Indexed OCR Text
Pages 21-32
الحساب
قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة (ویصلی
سعيرًا)، بنصب الياء، وجزم الصاد مع
التخفيف، والباقون ويصلى بضم الياء
ونصب الصاد مع التشديد، فمن قرأ
(يصلى)، بالتخفيف، فمعناه: أنه يقاسي
حر السعير وعذابه، يقال: صليت النار، إذا
قاسيت عذابها وحرها، ومن قرأ بالتشديد،
فمعناه أنه یکثر عذابه في النار، حتی یقاسي
حرها (١).
وقال الزمخشري: ((إن ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾
[المدثر: ١٠]، كان يكفي عنها ﴿يَوْمُ عَسِيرُ﴾﴾
[المدثر: ٩]، إلا أنه ليبين لهم أن عسره لا
یرجی تیسیره، کعسر الدنیا، وأن فيه زیادة
وعيد للكافرين، ونوع بشارة للمؤمنين
لسهولته عليهم، ولعل المعنيين مستقلان،
وأن قوله تعالى: ﴿يَوْمُ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩].
هذا كلام مستقل وصف لهذا اليوم،
وبيان للجميع شدة هوله))(٢).
وجاء وصف الحساب العسير في آیات
أخر كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ
رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْ ءٌ عَظِيمٌ ))
يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّاً
أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ حَملَهَا
وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُمْ بِسُكَرَىْ وَلَكِنَّ
عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: ١- ٢].
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٥١٥/٣، تفسير
المراغي ٢٩/ ١٢٧.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٦٤٧.
أمر جل وعلا في أول هذه السورة
الكريمة الناس بتقواه جل وعلا بامتثال أمره،
واجتناب نهيه، وبين لهم أن زلزلة الساعة
شيء عظيم، تذهل بسببه المراضع عن
أولادها، وتضع بسببه الحوامل أحمالها،
من شدة الهول والفزع، وأن الناس يرون
فیه كأنهم سكارى من شدة الخوف، وما
هم بسكارى من شرب الخمر، ولكن عذابه
يَفْرَّ الْمَرَّهُ مِنْ أَخِيهِ
شديد، وقوله سبحانه:
هُ وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ ﴾ [عبس: ٣٤ -٣٥].
ووصف الله تعالى عسر هذا اليوم
فقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ
وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمَا تَقِيلًا ﴾ [الإنسان: ٢٧].
وقال تعالى منبهًا عن حال وأهوال
هذا اليوم: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا
[المزمل: ١٧].
فلا تجد صفات أعظم من هذه الصفات
في ذلك اليوم؛ حيث يتحول الطفل إلى شيخ
كبير السن شعره أبيض من شدة المخاوف،
وتذهل فيه المرضعة عمَّا أرضعت؛ لأنه
يوم يرجف فيه القلب رجفًا شديدًا، ومن
شدة الارتجاف يصعد هذا القلب حتى يسد
الحنجرة، يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار،
تتقلب فيه القلوب؛ لأن القلوب ترى أشياء لم
تكن تراها في الدنيا، وتتيقن منها، والأبصار
تشاهد أشياء لم تكن تشاهدها في الدنيا،
إنما كانت توصف لها وصفًا، وهذه قلوب
www. modoee.com
١٩٩
حرف الحاء
الملاحدة وأهل الشك، وكذلك الأبصار
تشاهد أشياء ما كانت تراها في الدنيا، بل
كانت تسمع عنها، فانقلب القلب إلى إدراك
أشياء ما كان يدركها من قبل، وانقلب البصر
إلى رؤية أشياء لم يكن يراها من قبل (١).
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤/ ٦٤٧.
المحاسب عليه
يظهر ما يحاسب عليه العبد وما لا
يحاسب عليه من خلال ما يأتي:
أولًا: ما يحاسب عليه العبد:
ذكر القرآن الكريم أن مما يحاسب عليه
العبد يوم القيامة الكفر.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَ هَاءَاخَرَ
لَا بُرْهَانَ لَهُ بِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبَِِّّ إِنَّهُ لَا
يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
﴿إِلَّا مَنْ تَوَى وَكَفَرَ
وقال سبحانه:
فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ@)
إِنَّ
إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم
[الغاشية: ٢٣-٢٦].
بينت الآيات أن الله تعالى يحاسب العباد
يوم القيامة على أعمالهم، وأنهم يحاسبون
بكل صغيرة وكبيرة، وقليل وكثير.
قال تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ
أَحْصَنَهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم
[الغاشية: ٢٦]، يعني: أي: نحن
نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها، إن
خیرا فخیر، وإن شرًّا فشرٌّ.
وقال جلّ جلاله: ﴿مَنْ جَآءَ بِاَلْحَسَنَةٍ فَلَهُ
عَشْرُ أَمْثَالِهَاً وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَةٍ إِلَّا
مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال جلّ وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِنَ الْقِسْطَ
٢٠٠
جَوَنُو
القرآن الكريم
الحساب
لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِنِ كَانَ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: ٣].
مِثْقَالَ حَبَّدٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا
حَسِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
ولما كان أعظم ما دعا الله إليه توحيده
وكان أصل ضلال المشركين إشراكهم
أعقب وصف الله بالعلو العظيم والقدرة
الواسعة ببيان أن الحساب الواقع بعد البعث
ینال الذین دعوا مع الله آلهة دعوى لا عذر
لهم فيها؛ لأنها عرية عن البرهان، أي:
الدليل، لأنهم لم يثبتوا لله الملك الكامل
إذ أشركوا معه آلهة، ولم يثبتوا ما يقتضي
له عظيم التصرف إذ أشركوا معه تصرف
آلهة، فقوله تعالى: ﴿لا بُّهَنَ لَهُچِدِ﴾، حال
من يدع مع الله إلهًا آخر، وهي حال لازمة؛
لأن دعوى الإله مع الله لا تكون إلا عرية
عن البرهان، ونظير هذا الحال قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَّبَعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدِّى
مِنَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[القصص: ٥٠].
والقصر في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ.
عِنْدَ رَبِّهِ»﴾، قصر حقيقي، وفيه إثبات
الحساب وأنه لله وحده مبالغة في تخطئتهم
وتهديدهم، ويجوز أن يكون القصر إضافيًّا
تطمينًا للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله
لا يؤاخذه باستمرارهم على الكفر، كقوله
تعالى: ﴿إِنْ عَلَكَ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [الشورى: ٤٨].
وقوله سبحانه: ﴿لَعَلَّكَ بَّعْ نَفْسَكَ أَلَّا
﴿إِنَّهُ، لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾
[المؤمنون: ١١٧]، وهو نفي الفلاح عن
الكافرين ضد المؤمنين (١).
قال سيد عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ
إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ
[الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
((بهذا يتحدد دور الرسول في هذه
الدعوة، ودور كل داعية إليها بعده، إنما
أنت مذکر وحسابهم بعد ذلك على الله، ولا
مفر لهم من العودة إليه، ولا محيد لهم من
حسابه و جزائه، غير أنه ينبغي أن يفهم أن من
التذكير إزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ
إلى الناس وليتم التذكير، فهذه وظيفة الجهاد
كما تفهم من القرآن ومن سيرة الرسول
سواء، بلا تقصير فيها ولا اعتداء))(٢).
ثانيًا: ما لا يحاسب عليه العبد:
ذكر القرآن الكريم أن العبد إنما يحاسب
على عمله وأنه لا يحاسب على عمل غيره.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَطُرُّدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌّ مَا عَلَيْكَ مِنْ
حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن
شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٥٧٦/٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٩/٨، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١٣٦/١٨.
(٢) في ظلال القرآن ٦/ ٣٩٠٠.
www. modoee.com
٢٠١
حرف الحاء
[الأنعام: ٥٢].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ
حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: ٦٩].
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَنَ
لَهُ بِ فَإِنَّمَا حِسَابُّهُ عِنْدَ رَبِّةً إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
﴾ [المؤمنون: ١١٧].
الْكَفِرُونَ (
بینت الآيات أن حساب العباد عند الله
تعالى، وأنه يحاسبهم بأعمالهم، وأنه لا
حساب بأحسابهم وأموالهم، ولا يحاسب
العبد على غناه وفقره، ولا يحاسب على
عمل غيره، وليس لأحد محاسبتهم، وأخبر
الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أنه
ليس عليه شيء ما من أمر حساب هؤلاء
الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، لا على
دعائهم ولا على غيره من أعمالهم الدينية،
كما أنه ليس عليهم شيء ما من أمر حسابك
علی أعمالك حتی یمکن أن یترتب على هذا
أو ذاك طردك إياهم بإساءتهم في عملهم أو
محاسبتك على عملك، فإن الطرد جزاء،
وإنما يكون على عمل سيئ يستوجبه، ولا
يثبت إلا بحساب، والمؤمنون ليسوا عبيدًا
للرسل ولا أعمالهم الدينية لهم، بل هي لله
تعالى يريدون بها وجهه لا أوجه الرسل،
وحسابهم عليه تعالى لا عليهم، وإنما الرسل
هداة معلمون، لا أرباب ولا مسيطرون،
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ل لَّسْتَ عَلَيْهِم
بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: ٢١-٢٢].
وإذا لم يكن للرسل حق السيطرة على
الناس ومحاسبتهم على أعمالهم الدينية
فليس للناس عليهم هذا الحق بالأولى،
وذكروا في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ
حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾، قولين:
أحدهما: أن الكفار طعنوا في إيمان
أولئك الفقراء، وقالوا: يا محمد إنهم إنما
اجتمعوا عندك وقبلوا دینك؛ لأنهم یجدون
بهذا السبب مأكولًا وملبوسًا عندك، وإلا
فهم فارغون عن دینك، فقال الله تعالى: إن
کان الأمر کما یقولون، فما يلزمك إلا اعتبار
الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مرضي عند
الله، فحسابهم علیه لازم لهم، لا يتعدى
إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدى
إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ
أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
القول الثاني: ما عليك من حساب رزقهم
من شيء فتملهم وتطردهم، ولا حساب
رزقك عليهم، وإنما الرازق لهم ولك
هو الله تعالى، فدعهم يكونوا عندك ولا
تطردهم، وقوله سبحانه: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾،
جواب النفي ومعناه، ما عليك من حسابهم
من شيء فتطردهم، بمعنى أنه لم يكن عليك
حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب
تطردهم، وقوله جلّ في علاه: ﴿فَتَكُونَ مِنَ
الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا تطرد هؤلاء الذين
مَوْ قُ وبَةُ النَّفِيَّة
جوب
القرآن الكريمِ
٢٠٢
الحساب
يدعون ربهم بالغداة والعشي فتكون بطردك
إياهم في زمرة الظالمين معدودًا من جنسهم؛
لأن الطرد لا يكون حقًّا إلا على الإساءة في
الأعمال التي يعملونها لمن له حق حسابهم
وجزائهم عليها، ولست أنت بصاحب هذا
الحق حتى تجري فيه على صراط العدل،
فإن عملهم هو عبادة الله وحده، فحسابهم
وجزاؤهم عليه، كما قال نوح عليه السلام:
﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّ عَلَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ {
[الشعراء: ١١٣].
وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾،
فيه قولان:
الطرد.
الثاني: أن تکون من الظالمين لهم لأنهم
لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان
طردهم ظلمًا لهم، والله أعلم(١).
قال الزمخشري: ((فإن قلت: أما كفى
قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٌ﴾
[الأنعام: ٥٢] حتى ضم إليه: ﴿وَمَا مِنْ حِسَائِكَ
عَلَيْهِمِ مِنْ شَىْءٍ﴾؟
قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة
واحدة، وقصد بهما مؤدی واحد وهو
المعنيّ في قوله: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾
[الأنعام: ١٦٤].
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥٤٢/١٢،
مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٥٠٦.
ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان
جميعًا، كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم
بحساب صاحبه، وقيل: الضمير للمشرکین،
والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت
بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم ويحرّكك
الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين،
﴿فَتَطَرُدَهُمْ﴾، جواب النفي ﴿فَتَكُونَ
مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، جواب النهي، ويجوز
أن يكون عطفًا على ﴿فَتَطَرُدَهُمْ﴾، على
وجه التسبیب؛ لأن کونه ظالمًا مسبب عن
طردهم»(٢).
وذكر طنطاوي تخريجًا آخر لقوله
الأول: فتكون من الظالمين لنفسك بهذا تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا
مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىءٍ﴾، «بأن المعنى: ما
عليك شيء من حساب رزقهم إن كانوا فقراء،
وما من حسابك في الفقر والغنى عليهم من
شيء، أي: أنت مبشر ومنذر ومبلغ للناس
جميعًا، سواء منهم الفقير والغنيّ، فكيف
تطرد فقيرًا لفقره، وتقرب غنیًّا لغناه؟ إنك إن
فعلت ذلك كنت من الظالمين، ومعاذ الله
أن يكون ذلك منك»(٣).
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ مَا عَلَيْكَ
مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن
شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
of
(٢) الكشاف ٢٨/٢.
(٣) التفسير الوسيط ٥/ ٨٠.
www. modoee.com
٢٠٣
حرف الحاء
[الأنعام: ٥٢].
أمر الله تعالی نبيه صلى الله عليه وسلم
بإنذار غير المتقين ليتقوا ثم أمر بعد ذلك
بتقريب المتقين ونهى عن طردهم، ثم
أثنی علیهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم،
أي: عبادته ويواظبون عليها، والمراد بذکر
الغداة والعشي الدوام، أو معناه: يصلون
صلاة الصبح والعصر أو الصلوات الخمس
بالغدوة والعشي، ووسمهم بالإخلاص في
عبادتهم بقوله تعالى: ﴿ُرِيدُونَوَجْهَدُ﴾،
فالوجه يعبر به عن ذات الشيء، وحقيقته
نزلت في الفقراء بلال وصهيب وعمار
وأضرابهم حين قال رؤساء المشركين لو
طردت هؤلاء السقاط لجالسناك.
وعن سعد رضي الله عنه، قال: (كنا مع
النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال
المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد
هؤلاء لا يجترئون علينا، قال و کنت أنا وابن
مسعود، ورجل من هذیل، وبلال، ورجلان
لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله
صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع
فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا
تَظِرُِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢])(١) (٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب في فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله
عنه، ٤ /١٨٧٨، رقم ٢٤١٣.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٥٠٦.
قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى:
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ
حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطُرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ
الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]: ((فإن حسابهم
على أنفسهم، وحسابك على نفسك،
وكونهم فقراء مقدر عليهم في الرزق هذا
حسابهم عند الله، لا شأن لك به، كذلك
غناك وفقرك هو حسابك عند الله لا شأن
لهم به، ولا دخل لهذه القيم في قضية الإيمان
والمنزلة فيه، فإن أنت طردتهم من مجلسك
بحساب الفقر والغنى كنت لا تزن بميزان
الله، ولا تقوّم بقيمه. فكنت من الظالمين،
وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يكون من الظالمين! وبقي فقراء الجيوب
أغنياء القلوب في مجلس رسول الله صلى
الله عليه وسلم وبقي ضعاف الجاه الأقوياء
بالله في مكانهم الذي يؤهلهم له إيمانهم
والذي يستحقونه بدعائهم لله لا يبتغون إلا
وجهه، واستقرت موازين الإسلام وقيمه
على المنهج الذي قرره الله))(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَثَّقُونَ مِنْ
حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ
يَنَّقُونَ ﴾ [الأنعام: ٦٩].
إشارة إلى أن ما يقع من المشركين في
تلك المجالس الهازئة الهازلة من منكر،
لا يمسّ المتقین بسوء، ولا یحمّلھم شيئًا
(٣) في ظلال القرآن ٢/ ١١٠٠.
مَوَسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
٢٠٤
الحساب
من أوزار هؤلاء القوم، ولا يحاسبون على وجهان:
خوضهم فيها ولا على غيره من أعمالهم
التي يحاسبهم الله تعالى عليها إذا هم
تجنبوهم وأعرضوا عنهم كما أمروا، ولكن
تجنّب هذه المجالس هو حماية للمؤمنين
من أن تصيبهم عدوى هذه الأحاديث، وإن
من الخير لهم، والسلامة لدينهم، أن يتّقوا
هذه المجالس، ويحذروها، وهكذا في کل
شر، من قول أو عمل، إنه واقع بأهله أولًا
وقبل كل شيء، وما یصیب غیرهم منه، لا
يخفف من آثاره السيئة الواقعة بهم، بل إنه
ليضاعف من إثمهم، ويضيف إلى جرمهم
جرمًا، وما يجب على المؤمنين في تلك
الحال هو أن يعزلوا أنفسهم عن تلك
المآثم، وأن يتقوا الخطر الذي قد يصيبهم
من مداناتها، وقيل: إن ذلك يقتضي إباحة
جلوس المؤمنين مع الكافرين، لأنهم شق
عليهم النهي عن ذلك إذ كانوا لا بد لهم
من مخالطتهم في طلب المعاش، وفي
الطواف بالبيت وغير ذلك، ثم نسخت بآية
النساء، وهي: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِنَبِ
أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا
نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِيِةٍ إِنَّكُ
إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِي
جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ [النساء: ١٤٠].
وقيل: إنها لا تقتضي إباحة القعود،
﴿وَلَكِنْ ذِكْرَىْ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾، فيه
أحدهما: أن المعنى: ليس على المؤمنين
حساب الكفار، ولكن عليهم تذكير لهم،
ووعظ، وإعراب ذكرى على هذا نصب على
المصدر وتقدیرہ یذکرونهم ذکری، أو رفع
على المبتدأ تقديره عليهم ذكرى، والضمير
في لعلهم عائد على الكفار، أي: یذکرونهم
رجاء أن يتقوا، أو عائد على المؤمنين، أي:
يذكرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوى
الله.
الوجه الثاني: أن المعنى: ليس نهي
المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أن
عليهم من حسابهم شيئًا، وإنما هو ذكرى
للمؤمنين.
وإعراب ذكرى على هذا خبر ابتداء
مضمر تقديره: ولكن نهيهم ذكرى، أو
مفعول من أجله تقدیرہ: إنما نهوا ذکری،
والضمير في (لعلهم) على هذا للمؤمنين لا
غير(١).
(١) انظر: التسهيل، ابن جزي ١ / ٢٦٤، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٨/٣، تفسير
المراغي ٧/ ١٦٠ .
www. modoee.com
٢٠٥
حرف الحاء
الإيمان بيوم الحساب وأثره
يظهر الإيمان بيوم الحساب، وأثره
الطيب على الفرد والمجتمع من خلال ما
يأتي:
أولًا: الإيمان بيوم الحساب:
الإيمان بيوم الحساب والجزاء ركن من
أركان الإيمان، يحاسب العبد على عمله،
ويجازى عليه، وقد دل على ذلك الكتاب،
والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ )
إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ٢)
﴾ [الغاشية: ٢٥-٢٦].
وقال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِاَلْحَسَنَةِ فَلَهُ
عَشْرُ أَمْثَالِهَاً وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىَ إِلَّا
[الأنعام: ١٦٠].
مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١)﴾
وقال جلّ وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ
لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسَّ شَيْئاً وَإِن كَانَ
مِثْقَالَ حَنَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا
حَسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن
الله یدني المؤمن منه يوم القيامة حتى يضع
کنفه علیه، فيستره من الناس، فيقول: أتعرف
ذنب کذا و کذا؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول:
أتعرف ذنب کذا و کذا؟ فيقول: نعم يا رب،
حتى إذا قرره بذنوبه وظن في نفسه أنه قد
استوجب، قال: قد سترتها عليك من الناس،
وإني أغفرها لك اليوم، ويعطى كتاب
حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فيقول
الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ
أَلَا لَقْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨])(١).
وقد أجمع المسلمون على إثبات
الحساب والجزاء على الأعمال، وهو
مقتضى الحكمة فإن الله تعالى انزل الكتب،
وأرسل الرسل، وفرض على العباد قبول ما
جاءوا به، والعمل بما يجب العمل به منه،
وأوجب قتال المعارضین له وأحل دماءهم،
وذریاتھم، ونساءهم، وأموالھم، فلو لم یکن
حساب، ولا جزاء لكان هذا من العبث الذي
ینزه الرب الحکیم عنه.
وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله(٢):
فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَلَنَّ
فَلَنَقُصَنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍَّ وَمَا كُنَا
٦
الْمُرْسَلِينَ.
غَايِينَ ﴾ [الأعراف: ٦ -٧].
فما يتكبر متكبر وهو يؤمن بيوم
الحساب، وهو يتصور موقفه يومئذ حاسرًا
خاشعًا خاضعًا ذليلًا، مجردًا من كل قوة.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىَ إِّ عُدْتُ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم
والغصب، باب قول الله تعالى: (ألا لعنة
اللّه على الظالمين)، ١٢٨/٣، رقم ٢٤٤١،
ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب قبول
توبة القاتل وإن كثر قتله، ٤ / ٢١٢٠، رقم
٢٧٦٨.
(٢) انظر: شرح الطحاوية، ابن أبي العزص ٤٠١،
شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين ص ١٠٠.
٢٠٦
ـُ الَّسَيَّ
القرآن الكْرِيْمِ
الحساب
بِرَقِ وَرَبِّكُمْ مِّنْ كُلِّ مُتَكٍَِّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمٍ ربي وربكم، وقوله: ﴿وَرَبِّكُمْ﴾، فيه
اَلْحِسَابِ ﴾ [غافر: ٢٧].
ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن
نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام،
قال لفرعون وملئه: إني استجرت أيها القوم
بربي وربكم، من كلّ متكبر عليه، تكبر
عن توحيده، والإقرار بألوهيته وطاعته، لا
يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه، فيجازي
المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء.
وإنما خص موسی صلوات الله وسلامه
عليه، الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم
الحساب، لأن من لم يؤمن بيوم الحساب
مصدقًا، لم يكن للثواب على الإحسان
راجيًا، ولا للعقاب على الإساءة، وقبيح
ما يأتي من الأفعال خائفًا، ولذلك كان
استجارته من هذا الصنف من الناس خاصة،
وما ذكره جل وعلا في آية المؤمن هذه، من
عیاذ موسی بالله من کل متکبر لا يؤمن بیوم
الحساب كفرعون وعتاة قومه، ذکر نحوه
في سورة الدخان في قوله تعالى عن موسى
مخاطبًا فرعون وقومه: ﴿وَإِّ عُذْتُبِرَقِ
وَرَبَّكُمْ أَنْ تَرْجُونِ ﴾ [الدخان: ٢٠](١).
قال الزمخشري: ((لما سمع موسى
عليه السلام بما أجراه فرعون من حديث
قتله: قال لقومه إنّ عذت بالله الذي هو
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٥/٢١، أضواء
البيان، الشنقيطي ٣٨٣/٦.
بعث لهم على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله
عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه،
وقال: ﴿مِّنْ كُلِّ مُتَكَبِرٍ﴾، لتشمل استعاذته
فرعون وغيره من الجبابرة، وليكون على
طريقة التعريض، فيكون أبلغ، وأراد بالتكبر:
الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح
استكبار وأدله على دناءة صاحبه ومهانة
نفسه، وعلى فرط ظلمه وعسفه، وقال:
﴿لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾، لأنه إذا اجتمع
في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة
المبالاة بالعاقبة، فقد استكمل أسباب
القسوة والجرأة على الله وعباده، ولم يترك
عظيمة إلا ارتكبها: وعذت ولذت: أخوان،
وقرئ: عتّ، بالإدغام))(٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٌّ إِّ
عُدْتُ بِرَتِ وَرَبِّكُمْ مِّنْ كُلِّ مُتَكٍَّ لَّا يُؤْمِنُ
بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: ٢٧].
هذا القول كان في مجلس فرعون،
وليس مع موسى أحد من قومه إلا أخوه
هارون، فالخطاب ليس لقومه، وإنما
لفرعون وقومه، والمعنى: إني أعددت العدة
لدفع بطش فرعون العوذ بالله من كل متكبر
لا يؤمن بيوم الحساب وفي مقدمة هؤلاء
المتکبرین فرعون، ومعنى ذلك: أن موسی
علم أنه سيجد مناوئین متکبرین یکرهون
(٢) الكشاف ٤/ ١٦١.
www. modoee.com
٢٠٧
حرف الحاء
ما أرسله الله به إليهم، فدعا ربه وعلم أن أسباب القسوة والجرأة على الناس(١).
الله ضمن له الحفظ وكفاه ضير كل معاند،
وذلك ما حكي في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبّناً
إِنَّنَا تَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْأَنْ يَطْغَى ﴾ قَالَ
لَا تََّافً إِنَّفِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾﴾
[طه: ٤٥ - ٤٦].
فأخبر موسی قومه بأن ربه حافظ له ليثقوا
بالله، وتأکید الخبر بحرف (إن) متوجه إلی
لازم الخبر وهو أن الله ضمن له السلامة
وأكد ذلك لتنزيل بعض قومه أو جلهم منزلة
من يتردد في ذلك لما رأى من إشفاقهم
عليه، والعوذ: الالتجاء إلى المحل الذي
یستعصم به العائذ فيدفع عنه من يروم ضره،
يقال: عاذ بالجبل، وعاذ بالجيش، وقال
تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ ◌ِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾
[النحل: ٩٨].
وعبر عن الجلالة بصفة الرب مضافًا إلى
ضمير المتكلم؛ لأن في صفة الرب إيماء
إلى توجيه العوذ به؛ لأن العبد يعوذ بمولاه،
وزيادة وصفه برب المخاطبين للإيماء إلى
أن عليهم أن لا يجزعوا من مناوأة فرعون
لهم، وأن عليهم أن يعوذوا بالله من كل
ما يفظعهم، وجعلت صفة لا يؤمن بيوم
الحساب مغنية عن صفة الكفر أو الإشراك؛
لأنها تتضمن الإشراك وزيادة، لأنه إذا
اجتمع في المرء التجبر والتكذيب بالجزاء
قلت مبالاته بعواقب أعماله فكملت فيه
قال سيد قطب: «قالها، واطمأن، وسلّم
أمره إلى المستعلي على كل متكبر، القاهر
لكل متجبر، القادر على حماية العائذين به
من المستكبرين، وأشار إلى وحدانية الله
ريه وربهم لم ينسها أو يتركها أمام التهديد
والوعيد، كما أشار إلى عدم الإيمان بيوم
الحساب، فما یتکبر متکبر وهو يؤمن بيوم
الحساب، وهو يتصور موقفه يومئذ حاسرًا
خاشعًا خاضعًا ذليلا، مجردًا من کل قوة، ما
له من حميم ولا شفيع يطاع»(٢).
ثانيًا: أثر الإيمان بيوم الحساب:
من آثار الإيمان بيوم الحساب ما يأتي:
١. أن الإيمان بيوم الحساب ينمي
الضمير الداخلي الذي يراقب الإنسان
مراقبة يقظة قبل صدور أي عمل نفسي أو
سلوكي، ویحاسبه محاسبة دقيقة بعد صدور
أي عمل منه، فالمؤمن بالله وبيوم الحساب
وما فيه من ثواب وعقاب يدفعه إيمانه إلى
مراقبة الله في جميع أعماله مراقبة دقيقة
تجعله دائم الحذر من الوقوع فيما يغضب
الله جل جلاله، فيستوجب عقابه، وتحمله
دومًا على اتباع مرضاة الله سبحانه عله ينال
ثوابه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا﴾
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٦/٢٤.
(٢) في ظلال القرآن ٣٠٧٨/٥.
٢٠٨
القرآن الكريم
الحساب
[النساء: ٦]، أي: كافيًا للمخاوف، أو محاسبًا عال رفيع ذي ثمار دانية القطوف، يأخذها
على الكبار والصغائر من أفعال القلب المرء كما يريد، إن أحب أن يأخذها بيده
والجوارح، فلا ينبغي أن يخشى غيره، انقادت له، وهو قائم وجالس أو مضطجع،
والإظهار في مقام الإضمار لما في هذا وإن أحب أن تدنو إلى فيه دنت له.
الاسم الجليل ما ليس في الضمير (١).
٢. أن الإيمان بيوم الحساب ظاهرة في
سلامة كتاب المؤمن من السيئات، وسبب
سعادته.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِىَ كِنَبَهُ بِهِ،
[الحاقة: ١٩]،
فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُوَأْكِتَبِيَة (١)
أي: فأما من أعطى كتابه بيمينه فيقول: تعالوا
اقرءوا کتابي فرحًا به، لأنه لما أوتیه بالیمین
علم أنه من الناجين الفائزين بالنعيم، فأحب
أن يظهره لغيره حتی یفر حوا بما نال.
ثم ذكر العلة في حسن حاله فقال
سبحانه: ﴿إِّ ظَنَنْتُ أَنِّ مُكَقٍ حِسَاَِة )﴾
[الحاقة: ٢٠]، أي: إني فرح مسرور؛ لأني
علمت أن ربى سيحاسبني حسابًا يسيرًا،
وقد حاسبني کذلك، فالله عند ظن عبده به.
ثم بيّن عاقبة أمره فقال جلّ وعلا: ﴿فَهُوَ
فِي عِيشَةٍ رَّضِيَةٍ ﴾ [الحاقة: ٢١]، أي: فهو
يعيش عيشة مرضية خالية مما يكدر مع
دوامها وما فيها من إجلال وتعظيم.
ثم فصل ذلك فقال عز من قائل: ﴿فی
٢٢
قُطُوفُهَا دَاِيَّةٌ ﴾
جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
[الحاقة: ٢٢-٢٣]، أي: فهو يعيش في بستان
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٠٧/١١.
ثم يقول لهم تعالى: ﴿كُواْ وَأَثْرَبُواْ هَنِيَابِمَآً
أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾ [الحاقة: ٢٤]،
أي: ویقول لهم ربهم جل ثناؤه: کلوا یا
معشر من رضيت عنه فأدخلته جنتي من
ثمارها وطيب ما فيها من الأطعمة، واشربوا
من أشربتھا، أکلا وشربًا هنيئًا لا تتأذون بما
تأكلون وما تشربون جزاء من الله، وثوابًا
على ما قدمتم في دنياكم لآخرتكم من
العمل بطاعتي (٢).
٣. أن الإيمان باليوم الآخر هو المنطلق
لكل خير والمانع لكل شر، والإيمان بالبعث
هو منطلق جميع الأعمال الصالحة؛ لأنه
يؤمن أن هناك يومًا آخر یجازی فیه الإنسان
المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
قال تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُواْ لِقَاءَ رَیِّهِ.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِِّ أَحَدَأَ﴾
[الكهف: ١١٠].
﴿يُوقُونَ بِالنَّذْرِ وَيَافُونَ يَوْمًا
وقال سبحانه:
وَيُطْعِمُونَ اَلَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ.
كَانَ شَرُهُ مُسْتَطِيرً اوَ
مِسْكِينًا وَبَنِيمًا وَأَسِيرًا ، إِنَّا نُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِلَا نُرِيدُ
(١) إِنَّا تَخَافُ مِن رَّيِّنَا يَوَمَا عَبُوسًا
مِنْكَزْ جَزْلَهُ وَلَا شَكُورًا
(٢) انظر: تفسير المراغي ٥٦/٢٩، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٢٩/ ١٣٢.
www. modoee.com
٢٠٩
حرف الحاء
قَطَرِيرًا
فَوَقَّهُمُ الَهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوَمِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً
١٠
وَسُرُورًا (١١﴾ [الإنسان: ٧ - ١١] (١).
٤. والإيمان باليوم الآخر من ثماره أنه
يغرس في النفوس الوفاء بالعهد والميثاق،
وصلة الأرحام والجيران والفقراء، ومحبة
الخير، والحرص على إسداء المعروف
وينفرها من اقتراف الشرور وارتكاب الآثام،
فالحلم والأناة، والتضحية، والصبر على
الشدائد، والسمو بالنفس عن الدناءات، كل
ذلك يتجلى به المؤمن؛ لأنه ينتظر جزاءه
عند الله، لا عند المجتمع ولا عند الناس،
ويوم الجزاء آت لا ريب فيه، في موعده
الذي قدره الله له، لا يتزحزح، لذلك فإن
أخلاق المؤمن ثابتة لا يزعزعها شيء من
أعراض الحياة الزائلة.
قال تعالى: ﴿﴿ أَفَّنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن
زَيِّكَ اُّْ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ إِنّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ
١٩
الَّذِينَ يُوقُّونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهَ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ
وَالَّذِينَ صَبَرُواْ
٢١
رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوْءَ اَلِْسَابٍ لا
أَبْتِغَاءُ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا
رَزَقْنَهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَّةِ السَّيِّئَةَ
أُوْلَكَ لَهُمْ عُقْبىَ الدَّارِ ﴾ [الرعد: ١٩-٢٢].
فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا(٢).
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٧١/٨.
(٢) انظر: بيان المعاني، عبد القادر العاني ٦/ ٤٥،
التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٦١/١.
٥. كما أن الإيمان بهذا اليوم يحمل
على الثبات عند لقاء الأعداد والصبر على
الشدائد؛ كما قال تعالى في قصة طالوت
وجنوده حينما لقوا عدوهم الذي يفوقهم
في الكثير بعد ما جاوزوا نهر الامتحان ولم
ينجح منهم إلا القليل.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ, هُوَ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ، قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ
بِجَالُوتَ وَجُنُودِهٍّ، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ
أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ كَمْ مِن فِتَةٍ قَلِيلَةٍ
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
الصَّبِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩](٣).
موضوعات ذات صلة:
الثواب، الجزاء، الجنة، النار، اليوم الآخر
(٣) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، صالح
الفوزان ص ٢٥٤.
٢١٠
مَوَسُوبَةُ التَّشيد
الْقُرآن الكَرِيْمِ