Indexed OCR Text

Pages 1-20

صَوْو ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الحُسَامُ
عناصر الموضوع
مفهوم الحساب
١٨٠
الحساب في الاستعمال القرآني
١٨١
الألفاظ ذات الصلة
١٨٣
الحساب في حق الله سبحانه وتعالى
١٨٤
أنواع الحساب
١٩٢
أوصاف الحساب
١٩٦
٢٠٠
المحاسب عليه
٢٠٦
الإيمان بيوم الحساب وأثره
المجلد الثانىعشر

حرف الحاء
مفهوم الحساب
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «(حسب) الحاء والسين والباء أصول أربعة:
فالأول: العد، تقول: حسبت الشيء أحسبه حسبًا وحسبانًا، قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ [الرحمن: ٥].
والأصل الثاني: الكفاية، تقول شيء حساب، أي: كافٍ.
والأصل الثالث: الحسبان، وهي جمع حسبانة، وهي الوسادة الصغيرة، وقد حسبت
الرجل أحسبه، إذا أجلسته عليها ووسدته إياها.
والأصل الرابع: الأحسب الذي ابيضت جلدته من داء ففسدت شعرته، كأنه أبرص))(١).
والحساب في اللغة مأخوذ من قولهم: حسبك كذا، أي: كفاك، فسمي الحساب في
المعاملات حسابًا؛ لأنه يعلم به ما فيه كفاية، وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان،
.(٢).
والحسبان الظن (٢
.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المراد بالحساب هنا: المؤاخذة والمجازاة، فالحساب: ما يحاسب عليه فيجازى
بحسبه (٣).
والمعنى الاصطلاحي مرتبط بمعنى الحساب في اللغة، فالجزاء على الفعل بما يناسب
شدته من شديد العقاب، تشبيهًا لتقدير الجزاء بإجراء الحساب بين المتعاملين، وهو الحساب
في الدنيا (٤).
(١) مقاييس اللغة ٢/ ٥٩.
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢/ ٨٧، الصحاح، الجوهري ١/ ١١٠، تاج العروس، الزبيدي
٢٦٨/٢.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٣٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢/ ٤٦٠.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٤/٢٨.
١٨٠
مُوسُو ◌َة النشـ
القرآن الكريم

الحساب
الحساب في الاستعمال القرآني
وردت مادة (حسب) في القرآن (١٠٩) مرات، يخص موضوع الحساب منها (٤٧)
مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
﴿فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا ﴾ [الطلاق: ٨]
الفعل المضارع
٢
﴿وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ
اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٨٤]
المصدر
٤٢
﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَسِْكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [ص: ٣٩]
﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا
اسم الفاعل
٢
٤٠) ﴾ [الكهف: ٤٠]
وجاء الحساب في الاستعمال القرآني على عدة أوجه(٢):
الأول: العدد: مثل قوله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اَلِسِنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢]، يعني:
عدد الأيام والشهور.
الثاني: الكثير: مثل قوله تعالى: ﴿جَزَّآءُ مِّن رَّيِّكَ عَطَآءَ حِسَابًا ﴾ [النبأ: ٣٦]، يعني: کثیرًا،
بواحد عشرًا.
الثالث: المحاسبة، والعرض: مثل قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾
[الانشقاق: ٨]، وهو: العرض للحساب.
الرابع: التقتير: مثل قوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]، يعني: بلا فوت
ولا تقتير.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٢٠٠-٢٠١.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص ١٨٦ - ١٨٧، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١٧٠ -
١٧١، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٢٥٠- ٢٥١، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص
١٨٩ - ١٩٠.
www. modoee.com
١٨١

حرف الحاء
الخامس: الجزاء: مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلََّ عَلَى رَبِ لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾﴾ [الشعراء: ١١٣]،
أي: ما جزاؤهم.
السادس: العذاب: مثل قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا
[الكهف: ٤٠]، أي: عذابًا من السماء.
١٨٢
صَوَ هُود
القرآن الكريم

الحساب
الألفاظ ذات الصلة
١
الجزاء:
الجزاء لغة:
المكافأة على الشيء(١).
الجزاء اصطلاحًا:
هو الغناء والكفاية والمكافأة بالشيء وما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرًا فخير وإن
شرًّا فشر، ومنه قوله تعالى: ﴿لََّ يَجْزِى وَالِدُّ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾
[لقمان: ٣٣] (٢).
الصلة بين الحساب والجزاء:
أن كلَّا منهما يقال في المجازاة على الخير والشر.
الثواب:
٢
الثواب لغةً:
الثواب اسم للمصدر؛ ومصدر الثلاثي ثوبًا وثوبانًا، ومصدر الرباعي إثابة، وفعل الثواب
ثلاثي أجوف معتل العين، ولفظ الثواب في اللغة جاء على عدة معانٍ أبرزها: العود والرجوع،
والاجتماع، والجزاء (٣).
الثواب اصطلاحًا:
هو الجزاء كيف ما كان من الخير والشر، إلا أن استعماله في الخير أكثر (٤).
الصلة بين الحساب والثواب:
أن كلَّ منهما يقال في المجازاة على الخير والشر، إلا أن استعمال الثواب في الخير أکثر.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤٣/١٤، الكليات، الكفوي ص ٣٥٦، تاج العروس، الزبيدي
٣٥١/٣٧.
(٢) انظر: المفردات، الراغب ص ١٩٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢/ ٣٨٠.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٩٣/١، مختار الصحاح، الرازي ص ٩٠، لسان العرب، ابن منظور
٢٤٣/١.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٨٠.
www. modoee.com
١٨٣

حرف الحاء
الحساب في حق الله سبحانه وتعالى
يظهر الحساب في حق الله تعالى من
خلال الفقرات الآتية:
أولًا: اسم الله الحسيب:
يوصف الله عزّ وجلّ بأنه الحسيب.
قال تعالى: ﴿وَأَبْلُواْلْيَنَ حَّى إِذَا بَلَغُواْ
النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشِّدًا فَأَدْفَعُواْإِلَيْهِمْ أَمْوَهُمّ
وَلَا تَأْكُلُهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا
فَلْيَسْتَعْفِفٌّْ وَمَن كَانَ فَقِيَرًا فَلْيَأْكُلٌ بِالْمَعْرُوفِ،
فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَتْهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِللهِ
حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٦].
﴿الَّذِينَ يُعَلِّغُونَ
وقال جلّ وعلا:
رِسَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهُ
وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: ٣٩].
بينت الآيات أن الله تعالى هو الحسيب
الكافي الذي يخلق ما يكفي العباد في
مصالحهم ومهماتهم.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اَللَّهُ وَمَنِ
أَتَبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ (١﴾ [الأنفال: ٦٤].
أي: كافيك وكافي أتباعك، فكفاية الله
لعبده بحسب ما قام به في متابعة الرسول
ظاهرًا وباطنًا، وقيامه بعبودية الله تعالى،
والحسيب بمعنى الرقيب المحاسب لعباده
المتولي جزاءهم بالعدل، وبالفضل.
وقيل: المحاسب بإخباره المكلفين بما
فعلوا من خير وشر، والحسيب أيضًا: هو
الذي يحفظ أعمال عباده من خير، وشر،
ويحاسبهم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر(١).
وفي الآيات وعيد لولي اليتيم وإعلام له
أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا
ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل، ويقوم
بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل إليه
ماله، وهذا المقصود حاصل، سواء فسرنا
الحسيب بالمحاسب أو بالكافي (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّينُمْ بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٨٦].
المقصود منه الوعيد، فإن الرجل في
الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما
يقاربها فيسلم عليه، فقد لا يلتفت إلى سلامه
عليه ويقتله، وربما ظهر أنه كان مسلمًا،
فمنح الله المؤمنین عنه وأمرهم أن کل من
يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام
يقابلونه بمثل ذلك الإكرام أو أزيد، فإنه إن
کان کافرًا لا یضر المسلم أن قابل إکرام ذلك
الكافر بنوع من الإكرام، أما إن كان مسلمًا
وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد، ولذلك
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾
[النساء: ٨٦].
أي: هو محاسبکم علی أعمالكم وکافٍ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٩١/٨،
الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
١٤٠٧/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ١٦٦/١٠.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٥٠١.
١٨٤
مَوَسُو ◌َرَا
القرآن الكريم

الحساب
في إيصال جزاء أعمالكم إليكم فكونوا على يَعْلَمُهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَاَللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍقَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: ٢٩].
حذر من مخالفة هذا التكليف، وهذا يدل
على شدة العناية بحفظ الدماء والمنع من
إهدارها (١)
وقال سبحانه: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ
السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه: ٧].
قال محمد رشيد رضا: ((قال الأستاذ
الإمام: المعنى أنه رقيب عليكم في مراعاة
هذه الصلة بینکم بالتحية، وفيه تأکید لأمر
هذه الصلة بين الناس، وأقول: إن فيها أيضًا
إشعارًا بحظر ترك إجابة من يسلم علينا
ویحیینا وأنه تعالی یحاسبنا على ذلك»(٢).
ثانيًا: شمول الحساب للسر والعلن:
ذكر القرآن الكريم شمول الحساب للسر
والعلن.
قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْقُّوهُ
يُحَاسِبِّكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِّرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ
مَن يَشَآءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ
TAL
[البقرة: ٢٨٤].
يخبر تعالى في هذه الآية أن له ملك
السماوات والأرض وما فیھن وما بينهن،
وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه
الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت
وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على
ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال
تعالى: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْتُبُدُوهُ
(١) انظر: المصدر السابق ١٠ / ١٦١.
(٢) المنار، محمد رشید ٢٥٨/٥.
ولما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على
الصحابة، رضي الله عنهم، وخافوا منها،
ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال
وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم،
وإبداء ما في النفس: إظهاره، وهو إعلانه
بالقول، فيما سبيله القول، وبالعمل فيما
يترتب عليه عمل وإخفاؤه بخلاف ذلك،
وعطف أو تخفوه للترقي في الحساب
عليه، فقد جاء على مقتضى الظاهر في
عطف الأقوى على الأضعف، وفي الغرض
المسوق له الكلام في سياق الإثبات، وما
في النفي يعم الخير والشر، وقد أجمل الله
تعالى هنا الأحوال المغفورة وغير المغفورة:
ليكون المؤمنون بين الخوف والرجاء، فلا
يقصروا في اتباع الخيرات النفيسة والعملية،
إلا أنه أثبت غفرانًا وتعذيبًا بوجه الإجمال
على كل مما نبديه وما نخفيه، وهذه الآية
منسوخة بالنص، وذلك ما جاء من حديث
ابن عمر رضي الله عنه: ((أنها قد نسخت:
﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ﴾
[البقرة: ٢٨٤])(٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في
أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله)، ٣٣/٦،
www. modoee.com
١٨٥

حرف الحاء
وجاء من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه قال: (لما نزلت على رسول الله صلی
الله عليه وسلم، ﴿اللّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى
الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ
مَن يَشَدَّةُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[البقرة: ٢٨٤].
قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله
صلی الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب،
فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما
نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة،
وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (أتريدون
أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم
سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا
غفرانك ربنا وإليك المصير)، قالوا: سمعنا
وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما
اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله
في إثرها: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن
رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُهِ.
وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيُ
[البقرة: ٢٨٥].
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل
الله عز وجلّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَاً لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا
تُؤَاخِذْنَآ إِن قَسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]
(قال: نعم).
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاْ إِصْرًا كَمَا
حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]
(قال: نعم).
﴿رَنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾
[البقرة: ٢٨٦] (قال: نعم).
﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَأْ أَنْتَ
مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾
[البقرة: ٢٨٦] (قال: نعم)(١).
ويرى بعض العلماء أن الآية محكمة
والجمع بينها وبين قوله صلى الله عليه
وسلم: (من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له
حسنة)(٢).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله
تجاوز لأمتي عما حدثتها به أنفسها)(٣).
أن ما يخطر في النفس إن كان مجرد
خاطر وتردد من غير عزم فلا خلاف في عدم
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في
أنفسكم أو تخفوه)، ١١٥/١، رقم ١٢٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب من هم بحسنة أو بسيئة، ١٠٣/٨، رقم
٦٤٩١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة
لم تكتب، ١ / ١١٨، رقم ١٣١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان
والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان،
٨/ ١٣٥، رقم ٦٦٦٤.
رقم ٤٥٤٥.
١٨٦
القرآن الكريم

الحساب
المؤاخذة به، إذ لا طاقة للمكلف بصر فه عنه،
وهو مورد حديث التجاوز للأمة عما حدثت
به أنفسها، وإن کان قد جاش في النفس عزم،
فإما أن يكون من الخواطر التي تترتب عليها
أفعال بدنية أو لا، فإن كان من الخواطر التي
لا تترتب عليها أفعال: مثل الإيمان، والكفر،
والحسد، فلا خلاف في المؤاخذة به؛ لأن
مما يدخل في طوق المكلف أن يصرفه عن
نفسه، وإن كان من الخواطر التي تترتب
عليها آثار في الخارج، فإن حصلت الآثار
فقد خرج من أحوال الخواطر إلى الأفعال
كمن يعزم على السرقة فيسرق، وإن عزم
عليه ورجع عن فعله اختيارًا لغير مانع منعه،
فلا خلاف في عدم المؤاخذة به وهو مورد
حديث (من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له
حسنة)(١).
وإن رجع لمانع قهره على الرجوع ففي
المؤاخذة به قولان، أي إن قوله تعالى:
﴿يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ﴾، محمول على معنى
يجازيكم وأنه مجمل تبينه موارد الثواب
والعقاب في أدلة شرعية كثيرة، وإن من
سمی ذلك نسخًا من السلف فإنما جرى على
تسمية سبقت ضبط المصطلحات الأصولية
فأطلق النسخ على معنى البيان وذلك كثير
في عبارات المتقدمين وهذه الأحاديث، وما
دلت عليه دلائل قواعد الشريعة، هي البيان
لمن يشاء في قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾(٢).
ثالثًا: الله أسرع الحاسبين:
ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى أسرع
الحاسبين.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوَاْ إِلَى اَللَّهِ مَوْلَئُهُمُ
الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ لْحَسِينَ
[الأنعام: ٦٢].
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ
وقال سبحانه:
بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ أَلْيَوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
اَلْحِسَابِ ﴾ [غافر: ١٧].
بينت الآيات أن الله تعالى يحاسب عباده
يوم القيامة ويسألهم عن أعمالهم، وهل
يحاسب العباد إلا الذي خلقهم وتعبدهم
وأحصى أعمالهم وحفظها عليهم حتى
يسألهم عنها، فيغفر لمن يشاء ويعذب من
يشاء وهو العلي القدير، وسرعة حسابه أنه
يحاسب العباد كلهم في أسرع زمن وأقصره،
لا یشغله حساب أحد عن حساب غیره، ولا
يشغله شأن عن شأن.
وقوله عز وجل: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ
الْحَقِّ﴾، يعني: ثم رد العباد بالموت إلى الله
في الآخرة، وإنما قال سبحانه: ﴿مَوْلَهُمُ
الْحَقِّ﴾، لأنهم كانوا في الدنيا تحت أيدي
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/ ٣٦٠،
مدارك التنزيل، النسفي ٢٣١/١، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٧٢٨/١.
(١) سبق تخريجه.
www. modoee.com
١٨٧

حرف الحاء
موال بالباطل، والله مولاهم وسيدهم ولا روية، فعل العجزة الضّعفة من الخلق،
ومالكهم بالحق، ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾، يعني لا ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا
حكم إلا له، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِينَ ﴾، يعني
أنه تعالى أسرع من حسب؛ لأنه لا يحتاج
إلى فكر وروية وعقد يد فيحاسب خلقه
بنفسه لا یشغله حساب بعضهم عن بعض،
واختلفوا في كيفية هذا الحساب، فقيل: إنه
تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدةً لا
يشغله كلام عن كلام.
وقيل: بل يأمر الله الملائكة أن يحاسب
كلّ واحدٍ منهم واحدًا من العباد؛ لأنه تعالی
لو حاسب الكفّار بنفسه لتكلّم معهم، وذلك
باطلٌ؛ لقوله تعالى في صفة الكفّارِ: ﴿وَلَا
يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤].
وقد سمى الله تعالى اليوم الآخر الساعة،
فقال سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن
كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١﴾ [الفرقان: ١١].
أي: القيامة والحشر والنشر، والساعة
جزء من أجزاء الزمان ويعبر بها عن القيامة
تشبيهًا بذلك لسرعة حسابه، كما قال تعالى:
﴿كَتَهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَنُواْ إِلََّّ سَاعَةٌ
﴾ [الأحقاف: ٣٥](١).
مِّن نَّهَارِ﴾
وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة
الحساب، لأنه جل ذكره يحصي ما یحصی
من أعمال عباده بغیر عقد أصابع، ولا فکرٍ
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٢٠/٢، اللباب
في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي ١٩٩/٨.
في السماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة فیهما،
ثم هو مجازٍ عباده على كل ذلك، فلذلك
امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب،
وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمثل، فيحتاج في
حسابه إلى عقد كف أو وعي صدر، ولذكر
السرعة هنا وقعه في القلب البشري، فهو
ليس متروكًا ولو إلى مهلة في الحساب!
وتصور المسلم للأمر على هذا النحو الذي
توحي به أصول عقيدته في الحياة والموت
والبعث والحساب، کفیل بأن ینزع كل تردد
في إفراد الله سبحانه بالحكم- في هذه
الأرض- في أمر العباد، وفي هذه الآيات
إظهار قدرة الله تعالى بسرعة الحساب ليدلّ
علی کمال قدرته ووجوب الحذر منه(٢).
وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَّهُ اَْكْمُ وَهُوَ أَشْرَعُ
اَْسِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].
جملة تذييل ولذلك ابتدئ بأداة
الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر،
وقدم المجرور في قوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾،
للاختصاص، أي له لا لغيره، وهذا يتضمن
وعدًا ووعيدًا؛ لأنه لما أتى بحرف المهلة في
الجمل المتقدمة وكان المخاطبون فريقين:
فريق صالح وفريق كافر، وذكر أنهم إليه
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٧/٤،
الكشاف، الزمخشري ٤ /١٥٧، الهداية إلى
بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٢٠٥٢/٣.
١٨٨
القرآن الكريم

الحساب
يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة، مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله، ﴿وَكَفَى
بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦].
فالصالحون لا يحبون المهلة والكافرون
بعكس حالهم، فعجلت المسرة للصالحين
والمساءة للمشركين بقوله تعالى:
هُوَ
أَسْرَعُ الْخَسِينَ﴾(١).
رابعًا: الله هو المحاسب لعباده:
ذکر القرآن الکریم أن الله تعالی هو الذي
يحاسب عباده.
قال تعالى: ﴿وَأَبْثَلُواْ الْيَتَ حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ
النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمُ مِنْهُمْ رُشِّدًا فَادْفَعُواْإِلَيْهِمْ أَمْوَمَّ
وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُرُواْ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا
فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ فَقِيَرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ
فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَتْهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ
حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٦].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُلْغُونَ رِسَلَتِ
اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ وَكَفَى بِاللَّهِ
حَسِيبًا (٣٠)
[الأحزاب: ٣٩].
بينت الآيات أن الله تعالى هو وحده
الذي يحاسب الخلائق يوم القيامة وأنه
سبحانه شهيدٌ على كل ما يفعله الإنسان
وكفى به شهيدًا، وأنه لا شاهد أفضل من
الله، وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا
على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال
تسليمهم للأموال، هل هي كاملة موفرة،
أو منقوصة مبخوسة مدخلة مروج حسابها
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٩/٧.
أي: شهيدًا.
وقيل: إن المعنى: أنه لا شاهد أفضل من
الله تعالى فيما بينكم وبينهم.
وقيل: إن المعنی: و کفی به تعالی محاسبًا
لكم، فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تجاوزوا ما
حدّ لكم.
ولا يخفى موقع المحاسب هنا؛ لأن
الوصي يحاسب على ما في يده، وفي فاعل
کفی و جهان:
أحدهما: أنه الاسم الجليل، والباء زائدة
دخلت لتدل على معنى الأمر، فالتقدير
اکتفوا بالله تعالى.
والثاني: أن الفاعل مضمر والتقدير كفى
الاكتفاء بالله تعالى، فبالله على هذا في
موضع نصب على أنه مفعول به، وحسیبًا
حال.
وقيل: تمييز، وكفى متعدية إلى مفعول
واحد، والتقدیر و کفاکم الله حسیبًا، وإلى
مفعولین، والتقدير: ومثل اليتيم في النهي
غيره، فكل ذي ولاية أو أمانة على مال يجب
أن يعلم أن الله تعالى رقيب وشهيد ومطلع
عليه.
ومن بليغ إيجاز القرآن في بيانه أنه
يذكر الشيء ليدل به على تأثيره، أو الذي
هو أحرى بالحكم منه، أو لكون امتثال
www. modoee.com
١٨٩

حرف الحاء
الحكم الشرعي فيه داعيًا إلى امتثاله في غيره تفسير هذه الآيات، فلا تسلك في معنى الآية
مسلگا یفضي بك إلى توهم أن النبي صلى
الله عليه وسلم حصلت منه خشية الناس
وأن الله عرض به في قوله: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ
أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾، تصريحًا بعد أن عرض به
تلميحًا في قوله تعالى: ﴿وَخْشَى النَّاسَ﴾
[الأحزاب: ٣٧].
بالمساواة، فليعلم هذا عند كل ذي ولاية
وليتقي الله تعالى في ولايته وأمانته، ولهذا
ثبت أن رسول الله صلی الله عليه وسلم
قال: (يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أُحب
لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا
تولين مال يتيم)(١).
وفي الآية وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه
تعالی یعلم باطنه کما یعلم ظاهره لئلا ينوي
أو يعمل في ماله ما لا يحل، ويقوم بالأمانة
التامة في ذلك إلی أن يصل إليه ماله، وهذا
المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب
بالمحاسب أو بالكافي(٢).
وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُلِّغُونَ رِسَلَتِ
اَللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ وَكَفَى بِاللَّهِ
حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: ٣٩].
بینت الآية أن الأنبياء يبلغون رسالات
الله تعالى إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها،
﴿وَخْشَوْنَهُ﴾، أي: يخافونه ولا يخافون
أحدًا سواه فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ
رسالات الله، وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ
حَسِيبًا﴾، أي: الله حسيب الأنبياء ومعينهم
وناصرهم لا غيره، هذا هو الوجه في سياق
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، ٣/ ١٤٥٧،
رقم ١٨٢٦.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٥٠١، تفسیر
القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٩/٢.
بل النبي عليه الصلاة والسلام لم يكترث
بهم وأقدم على تزوج زينب، فكل ذلك
قبل نزول هذه الآيات التي ما نزلت إلا بعد
تزوج زينب كما هو صريح قوله سبحانه:
﴿فَلَمَّا قَضَىْ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّحْتَكَهَا ﴾
[الأحزاب: ٣٧]، ولم يتأخر إلى نزول هذه
الآية(٣).
قال الألوسي: عند تفسير قوله تعالى:
﴿وَكَفَى ◌ِاَللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] ((أي:
كافيًا للمخاوف، أو محاسبًا على الكبائر
والصغائر من أفعال القلب والجوارح فلا
ينبغي أن يخشى غيره، والإظهار في مقام
الإضمار لما في هذا الاسم الجليل ما ليس
في الضمير، واستدل بالآية على عدم جواز
التقية على الأنبياء عليهم السّلام مطلقًا،
وخص ذلك بعض الشيعة في تبليغ الرسالة
وجعلوا ما وقع منه صلى الله عليه وسلم في
هذه القصة المشار إليه بقوله تعالى:
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/
٤٢٧، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/
٤٣.
مُوسُو ◌َرَ النَفيِ الوضوي
القرآن الكريم
١٩٠

الحساب
النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. اختلافًا يجر إلى تكفير أصحاب أحد
المذهبين أصحاب المذهب الآخر كأهل
السنّة والشيعة.
بناء على أن الخشية فيه بمعنى الخوف
لا على أن المراد الاستحياء من قول الناس
تزوج زوجة ابنه كما قاله ابن فورك من التقية
الجائزة حيث لم تكن في تبليغ الرسالة،
ولا فرق عندهم بين خوف المقالة القبيحة
وإِساءة الظن وبين خوف المضار في أن
كلَّا يبيح التقية فيما لا يتعلق بالتبليغ، ولهم
في التقية كلام طويل وهي لأغراضهم ظل
ظليل، والمتتبع لكتب الفرق يعرف أن قد
وقع فيها إفراط وتفريط وصواب وتخليط
وإن أهل السنّة والجماعة قد سلكوا فيها
الطريق الوسط وهو الطريق الأسلم الأمين
سالكه من الخطأ والغلط، أما الإفراط
فللشيعة حيث جوزوا بل أوجبوا على ما
حكي عنهم إظهار الكفر لأدنى مخافة أو
طمع، وأما التفريط فللخوارج والزيدية
حيث لا يجوزون في مقابلة الدين مراعاة
العرض وحفظ النفس والمال أصلًا،
وللخوارج تشديدات عجيبة في هذا الباب،
ومذهب أهل السنّة أن التقية وهي محافظة
النفس أو العرض أو المال من نحو الأعداء
بإظهار محظور ديني مشروعة في الجملة.
وقسموا العدو إلى قسمين:
الأول: من كانت عداوته مبنية على
اختلاف الدين كالمسلم والكافر ويلحق
به من كانت عداوته لاختلاف المذهب
والثاني: من كانت عداوته مبنية على
أغراض دنيوية كالمال والمرأة.
وعلى هذا تكون التقية أيضًا قسمين:
أما الأول: فالتقية ممن كانت عداوته
مبنية على اختلاف الدين حقيقة أو حكمًا،
وقد ذكروا في ذلك أن من يدعي الإيمان
إذا وقع في محل لا یمکن أن یظهر دينه وما
هو عليه لتعرض المخالفين وجب عليه أن
یهاجر إلى محل یقدر فیه علی الإظهار، ولا
يجوز له أن یسکن هنالك ویکتم دينه بعذر
الاستضعاف، فأرض الله تعالى واسعة.
نعم إن كان له عذر غير ذلك؛ كالعمى
والحبس وتخويف المخالف له بقتله أو قتل
ولده أو أبيه أو أمه على أي وجه كان القتل
تخويفًا یظن معه وقوع ما خُوِّف به، جاز له
السكنى والموافقة بقدر الضرورة، ووجب
عليه السعي في الحيلة للخروج، وإن لم
یکن التخویف کذلك؛ کالتخويف بفوات
المنفعة، أو بلحوق المشقة التي يمكنه
تحملها؛ كالحبس مع القوت والضرب
القليل غير المهلك، لا يجوز له الموافقة
وإن ترتب على ذلك موته كان شهيدًا.
وأما الثاني: فالتقية ممن كانت عداوته
مبنية على أغراض دنيوية، وقد اختلف
www. modoee.com
١٩١

حرف الحاء
العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه، فقال
بعضهم: تجب الهجرة لوجوب حفظ المال
والعرض، وقال جمع: لا تجب إذ الهجرة
عن ذلك المقام مصلحة من المصالح
الدنيوية ولا يعود بتركها نقصان فى الدين إذ
العدو المؤمن كيفما كان لا يتعرض لعدوه
الضعيف المؤمن مثله بالسوء من حيث هو
مؤمن»(١).
أنواع الحساب
ذكر القرآن الكريم أنواع الحساب في
الدنيا والآخرة ونوضح ذلك في المطلبين
الآتيين:
أولًا: الحساب في الدنيا:
أخبر القرآن الكريم عن الحساب في
الدنیا.
قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنِ مِنْ قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَتْيِ
رَبِهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا عَذَابًا
تُكْرَّ ، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْيِهَا وَكَانَ عَنِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا
﴾ [الطلاق: ٨-٩].
بينت الآية أن كثيرًا من أهل القرى خالفوا
أمر ربهم، فكذبوا الرسل الذين أرسلوا إليهم
ولُّوا في طغيانهم يعمهون، فحاسبهم الله
تعالى حسابًا عسيرًا،
ین
﴾: بمعنى
(كم)) الخبرية التي تفيد التكثير، أي: وكم
من القرى التي عتت عن أمر ربها ورسله،
فحاسبها الله حسابًا شديدًا، وعذبها عذابًا
نكرًا؟ والمقصود من إفادة التكثير هنا
تحقيق أن العذاب الذي نال أهل تلك القرى
شيء ملازم لجزائهم على عتوهم عن أمر
ربهم ورسله، فلا یتوهم متوهم أن ذلك
مصادفة في بعض القرى وأنها غير مطردة
في جميعهم، والمراد بالقرية: أهلها، وإنما
أوثر لفظ القرية هنا دون الأمة ونحوها؛ لأن
في اجتلاب هذا اللفظ تعريضًا بالمشركين
(١) روح المعاني ١١/ ٢٠٧.
مَوْشَوَابَةُ الْبَقَد
القرآن الكريم
١٩٢

الحساب
من أهل مكة ومشایعة لهم بالنذارة، وفيه
تذكير للمسلمين بوعد الله بنصرهم ومحق
عدوهم، والعتو ويقال العتي: تجاوز الحد
في الاستكبار والعناد، ثم بين أن هذا جزاء ما
كسبت أيديهم، فقال سبحانه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ
أَمَّيِ هَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُبْرًا ﴾ [الطلاق: ٩].
أي: فجنت ثمار ما غرست أيديها ولا
يجنى من الشر إلا الشر، فكان عاقبة أمرها
الخسران والنکال الذي لا يقدر قدره، ثم
أكد هذا الوعيد بقوله جلّ وعلا: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ
◌َهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠].
أي: هيأ الله لهم العذاب المرتقب،
لتماديهم في طغيانهم وإعراضهم عن اتباع
الرسل فيما جاءوا به من عند ربهم، وقد
جاء تفصيل هذا العذاب في قوله تعالى:
فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِبِةٍ فَيِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ
حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم
مَّنْ خَسَقْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَاً
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وقوله جلّ جلاله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ
إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُوَلِيمٌ شَدِيدٌ
(١٠٢ ) ﴾ [هود: ١٠٢].
ثم قال بعد ما قص من خبر هؤلاء:
﴿فَتَّقُوا اللَّهَ يَتَأْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [الطلاق: ١٠].
أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم
فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب، ﴿الَّذِينَ
جَمَنُواْ﴾ [الطلاق: ١٠].
أي: صدقوا بالله ورسله، ﴿قَدْ أَنْزَلَ اَللَّهُ
إِلَيْكُرُذِكْرً﴾ [الطلاق: ١٠].
يعني: القرآن، كقوله سبحانه:
إِنَّا
تَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُّ ◌َخْفِظُونَ
[الحجر: ٩](١).
وقد ثبت من حديث أبي موسى
الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (إن الله ليملي للظالم
حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ صلى الله
عليه وسلم: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ
الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدُ(
١٠٢
[هود: ١٠٢] (٢).
ثانيًا: الحساب في الآخرة:
أخبر القرآن الكريم عن الحساب في
الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْيِ
رَيْهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا عَذَابًا
تُكْرًا ، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْيِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُشْرًا
١﴾ [الطلاق: ٨-٩].
يخبر القرآن الكريم أن كثيرًا من أهل
القرى خالفوا أمر ربهم، فكذبوا الرسل الذين
أرسلوا إلیھم ولّجوا في طغیانهم يعمهون،
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٨/ ١٥٥،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٣/٢٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: (وكذلك أخذ ربّك إذا أخذ
القرى وهي ظالمة)، ٧٤/٦، رقم ٤٦٨٦.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الحاء
جَنَّتِ عَدْنٍ مُفَنَّحَةٌ
٤٩
فحاسبناهم حسابًا عسيرًا، فاستقصينا عليهم لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ
ذنوبهم، وناقشناهم على النقير والقطمير،
وعذبناهم عذابًا نكرًا في الآخرة، وعبر
بالماضي عن المستقبل دلالة على التحقق
كما في قوله تعالى: ﴿وَتُفِّخَ فِ الصُّورِ فَعْنَهُمْ
جمعًا﴾ [الكهف: ٩٩].
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَىَّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْعَبَ
النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبَُّا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم مَّا
وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًَّ قَالُواْ نَعَمَّ ◌َأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ يَتِنَهُمْ أَنْ لَّْنَةُ
اَللَّهِ عَلىَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: ٤٤].
ونحو ذلك، لأنّ المنتظر من وعد الله
ووعيده ملقى في الحقيقة، وما هو كائن
فكأن قد، ثم بين أن هذا جزاء ما كسبت
أيديهم فقال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ
عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُشْرًا ﴾ [الطلاق: ٩].
أي: فجنت ثمار ما غرست أیدیها، فكان
عاقبة أمرها الخسران والنكال الذي لا يقدر
قدره، ثم أكد هذا الوعيد بقوله سبحانه:
﴿أَصَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠].
أي: هيأ الله لهم العذاب المرتقب،
لتماديهم في طغيانهم وإعراضهم عن اتباع
الرسل فيما جاءوا به من عند ربهم (١).
ووصف الله تعالى الحساب في الآخرة.
قال جلّ وعلا: ﴿وَأَذَكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ
هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ
٤٨
وَذَا الْكِفْلِّ وَكُلِّ مِّنَ الْأَخْبَارِ
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ / ٥٦٠،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٥/ ٣٢٧، تفسير
المراغي ١٤٩/٢٨.
مُتَكِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَكِهَةٍ
أم الأبوبن
وَعِنْدَهُمْ قَضِرَتُ الطَّرْفِ
كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ
٥٣
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ اَلْحِسَابِ
أثرابُ
ء
هَذَا وَإِنَّ
إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَّفَادٍ .
لِلطَّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ (٥° جَهَنَّمَ يَصْلَوَّنَهَا فَتْسَ الِهَادُ
وَءَاخَرُ
هَذَا فَلْيَذُ وقُوهُ حَمِيعٌ وَغَسَّاقٌ )
مِن شَكْلِهِ: أَزْوَجُ ﴾ [ص: ٤٨ -٥٨].
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء
أن لهم في الدار الآخرة ﴿لَحُسْنَ مَثَابٍ﴾
[ص: ٤٩].
وهو: المرجع والمنقلب، ثم فسره بقوله
سبحانه: ﴿جَنَّتِ مَدْنٍ﴾ [ص: ٥٠].
أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب،
والألف واللام هنا بمعنى الإضافة كأنه يقول:
((مفتحة لهم أبوابها)) أي: إذا جاءوها فتحت
لهم أبوابها، وقوله جلّ وعلا: ﴿مُتَّكِينَ
فِيهَا﴾ [ص: ٥١] في الجنات على الفرش،
﴿يَدْعُونَ فِيَهَا بِفَكِهَةٍ كَثِيرَوْ﴾ [ص:٥١]
أي: مهما طلبوا وجدوا وحضر كما أرادوا،
﴿وَشَرَابِ﴾ أي: من أي أنواعه شاءوا أتتهم
به الخدام، كما قال تعالى: ﴿یَأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ
وَكَأْسِ مِّنِ مَّعِينٍ )﴾ [الواقعة: ١٨].
﴿وَعِنْدَهُمْ قَضِرَتُ اَلَّرْفِ أَنْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢]
أي: عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى
غير بعولتهن ﴿أَذْرَابٌ﴾، أي: متساويات
في السن والعمر، ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَّوْمِ
جَوَبُو بَرُ النَّقِ
القرآن الكريم
١٩٤

الحساب
اَلْحِسَابِ﴾ [ص:٥٣] أي: هذا الذي ذكرنا من
صفة الجنة التي وعدها لعباده المتقين التي
يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من
قبورهم وسلامتهم من النار.
ثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا
إِنَّ
انقضاء ولا زوال ولا انتهاء فقال:
هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، كقوله
تعالى: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنْفَذُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ:
[النحل: ٩٦].
وقوله سبحانه: ﴿عَطَاءُ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾
[هود: ١٠٨].
وقوله جلّ جلاله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ
مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي: غير مقطوع.
وقوله جلّ في علاه: ﴿أُكُلُهَا دَآبِرٌ
وَظِلُّهَأْ تِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَعُقْبَ
اَلْكَفِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥].
والآيات في هذا كثيرة جدًّا.
ولما ذکر تعالی مآل السعداء ثنی بذکر
حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار
معادهم وحسابهم فقال: ﴿هَذَا وَإِنَّ
لِلَّفِينَ﴾ [ص:٥٥].
وهم: الخارجون عن طاعة الله
المخالفون لرسل الله، ﴿لَشَرَّ مَتَّابٍ ﴾
[ص: ٥٥] أي: لسوء منقلب ومرجع.
جھنْمَ يصلونها
ثم فسره بقوله تعالى:
[ص: ٥٦] أي: يحترقون فيها ويقاسون حرّها،
﴿هَذَا ◌َلْيَذُ وقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص:٥٧].
أما الحميم فھو: الحار الذي قد انتهى
حره، وأما الغساق فهو: ضده، وهو البارد
الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم.
ولهذا قال سبحانه: ﴿وَءَاخَرٌ مِن شَكْلِهِه
أَزْوَجُ﴾ [ص: ٥٨] أي: وأشياء من هذا القبيل،
الشيء وضده يعاقبون بها، وقيل: الغساق:
السيال، ويشمل ما يسيل من أجساد أهل
النار من الصديد (١).
وقد بينت الآيات أن الله عز وجل
يحاسب عباده يوم القيامة ويسألهم عن
أعمالهم.
قال تعالى: ﴿﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اَللّهُ الرُّسُلَ
فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ
اٌلْغُيُوبِ ﴾ [المائدة: ١٠٩].
وقال سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن
كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا
﴾ [النساء: ٤١].
وقال جلّ وعلا: ﴿فَلَنَسْتَكَنَّ الَّذِينَ
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
[الأعراف: ٦].
وقال جلّ جلاله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَِ
[الشعراء: ١١٣].
لَوْ تشعرون
ووصف الله تعالى الحساب في الآخرة
بأنه يسير على المؤمنين عسير على الكافرين
وسوف نوضح ذلك في المبحث التالي.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٧/٧.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الحاء
أوصاف الحساب
تظهر أوصاف الحساب من خلال ما
يلي:
أولًا: الحساب السريع:
ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى سريع
الحساب.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا
﴾ [البقرة: ٢٠٢].
٢٠٢
كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلَئُهُمُ
الْحَقِّأَلَا لَهُ الْحَكْمُ وَهُوَ أَشْرَعُ الْحَسِبِينَ ﴾
[الأنعام: ٦٢].
وقال جلّ وعلا: ﴿أَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ
بِمَا كَسَبَتْ لَا ظَلَمَ اَلْيَوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
اَلْحِسَابِ (٣)﴾ [غافر: ١٧].
بينت الآيات أن الملك والحكم يوم
القيامة لله وحده وأنّ كل نفس تجزى ما
كسبت وأن الله تعالى لا يظلم؛ لأن الله
ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ،
وأن الله سريع الحساب؛ لأن الله لا يشغله
حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله
في وقت واحد وهو أسرع الحاسبين، وإنما
وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه
جل ذكره يحصي ما يحصى من أعمال عباده
بغیر عقد أصابع، ولا فکرٍ ولا روية، فعل
العجزة الضعفة من الخلق، ولكنه لا يخفى
عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا
يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مجازٍ
عباده على كل ذلك، فلذلك امتدح نفسه
جل ذكره بسرعة الحساب، وأخبر خلقه
أنه ليس لهم بمثل، فیحتاج في حسابه إلى
عقد كف أو وعي صدر، ولذكر السرعة
هنا وقعه في القلب البشري، فهو ليس
متروكًا ولو إلى مهلة في الحساب! وتصور
المسلم للأمر على هذا النحو الذي توحي
به أصول عقيدته في الحياة والموت والبعث
والحساب، کفیل بأن ينزع کل تردد في إفراد
الله سبحانه بالحكم - في هذه الأرض- في
أمر العباد، وفي هذه الآيات إظهار قدرة الله
تعالى بسرعة الحساب ليدلّ على كمال
قدرته ووجوب الحذر منه (١).
وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَّهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ
اَْسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].
جملة تذييل ولذلك ابتدئ بأداة
الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية
الخبر، وقدم المجرور في قوله له الحكم
للاختصاص، أي له لا لغيره، وهذا يتضمن
وعدًا ووعيدًا لأنه لما أتى بحرف المهلة في
الجمل المتقدمة وكان المخاطبون فريقين:
فريق صالح وفريق كافر، وذكر أنهم إليه
يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة
فالصالحون لا يحبون المهلة والكافرون
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٧/٤،
الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
٢٠٥٢/٣.
١٩٦
صَوْل ◌ُوب
القرآن الكريم

الحساب
بعکس حالهم، فعجلت المسرة للصالحین
والمساءة للمشركين بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ
أَسْرَعُ الْحَسِيِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢](١).
قال الشعراوي: ((وعندما نقرأ: ﴿وَاللهُ
سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢].
فلنفهم أن السرعة هي أن يقل الزمن عن
الحدث، فبدلًا من أن يأخذ الحدث منك
ساعة، وقد تنهيه في نصف ساعة، وكل
حدث له زمن، والحدث حین یکون له زمن
وتريد أن تقلل زمن الحدث فلابد أن تسرع
فيه حتى تنجزه في أقل وقت، وتقلیل الزمن
يقتضي سرعة الحركة في الفعل، وذلك
في الأفعال العلاجية التي تحتاج معالجة،
وعملًا من الإنسان، لكن سبحانه يفعل بـ
(كن)) ولا يحتاج عمله إلى علاج، وبالتالي
لا یحتاج إلی زمن، إذن فهو سريع الحساب؛
لأنه لا يحتاج إلى زمن، ولأنه لا يشغله شأن
عن شأن، وهذا هو الفرق بين قدرة الواحد
سبحانه وقدرة الحادث؛ لأن الحادث عندما
یؤدي عملًا، فهذا العمل یشغله عن غيره من
الأعمال، فلا يستطيع أن يؤدي عمليتين في
وقت واحد، لكن الواحد الأحد لا يشغله
فعل عن فعل، وبالتالي يفعل ما يريد وقتما
یرید ولكل من یرید»(٢).
ثانيًا: الحساب اليسير:
يخبر القرآن الكريم أن من أوتي كتابه
بیمینه فسوف یحاسب حسابًا يسيرًا.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَبَهُ بِمِينِهِ
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَيَنْقَلِبُ
وَأَمَّا مَنْ أُوِقِىَ كِثَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ.
إِلَى أَهْلِ مَسْرُورَالـ
فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُرًا ، وَيَصْلَى سَعِيرًا )﴾
[الانشقاق: ٧- ١٢].
بینت الآية أن الله تعالی سوف يحاسب
أصحاب اليمين حسابًا يسيرًا، والحساب
الیسیر هو أن تعرض عليه أعماله، فیعرف
بالطاعة، والمعصية ثم يثاب على الطاعة،
ويتجاوز له عن المعصية، فهذا هو الحساب
اليسير؛ لأنه لا شدة فيه على صاحبه، ولا
مناقشة، ولا يقال له: لم فعلت هذا ولا يطالب
بالعذر فيه، ولا الحجة عليه فإنه متى طولب
بذلك لم يجد عذرًا، ولا حجة فيفتضح،
وعن ابن أبي مليكة أن عائشة رضي الله عنها
كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه
حتی تعرفه، وأن النبي صلی الله عليه وسلم
قال: (من حوسب عذب)، قالت عائشة:
فقلت، أو ليس يقول الله عز وجل: ﴿فَسَوْفَ
[الانشقاق: ٨]،
يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾
قالت: فقال: (إنما ذلك العرض ولكن من
نوقش الحساب عذب)(٣).
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/ ٢٧٩. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب من سمع شيئًا فلم يفهمه فراجع فیه حتى
(٢) تفسير الشعراوي ٢/ ٨٦٢.
www. modoee.com
١٩٧

حرف الحاء
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ﴾، يعني: في الجنة من كَانَ فِىْ أَهْلِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُرَ بَ
إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِ بَصِيرًا(٥)﴾ [الانشقاق: ١٠ -١٥].
﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ
وقال جلّ وعلا:
الْمُلْكُ يَوْمَيِدٍ
٢٥
بِالْغَمَمِ رُزِذَاملیگُةُتَنزِيلًا
اٌلْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا
﴾ [الفرقان: ٢٥-٢٦].
الحور العين والآدميات، ﴿مَسْرُورًا﴾، أي:
بما أوتي من الخير والكرامة، وقوله تعالى:
﴿وَقَلِّبُ إِلَ أَهْلِ مَسْرُورًا﴾، تمثيل لحال
المحاسب حسابًا يسيرًا في المسرة والفوز
والنجاة بعد العمل الصالح في الدنيا، بحال
المسافر لتجارة حين يرجع إلى أهله سالمًا
رابحًا لما في الهيئة المشبه بها من وفرة
المسرة بالفوز والربح والسلامة ولقاء الأهل
وكلهم في مسرة، فذلك وجه الشبه بين
الهيأتين وهو السرور المألوف للمخاطبين
فالكلام استعارة تمثيلية، وليس المراد
رجوعه إلى منزله في الجنة؛ لأنه لم يكن
فیه من قبل حتى يقال لمصيره إليه انقلاب،
ولأنه قد لا یکون له أهل، وهو أيضًا كناية
عن طول الراحة؛ لأن المسافر إذا رجع إلى
أهله فارق المتاعب (١).
ثالثًا: الحساب العسير:
بعد أن ذكر الله تعالى أن المؤمن یحاسب
يوم القيامة حسابًا يسيرًا أعقبه بذکر أن الكافر
يحاسب حسابًا عسيرًا.
فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوِىَ كِنَبَهُ, وَرَآءَ ظَهْرِهِ.
"فَسَوْفَ يَدْعُوْ تُورًا ، وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ
يعرفه، ١/ ٣٢، رقم ١٠٣.
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤ / ٤٠٨، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٨ / ٣٥٦، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٣٠/ ٢٢٣.
وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (
٨
فَرِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ حَسِيرٌ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيمٍ
[المدثر: ٨-١٠].
وقال جلّ جلاله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى النَّاعُ يَقُولُ
الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَبِيرٌ﴾ [القمر: ٨].
بينت الآيات أن الحساب يوم القيامة
عسیر علی الکافرین لا یسر فیه ولا فیما بعده،
على خلاف ما جرت به العادة من أن كل
عسر بعده يسر، وعسره عليهم أنهم يناقشون
الحساب، ویعطون کتبهم بشمائلهم وتسوّد
وجوههم، وتتكلم جوارحهم، فيفتضحون
على رؤوس الأشهاد، ويقطع رجاؤهم في
جميع الوجوه، ووصف الله تعالى الحساب
العسير بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوْقِيَ كِنْبَهُ, وَرَآءَ
ظَهْرِهِم
[الانشقاق: ١٠]، يعني: الكافر،
١٠
يخرج يده اليسرى من وراء ظهره، يعطى
کتابه بها.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ تُوُرًا ﴾ [الانشقاق: ١١]،
يعني: بالويل والثبور على نفسه.
[الانشقاق: ١٢]،
﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (٥)﴾
يعني: يدخل في الآخرة نارًا وقودًا.
موسوبر النفسية المضوي
القرآن الكريم
١٩٨