهم لك، واتهامهم بأنك كاذب أو شاعرٌ أو ساحر، وهذه تسليةٌ للنبي عليه الصلاة والسلام(٢). قال القاسمي: ((وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها، ﴿الَّذِى یقُولُونَ﴾ أي: یقولون فيك، من أنك كاذب أو ساحر أو شاعر أو مجنون)) (٣). وقال الإمام الطبري: ((يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فَلَا يَحْزُنكَ﴾ يا محمد قول هؤلاء المشركين بالله من قومك لك: إنك شاعر، وما جئتنا به شعر، ولا تکذیبهم بآيات الله وجحودهم نبوتك)) (٤). وقال ابن كثير: ((﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ أي: تكذیبهم لك وکفرهم بالله»(٥). فتكذیب الصادق واتهامه بالكذب یسبب له الحزن، ويدخل على قلبه الغم. كما أن الشخص المكذّب للحق والهدى (٢) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٢١/٣. (٣) محاسن التأويل، ٤/ ٣٤٥. (٤) جامع البيان، ٢٠/ ٥٥٣. (٥) تفسير القرآن العظيم، ٦/ ٥٢٨. ١٢٦ مَوَسُو بر التشيك الوضوء القرآن الكريم الحزن الذي جاء عن الله سبحانه وتعالى يعد قد حصل، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَالْنَقَطَهُرْ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَاْ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ ﴾ [القصص: ٨]. كافرًا، فأول أنواع الكفر كفر التكذيب يقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهٌ أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ ﴾ [العنكبوت: ٦٨]. ٦٨ مَثْوَّى لِلْكَفِرِينَ وقد بين لنا القرآن حياة الكافر وكيف يعيش في هذه الدنيا. قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِیَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَةِ وَمَن يُرِدٍ أَنْ يُضِلَّهُ. يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًاً كَأَنَّمَا يَصَغَدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى [الأنعام: ١٢٥]. الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ® فالحزن والقلق والحيرة والاضطراب والحياة النكدة والعیشة الضنك کلھا لمن لم يأمن بالله وما جاء عن الله وكذب برسوله ولم يصدقه. أما في الآخرة فجزاءه جهنم وبئس المصير. وقد قصَّ الله سبحانه وتعالى لنا في کتابه قصة فرعون و کیف أنه كذب بآيات الله وأعرض عنها، وما كان جزاءه، ويخصنا في هذا الحزن الذي عاقبه الله به نتيجة كفره بالله سبحانه وتعالى وتكذيبه لموسى عليه السلام، فقد جعل الله موسى -الذي التقطه آل فرعون وهو طفل رضيع وتربى في بيت فرعون- عدوًّا وحَزَنًا لفرعون وجنوده، وأن ما كان يحذره فرعون من نهاية ملكه وهلاكه قرأ حمزة والكسائي: (وخُزْنًا) بضم الحاء، وقرأ الباقون ﴿وَحَزَنًا﴾ بفتحتين (١). وهما لغتان، مثل السَّقَم والسُّقْم، والعَرَب والعُرْب(٢). ومعنى الآية: أخذوه اعتناء به وصيانة له (٣) عن الضّياع(٣). ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ أي: لتكون العاقبة والمآل من هذا الالتقاط، أن يكون عدوًّا لهم وحزنًا يحزنهم، بسبب أن الحذر لا ينفع من القدر، وأن الذي خافوا منه من بني إسرائیل، قیّض الله أن یکون زعیمھم، یتربی تحت أيديهم، وعلى نظرهم، وبكفالتهم. وعند التدبر والتأمل، تجد في طي ذلك من المصالح لبني إسرائيل، ودفع كثير من الأمور الفادحة بهم، ومنع كثير من التعديات قبل رسالته، بحيث إنه صار من کبار المملكة(٤). يقول الإمام الطبري: ((وقوله: ﴿عَدُوًّا (١) الحجة للقراء السبعة، أبو علي الفارسي ٥٪ ٤١٢. (٢) البسيط، الواحدي ١٧ / ٣٣٦. (٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ٤. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦١٢. www. modoee.com ١٢٧ حرف الحاء وحزنًا﴾ یقول:یکون لهم عدوّا في دینھم، وحزنًا على ما ينالهم منه من المكروه»(١). وقال البغوي: ((﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وهذه اللام تسمى لام العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوًّا وحزنًا ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك)»(٢). فنتیجة تكذيبهم وصدهم عن دين الله ومحاربة موسى كانت عاقبتهم الحزن والهلاك، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا كَانُواْخَطِعِينَ ﴾ أي: إن فرعون وهامان وجنودهما کانوا بربھم آثمین، فلذلك کان لهم موسی عدوًّا وحزنًا (٣). قال الألوسي عند قوله تعالى: ﴿كَانُواْ خَطِعِينَ﴾: ((كانوا مذنبين فعاقبهم الله تعالی بأن ربي عدوهم علی أیدیھم» (٤). ففرعون لما كذب وعارض الحق الذي أتاه، جعل الله موسى عليه السلام عدوًّا له، وإن کان قد تربی وترعرع في بيته. ثالثًا: فوات الخیر: الحزن على فوات الخير من علامات حياة القلب، ودليل على قوة الإيمان، وهذا النوع من الحزن مشروع، وكلما كان القلب (١) جامع البيان، ١٩/ ٥٢٣. (٢) معالم التنزيل، ٦/ ١٩٣. (٣) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٥٢٤. (٤) روح المعاني، ١٠/ ٢٥٧. أشد حياة كان شعوره بألم فوات الطاعة أقوى وأعظم، وكلما ضعف الإيمان في القلب قل شعوره بالألم. وقد ذكر لنا الله نموذجًا من أصحاب القلوب التي عمرها الإيمان وحرصت على الخير، ولكنها لم تستطع أن تشارك مع الآخرين في تحصيله، فحزنت على فوات ذلك الخير. قال تعالى: ﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَّوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ﴾ [التوبة: ٩٢]. والمعنى: لا حرج على الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل فيخرجوا معك، فلم تجد ما تحملهم عليه، وهؤلاء وإن دخلوا في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون للجهاد لفقدهم الرواحل، قد خصوا بالذكر اعتناء بشأنهم وجعلهم کأنهم قسم مستقل. ﴿تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَّنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ أي: انصرفوا من مجلسك وهم ییکون بکاء شدیدًا یصحبه حزن عميق، فكانت أعينهم تمتلئ دمعًا يتدفق من جوانبها حزنًا وأسفًا على أنهم لا يجدون ما ينفقون ولا ما يركبون في خروجهم معك للجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته(٥). (٥) انظر: تفسير المراغي، ١٠/ ١٨٣. مُوسُوبَةُ النَّفِيَة القرآن الكريم ١٢٨ الحزن ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ ... إلى قوله: ﴿حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن مغفل المزني، فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم رسول الله صلی الله علیه وسلم: (والله ما أجد ما أحملكم عليه)! فتولوا ولهم بكاءٌ، وعزيزٌ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقةً ولا محملًا. فلما رأى الله عذرهم في كتابه فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَ عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ﴾ ... إلى قوله: ﴿فَهُوْلَا يَعْلَمُونَ ﴾(١). يقول سيد قطب: ((وإنها لصورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد، والألم الصادق للحرمان من نعمة أدائه. وإنها لصورة واقعة حفظتها الروايات عن جماعة من المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تختلف الروايات في تعيين أسمائهم، ولكنها تتفق على الواقعة الصحيحة))(٢). وفي تعبير النبي صلی الله عليه وسلم أجدُمَاً لهؤلاء المؤمنين الصادقين: (١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤/ ٤٢١. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٦٨٥/٣. روى الطبري بسنده عن ابن عباس قوله: أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ﴾، ما فيه من تطبيب قلوب هؤلاء السائلین؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لهم: إن ما تطلبونه أنا أسأل عنه، وأفتش عليه فلا أجده، ولو وجدته لقدمته إليكم(٣). يقول محمد الطنطاوي: ((وقوله: ﴿تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلََّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ بيان للآثار التي ترتبت على عدم وجود ما يحملهم من رواحل: لكي يخرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك. أي: أن هؤلاء المؤمنين الفقراء، عند حرصهم على محبته ومحبة رسوله، أنزل ما اعتذرت لهم بقولك: ﴿لَآ أَجِدُمَا انصرفوا من مجلسك، حِلَكُمْ عَلَيْهِ وأعينهم تسيل بالدموع من شدة الحزن؛ لأنهم لا يجدون المال الذي ينفقونه في مطالب الجهاد، ولا الرواحل التي يركبونها في حال سفرهم إلى تبوك. فالجملة الكريمة تعطي صورة صادقة مؤثرة الرغبة الصادقة في الجهاد، وللألم الشديد للحرمان من نعمة أدائه. ويمثل هذه الروح ارتفعت راية الإسلام، وعزت كلمته، وانتشرت دعوته)) (٤). فالصحابة رضي الله عنهم لشدة حرصهم على الأعمال الصالحة وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم (٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٦/ ٣٨٠. (٤) المصدر السابق. www. modoee.com ١٢٩ حرف الحاء فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالأموال التي يقدر عليها الأغنياء، ويحزنون على التخلف عن الخروج في الجهاد لعدم القدرة على آلته(١). وهذا الحزن منهم رضي الله عنهم دال على عظم إيمانهم ولهذا مدحوا على ذلك، يقول ابن القيم: ((فلم يمدحوا على نفس الحزن، وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم، حيث تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجزهم عن النفقة، ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم، بل غبطوا نفوسهم به»(٢). رابعًا: فوات النصر والغنيمة: المقاتل إنما يقاتل لأجل أن ينتصر على خصومه، ويحصل على فائدة مأمولة من وراء هذا النصر، والمسلم عندما يقاتل يبتغي بقتاله وجه ربه ورفع راية دينه، فإذا فاته النصر، وحلت به الهزيمة، فإنه یحزن، ولكن الذي ينبغي فعله إذا حلت الهزيمة وأصابه الحزن ألا يتمادى في الحزن حتى لا يوهن من عزمه ويفت في عضده. والحزن بسبب فوات النصر والغنيمة أمر (١) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٢/ ٥٦. (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ١ / ٥٠١. مُؤَسُولَةُ الْتَفْسِد جومبو القرآن الكريم طبيعي؛ لأن النفوس مجبولة على الحرص على العز والكرامة وتصاب بالحزن إذا فاتتها المحبوبات، وحلت بها المكروهات، وقد حصل للصحابة الكرام غم وحزن في غزوة أحد، وهذه الآية الكريمة تصور لنا ذلك. إِذْ تُصْعِدُونَ قال تعالى: ﴿٠ وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيّ أُخْرَانِكُمْ فَأَتَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٥٣]. والمعنى: اذكروا - يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم- ما كان من أمركم حين أخذتم تصعدون الجبل هاربين من أعدائكم، ولا تلتفتون إلى أحد لما اعتراكم من الدهشة والخوف والرعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت في الميدان يناديكم من خلفكم قائلًا: إليّ عباد الله، وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، فكان جزاؤكم أن أنزل الله بكم ألمًا وضيقًا وغمًّا؛ لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من نصر وغنيمة، ولا ما حلّ بكم من خوف وهزيمة. والله خبير بجميع أعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء(٣). (٣) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ١/ ٦٩. ١٣٠ الحزن قال السعدي: ((﴿فَأَثَبَكُمْ﴾ أي: حقيقته غير مرادة هنا كما ذكر الألوسي، جازاكم على فعلكم ﴿عَمَّا بِغَرٍ﴾ أي: بل المراد التسلية والتشجيع، وإن أريدت الحقيقة فلعل ذلك بالنسبة إلى ما يترتب على الوهن والحزن من الآثار الاختيارية (٢). غَمَّا يتبع غَمَّا، غَمّ بفوات النصر وفوات الغنيمة، وغَمُّ بانهزامکم، وغَمُّ أنساکم کل غَمِّ، وهو سماعكم أن محمدًا صلى الله علیه وسلم قد قتل. ولكن الله -بلطفه وحسن نظره لعباده- جعل اجتماع هذه الأمور لعباده المؤمنين خيرًا لهم، فقال: ﴿لَكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَافَاتَكُمْ﴾ من النصر والظفر، ﴿وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾ من الهزيمة والقتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل هانت عليكم تلك المصيبات، واغتبطتم بوجوده المسلي عن کل مصيبة ومحنة، فلله ما في ضمن البلايا والمحن من الأسرار والحكم، وكل هذا صادر عن علمه و کمال خبرته بأعمالکم، وظواهركم وبواطنكم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ويحتمل أن معنى قوله: ﴿لَكَيْلا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾ يعني: أنه قدّر ذلك الغم والمصيبة عليكم، لكي تتوطن نفوسكم، وتمرنوا على الصبر على المصيبات، ويخف عليكم تحمل المشقات))(١). والنهي عن الحزن في الآية الظاهر أن (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٥٣. وفي الآية لطيفة عجيبة كانت منة من الله سبحانه وتعالى على صحابة رسول الله صلی الله علیه وسلم عندما أصابهم ما أصابهم من الغم، فإنهم لما أصابهم الغم على فوات النصر والغنيمة جاءهم غم أعظم من ذلك أنساهم غمهم الأول، هذا الغم هو إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه المصيبة أنستهم كلّ شيء. قال تعالى: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَيرٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾، فالغمّ الأوّل: بسبب الهزيمة وذهاب النّصر والمغنم، ثم جاءهم غمّ آخر أشدّ، وهو خوف أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، وسماعهم أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فجاء هذا الغمّ لينسيهم كلّ شيء، لينسيهم الحزن على فوات النّصر، والحزن على فوات المغنم، ثمّ لما علموا أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم حيّ وسليم ومعافى، زال عنهم الألم كلّه، ألم الهزيمة، وألم الجراح التّي أصابتهم، وألم فوات الغنيمة (٣). (٢) انظر: روح المعاني، ٢٨١/٢. (٣) أيسر التفاسير، الجزائري ١/ ٣٩٥. www. modoee.com ١٣١ حرف الحاء والحكمة من فعل ذلك كله بهم ليتمرنوا ولكن ﴿وَتَنَجَوْبَلِّ وَاَلنَّقْوَى﴾ أي: بما هو خير في نفسه لا إثم فيه، وبطاعة الله ورسوله إذا هما التقوى، ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىَ إِلَيْهِ مُخْشَرُونَ﴾ يوم القيامة لمحاسبتكم ومجازاتكم فاتقوه بطاعته وطاعة رسوله)) (٤). على الشدائد، ويتعودوا احتمال المكاره، فإنها تصقل الأمم والأفراد، ولئلا يحزنوا على ما فاتهم من المنافع والمغانم، ولا على ما أصابهم من المضارّ من عدوکم، کالجراح والقتل (١). خامسًا: النجوى السيئة: النَّجوى: السِّرُّ بين الاثنين، وتكون أيضًا بمعنى المسارّة(٢). وقيل: النَّجوى: ما يكون من خلوة اثنين أو أكثر يسرّون شيئًا ويتناجون به، والسّرار ما كان بين اثنين (٣). والنجوی قد تكون في الخیر، وقد تكون في الشر. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَاتَجَّهُمْ فَلاَ تَلَنَجَوْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَّأْ ◌ِآلِّ وَالنَّقْوَىّ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ الَّذِىَ إِلَيْهِ مُخْشَرُونَ ( [المجادلة: ٩]. يقول أبو بكر الجزائري: ((هذه الآية والتي بعدها نزلت في تربية المؤمنين روحيًّا وتهذيبهم أخلاقيًّا، فقال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: صدقوا الله ورسوله إذا تناجيتم لأمر استدعى ذلك منكم ﴿فَلَا تَنَجَوْأْ بِاَلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ فتكون حالكم كحال اليهود والمنافقين (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٤ / ١٢٨. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥/ ٣٨٢. (٣) المصدر السابق ١٧/ ٢٩٠. ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿إِنََّا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحُْنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآَتِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المجادلة: ١٠]. والمعنى: إنما النجوى وهي المسارة حيث يتوهم مؤمن بها سوءًا من الشيطان ﴿يَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعني: إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه ﴿لِيَحْزُنَ اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: ليسوءهم ﴿وَلَيْسَ بِضَارِهِمْ شَيْئًاإِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ومن أحس من ذلك شيئًا فليستعذ بالله وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله(٥). وقد جاء في السنة النبوية النهي عن أن يتناجى اثنان دون الثالث؛ لأن ذلك يحزنه، ففي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (إذا كانوا ثلاثة فلا یتناجی اثنان دون الثالث)(٦). (٤) أيسر التفاسير، ٥/ ٢٩٠. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٧٥. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب لا يتناجى اثنان دون الثالث، ٨/ ٦٤، رقم ٦٢٨٨. ١٣٢ مَوَسُوبَةُ النَِّيَة القرآن الكريم الحزن وعند مسلم: (إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى وليس مع عبد الله بن عمر أحد غيري وغير اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك یحزنه)(١). وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إذا کنتم ثلاثة فلا یتناجی اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه)(٢). فبينت هذه النصوص النهي عن النجوى إذا کانوا ثلاثة فیتناجی منهما اثنان دون الثالث، وتعليل ذلك بقوله: (من أجل أن يحزنه) أي: يقع في نفسه ما يحزن لأجله، وذلك بأن يقدر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنه لم يروه أهلًا ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من ألقيات الشيطان وأحاديث النفس. وحصل ذلك كله من بقائه وحده(٣). أما إذا كان الثالث مع غيره أو اختلطوا بالناس فإن النھي لا یشملهم، كما هو في حديث عبد الله بن مسعود، وقد فعل ابن عمر ذلك، فعن عبد الله بن دینار، قال: کنت أنا وعبد الله بن عمر عند دار خالد بن عقبة التي بالسوق، فجاء رجل يريد أن يناجيه، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه، ١٧١٨/٤، رقم ٢١٨٤. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاء، ١٧١٨/٤، رقم ٢١٨٤. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ٢٩٥. الرجل الذي یرید أن یناجیه، فدعا عبد الله بن عمر رجلًا حتى كنا أربعة، فقال لي وللرجل الذي دعا: استأخرا، فإني سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول: (لا یتناجى اثنان دون واحد)(٤). فإذا كان معه غيره أمن من ألقيات الشيطان وأحاديث النفس. يقول القرطبي: ((وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلًا، لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنما خص الثلاثة بالذکر، لأنه أول عدد پتأتی ذلك المعنی فیه. وظاهر الحدیث یعم جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ابن عمر ومالك والجمهور. وسواء أكان التناجي في مندوب أو مباح أو واجب فإن الحزن يقع به»(٥) وقد ذكر الثعلبي عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿أَ تَّرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ التَّجْوَى﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: ٨-١١]، نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك آنّهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين (٤) أخرجه مالك في الموطأ، ٢/ ١٦٧. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ٢٩٥. www. modoee.com ١٣٣ حرف الحاء ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون الله إياهم من ضر الشيطان. وهذا نحو من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]))(٢). نجواهم قالوا: ما نراهم إلّا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو مصيبة أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ویحزنهم، فلا يزالون كذلك حتى يقدم أصحابهم وأقرباؤهم. فلمّا طال ذلك وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم ألّا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية (١). وقوله: ﴿إِنََّا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ ، قصر («الحصر المستفاد من ﴿إِنَّمَا﴾ موصوف على صفة ومن ابتدائية، أي: قصر النجوى على الكون من الشيطان، أي: جائية؛ لأن الأغراض التي يتناجون فيها من أكبر ما يوسوس الشيطان لأهل الضلالة بأن يفعلوه ﴿يَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بما يتطرقهم من خواطر الشر بالنجوى. وهذه العلة ليست قيدًا في الحصر فإن الشيطان عللًا أخرى مثل إلقاء المتناجين في الضلالة، والاستعانة بهم على إلقاء الفتنة، وغير ذلك من الأغراض الشيطانية. وقد خصت هذه العلة بالذكر؛ لأن المقصود تسلية المؤمنين وتصبرهم على أذى المنافقين ولذلك عقب بقوله: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئًا﴾ ليطمئن المؤمنون بحفظ (١) الكشف والبيان، الثعلبي ٩/ ٢٥٧. سادسًا: ترك الأهل والولد: من أسباب الحزن ترك الأهل والولد والابتعاد عنهم، إما لسفر أو سجن، أو غيرهما، فالقلب عادة عندما يفارق صاحبه أهله وأحبابه يشعر بالحزن ويصاب بالألم، وكم ذرفت من عيون، وسالت من دموع حال الفراق ووقت الوداع، يقول الشاعر (٣): ضعفت عن التسليم يوم فراقها فودّعتها بالطّرف والعين تدمع وأمسكت عن ردّ السلام فمن رأى محبًّا بطرف العین قبلي يودّع رأيت سيوف البين عند فراقها بأيدي جنود الشوق بالموت تدفع علیك سلام الله مني مضاعفًا إلى أن تغيب الشمس من حيث تطلع وقد جاء في القرآن الكريم أن ترك الولد مما يسبب الحزن، وذلك في قصة يعقوب عليه الصلاة والسلام وقصة أم موسى عليه السلام. فيعقوب عليه السلام كان يحب ولده یوسف علیه السلام حبًّا شديدًا، ولا یرید أن يفارقه ساعة لخوفه عليه أن يصيبه أذى، (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨/ ٣٤. (٣) مصارع العشاق، السراج البغدادي ١/ ١٦٠. الوَضـ مَوَسُو ◌َرَ النَّفِيم القرآن الكريمِ ١٣٤