Indexed OCR Text

Pages 21-40

الحية
المجتمع.
إنّ الآثار التي تتركها جريمتا الزنا
وشرب الخمر على الفرد والمجتمع
ينتفي معها أن يكون الزنا وشرب الخمر
من باب الحرية الشخصية. فالزنا اعتداء
على الأسرة، وهدم لكيانها، وتشكيك
بالأنساب، وتضييع للأطفال، وإشاعة
للريبة في النساء والزوجات، وعزوف
عن الزواج، وانتشار للأمراض إلى غير
ذلك من المفاسد والأضرار(١)، فمن
حق المجتمع أن يحمي نفسه من هذه
الأضرار. ووقوع الزنا برضا الزانيين لا
يجعل الزنا مشروعًا، ولا يزيل أضراره.
إنّ ادعاء الحرية الشخصية في شرب
الخمر فيه كثير من المغالطة؛ لأن
الإنسان ليس حرًّا في إيذاء نفسه؛ لأنه
ليس ملكًا خاصًّا لنفسه، وإنما هو
مملوك لخالقه، فلا يسوغ له أن يعبث
بعقل ملك لله، وشارب الخمر يعيش
في المجتمع ويستفيد من وجوده فيه
أمنًا ورفاهية وسعادة، فعليه إذن أن
يلتزم بالنظام العام، وإنما ينفع الجماعة
إذا كان سلیمًا عقله، صحیحًا جسده،
مستقيمًا في تصرفاته، فكل إيذاء
يتعرض له الفرد سواء كان بإرادته أم
بغير إرادته يعود بالضرر على المجتمع
(١) انظر: أضرار الزنا ص ١٣٦.
الذي يعيش فيه. وشارب الخمر هو
قدوة سيئة أمام غيره، وفیھم کثیر من
الضعفاء سوف يقتدون به ويقلّدونه
بغير وعي في بعض الأحيان. وأسوأ ما
يكون الأثر على أسرة السّكير، ولو علم
أيّ جريمة يرتكبها في حق أولاده لجلد
نفسه بنفسه قبل أن يجلده الآخرون.
ولا ننسى المشاحنة والبغضاء التي
تقوم بين الشاربين حين يفقد كلٍّ وعيه،
وينسى إنسانيته، فتنفلت الشرور،
وتهون الجريمة، وتعطّل الإرادة
الضابطة، والوعي الوازن للأمور.
٤. إن ترك الإنسان يعبث ويضر نفسه
وغيره بحجة رعاية حريته الشخصية هو
منطلق الأطفال الصغار الذين يصرخون
ويولولون إذا منعوا من اقتحام النار
أو تناولوا المؤذيات، أو عوقبوا على
ذلك؛ لئلا يعودوا إلى أفعالهم.
الشبهة الثانية:
عارض بعض شرّاح القوانين الوضعية
عقوبة الجلد؛ وذلك لسببين:
١. النفور من الألم البدني.
٢. إنقاص الاحترام الواجب نحو شخص
الإنسان.
ويردّ على هذه الشبهة بالآتي(٢):
(٢) انظر: التشريع الجنائي، عودة عبدالقادر
٠٦٣٧/١
www. modoee.com
٨١

حرف الحاء
١. إنّ عقوبة الجلد تمتاز بأنها موجهة
إلى حساسية الجاني المادية، وأن
الخوف من ألم الجلد هو أول ما يخافه
المجرمون، فيجب الاستفادة من ذلك
في إرهابهم.
٢. إن القول بأن الجلد سبب لإنقاص
الاحترام الإنساني، فهو فكرة لا محل
لھا في العقاب، ولا يصح أن يحتجّ بها
لمن لا يوفر الاحترام لنفسه.
٣. إن الشريعة الإسلامية عندما وضعت
عقوبة الجلد لبعض الجرائم لم تضعها
اعتباطًا، وإنما وضعتها على أساس من
طبيعة الإنسان، وفهم لنفسيته وعقليته،
فمثلًا: حينما قرّرت الشريعة عقوبة
الجلد للزنا دفعت العوامل النفسية
التي تدعو للزنا بعوامل نفسية مضادّة
تصرف عن الزنا، فإذا تغلّت العوامل
الداعية على العوامل الصارفة وارتكب
الزاني جريمته مرة؛ كان فيما يصيبه من
ألم العقوبة وعذابها ما ينسيه اللذة،
ويحمله على عدم التفكير فيها.
٤. إنّ عقوبة الجلد ما تزال مطبّقة في
انجلترا، ويلجأ إليها في الولايات
المتحدة كوسيلة لتأديب المسجونین،
وقد اقترح إدخالها في فرنسا للمعاقبة
على أعمال التعدي الشديد التي تقع
على الأشخاص؛ وذلك لأنّ العادات
قد تطورت تطورًا مخيفاً، وصارت
طبقات العامة تلجأ إلى القوة والعنف
لحسم المنازعات، وأنّ الإجرام قد
تغيّر مظهره، فأصبح أعظم شدّة وأكثر
حدّة من ذي قبل، ولا وسيلة لتوطيد
الأمن إلا بإعادة العقوبات البدنية.
وهكذا نرى أنّ الشريعة الإسلامية قد
سبقت القوانين الوضعية في تقرير عقوبة
الجلد.
الشبهة الثالثة:
الاعتراضات على الحرية الدينية في
الإسلام:
يعترض عادة على الحرية الدينية في
الإسلام باعتراضين شهيرين، وهما: الجهاد
في سبيل الله، والعقوبة على الردة، وعادة
ما يشترك في توجيههما صنفان، وهما:
المعارضون لكل الأديان من الملاحدة
وغيرهم، وبعض أتباع الأديان الأخرى،
وخاصة اليهودية والنصرانية.
وسوف نقف مع كل اعتراض وقفة
سريعة موجزة، نكشف من خلالها عن
حقيقة الجهاد في سبيل الله، وعن أهدافه
وغاياته، وعن حقيقة عقوبة المرتد، وعن
أهدافها ومصالحها، ونجيب في كل ذلك
عن سؤال منافاتها للحرية بصورة واضحة
وجلية.
الاعتراض الأول: مشروعية الجهاد في
٨٢
القرآن الكريم

الحية
سبيل الله:
الجهاد في الإسلام معنی واسع جدًّا،
فھو یشمل الجهاد باليد، والجهاد باللسان
والبيان، والدعوة إلى الحق، وإنکار المنکر،
والجهاد بالمال بإنفاقه في سبيل الله، وجهاد
النفس على التزام طاعة الله تعالى .
ولكن كون جهاد العدو وقتاله باليد في الله عنهما: (أن عبد الرحمن بن عوف
سبيل الله أمرًا مشروعًا ومأمورًا به فهو من
القضايا البدهية في الإسلام، وهو من أوضح
الأمور وأجلاها.
وفهم حقيقة الجهاد، وحسن التعامل
مع أحكامه ومع النصوص الشرعية التي
جاءت في شأنه مبني بشكل أساس على
معرفة المراحل التي مر بها تشريعه وإقراره
في الإسلام؛ لأنه بإدراك هذه المراحل يدرك
الباحث أهداف الجهاد وغايته، ويدرك أيضًا
دلالات النصوص المتعلقة به، ويدرك
أيضًا التطورات التي مر بها، ومن ثمّ یحسن
الاستدلال بكل نص في المحل الذي
یناسبه.
ومن أكبر الإشكالات الاستدلالية عند
المعاصرين المنكرين لجهاد الطلب هو
أنهم أغفلوا تلك المراحل، ولم يراعوا
التدرج التشريعي فيه.
وقد أكد عدد كبير من العلماء في
التفسير والفقه على أن المراحل التي مر بها
تشريع الجهاد في الإسلام هي أربع مراحل
أساسية (١)، وهي:
المرحلة الأولى: مرحلة المنع من
الجهاد، وهي المرحلة المكية، وقد قال
الجصاص: ((لم تختلف الأمة أن القتال كان
محظورًا قبل الهجرة»(٢).
ويدل على هذا حديث ابن عباس رضي
وأصحابًا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم
بمكة، فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عز
ونحن مشر کون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال:
إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا)(٣).
المرحلة الثانية: مرحلة الإذن بالجهاد
من غير أمر به؛ وذلك أنه حين هاجر النبي
صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أذن الله
للمؤمنین بقتال من قاتلهم من الكفار، كما
جاء في قوله تعالى: ﴿أَذِنَّ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ
بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ﴾
[الحج: ٣٩].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
(١) انظر: أحكام القرآن، الشافعي ٩/٢-١٢،
أحكام القرآن الجصاص ٣١٩/١-٣٢١،
أحكام القرآن، ابن العربي ٤٢٧/٢.
(٢) أحكام القرآن ٣١٩/١.
وانظر مزيدًا من نقل الإجماع: موسوعة
الإجماع في الفقه الإسلامي، مسائل الإجماع
في أبواب الجهاد، صالح الحربي ص٢٧.
(٣) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الجهاد، باب
وجوب الجهاد، ٢/٦، رقم ٣٠٨٦.
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي
٦/ ٢، رقم ٣٠٨٦.
www. modoee.com
٨٣

حرف الحاء
((لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من حكم الشريعة، وكان تشريع هذه المرحلة
في آخر حیاة النبي صلی الله عليه وسلم،
مکة، قال أبو بكر: أخرجوا نبیھم! إنا لله وإنا
إليه راجعون، ليهلكن، فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَ نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ﴾ فقال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون
قتال، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فهي
أول آية نزلت في القتال)» (١).
وقد جاء فيها نصوص كثيرة، ومنها قوله
تعالى: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ بِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ
وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
المرحلة الثالثة: مرحلة الأمر بقتال من
قاتل المسلمين، والكف عن غيرهم، وقد
جاء في هذه المرحلة نصوص كثيرة، وهي
أطول المراحل في العهد المدني، ومما جاء
فيها قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَّدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى
قَوْبِمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّشَقُّ أَوْ جَاءُ وَكُمْ حَصِرَتَّ
صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَائِلُوكُمْ أَوْ يُقَئِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ
اللَّهُ لَسَلَّطَّهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَلُكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَم
يُقَئِلُوكُمْ وَأَلْقَوْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَاجَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ
سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠].
المرحلة الرابعة: مرحلة الأمر بجهاد
الكفار، ونشر الدعوة الإسلامية، وفرض
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٥٨/٣، رقم
١٨٦٥، والترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب من سورة الحج، ١٧٧/٥، رقم
٣١٧١، والنسائي في سننه، كتاب الجهاد،
باب وجوب الجهاد، ٢/٦، رقم ٣٠٨٥.
وصححه الألباني في التعليقات الحسان على
صحيح ابن حبان ٧/ ١٠٣، رقم ٤٦٩٠.
وغيرها وسبق الحديث هذه المراحل.
الشبهة الرابعة:
العقوبة على الردة:
تعدّ عقوبة الردة في الإسلام - مع قضية
الجهاد- من أكثر الموضوعات الاعتراضية
التي يلوّح بها المخالفون للإسلام
والساعون إلى نقده، فتراهم في كل حين
وفي كل مناسبة يظهرونها على أنها تمثّل
نقصًا وخللاً في بنية الإسلام وأحكامه،
وأنها مؤشر ودليل على محاربة الإسلام
للحرية الدينية في نظرهم.
والمراد بالردة: الخروج من الإسلام،
وترك التدين به، سواء كان بالقول أو الفعل
أو الاعتقاد.
والإسلام يحرّم هذا الخروج، ويعدّه
جريمة من أكبر الجرائم وأفظعها، ویرتّب
عليها عقوبة قاسية، هي عقوبة القتل
والإعدام بعد الإصرار على ترك التدين به.
وفي بداية الحديث عن عقوبة الردة في
٨٤
القرآن الكريم

الحية
الإسلام لابد من التأكيد على أن البحث فيها وحين أبلغ بعض الصحابة كفرهم إلى النبي
یکون على ثلاثة مستويات:
أما المستوى الأول: فهو العلة الموجبة
للعقوبة، وهي -كما سيأتي الكشف عنه-
الخروج من الإسلام، والكفر به، فمجرد أن
يخرج الشخص من دائرة الإسلام، ويترك
التدين به، فقد قامت به العلة التي توجب
إلحاق العقوبة به.
وأما المستوى الثاني: فهو شروط
إنزال العقوبة بالشخص المرتد، وفي هذا
المستوی یشدّد الإسلام کثیرًا، ويحتاط غاية
الاحتیاط في إنزال عقوبة الارتداد بالمعیّن،
وقد دلت النصوص الشرعية على أنه لا
يجوز إنزال العقوبة بالمرتد مباشرة، وإنما
لابد من توفر شروط ثلاثة أساسية، هي:
الشرط الأول: أن يظهر الارتداد من
الشخص، ویعلنه للآخرين، وأن يثبت ذلك
لدى القاضي الشرعي، أما إذا لم يظهره
للآخرين، ولم یقم بإعلانہ لھم، ولم يثبت
لدى القاضي أنه ارتد عن الدين، فإنه لا
يجوز إقامة الحد عليه، ويعامل معاملة
المسلمين في الظاهر، كما فعل النبي
صلى الله عليه وسلم مع المنافقين، فإنهم
كانوا يقولون الكفر ويفعلونه، وسمع منهم
بعض الصحابة كفرهم، ولكنهم لم يكونوا
يظهرونه في المجتمع، وینکرونه أمام النبي
صلی الله عليه وسلم، فلم يقم عليهم الحد،
عليه الصلاة والسلام لم يأخذهم بمجرد
ذلك؛ وإنما تحقق من الأمر، فأنكروا ما
نسب إليهم.
ولا يجوز أيضًا التجسس على
الأشخاص لمعرفة إذا وقعوا في الردة أو
لا ما داموا لم يظهروها، ولا يباح القيام
بحملات تفتيشية عنهم؛ لأن النبي صلى الله
عليه وسلم لم يفعل ذلك مع المنافقين، مع
علمه بوجودهم، وقد روي أن ابن مسعود
رضي الله عنه قیل له: هذا فلان يعني الوليد
بن عقبة، تقطر لحيته خمرًا - يقصد المتكلم
المبالغة في وصف كثرة شربه للخمر - فلو
بحثنا عن ذلك الآن وجدناه كذلك، فقال
ابن مسعود رضي الله عنه: «إنا قد نھینا عن
التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ
به))(١).
ثم إن الحكم بثبوت الارتداد في حق
شخص ما ليس متروكًا لكل أحد، وإنما هو
راجع للعلماء والخبراء، وهو حكم قضائي
لابد فيه من التأكد من كل الإثباتات الموجبة
لثبوت وصف الارتداد في الشخص.
الشرط الثاني: أن يتم التحقق من انتفاء
كل الإكراهات والضغوطات والأعراض
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
النهي عن التجسس، ٢٧٢/٤، رقم ٤٨٩٠.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
٢٧٣/٤.
www. modoee.com
٨٥

حرف الحاء
النفسية والعقلية التي تؤثر على قرارات من الكفر، ومن ثمّ فإن الأوفق للدين -في
الشخص السوية، فلا يصح إقامة حد الردة نظرهم - هو ألا يتعرض لأحد في رأيه،
على الشخص؛ حتى يتم التحقق من توفر
جميع الشروط، وانتفاء جميع الموانع التي
توصل إلى اليقين في ثبوت الكفر والردة في
حقه.
الشرط الثالث: أن يراجع الشخص
المعلن لردته ويناقش في موقفه الذي
اتخذه؛ وذلك عن طريق ما يعرف عند
الفقهاء بـ(الاستتابة) والمراد بها: أن يقوم
المختصون بمراجعة من وقعت منه الردة،
ومناقشته ومحاورته بالطريقة الصحيحة.
والصحيح أن الاستتابة واجبة، وأنه لا
يجوز قتل المرتد قبل استتابته، وهو قول
على الأخذ بها(٢).
الاعتراضات العقلية على عقوبة الردة في
نظر المنكرين لها:
أخذ بعض المنكرين لحد الردة يورد هو المجتمع النبوي، ومع هذا فقد وجد
اعتراضات عدة، أهمها:
الآراء مهما كانت مخالفتها لنصوص
الشريعة ولقطعیاتها سيؤدي ذلك إلى ظهور
النفاق والمراوغة خوفًا من العقوبة، والنفاق
أمر مذموم وقبيح في الدين، بل هو أقبح
(١) انظر: المغني، ابن قدامة ١٢ / ٢٦٦.
(٢) انظر: محاكم التفتيش، داغي تستاس ص٤٩،
محاكم التفتيش، رمسيس عوض ص ٩٥.
سواء تبنی الإسلام أو دینًا آخر، وسواء وافق
قطعيات الدين أو خالفها؛ حتى لا يقع النفاق
في المجتمع؛ فوجود الكفر الظاهر أخف
من وجود النفاق.
وهذا النوع من الاستدلال لقي انتشارًا
كبيرًا، وأمسينا نسمع به في كثير من
الحوارات واللقاءات، ولكننا عند التأمل في
مضمونه نجده مشتملًا على أخطاء منهجية
واستدلالية عدة، تجعله لا يصلح دليلاً لبناء
ما بني عليه من رؤى ومواقف(٣)، وبيان
ذلك بالأمور الآتية:
الأمر الأول: أن وجود النفاق في مجتمع
جمهور العلماء(١)، وقد أجمع الصحابة ما ليس دليلاً على فساد ذلك المجتمع،
ولا على فساد أخلاقه ولا نظامه، فلا يشك
مسلم في أن أكمل المجتمعات وأعلاها
أخلاقًا، وأكثرها التزامًا بتعاليم الإسلام
فيه النفاق والمنافقون، وهذا لا يعني أن
أن العقوبة على الردة، والمنع من إبداء الإسلام يقصد ويرحّب بوجود ذلك، أو أنه
يحثّ عليه، وإنما هو نتيجة طبيعية لقوة نظام
الإسلام، ولشدة تمسك المجتمع بشعائر
الدین.
وقد تتالت تأكيدات العلماء على أن
سبب وجود النفاق في المجتمع النبوي
(٣) فضاءات الحرية- العميري ص٤٠٢.
مَوَسُوبَةُ النَّسَيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٨٦

الحرية
في المدينة راجع إلى خشية المنافقين من
العقوبة، سواء كان من النبي صلى الله عليه
وسلم، أو من المجتمع الذي تربى على يديه
عليه الصلاة والسلام، وفي بيان هذا يقول
ابن جرير الطبري عن المنافقين: ((وطابقهم
سرًّا على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه وبغيهم الغوائل، قومٌ من أراهط
الأنصار الذين آووا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ونصروه، وكانوا قد عسوا في
شركهم وجاهليتهم ... ، وظاهروهم على
ذلك في خفاءٍ غير جهار، حذار القتل على
أنفسهم، والسّباء من رسول الله صلى الله
علیه وسلم وأصحابه، ورکونًا إلى اليهود لما
هم عليه من الشرك وسوء البصيرة بالإسلام،
فكانوا إذا لقوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأهل الإيمان به من أصحابه قالوا
لهم -حذارًا على أنفسهم -: إنا مؤمنون
بالله وبرسوله وبالبعث، وأعطوهم بألسنتهم
كلمة الحقّ، ليدرأوا عن أنفسهم حكم الله
فيمن اعتقد ما هم عليه مقيمون من الشرك،
لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من
شرکهم»(١).
الأمر الثاني: أن الإسلام في تشريعه
وينقل ابن تيمية عن الإمام أحمد وغيره للحدود والتعزيرات لم يراع رضا كل
الناس بتلك الأفعال التي تترتب عليها
العقوبة، وإنما جعل الحدود متعلقة بمجرد
تفسيرهم لكون النفاق لم يظهر في مكة،
فقال: ((قال أحمد وغيره: لم يكن من
المهاجرین منافق، وإنما كان النفاق في قبائل
(١) تفسير ابن جرير الطبري ١/ ١٥٠.
الأنصار؛ فإن مكة كانت للكفار مستولين
علیها، فلا یؤمن ویهاجر إلا من هو مؤمن،
ليس هناك داع يدعو إلى النفاق، والمدينة
آمن بها أهل الشوكة، فصار للمؤمنين بها عز
ومنعة بالأنصار، فمن لم يظهر الإيمان آذوه،
فاحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان مع أن
قلوبهم لم تؤمن))(٢).
فوجود النفاق إذن نتيجة طبيعية لظهور
أحكام الإسلام، وقوة تمسك المجتمع به،
ولتأکید الإلزام بتعالیمه وشرائعه.
وقد حاول بعض المعاصرين أن يفسّر
وجود النفاق في زمن النبي صلى الله عليه
وسلم بأنه لم يكن نتيجة الخوف من العقوبة
الشرعية، وإنما نتيجة الخوف من المجتمع.
ولكن هذا التفسير لا ينفعه؛ لأن ذلك
المجتمع هو أشرف وأكمل وأنيل مجتمع
عرف في تاريخ البشرية، وكان يعيش فيه
الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه
الكرام، فوجود النفاق فيه خشية العقوبة مع
إقرار النبي صلی الله عليه وسلم له دليل
علی أنه ليس نقصًا في حد ذاته.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠١/٧.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٧٦.
www. modoee.com
٨٧

حرف الحاء
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
الفعل، فقال سبحانه:
فَاقْطَهُوَ أْأَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
﴿الَِّيَةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ
وقال سبحانه:
وَحَدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِ دِيِنِ اللَّهِ
إِنْ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور: ٢].
وترتب على هذه العقوبة أن عددًا من
الراغبين في السرقة والزنى يتخفى بأفعاله
الشنيعة، وينافق المجتمع في حاله، فهل
هذا يعني أن تلك التشريعات باطلة؛ لأنها
أدت إلى حصول النفاق من بعض أفراد
المجتمع؟!
الأمر الثالث: أنه لا يخلو نظام في العالم
من مبدأ الإلزام، ولا من المعاقبة على
المخالفة له، ومن المعلوم أنه ليس كل أفراد
المجتمع سيكون راضيًا بما تضمنه النظام؛
ومع ذلك فبعضهم يلتزم به ولا يظهر في
العلن مخالفته له، فهل يصح لنا أن نأخذ
من هذا فساد فكرة النظام؛ لأنها أدّت إلى
حدوث النفاق في المجتمع؟!
ومن يقول: يجب ألا نلزم الناس بشيء
من أحكام الشريعة إلا من خلال القانون،
ولا نعاقب أحدًا على مخالفته لتعاليم الدين
إلا من خلاله هو في الحقيقة يدعو أيضًا
إلى النفاق؛ لأن فكرة القانون قائمة على
الإلزام، و کثیر من أفراد المجتمع لم يرض
بفكرة التصويت ولا الانتخاب ولا بالعملية
الديمقراطية، فكيف يلزم بها؟! أليس في
هذا دعوة إلى النفاق؟!
الأمر الرابع: أن العادة في المجتمعات
المتمسکة بتعالیم دینها بشکل جید أن تكون
أعداد المخالفين لأحكام الشريعة فيها قليلة
جدًّا، ويمثّلون دائمًا نسبة ضئيلة، وتزداد
النسبة قلة في حالة الارتداد والخروج من
الدين، فمنع هؤلاء ومعاقبتهم - وهم العدد
الأقل- لأجل مصلحة العدد الأكبر والأكثر
هو الأولى بالتقديم من جهة العقل ومن جهة
الشرع، فحتى لو نافق أولئك العدد القليل
من أجل خوفهم من العقوبة، فوقوعهم في
النفاق أقل ضررًا في إعلانهم الكفر والردة
والفساد في المجتمع المسلم المتمسك
بتعالیم دینه.
ثم إن عدم الوقوف ضد الكفر الظاهر
سيؤدي إلى انتشار الكفر في المجتمع،
والتباس الرؤية على من كان ضعيف التصور
من المسلمين، وأما تشريع المنع من انتشاره
فإنه وإن کان یؤدي إلى وجود المنافقين،
فإن أعدادهم ستكون قليلة، ووجود نفاق
قليل أخف بكثير من انتشار الفكر الظاهر في
المجتمع المسلم.
ولعل من المستغرب من خلال طرح
البعض لهذا الاعتراض أنه يصوّر لك بأن
هناك أعدادًا كبيرة في المجتمع المسلم تريد
الردة والخروج من الدين، ولكنها امتنعت
خوفًا من العقوبة، وأن هذا تسبّب في
صَوْ سُوبَة النَّهـ
القرآن الكَرِيْمِ
٨٨

الحية
إحداث النفاق بصورة كبيرة! ولكن الحقيقة
أن هذا مجرد تهويل لهذا الاعتراض؛ فإن
من يرغب في الخروج من الدین عدد قليل
جدًّا، وكلما ازداد المجتمع تمسكًا بالدين
وظهرت معالمه قلّت نسبة تلك الفئة؛ فلماذا
التهويل إذن؟!(١).
(١) فضاءات الحرية، العميري ص٤٠٥.
مجالات الحرية
أولًا: مجال العقيدة:
لقد دعا الرسل جميعًا أقوامهم إلى عبادة
الله دون إجبار، فسیدنا نوح عليه السلام أول
أولي العزم من الرسل الذي لبث في قومه
يدعوهم إلى التوحيد ألف سنة إلا خمسين
عامًا.
قال تعالى: ﴿فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا
خَسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].
استهزأ به قومه وعيّروه بأنه لم يتبعه إلا
من هم ينظرون إليهم بازدراء وسخرية،
وكذّبوا به؛ لأنه بشر مثلهم.
قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
قَوْمِهِ، مَا نَزَنِكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَزْنِكَ
أَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَافِلْنَا بَادِىَ الرَِّ
وَمَا تَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ
كَذِينَ﴾ [هود: ٢٧].
خاطبهم عليه السلام بخطاب الداعية
الذي يريد الخير.
قال تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْرِ أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ
عَلَى بَيْنَةِ مِّن رَّبِّ وَءَانَمِنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ، فَعُمِّيَتْ
عَلَيْكُمْ أَنْلِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَلِهُونَ﴾ [هود:
٢٨].
قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة
من ربي، والبينة: البرهان والشاهد بصحة
دعواه، ((وقيل: الرحمة والنبوة، وقيل:
www. modoee.com
٨٩

حرف الحاء
الهداية، وقيل: النبوة والحكمة))(١) .
ولا مانع من أن تكون كل هذه المعاني
من البينة، فقد كان نبيًّا وجاءهم بالبرهان على
ذلك، وبما يشهد له صحة دعواه، وبالرحمة
التي ينالونها لو اتبعوه، وبالحكمة، ولكن
هذا البرهان وهذه الرحمة.
﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ بضم العين وتشدید
الميم على قراءة حمزة والكسائي وخلف
وحفص، وبفتح العين وتخفيف المیم على
قراءة الباقین، وهما بمعنى واحد «لأن العرب
تقول: عمّى على الأمر بالتشديد، وعَمِيَ
بالتخفيف بمعنى واحد))(٢)، والتشديد
يفيد المبالغة في الأمر، فإذا كانت الحجة
واضحة ولكنكم لم تهتدوا ماذا نفعل بكم
بعد ذلك؟ أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟
أي: أنکرهکم على قبولها، ونجبرکم علی
الاهتداء بها ((وهذا الاستفهام للإنكار، أي:
لا نفعل ذلك؛ لأنه لا إكراه في الدين)»(٣).
وقد روى الطبري عن قتادة ((أنه قال:
أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه،
ولكنه لم يستطع ذلك، ولم يملكه)) (٤).
فهذا الأمر من الأمور التي تتفق فيه
الشرائع الدينية الإلهية، فلم يستطع الأنبياء
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ١٤٢.
(٢) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها، ابن
خالويه ١/ ٣٧٩.
(٣) صفوة التفاسير، الصابوني ٢/ ١١.
(٤) جامع البيان، الطبري ٣٩/١٢.
السابقون إكراه أقوامهم لا بسبب قلة العدد
أو العدة؛ إذ إن الله قادر على أن يمدهم
بالملائكة حتى لا يبقوا على الأرض أحدًا
غیر مؤمن بهم ... ، ولکن دعاهم وآلان لهم
القول، وعاش سنوات عديدة يدعوهم،
ولعل نوحًا هو أكثر من عانى؛ إذ دعا
قومه ألف سنة إلا خمسین، وهم يزدادون
عنادًا وكفرًا وتكذيبًا، فعاقبهم الله سبحانه
وتعالى بعد ذلك بالعذاب في الدنيا، ولهم
عذاب عظيم في الآخرة، وليس هذا إكرامًا
في الدین؛ إذ إنه لو کان إکراها لعذّبھم منذ
الوهلة الأولى، ولم يستمر نبيهم يدعوهم
هذه الفترة الطويلة.
وقال تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيَمْ إِنَّهُ.
كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا ) إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا
لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا يَأَبَتِ
إِنِّيِ قَدْ جَاءَفِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَأَتَّبِعْنِيّ
أَهْلِكَ صِرَطًا سَوِيًا ( يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ
إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَأَبَتِ إِّيَّ
أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ
لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا ﴿ قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ
ءَالِهَتِى يَإِبْزَهِيمٌ لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ
وَأَهْجُرْنِيِ مَلِيًّا قَالَ سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرُ
لَكَ رَبِيِّ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤١-٤٧].
ففي هذه الآيات من لطف العبارة في
النصح ما يكون نبراسًا للداعية؛ إذ إنه
عليه السلام خاطب أباه بالأبوة الدالة على
٩٠
القرآن الكريم

الحية
توقيره، ثم أخرج الكلام مخرج السؤال، ولم مَّن يَأْتِيَّ مَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
يقل له: إنك جاهل، بل قال: إني قد جاءني
من العلم ما لم يأتك، ونسب الخوف إلى
نفسه دون أبيه، كما يفعل الشفيق الخائف
على من يشفق عليه؛ وهذا هو خطاب
الأنبياء لأممهم في القرآن، إذا تأملته وجدته
ألين خطاب وألطفه (١).
وهذه السور كلها مكية، فهي تخاطب
كفار قريش المعاندين المستكبرين،
وتخاطب من يأتي بعدهم، ويسير على
مناهجهم من المشرکین، ولا يدل هذا على
استحسان القرآن لما يختارونه، سواء أكان
حقًّا أم باطلًا، ولكن فيه تحذير لمصيرهم إذا
فهذه نماذج من دعوات الأنبياء السابقين
عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم لا
بالشدة والإكراه.
اختاروا السوء، فلا أحد يجبرهم على شيء،
يريدون تنفير أقوامهم، ولا يخاطبونهم وفي هذه الآيات دليل على ذلك، فهي ((تنفي
مطلق الإكراه، وتكرّس تكريسًا أبديًّا للحرية
التي قام عليها الإسلام»(٢).
ولقد خلق الله الإنسان وجعل له القدرة
على فعل الخير والشر، وجعل له عقلًا يميّز
به بین الخير والشر، وحثّه على اختيار الخير،
وحذّره من اختيار الشر.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّيَّكٌُّ فَمَن شَآءَ
فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءُ فَلْيَكْفُرَّ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ
فَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ
بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ
وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩].
يختار الطريق الذي یمیل إلیه قلبه، وتترجم
هذا الميل جوارحه، يعمل العمل الصالح
الذي يسعد به، أو عمل السوء الذي يشقى
به في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرٌ أَم
(١) بدائع التفسير، ابن القيم ١٤٢/٣.
(٢) الحرية عند العرب، إبراهيم حداد ص٦٦.
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣/ ٤٩٤.
(٤) تفسير السمرقندي ٣٤٥/٢.
www. modoee.com
٩١
وقد عبّرت هذه الآية بهذا التخيير بعد ما
بينت أن الحق هو «ما یکون من جهة الله، لا
ما يقتضيه الهوى))(٣)، أو هو القرآن (٤).
وهو أمر للرسول صلى الله عليه
وسلم بأن يرد على قومه، ويخاطبهم بهذا
الأسلوب «أيها الناس الحق من ربكم، لیس
إلي من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم
من كان للحق متبعًا، وبالله وما أنزل علي
فهذه الآية تعطي الخيار للإنسان أن مؤمنًا، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا،
فإنكم إن كفرتم فقد أعد لكم ربكم على
كفركم نارًا أحاط بكم سرادقها، وإن أمنتم
به، وعملتم بطاعته، فإن لكم ما وصف الله

حرف الحاء
لأهل طاعته))(١).
حقًّا إنه تخيير وحرية، لا جبر ولا إكراه،
حدد مصیر المؤمن، ومصیر الکافر، ثم وضع
كل ذلك تحت مشيئة الإنسان، والتي لابد أن
تتعلق مشيئته بمشيئة الله، فهو ليس له مشيئة
منفصلة، وقد اقتضت مشيئة الله هذه الحرية
بهذا الشرط والجزاء، من شاء فليؤمن، ومن
شاء فلیکفر، ومع هذا فقد قدّم الإيمان؛ حقًّا
للناس على اختياره، وأما في التحذير وبيان
مصير الطرفين فقد قدّم مصير الكافر حتى
يصاب بالخوف والقشعريرة، ويقر طالبًا
بيان الطريق الثاني ومصيره، فلا يدعه عقله
إلا اتباعه، والاستقامة على الحق الذي هو
من عند الله؛ کی لا تحيط بهم سرادق النار،
ولا يشوي وجوههم المهل.
وقال تعالى: ﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ
عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُّرِيْدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ.
جَهَتَّمَ يَصْلَمُهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا () وَمَنْ أَرَادَ
اُلْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ
كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].
فالعاجلة هي الحياة الدنيا، بدليل قوله:
وَمَنْ أَرَادَاُلْآَخِرَةَ ﴾ والذي يريدها سوف
ينالها بلا شك، ولكن بالقدر الذي يريده الله
سبحانه وتعالى، ولمن یرید سبحانه وتعالى
منهم أن یعطیه، أو من یرید التعجيل له. ثم
في الآخرة يندم على هذا الاختيار السيئ؛ إذ
(١) جامع البيان، الطبري ٢٩٦/١٥.
يلقى في جهنم مذمومًا مدحورًا، وأما الذي
يريد الآخرة، ويعمل لتحقيق هذه الرغبة مع
توفر الإیمان، فإن الله لا یضیع عمله.
وقد أيدت هذه المنهجية الكثير من
الآيات، ومنها الآية الأربعون من سورة
فصلت: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيّ
ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
يقال: بأنها نزلت في أبي جهل المشرك
الطاغیة کبیر کفار قریش، وعمار بن ياسر
الصحابي المستضعف في الجاهلية، أعزه
الله بالإسلام ((فعمار خير؛ لأنه يأتي آمنًا
يوم القيامة، وأبو جهل شر؛ لأنه يلقى في
النار))(٢).
وهناك آيات تبيّن نعم الله سبحانه
وتعالى على عباده، وما رزقهم به من الخير،
سواء أکان خیرًا معنويًّا، وهو الرشد والهدایة
والدين الحنيف، أو خيرًا ماديًّا كتسخير
الليل والنهار الذي جعلهما الله سبحانه
وتعالى خلفة.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جُلََّ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ
خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾
[الفرقان: ٦٢].
((يخلف هذا إذا ذهب هذا جاء هذا، أي:
خلفه، أو يخالف أحدهما صاحبه)) (٣).
(٢) لباب النقول، السيوطي ص٩٨.
(٣) غريب القرآن، السجستاني ص ١٩١.
٩٢
القرآن الكريم

الحية
كل هذا خلقه الله سبحانه وتعالى
للإنسان؛ لکي یتفکر فیه للوصول إلى معرفة
الخالق سبحانه، والإيمان به.
((ومن هذه الآيات آيات تذكّر الناس بما فكأنه لم يوعظ به غيرهم، ثم بيّن أن مشيئة
أعدّ لهم يوم القيامة، وبهول الحشر والنشر،
وأنه إذا ماتوا فلن يتركوا سدى، بل هناك
جنة ونار، نعیم وجحيم، رضوان وسخط،
وتذكّرهم كذلك بمصائر الأقوام التي
سبقتهم، وما آلوا إليه، ثم تطلق لهم حرية
العمل بعد أن توسع آفاقهم بالمعرفة، وتنیر
ضمائرهم الشخصية الكامنة في الاختيار
المناسب، وتحقيق مشيئتهم ﴿فَمَن شَآءَ
ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥].
أي: هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى
هذا الحد العظیم، فأي حاجة به إلى أن يقبله
هؤلاء الكفار سواء قبلوه أو لم يقبلوه، فلا
تلتفت إليهم، ولا تشغل قلبك))(١).
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ،
سَبِيلًا﴾ [الإنسان: ٣٩، والمزمل: ١٩].
﴿فَمَنْ شَآءَ أَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَثَابًا﴾ [النبأ: ٣٩].
أي: مرجعًا.
فعموم الإكراه بشتى أنواعه منهي عنه في
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما الإسلام ((فالنفي في ﴿لَاَ إِكْرَاهَ﴾ بمعنى:
النھي»(٤).
أنه قال: «فمن شاء الله به خيرًا هداه حتی
يتخذ إلی ربه مابًا)»(٢).
﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨].
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٥/٣١.
(٢) المصدر السابق ٢٦/٣١.
التقدير: إن هو إلا ذكر لمن شاء منكم أن
يستقيم، وفائدته إن الذين شاءوا الاستقامة
بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر،
الاستقامة متوقفة على مشيئة الله، وما
تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين(٣).
كل هذا واضح وضوحًا لا يشك فيه
أحد يريد الحق، أن مشيئة الإنسان أطلق
لها العنان في الاختيار، ثم هي التي تتحمل
مسئولية هذا الاختیار بلا جبر ولا إكراه، بل
هي حرية تامة، وهذا من عظیم رحمة الله،
فعلى الإنسان أن يطلب الحق والنجاة؛ كي
يوفّقه الله سبحانه وتعالى على الاختيار
السليم، ويترك العناد، وطلب الشهوات؛
لئلا یخذله الله، إن الله على كل شيء قدير.
ولا إكراه في الدين، قال تعالى: ﴿لَآ
إِكْرَاهَ فِىِ الذِينِّ قَدَ تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ
يَكْفُرْ بِالَّغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدٍ
أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنْفِصَامَ لَا وَاللَّهُ سَمِيعُ
عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
واختلف في سبب نزول هذه الآية، فروی
أبو داودعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
(٣) المصدر السابق ٣١/ ٧١.
(٤) محاسن التأويل، القاسمي ١/ ص٣٢٤.
www. modoee.com
٩٣

حرف الحاء
كانت المرأة تكون مقلاةً(١)، فتجعل نفسها على الإكراه والجبر، وخصصنا الدين
الإسلامي بذلك ((لأن اللام في الدين
للعهد، وهو الإسلام، أو أن اللام بدل من
الإضافة، والمراد دين الله، كما قال بعض
المفسرين»(٤).
إن عاش لها ولد أن تھوّده، فلما أجلیت بنو
النضير كان فيهم أبناء الأنصار، فقالوا: لا
ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَآ إِكْرَاهَ
فِي الدِّينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيْ﴾(٢).
وقيل: ((إنها نزلت في رجل من الأنصار
یکنی أبا الحصین، و کان له ابنان، فقدم تجّار
الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما
أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي
الحصین فدعوهما إلى النصرانية، فتنصّرا،
وخرجا إلى الشام قبل أن يبعث النبي صلى
الله عليه وسلم، ثم قدما المدينة في نفر من
الأنصار يحملون الطعام، فأتاهما أبوهما
فلزمهما، وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما،
فأبيا أن يسلما، فاختصموا إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله
أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟! فأنزل الله:
﴿لَّ إِكْرَاهَ فِى أَلَدِّينِ﴾ فخلى سبيلهما))(٣).
وأيًّا كان سبب النزول فالآية تفيد فائدة
لا مرية فيها أن الدين الإسلامي لا يعتمد
(١) أي: لا يعيش لها ولد.
انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٩٨/١٥.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد،
باب الأسير يكره على الإسلام، ٥٨/٣، رقم
٢٦٨٢، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب
التفسير، قوله تعالى: (لا إكراه في الدين)،
٣٦/١٠، رقم ١٠٩٨٣.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
٥٩/٣.
(٣) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص ٨٥-٨٧.
والإكراه هو الحمل على فعل مكروه
«والعاقل لا يحتاج للإكراه على الدين، بل
يختار تلقائيًّا الدين الحق))(٥).
ورغم هذا فنرى الآيات الكريمة
تخاطب أصحاب العقول، وتثير حفيظتهم
لكي ينتبهوا إلى هذا الخطاب الإلهي وهذه
الشريعة السمحاء، فيتبعون النبي الكريم.
وهناك سبب آخر يجعل القرآن يقر حرية
الاعتقاد، ويجعله يأمر أتباعه بعدم إكراه
الغير ألا وهو («أن الدين سلسلة من المعارف
العلمية التي تتبعها سلسلة أخرى عملية
يجمعها أنها اعتقادات، والاعتقاد والإيمان
من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه
ولا الإجبار))(٦).
وكذلك فقد عّلت نهاية الآية هذا الحكم
بقوله تعالى: ﴿قَدَ تَّبَيَّنَ الرُّشْدُمِنَ الْغَيْ ﴾ فقد
ظهر الهدى والرشد، وظهر الضلال والكفر،
والرشد هو ((إصابة وجه الأمر ومحجة
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦/٤.
(٥) إعراب القرآن الكريم، محيي الدين الدرويش
٣٨٨/١.
(٦) الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي ٧/
٣٤٣٢.
مَوَسُولَة النَّبـ
القرآن الكريم
٩٤

الحرية
الطريق، والهدى إصابة الثاني، فهو أخص أن لا يكرهوا بعد أن يؤدّوا الجزية، أما
من الرشد)»(١).
ولكن القرآن عبر بالأعم وهو الرشد؛
ليشمل الهدى وغيره، وهذا هو أسلوب
القرآن الحكيم، وبلاغته العالية: ومن
ثمّ دعت الآية المسلمين بالاستمساك
بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ((أي: لا
انقطاع))(٢)، ويكون الاستمساك بالعروة
الوثقى هو الاستقامة على طريق الحق
القويم.
وهو ما طبّقه الرسول صلى الله عليه
وسلم وصحابته من بعده، وهي ((تمثّل قاعدة
كبرى من قواعد الإسلام، وركنًا عظيمًا من
أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على
الدخول فیه، ولا يسمح لأحد أن یکره أحدًا
من أهله على الخروج منه))(٣).
وقد اختلف المفسرون في حكم هذه
الآية هل هو منسوخ أم باقٍ؟ أم مخصوص
بأهل الكتاب؟ أم ناسخ لغيره؟ يجدر بنا أن
يرجّحه الدليل، ويطمئن إليه القلب:
قيل: إن هذه الآية نسخها أمر الحرب، في
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ
وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣].
وقيل: نزلت بسبب أهل الكتاب في
(١) المنار، محمد رشيد رضا ٣٥/٣.
(٢) عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ص ٤٢٧.
(٣) المنار، محمد رشيد ٣٩/٣.
مشرکو العرب فلا يقبل منهم جزیة، ولیس
في أمرهم إلا القتل أو الإسلام، وهو الذي
رجحه النحاس (٤)، والطبري(٥).
وقيل: معنى: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ((أي:
لا تقولوا فیه لمن دخل بعد حرب أنه دخل
مكرهًا؛ لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح
إسلامه فليس بمكره))(٦)
وقال الرازي: ((إن أمر الدين لم يبن على
الإجبار والقسر، وإنما بني على التمكين
والاختيار)»(٧) .
ويقول ابن عاشور: ((وعلى هذا تكون
الآية ناسخة لما تقدم من آيات القتال، مثل
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ
وَاُلْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمٌّ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّةٌ وَيِئْسَ
الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩].
على أن الآيات النازلة قبلها أو بعدها
أنواع ثلاثة:
أحدها: آيات أمرت بقتال الدفاع، كقوله
نعرض هذه الآراء بشكل مختصر مع تأييد ما تعالى: ﴿وَقَئِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً
كَمَا يُقَيِّلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
وقوله: ﴿الشَّهُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْخَرَاءِ وَالْخُرُمَتُ
قِصَاصَُّّ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُ واْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا
أُعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ ﴾ [البقرة: ١٩٤].
(٤) الناسخ والمنسوخ، النحاس ص٢٥٨.
(٥) المصدر السابق ص٢٥٩.
(٦) معاني القرآن وإعرابها، الزجاج ص٣٢٨.
(٧) مفاتيح الغيب، الرازي ٤ / ١٧.
www. modoee.com
٩٥

حرف الحاء
وهذا قتال ليس للإكراه على الإسلام، بل وكذلك لم يقبل منهم إلا الإسلام بسبب
هو لدفع غائلة المشرکین.
النوع الثاني: آيات أمرت بقتال
المشركين والكفار، ولم تغيّ بغاية، فيجوز
أن یکون إطلاقها مقيدًا بغاية آية: ﴿حَی
يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
فلا تعارضه آيتنا هذه ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِي
الدِّينِ﴾.
النوع الثالث: ما غُمِّيَ بغاية، كقوله تعالى:
﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾
[البقرة: ١٩٣].
فیتعین أن یکون منسوخًا بهذه الآية وآية:
﴿حَّ يُعطُوا الْجِرْبَةَ ﴾ کما نسخ حديث:
(أمرت أن أقاتل الناس)(١) هذا ما یظهر لنا
في معنى الآية، والله أعلم))(٢).
والقول الثاني هو الذي يؤيده فعل
الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أخذ
الجزية من اليهود، وألزم المشركين الإسلام
أو القتال، وليس إلزام المشركين الإسلام
أو القتال بسبب الإكراه؛ لأننا بيّنا أن من
ضوابط الحرية عدم التعارض مع الفطرة،
والشرك معارض للفطرة بدون أدنى شك،
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب قوله
تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)،
١٤/١، رقم ٢٥، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا:
لا إله إلا الله محمد رسول الله، ٥٣/١، رقم
٢٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٣.
معاندتهم وحربهم للإسلام والمسلمين،
ومحاولتهم تدمير دولة المسلمين، فدمّر الله
دولتهم، وأزال ملکھم، و کذلك من أسباب
قتال المشركين هو شرط توفر المستوى
الحضاري للإنسان الذي يميز بين الإسلام
والشرك، وهو غير متوفر في مشركي العرب،
وأما القول بأن هذه الآية منسوخة فهو لا
يؤيده فعل الرسول صلى الله عليه وسلم،
وكذلك لا يمكننا أن نبطل حكم آية بمجرد
أننا لم نستطع تأويلها، فإن الآية التي يمكن
حملها علی غیر النسخ فهو أجدر بها؛ إذ
إبقاء الآية على حكمها أفضل من تعطيلها،
وكذلك عدم الإكراه هو قاعدة كبيرة تحلى
بها الإسلام، وهذه الآية من أوضح الآيات
التي تدل على هذه القاعدة.
أما القول الثالث فهو ينبني على تكلف
وتفسیر بعید لا یؤیده سبب نزول هذه الآية،
وإن كنا لا نقول بخصوص السبب مع عموم
اللفظ (٣).
وأما القول الرابع فهو قول فلسفي في
حقيقته، صحيح لا شك فيه، ولكن هذه الآية
عملية وليست مجرد اعتقاد، وأما القول
الخامس: فهو الذي ذهب إليه ابن عاشور،
(٣) هي قاعدة أصولية قالها الكثير من علماء
الأصول، وبعضهم رأى عكس ذلك، وقال:
العبرة بخصوص السبب وإن كان اللفظ عامًا.
انظر: الموافقات، الشاطبي ٣/ ٢٥٠.
٩٦
القرآن الكريم

الحرية
ويردّ عليه بأن سبب الآية يذكر بأنها نزلت يدّعون بأنهم مجبورون على الكفر والشرك،
ويقولون: إن الله لا يريد إيماننا وإلا لآمنا،
بعد غزوة بني النضير، کما تقدم، وقوله هذا
يدل على أنها تأخر نزولها حتى فتحت شبه
الجزيرة العربية، ودخل العرب في الإسلام،
ثم جاءت هذه القاعدة، وهذا لا دلیل له.
فهم ادعوا القسر والإكراه، ولكن الله تعالى
يرد شبهتهم هذه، ويقول لهم: إنه لا جبر ولا
إكراه، والدليل على ذلك ((أن الله عاقب
المشركين السابقين لسوء فعلهم، ولو أن
وذكر المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
شَآءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَن فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاً
أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾
[يونس: ٩٩].
أعمالهم السيئة كانت بمشيئة الله لما عاقبهم
عليها، وأن الاعتذار بالمشيئة نوع من الكذب
على الله، ثم بعد ذلك طالب الله المشركين
بدليل على زعمهم: ﴿قُلّ هَلْ عِنْدَكُمْ مِّنْ
عِلَّمِ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].
«أي: أنه لن يؤمن بك، ويقر برسالتك إلا
من شاء الله، وإنك لن تستطيع أن تكره أحدًا
على اتباعك، ولو حاولت بكل سبيل))(١)؛
لأن حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت خلق
هذا الكائن البشري مستعدًّا للخير والشر،
ومنحته القدرة على اختيار هذا الطريق أو
ذلك «فالإيمان إذن متروك للاختبار، لا يكره
الرسول صلی الله علیه وسلم أحدًا»(٢).
وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُو ◌ْلَوَّشَآءَ
اَللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَّ
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ
بَأَسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّاً
إِن تَنَِّمُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
﴿ قُلْ فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَِّغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَدَكُمْ
أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨-١٤٩].
هذه الآية تحاور المشركين الذين
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٢٢٤.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٨٢١/٣.
ولو شاء الله أن يجبر الناس لأجبرهم
على الهدى، ولن يجبرهم على الكفر؛ لأن
الله لا یحب الکفر لعباده، ولکن الناس لهم
الحرية في سلوك طريق معين))(٣).
وقد أرسل الله سبحانه الرسل، وأيدهم
بالدليل والحجة، وحذّر وأنذر، وبشّر
المؤمنين، كل ذلك لكي يختار الناس الخير
والإيمان، ولو شاء أن يجبرهم على الهدى
لما عجز عن ذلك، ولكن حكمة الله اقتضت
أن يعطي الناس الحرية في الاختيار.
الفرع الثاني: المفارقة القرآنية في الدين:
قد أمر الله رسوله بأن يدعو الناس إلى
عبادة الله، وهذه الآيات القرآنية الكثيرة
التي تحث على ذلك، والمبيّنة لهم الهدى
والضلال، والمبشرة المهتدين بالثواب
(٣) روح الدين الإسلامي، عفيف طبارة ص١٥٨ .
www. modoee.com
٩٧

حرف الحاء
الجزيل في الدنيا والآخرة، والمنذرة بن المغيرة والعاص بن وائل، والأسود
الضالين المضلين بالويل والثبور، والعذاب بن المطلب، وأمية بن خلف؟(٣) أو معهم
الألیم يوم القيامة، وبعد ذلك أتت آيات
المفارقة، فهذا هو الحق فإن اتبعتموه
رشدتم، وإن توليتم فلي ديني، ولکم دین،
أنا بريء منكم، وأنتم بريئون مني.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
ث ◌َآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ نْ وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ
مَا أَعْبُدُ ﴾ وَلَآ أَنَاْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُمْ ن ◌َوَلَا أَنْتُمْ
عَِدُونَ مَا أَعْبُدُ الَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾
[الكافرون: ١-٦].
هذه السورة مكية(١)، ((نزلت في أفراد
متعنتين من كفار قريش، أرادوا مساومة
النبي صلی الله عليه وسلم إذ قالوا له: يا
محمد اتبع ديننا، ونتبع دینك، نعبد إلهك
سنة، وتعبد آلهتنا سنة، فإن کان الذي جئت
به خيرًا مما بأیدینا قد شر کناك فیه، وأخذنا
بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا ما في
يدك قد شركت في أمرنا، وأخذت بحظك،
فقال: (معاذ الله أن أشرك به غيره) فأنزل الله
هذه السورة، فغدا رسول الله إلى المسجد
الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقرأها عليهم
حتى فرغ من السورة، فأيسوا عند ذلك(٢).
ولا يهمنا من هؤلاء النفر؟ هل الوليد
(١) روي عن قتادة أنها مدنية، ولكن سبب النزول
يؤيد ما ذكرنا، بأنها مكية.
انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٥٥٨.
(٢) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص٣٧٨.
کذلك أبي بن خلف، وأبو جهل، وابنا
الحجاج الذين قتلوا في بدر إلا أن ما يهمنا
في هذه السورة هذه المفاصلة في العقيدة،
وشدة التمسك بالحق، فهو ليس تجارة
دنيوية تتأثر بقضية العرض والطلب إذا
دفعوا أكثر فيوافق وإلا فلا، وليس الدين
یؤخذ بالهوی، یطاع عامًا، ویرفض عامًا، بل
من أراد الدین فلیأخذه كاملا في كل وقت،
وإن رفض فإن الله غنى عن العالمين ((وهذه
المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الاختلاف
الجوهري الكامل الذي يستحيل معه اللقاء؛
لأن الاختلاف في جوهر الاعتقاد، وأصل
التصور، وحقيقة المنهج، فالتوحيد منهج،
والشرك منهج آخر، وهذه المفاصلة
ضرورية للداعية، وضرورية للمدعوين)) (٤).
ونظرًا لأهمية هذه السورة فقد ذكر
بعض العلماء ((أنها تعدل ثلث القرآن،
وقيل: ريعه))(٥)، وكذلك تعددت أوصاف
هذه السورة، فوصفت بأنها سورة المنابذة،
(٣) ذكر القرطبي أنه الأسود بن عبد المطلب،
والظاهر أنه خطأً، فالمشهور أن الذي عاند
الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسود بن
المطلب، ولا يوجد الأسود بن عبد المطلب،
وهذا الذي ذكره الطبري.
انظر: جامع البيان ١٥/ ٤٣٠.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٩٩٢/٣.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٦/٣.
٩٨
مَوَسُوبَةُ النَّة
القرآن الكريمِ

الحرية
ووصفت بسورة الإخلاص(١) وإذا نظرنا الحال)) (٤) وهذا أبلغ لقطع أطماع الكافرين
إلى تركيبة هذه السورة اللغوية نجد أنها تعبّر
أن تنفي في المستقبل، ثم في الوقت
الحاضر.
تعبيرًا لا يجعل مطلق الشك لأحد بمدى
وقيل: ((للتأكيد، وفائدة التوكيد قطع
أطماع الكافرين)»(٥).
حزم القرآن في أن يفاصل المشركين، فقد
کرر نفي أن یعبد ما یعبدون مرتین، ونفی أن
يعبدوا ما يعبد مرتين، ثم ختم السورة بقوله:
﴿لَكُرْدِينُّكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].
إمعانًا في هذا المعنى، وقطعًا لكل من
تسوّل له نفسه أن يساوم الرسول صلى الله
علیه وسلم، أو أحد الدعاة في عقيدته؛ لذا
ذكر في سبب النزول بعد أن أورد السبب
((فأيسوا عند ذلك))(٢) وقد تعددت آراء
المفسرين في فوائد هذا التكرار، ولا بأس
أن نذكر هذه الآراء مختصرة:
قال الطبري: ((لا أعبد ما تعبدون من
الآلهة والأوثان الآن، ولا أنتم عابدون ما
أعبد الآن، ولا أنا عابد فيما استقبل ما عبدتم
فيما مضى، ولا أنتم عابدون فيما تستقبلون
أبدًا ما أعبد أنا الآن وفيما أستقبل)) (٣).
وقال أبو حيان ناقلًا عن الزمخشري
ومؤيدًا ذلك: ((أن الأول للمستقبل، والثانية
للماضي)»، ثم علق أبو حيان بقوله: ((وهذا
أبلغ؛ لأن (لا) في الغالب تنفي المستقبل
على سبيل المقابلة، والثانية نفيًا للحال؛ لأن
اسم الفاعل العامل الحقيقة فيه دلالته على
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣١/ ١٤٨ بتصرف.
(٢) أسباب النزول، الواحدي ص٣٧٨.
(٣) جامع البيان، الطبري ٤٣٠/٣٠.
وقيل: (المقابلة قولهم إذا قالوا:
تعبد آلهتنا، ونعيد إلهك ... ، فنفى كلا
القولين)» (٦).
وعلى العموم فإن الآيات نفي قاطع
بقبول ترك الدين الحق، واتباع الأوثان،
وتعليم للدعاة؛ لئلا يرضوا بالمساومة في
دین الله، وإن کان الأبلغ ما قاله أبو حيان،
ونقله عن الزمخشري: بأن الأول للمستقبل،
والثاني للماضي والحاضر؛ لأنه تؤيده الأدلة
اللغوية؛ وللمبالغة في قطع أطماع الكافرين.
ولقد ختم هذه السورة بقوله تعالى:
﴿لَكُرْدِينُّكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].
ولهذه فوائد عظيمة تؤيد المفاصلة، منها
کما ذكره المفسرون:
معنى التهديد: ومعناه: إن رضيتم
٠
بدینکم فقد رضینا بدیننا.
معنى الآية يقول: ((إني نبي مبعوث
٠
إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا
لم تقبلوا مني، ولم تتبعوني فاتركوني،
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ١٠/ ٥٦٠.
(٥) المصدر السابق.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٦/٢٠.
www. modoee.com
٩٩

حرف الحاء
ولا تدعوني إلى الشرك)»(١).
لكم دينكم فكونوا عليه إن كان الهلاك
خيرًا لكم، ولي ديني لأني لا أرفضه (٢).
وهناك آراء أخرى تدور حول هذا
المعنى.
ثانيًا: مجال الرأي:
تقرر فيما قبل أن الحرية في المفهوم
الشرعي هي: التصرف عن محض إرادة
واختيار، دون إكراه، وهذا يشمل القول
والفعل.
وقد تعرضت كثير من نصوص القرآن
الكريم والسنة النبوية لهذا النوع من النشاط
الإنساني، أعني: (التعبير) أو (القول
والكلام)، وجاء التوجيه القرآني الكريم
بالتزام القول الحسن، وترك ما عداه مما لا
فائدة منه، أو مما فيه مضرة في الدين، أو في
العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع
المسلم.
وقد حدّد القرآن الكريم والسنة النبوية
المطهرة ضوابط الكلام وآدابه تحديدًا دقيقًا
وواضحًا، نجمل شيئًا منه فيما يلي:
الأول: حسن اختيار الألفاظ.
ويدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا
وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَلِلْكَفِرِينَ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤٨/٣١.
(٢) المصدر السابق.
[البقرة: ١٠٤].
عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
أَقْوَاتُ بَلْ أَحْيََّةٌ وَلَكِنْ لَّا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:
١٥٤].
الثاني: مراعاة مضمون الكلام.
ومنه قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَقِىَ
اَلْفَوَِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغَْ بِغَيْرِ
اَلْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ
تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَاَ نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
وقوله: ﴿وَقُولُواْلِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:
٨٣].
وقوله: ﴿ وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْلَتِىِ هِىَ أَحْسَنٌ
إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنَزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ
لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا قُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
وقوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ
اللَّهَ وَقُولُواْقَوْلًا سَدِينًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ((أي:
مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف»(٣).
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال:
قلت: يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟
قال: (من سلم المسلمون من لسانه ويده) (٤).
وفي الحديث الآخر: (من كان يؤمن بالله
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥٢١/٣.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب أي الإسلام أفضل، ١١/١، رقم ١١،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان
تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل، ٦٦/١،
رقم ٤٢.
١٠٠
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ