Indexed OCR Text
Pages 41-54
الحية واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)(١). الثالث: حسن اختيار التوقيت والتثبت من المعلومة. وَإِذَا قال الله سبحانه وتعالى: جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِعُونَهُ مِنْهُمُّ وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «إنکار علی من یبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها، ویفشیھا وینشرها، وقد لا يكون لها صحة، وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع)(٢). وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله علیه وسلم (نهى عن قيل وقال)(٣)، أي: الذي (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، ٨/ ١٠٠، رقم ٦٤٧٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف، ٦٨/١، رقم ٤٧. (٢) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع ٣١/١، رقم ٧. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب ما يكره من قيل وقال، ٨/ ١٠٠، رقم ٦٤٧٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غیر يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبیّن. وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (بئس مطية الرجل زعموا) (٤). وفي الصحيح(٥): (من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)»(٦). وقد حرّم الله ورسوله الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور والسب والشتم والقذف في أدلة ظاهرة معلومة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ويستفاد من هذه الأدلة وأمثالها أن ممارسة الإنسان للتعبير ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة بضوابط ومعايير، كما اتضح في العرض السابق، بل إن مما توحي به تلك النصوص في دلالاتها أن الأصل هو القيد، كما في صدر الآية من قوله سبحانه: يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَّهِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّ مَنْ ظُلِرٌ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: ١٤٨]. وكما في الحديث السابق: (فليقل خيرًا حاجة، ٣/ ١٣٤١، رقم ٥٩٣. (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في قول الرجل زعموا، ٢٩٤/٤، رقم ٤٩٧٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٥٤٧/١، رقم ٢٨٤٦. (٥) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، ٨/١، بلفظ: (من حدث عني بحدیث یری أنه كذب فهو أحد الكاذبين). (٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٩/١. www. modoee.com ١٠١ حرف الحاء أو ليصمت) ففي حال القول فهو مطالب في فهمها وتجنيًا باسمها على الثوابت والمسلمات، کما یجد خللا أکبر في حجم بقول الخير، فإن لم یکن ذلك فهو مطالب حينئذٍ بالتزام الصمت والسكوت، وهو في كل حال خاضع لرقابة الله عز وجل له: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عَنِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. وطبيعة القدر المتاح في الدفاع عن الحرية وأهله بحجة المحافظة على الحريات، ولا مخرج من ذلك إلا بالفهم الحقيقي لدین الله عز وجل، والعمل بمقتضى ذلك الفهم عن إيمان ورضا(١). ومن خلال ما سبق نخلص إلى القول: بأن حرية الكلام في الإسلام مقيدة وليست مطلقة، وقد يكون القید فعلًا، أو تركًا، خاصة في حال ما إذا كان الأمر متعلقًا بحماية الدین والدفاع عنه، أو كان متعلقًا بمصلحة الأمة ومقوماتها العلمية والعملية، أو بالمجتمع في عقيدته وأخلاقه ومثله ومصالحه، أو كان متعلقًا بالغير وحقوقهم، ما دام الإنسان قادرًا مستطیعًا. وما أحوج الإعلامي المسلم لتفهّم مثل هذه المعاني، وهو يتعامل مع المادة الإعلامية التي يقدّمها لجمهوره، وما أحوجه إليها وهو يوازن بين ما ينبغي أن يقال، ومتى يقال، وكيف يقال، وبين ما ينبغي أن يترك، ومتى يترك، وكيفية ذلك؛ حتى لا يضيع الحق العام، وتنتهك حرمات الله والناس بحجة المحافظة على الحقوق الشخصية، ولا يتعدى على حقوق الأفراد بدافع الأنانية والذاتية. والناظر في واقع المسلمين اليوم يجد خللًا مدمّرًا في النظر إلى حجم حرية التعبير، والتعامل معها، ويجد تعسفًا ثالثًا: مجال السلوك: اختلف الباحثون في تصوير مفهوم الحرية الشخصية؛ وذلك نظرًا لتنوع المجالات التي يتعلق بها هذا النوع من الحرية، واختلاف الاختصاصات التي تهتم بها. يقول عبد الوهاب خلاف في بيان مفهومها: ((أن يكون الشخص قادرًا على التصرف في شئون نفسه، وفي كل ما يتعلق بذاته، آمنًا من الاعتداء عليه في نفس أو عرض أو مال أو مأوى، أو أي حق من حقوقه، على ألا يكون تصرفه عدوانًا على غيره))(٢). والحريات الشخصية أنواع من أهم الحريات التي اهتمت بها المواثيق الدولية عن حقوق الإنسان، وكذلك الشريعة الإسلامية، وهي أساس الحريات ولبّها (١) الحرية في القرآن الكريم، راشد الحارثي ص ١٤٥. (٢) السياسة الشرعية ص ٤٠. ١٠٢ مُوسُودَة النَِّيَّة جوبي القرآن الكريم الحية وقاعدتها التي ترتكز عليها، ويتوفر هذه الحرية للإنسان يتوفر لديه الإحساس بآدميته، والشعور بكرامته، وبدونها تفقد الحياة حيويتها ومضمونها الإنساني الكريم. وقد قيّدت الشريعة الإسلامية الحرية الشخصية، ولم تجعلها مطلقة. ففي حرية المأكل والمشرب منعت رفعه إلا بضرر أعظم منه أبقاه على حاله، الشريعة من أصناف كثيرة؛ وذلك تحقيقًا وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه لمصلحة الدين؛ كالنهي عن شرب الخمر، به)) (٢). وهناك شواهد كثيرة في النصوص تدل على أن حرية التصرف تنتهي عند إلحاق الضرر بالآخرين. وإما تحقيقًا لمصلحة الجسد في صحته أو في طبعه، كالنهي عن أكل النجاسات والمستقذرات، وذوات السموم، وذوات الأنياب والمخالب(١). وكذلك الحال في كل الأبواب والمجالات التي أتاحت فيها الشريعة الحرية الشخصية للإنسان، فإنها لم تجعل ذلك مطلقًا، وإنما قامت بتشریع تقییدات تساعد على استمتاع الإنسان بتلك المباحات على الوجه الأكمل، دون الإضرار بالآخرين. والشريعة حين شرعت تلك القيود على الحرية لم يكن القصد منها التضييق على الإنسان، ولا إنزال المشقة به، ولا مجرد التحكم في حياته من غير مبرر، وإنما قصدت بها تحقيق المصلحة له ولغيره، وإزالة المفاسد أو تقليلها. (١) انظر: أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية، عبد الله الطريقي ص ١١٣ - ١١٦. ومن يتأمل في كل التقییدات التي قامت بها الشريعة في مجال الحرية الشخصية يجد القاسم المشترك بينها هو الحرص على عدم وقوع الضرر الديني بالفرد والمجتمع، فإن من حكمة الشارع كما يقول ابن القيم: ((رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يكن فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس في الطرقات، وقال لأصحابه: (إياكم والجلوس على الطرقات) فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: (فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها) قالوا: وما حق الطريق؟! قال: (غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر)(٣). ونهى صلى الله عليه وسلم عن إلقاء الأذى في الطريق، فقال: (اتقوا اللعانين) (٢) إعلام الموقعين، ابن القيم ١٣٩/٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب أفنية الدور والجلوس فيها، ١٣٢/٣، رقم ٢٤٦٥، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن الجلوس في الطرقات وإعطاء الطريق حقه، ١٦٧٥/٣، رقم ٢١٢١. www. modoee.com ١٠٣ حرف الحاء قالوا: وما اللعانان یا رسول الله؟ قال: (الذي تلقي الرکبان، وعن أن يبيع حاضر لباد. يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم) (١). وأمر صلی الله عليه وسلم باجتناب کل ما يمكن أن يلحق الضرر بالآخرين، فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا مرَّ أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل، فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين منها بشيء) أو قال: (ليقبض على نصالها)(٢). وهذا معنی عام، یشمل كل أذى، حسيًّا كان أو معنويًّا. وفي مجال التملك والاتجار نهت الشريعة عن كل ما يؤدي إلى التضييق على الناس فيها، أو يحدث الخلل والاضطراب في الأسواق، ومن ذلك: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاحتکار، حيث قال: (لا يحتكر إلا خاطئ)(٣). وامتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن التسعیر حین طلب منه، وقال: (إن الله هو المسعر) (٤)، ونهى صلى الله عليه وسلم عن (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال، ٢٢٦/١، رقم ٢٦٩. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب أمر من مر بسلاح في مسجد أو سوق، ٤ /٢٠١٩، رقم ٢٦١٥. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب تحريم الاحتكار في الأقوات، ١٢٢٨/٣، رقم ١٦٠٥. (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب أبواب ومن حكم هذه التشريعات: إغلاق الأبواب والمنافذ في وجه أي أسلوب يؤدي إلى إلحاق الضرر بالناس في بيعهم وشرائهم. الإجارة، باب في التسعير، ٢٧٢/٣، رقم ٣٤٥١، والترمذي في سننه، أبواب البيوع، باب ما جاء في التسعير، ٢/ ٥٩٦، رقم ١٣١٤، وابن ماجه في سننه، کتاب التجارات، باب من كره أن يسعر، ٧٤١/٢، رقم ٢٢٠٠. وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، ٨٧٥/٢، رقم ٢٨٩٤. ١٠٤ القرآن الكريم الحرية ((والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة الأحكام الشرعية والحرية من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، هناك بعض الأحكام الشرعية یظن بعض الناس أنها تخالف مبدأ الحرية، وأن فيها اعتداء على حريات الناس. كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره وفي النقاط الآتية نتحدث عن أهم تلك الأحكام، ونبين المقاصد الشرعية منها. بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع أولًا: الأمر بالمعروف والنهي عن فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان))(١) (٢). المنكر وصلته بالحرية: مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ عظيم في الدین. كل فرد في المجتمع الإسلامي سواء أكان فردًا عاديًّا أم متقلدًا لمركز في السلطة، تقع على عاتقه مسئولية الالتزام بالتكاليف الشرعية أولًا، وحمل غيره بما أوتي من صلاحية على تنفيذ هذه التكاليف، فليس لأحد في الدولة أن ينفّذ ما عليه من حقوق وواجبات، ثم لا يهمه أمر الآخرين بعد ذلك، بل هو مسئول عن حمل غيره على مراعاة الحقوق والواجبات، وصيانتها من العبث والانتقاص. قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]. وقال عز وجل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وهذا المبدأ -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- مبدأ عظیم جدًّا يؤدي إلى حماية الحقوق والحريات بشكل كبير، ويسهم في خضوع الدولة أفرادًا وسلطة للأحكام الشرعية، ويجعل كل فرد في المجتمع قوّامًا على تنفيذ القانون الإسلامي، ورعاية الحقوق والحريات، وقد نشأ لتطبيق هذا المبدأ ما سمي بنظام الحسبة في الإسلام(٣). يقول الإمام الغزالي في ربع العادات من كتابه إحياء علوم الدين: ((فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبیین أجمعين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله ... ، فشت الضلالة، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، ٦٩/١، رقم ٤٩. (٢) مختصر تفسير ابن كثير، الصابوني ١/ ٣٠٦. (٣) النظام السياسي الإسلامي، منير البياتي ص٣٣٩. www. modoee.com ١٠٥ حرف الحاء وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد ... ، فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسد وقد أطلق الفقهاء على من يعيِّنْه ولي الأمر للقيام بهذه الولاية اسم المحتسب، هذه الثلمة، إمّا متكفلًا بعملها، أو متقلدًا لتنفيذها، مجددًا لهذه السنة الدائرة، ناهضًا بأعبائها، ومتشمرًا في إحيائها، كان مستأثرًا وأما من يقوم بها من دون تعيين من ولي من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان الأمر فقد أطلقوا عليه اسم المتطوع، ثم إلى إماتتها، ومستبدًا بقربة تتضاءل درجات راحوا يفرّقون بين المحتسب والمتطوع(٥). القرب دون ذروتها)»(١). ويقول الإمام الماوردي: ((والحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول ییاشرونها بأنفسهم؛ لعموم صلاحها، وجزيل ثوابها))(٢). والحسبة عند الفقهاء: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله(٣). وهي إحدى الولايات العامة في الدولة الإسلامية، تولاها أئمة الصدر الأول، حیث کانوا یباشرونها بأنفسهم؛ لعموم صلاحها، وجزيل ثوابها، ثم لما توسع المجتمع أقاموا مؤسسة الحسبة، فتولاها أشخاص أكفاء، خبيرون بأحوال الناس، يمشون في الشوارع والأسواق، ويقتحمون أبواب المحالات العامة، ودواوين الحكومة، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، سواء تعلق الأمر بقيمة من قيم الإسلام منيعة، (١) إحياء علوم الدين، الغزالي ٣٠٦/٢. (٢) الأحكام السلطانية، الماوردي ص٣٢٢. (٣) المصدر السابق. أو بمصلحة من مصالح الناس معطّلة، لا يتجسسون على الناس، مكتفين بالمنكرات الظاهرة أيًّا كان فاعلها (٤). وفي العصر الحديث توزعت مهام الحسبة على الجهات الحكومية المختلفة، فملاحظة الأسواق العامة والطرقات، وحماية المواطنين من الاعتداء على أنفسهم وأموالهم تقوم به الشرطة، ومراقبة النظافة والموازين تقوم به البلديات، ومراقبة الصيدلة والصحة والأغذية تقوم به وزارة الصحة، ومراقبة الأسعار والتلاعب بها ومنع الاحتكار تقوم به وزارة التموين أو الاقتصاد، وهكذا (٦). ومما تقدم يتبين لنا أن ميدان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واسع جدًّا، یشمل جميع تصرفات الإنسان، سواء ما يتعلق منها بحقوق الله، أو ما يتعلق بحقوق (٤) الحريات العامة في الدولة الإسلامية، راشد الغنوشي ص ٣٠٣. (٥) انظر: الأحكام السلطانية، الماوردي ص٢٩٩ - ٣٠٠. (٦) المجتمع المتكامل في الإسلام، عبد العزيز الخياط ص١٧٦ . ١٠٦ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الحية الآدميين، وقد أشار العلماء السابقون إلى هذه السعة، فهذا الإمام الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية يقول: ((وإذا استقر ما وصفناه في موضوع الحسبة، ووضع الفرق بينهما وبين القضاء والمظالم، فهي تشتمل على فصلين: أحدهما: الأمر بالمعروف، والثاني: نهي عن المنكر، فأما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام: أحدهما: ما يتعلق بحقوق الله تعالى، والثاني: ما يتعلق بحقوق الآدمیین، والثالث: ما یکون مشتركًا بينهما))(١). وفي موضع آخر يقول: ((وأما النهي عن المنکر فینقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان من حقوق الله تعالى، والثاني: ما كان من حقوق الآدميين، والثالث: ما کان مشتركًا بین الحقین»(٢). ثم راح الماوردي یذکر أمثلة على كل قسم من هذه الأقسام بما هو واقع في زمانه ومكانه. وهذا الإمام أبو حامد يعقد في كتابه (الإحياء) بابًا خاصًّا للحديث عن أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وبابًا خاصًّا للحديث عن منكرات العادات المألوفة في زمانه، فذكر منكرات المساجد، والأسواق والشوارع، ومنكرات (١) الأحكام السلطانية، الماوردي ص٣٠٣- ٣٠٨. (٢) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ٣٤٢/٢. الضيافة، والمنكرات العامة (٣). وهكذا نلاحظ أن العلماء السابقين بحديثهم عن منكرات زمانهم قد استوعبوا المكانة البارزة التي يحتلها مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحياة الإسلامية، وأدركوا أن هذا المبدأ غير منحصر فقط في إطار المسلكيات الفردية للناس العاديين، وإنما هو عملية تصحيحية وردعية لكل ذي سلطة تحدّثه نفسه بظلم الناس، أو بهضم حقوقهم، كما أدركوا أهمية مسئولية الفرد والجماعة في هذا الميدان. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا المبدأ باعتباره وسيلة شعبية لمقاومة كل الأفعال والتصرفات التي تتنافى مع القيم والتعاليم الإسلامیة في كل زمان ومكان، وللدفاع عن كل الحقوق والحريات التي أقرها الإسلام، ليس فقط في جانبها السياسي، وإنما في کل جوانبها التي تمس كرامة الإنسان، فرغيف الخبز المعيب، والسلعة التموينية الفاسدة، والدواء المغشوش، والفحش في الأسعار، وإهدار مصالح الناس في ظل البيروقراطية الفاسدة، والمعاناة الشديدة لحصول الإنسان على مطالبه الضرورية، كلها أمور تجرح كرامة الإنسان، وتحطّ من قدره، بنفس القدر الذي يجرحها إنكار الحق في (٣) انظر: المجتمع المتكامل في الإسلام، عبد العزيز الخياط ص١٦٦ - ١٧١ . www. modoee.com ١٠٧ حرف الحاء إبداء الرأي، أو الانتخاب أو الترشيح، أو في القبض والاحتجاز بدون تهمة، أو في المحاكمة غير العادلة، وكلها أمور یکون والنهي عن المنكر. فالدولة تقع عليها مسئولية إصلاح المجتمع، وحراسة الحقوق بكل أنواعها، ومدافعة الباطل في مختلف صوره وأشكاله، لما تمتلكه من قوة مادية ومعنوية تمكنها من ذلك، وصدق سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث قال: ((يزع الناس السلطان أكثر مما يزعهم القرآن))(٢). وقد تقررت مسئولية الدولة بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: ٥٨]. وبقوله صلی الله عليه وسلم: (ما من والٍ يلي رعية من المسلمین فيموت وهو غاش لهم إلا حرّم الله عليه الجنة)(٣). (١) جامع الأصول، ابن الأثير ٨٤/٤، رقم ٢٠٧١. (٢) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ٣/ ٩٨٨. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب من استرعي رعية فلم ينصح، ٩/ ٦٤، رقم ٧١٥١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، ١٢٥/١، رقم ١٤٢. وجماعة المسلمين تقع على عاتقها مسئولية إعانة الدولة على القيام بواجباتها في حراسة الدین، وسياسة الدنيا به، وذلك التصدي لها داخلًا في نطاق الأمر بالمعروف من خلال قيامها بمهام النصيحة لأفراد المسلمين وعامتهم، ومراقبة انحرافهم عن تطبيق أحكام الشرع، وزجرهم عن ذلك، ويظهر لنا من خلال ما تقدم أن الجهات التي تتولى مسئولية القيام به هي: الدولة، والجماعة، والأفراد (١). وقيامها بالعمل على تثقيف أفراد المسلمين، ونشر الأفكار الإسلامية بينهم، والتي تعالج شئون الأمة الإسلامية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأما الأفراد فكل منهم تقع عليه مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استطاعته، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (من رأی منکم منکرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان)(٤). وإذا قامت هذه الجهات الثلاث بأمانة المسئولية الملقاة على عاتقها سارت الأمة في طريق الرقي، مصانة من عوامل الهدم والانحطاط الذي هو نتيجة حتمية للانحراف عن شرع الله و دينه الحق. ثانيًا: العقوبات بالحدود والقصاص والتعزيرات وصلتها بالحرية: لتشريع العقوبات في الشريعة الإسلامية (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، ٦٩/١، رقم ٤٩. ١٠٨ موسوعة النفسية بُوَيَـ القرآن الكريم الحية عدة مقاصد، منها (١): حماية مصلحة الجماعة، وإشاعة الأمن والطمأنينة بين أفراد المجتمع؛ حتى يأمن الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم. إثبات وجود الدولة، وتقوية شوكتها حتی یهاب كل فرد من أفرادها حدود الله فلا يتعداها. * محاربة الدوافع إلى الجريمة بإثارة عوامل نفسية تصارع الدواعي إلى الجريمة فتصرعها. فإذا فكر الإنسان في قتل غيره ذكر أنه سيعاقب على فعله بالقتل، فكان ذلك ما يصرفه غالبًا عن الجريمة. ومن الأمثلة على العقوبات الشرعية التي قصد بها منع وقوع الجريمة: عقوبة الردة عن الإسلام، ومن مقاصدها(٢): كيلا يتخذ الدين مهزلة والعوبة يدخل فيه الإنسان متى شاء، ويخرج منه متى شاء، استخفافًا بالله ورسوله، وبالمجتمع الإسلامي الذي یعیش فيه. الردة خروج عن الإسلام الذي هو النظام الاجتماعي للمجتمع الإسلامي، فالتساهل في هذه الجريمة يؤدي إلى (١) انظر: التشريع الجنائي، عودة ص٦٥٦. (٢) انظر: التشريع الجنائي، عودة ١ / ٦٦٢. القلق والاضطراب للمجتمع سواء في تفکیره أو في سلوكه. # شدّد الإسلام في عقوبة الردة استئصالًا للمجرم من المجتمع، وحماية للنظام الاجتماعي من ناحية، ومنعًا للجريمة وزجرًا عنها من ناحية أخرى. * إن عقوبة القتل أقدر العقوبات على صرف الناس عن الجريمة، ومهما كانت العوامل الدافعة إلى الجريمة فإن عقوبة القتل تولّد غالبًا في نفس الإنسان من العوامل الصارفة عن الجريمة ما یکبت العوامل الدافعة إليها، ويمنع من ارتكاب الجريمة في أغلب الأحوال. ومن العقوبات الشرعية ما قصد منها حفظ العقل وصيانته، ومن ذلك عقوبة شرب الخمر. قال ابن القيم: ((إن الله تعالى حرّم الخمر شرعت عقوبة الردة كإجراء وقائي؛ لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل»(٣). فالإسلام في تحريمه للخمر يستهدف إيجاد شخصية قوية في جسمها ونفسها وعقلها، وما من شك أن الخمر تضعف الشخصية، وتذهب بمقوماتها؛ حيث تذهب العقول، وإذا ذهب عقل الإنسان تحوّل إلى حيوان شرير، وصدر عنه الشر والفساد، فالقتل والعدوان والفحش وإفشاء الأسرار (٣) أعلام الموقعين ١٣٩/٣. www. modoee.com ١٠٩ حرف الحاء وخيانة الأوطان من آثاره(١). ومن العقوبات التي نصت عليها الشريعة الإسلامية: التغريب (٢)، ومن مقاصدها: إيلام المغرّب ببعده عن أعز الناس لديه، وحرمانه من مجالستهم، وإبعاده عن وطنه الذي ترعرع فيه، وهذا يؤدي إلى وحشته، وإحساسه بألم الفراق. زجره عن معاودة الجريمة لما حلّ به من العقوبة الرادعة. بقاؤه في بلد الخطيئة یعرضه للقدح فیه، والتشهير به، وهذا قد يعرّضه لأزمات نفسية مما يفقده توازنه، وينفّره من المجتمع، فكان تغريبه محافظة عليه، وإعادة توازنه، فيعود بعد التغريب إنسانًا صالحًا. إن في تغريب الزاني حماية للآخرين من أن يتأثروا به لو قام بينهم، فإبعاده تطهير للمجتمع، وقتل للرذيلة، وإحياء للفضيلة، فلا يجد أصحاب النفوس المريضة، والنزعات الشريرة ما یشجّعهم، ويدفع بهم إلى الانحراف والانسياق وراء الشهوات. إن في التغريب قطعًا للألسنة، وصونًا للأعراض، ودرءًا للشر، وإحقاقًا للحق. (١) حكمة تحريم الخمر في الإسلام ص ٤٥. (٢) انظر: عقوبة الزنا ص ١١٥. إن كثرة التحدث عن الجرائم، والتساهل في تطبيق حدود الله تعالى يكون سببًا قويًّا في جرّ الشباب إلى المعاصي، وبذا تفشو الرذائل، ويفسد المجتمع، وبتطبيق حدود الله يعيش المجتمع هانئًا آمنًا. وهكذا نرى أن التغريب وإن كان عقوبة إلا أنه شرع لمصلحة الجاني أولًا، ولصالح المجتمع ثانيًا، وفي عصرنا الحاضر نرى أن كثيرًا من الزناة يهجرون موطن الجريمة مختارين؛ لينأوا بأنفسهم عن الذلة والمهانة التي تصيبهم في هذا المكان(٣). ومن العقوبات التي قصد منها زجر الناس عن الاعتداء على أموال الآخرين: عقوبة السرقة. ولعقوبة السرقة مقاصد، منها: المحافظة على أموال الناس من الضياع، ومنعًا لأصحاب الأطماع من أخذ مال الغير بغير الحق، وزجرًا لكل معتد أثیم تسوّل له نفسه أن یمدّ يده إلى ما ليس من حقه (٤). ولعل الحكمة من تقليل النصاب الذي تقطع به يد السارق في مقابل غلاء ديتها هي زجر الناس عن العدوان، وتقليل الجناية على (٣) التشريع الجنائي، عودة ص ٦٤٠. (٤) انظر: عقوبة السارق ص ١٠٨، أثر تطبيق الشريعة الإسلامية ص ١٠٧. ١١٠ مُوسُو بَر النفسية العضو القرآن الكريم الحية الأموال(١). يقول ابن عبدالسلام: ((من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها قطع يد السارق، فإنه إفساد لها، ولكنه زاجر حافظ لجميع الأموال، فقدّمت مصلحة حفظ الأموال على مفسدة قطع يد السارق»(٢). استتباب الأمن، وعدم ترويع الآمنين، فإن معاقبة السارق بالقطع ليس لأخذه المال فحسب، وإنما لترويعه الآمنين، ونشر الرعب بينهم، فحادثة سرقة واحدة تؤدّي إلى إفزاع سكان جميع الحي؛ إذ يترقب كل منهم أنه الهدف القادم للذين ارتكبوا تلك الحادثة، فيعيش الناس في اضطراب وقلق، وتحمّل ذلك ليس أمرًا سهلًا(٣)، كما أن الذي يقوم بهذا الفعل الخطير لا يبالي في سبيل الوصول إلى غرضه بارتكاب أي جريمة يتوقف عليها الحصول على ما يريد، فهو ينقضّ على الدار، ويكسر القفل، ولا يتأخر عن قتل من يقف في سبیله والتمثيل به، فهو مهدّد للناس في (١) منهج الإسلام في مكافحة الجريمة، علي النمر ٢/ ٦٢٢. (٢) قواعد الأحكام ص١١٦. (٣) انظر: منهج الإسلام في مكافحة الجريمة، النمر ٦٢٥/٢، أحكام السرقة في الشريعة والقانون، أحمد الكبيسي ص٢١١. حياتهم وأموالهم وأعراضهم، فإذا لم يضرب على يده من أولي الأمر، وإذا لم تشدّد عليه العقوبة كان شرّه عظيمًا، وخطره شديدًا، وكثيرة هي الحوادث التي قتل فيها السارقون أناسًا في سبيل الوصول إلى سرقة المال، واعتدوا على أعراض كثيرة (٤). * الحث على العمل الذي لا تصلح أحوال المجتمع بدونه، فمما لا شك فيه أن ذوي الجد والاجتهاد في العمل إذا ما نظروا إلى أموالهم التي حصلوا عليها بكسبهم الحلال محفوظة ومصانة من عبث العابثين، وطمع الطامعين، ولا تمتد إليها يد ذوي البطالة، والأغراض الدنيئة، وأنّهم وحدهم هم المنتفعون بها، واصلوا كفاحهم وكدّهم وجدّهم، وضاعفوا من إنتاجهم، ودأبوا على استثمارها وإنمائها. أما لو كانت يد الغير مطلقة في أموالهم دون مؤاخذة وعقاب؛ فإن ذلك يؤدي إلى وهن المجتمع لتقاعس أفراده، وانتشار بذور العداوة والبغضاء بینھم. * استغلال ذكاء وقدرات السارقين في تنمية المجتمع، فإن الذكاء والحذق (٤) انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري ٦٦٩/٥، فقه السنة، سيد سابق ٢٣٦/٢. www. modoee.com ١١١ حرف الحاء الذي يستخدمه اللصوص في اقتناص فرائسهم، وانتهاب متطلباتهم، واختطاف أموال الغير خفية، إذا ما طبّقت العقوبة، وأقيمت على مرتكبي هذه الجرائم تحوّل هذا الذكاء والحذق إلی وسیلتي خیر وسبيل صلاح وهداية، فاستخدما في تحصيل المال من موارد صافية، ومكاسب طيبة، واستغلّت في التجارة المربحة، وفي إنشاء المصانع والمزارع(١). ٠ إن السارق حينما يفكر بالسرقة إنما یفکر في أن یزید کسبه بکسب غيره، فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال، ويريد أن ينميه من طريق الحرام، وهو لا يكتفي بثمرة عمله، فيطمع في ثمرة عمل غيره، وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق، أو ليرتاح من عناء الكدّ والعمل، أو ليأمن على مستقبله، فالدافع الذي يدفع إلى السرقة يرجع إلى هذه الاعتبارات، وهو زیادة الکسب، أو زيادة الثراء، وقد حاريت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع؛ لأن قطع الید أو الرجل يؤدي إلى نقص. وقد شرعت الشريعة الإسلامية القصاص في حق القاتل، حفاظًا على حياة الناس. (١) الجنایات وعقوباتها، محمد بلتاجي ص٢٥٠. قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وفائدة القصاص لا تعود إلى أهل القتيل فقط، ولكنّها تعود إلى الجماعة كلها؛ ولذلك صدّر سبحانه وتعالى النص بقوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ﴾ فالقصاص فائدة عائدة علیکم، ولیس انتقامًا تعود فائدته إلى المجني علیه وحده، بل إنّ فائدته تعمّ ولا تخصّ. وحياة الجماعة ليست في حياة أفراد متنافرين متناحرين، يهدر القوي حق الضعيف، وتحلّ فيها الثارات محل القانون الرادع للعصاة، القاطع الحاسم للشر، إنما حياة الجماعة في الترابط بالمودة الواصلة، والرحمة العادلة، ولا يكون ذلك إلا بالقصاص الذي يسوّي بين الجريمة والعقوبة، وتكون فيه العقوبة من جنس الجريمة، ومماثلة لها تمام التماثل (٢). ويقول سبحانه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ أَنَّهُ, مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّآ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. ((وقتل نفس واحدة بلا مبرر ولا موجب من قصاص أو دفع فساد عام كجريمة قتل الناس جميعًا، وحماية نفس واحدة في أي (٢) العقوبة، أبو زهرة ص ٣٠٠. مُوسُوبَةُ الْمَقلم القرآن الكريم ١١٢ الحية صورة من الصور -ومنها القصاص- كأنها استحياء للناس جميعًا؛ ذلك أن الاعتداء على نفس واحدة هو اعتداء على حق الحياة الذي یصون للناس جمیعًا حیاتھم، فالاستهتار بهذا الحق اعتداء على كل من يدلي به ويتحصن، والمحافظة عليه محافظة على الحق الذي يصون للناس جميعًا حياتهم، فالاستهتار بهذا الحق اعتداء على كل من يدلي به ويتحصن، والمحافظة عليه محافظة على الحق الذي تصان به دماء الناس وأرواحهم))(١). وقد شرعت الشريعة الإسلامية عقوبات تعزيرية، المقصد الأساس منها لا يخرج عن المقاصد العامة للعقوبة؛ من الردع والزجر، والإصلاح والتهذيب. والمعاصي التي تستوجب التعزير منها ما يعتبر ارتكابًا لمحرّم، ومنها ما يكون تركًا لواجب، والمقصد من التعزير في المحرّمات هو الامتناع عن ارتكابها، وفي الواجب الكفّ عن تركه، بأن يعاقب التارك حتى يؤدي ما يجب عليه، فيجوز أن يعزّر مرة بعد مرة حتى يفعل ما يجب عليه، بالنسبة لغير الجاني فإنّه بتعزير الجاني يمتنع عن ارتكاب المحرّم، أو عن ترك الواجب عليه لعلمه أنّ العقاب في الحالتين ينتظره (٢). (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٥٢. (٢) انظر: التعزير في الشريعة الإسلامية ص٢٩٤، أثر تطبيق الشريعة ص ١٦٠. والشريعة الإسلامية وقد شرع فيها التعزير للزجر والإصلاح إنما قصدت بذلك إیجاد مجتمع صالح تسود فيه المحبة، وترفع عنه البغضاء، وأسباب الكراهة، ويعرف فيه كل مواطن ما له وما عليه، ويعرف فيه طريق الشر واضحًا فيجتنب، وطريق الخير واضحًا فيتبع، فلا یکون فیه مجال للجريمة، وهذا الغرض البعيد من أهم الأغراض التي يتوق إليها اليوم المصلحون والعلماء، وهو واضح في أقوال کثیر من الفقهاء، فهم يقولون: إن التعزير محتاج إليه لدفع الفساد، وإخلاء العالم منه، وإزالة المنكر(٣). فعقوبة التعزير في الواقع أساس قوي لاستقرار النظام، ودليل واضح على صلاحية تطبيق أحكام الشرع في مختلف البيئات والأزمنة، والشريعة وإن تركت تحديد العقوبة في الجرائم التعزيرية إلى ولي الأمر فإنها قيّدته في ذلك بما يقتضيه حال الجماعة وتنظيمها، والدفاع عن مصالحها في حدود القواعد العامة للشريعة، ومع هذا فالمقصود بعدم التحديد تمكين ولي الأمر من أن يضع من العقوبات ما يتناسب مع حاجة العصر والبيئة، وأن يكون له حق العفو عن المجرم دون مساس بحق المعتدي عليه، كما أن سلطة القاضي واسعة عند التطبيق، فإنه يصح أن يقضي بأقصى العقوبة (٣) التعزير في الشريعة الإسلامية ص٢٩٨. www. modoee.com ١١٣ حرف الحاء أو أدناها حسب الظروف المختلفة أو المشدّدة، ومن حق القاضي أن يعزّر المجرم على جرمه سواء تنازل صاحب الحق أم لم يتنازل، وسلطة القاضي من توقيع العقوبات لا يتوقف على دعوى يتقدم بها المجني عليه أو وليه، وإنما يكتفي أن يشعر القاضي بالجريمة عن طريق الدعوى العامة، وليس للمجني عليه أو وليه أن يمنع حكم التعزير أو يوقف تنفيذه؛ لأن الحق لیس خالصًا له، وإنما فيه حق الجماعة، والقاضي إنما يعزره نيابة عن المسلمين عامة(١). موضوعات ذات صلة: السياسة، العبادة، العنصرية (١) انظر: الأحكام السلطانية ص ٢٩٥، المدخل للفقه الإسلامي ص٧٤٨. ١١٤ مُؤْمُو ◌َرُ الْتَشْكِالوضوء جوبيه القرآن الكريم