Indexed OCR Text

Pages 21-40

الحضارة
أسس البناء الحضاري في ضوء القرآن
لا بدلكل بناء من أسس ولا بد لكل أساس
من عماد، والحضارة الإسلامية بناء مشيد
على أسسٍ محكمة متينة، وأعمدة حصينة
وسياج قويّ، فالإيمان والعمل الصالح،
وتقوى الله تعالى والسعي لرضوانه، واغتنام
الأوقات وتوظيف المال، مع التوكل على
الله تعالی والأخذ بالأسباب من أهم عناصر
هذا البناء الحضاري، وفي القرآن الكريم
آيات كثيرة تقرّر هذه الأصول، ويكفي
أن نتأمل في سورة العصر كيف جمعت
هذه الأصول: الوقت، والإنسان، والغاية،
والإيمان والعمل الصالح، والتواصي
بالحق والتواصي بالصبر، وما يقتضيه ذلك
من واجبات، حتى قال الإمام الشافعي
رحمه الله: ((لو تدبر الناس هذه السورة
لوسعتهم)»(١).
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ )) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى
خُسْرٍ ٦) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:
١-٣].
ولقد بصّرتنا هذه السورة بأساس
الحضارة ونبراسها: الإيمان، والعمل
الصالح، والتواصي بالحق، والصبر، سعيًا
في إصلاح النفس وإصلاح الغير، وطلبًا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٧١/٤.
لإکمال النفس وتکمیل الغیر.
وفي هذا الفصل نتحدث عن عناصر هذا
البناء في ضوء آيات القرآن مع إبراز دورها
في قيام الحضارة ونهوضها وحمايتها.
أولًا: الإيمان والعمل الصالح:
الإيمان غراس الحضارة ونبتتها
وأصولها، الإيمان شجرة طيبة باسقة، مزهرة
مونقة، مثمرة مغدقة، الإيمان روح الحضارة
وركيزة الانطلاق إلى التقدم والرّقي، الإيمان
إكسير الحياة، وزاد الإنسان، وشعلة الكون،
ونفحة الوجود.
قال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ
مِن رَّبِّهِ، وَاَلْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتِكَتِهِ،
وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْ زُّسُلِ،
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
اَلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
والإيمان هو التصديق بما جاء به رسول
الله صلی الله علیه وسلم من عند ربه، وهو
شامل للإيمان بالله تعالى، وملائكته، و کتبه،
ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره،
حلوه ومرّه إيمانًا صادقًا واعتقادًا صحيحًا
ویقینًا ثابتًا وعملًا صالحًا.
والإيمان هو الزاد والمنطلق، وهو مقياس
أي تقدّم ونبراس التحضّر، وهو حصن الأمم
وملاذها في السراء والضراء، ليست العبرة
بكثرة المخترعات، ولا بوفرة الإنتاج، ولا
www. modoee.com
٣٠٥

حرف الحاء
بالتقدم التقني، فهذه كلها مظاهر مادية هذا الإيمان الصادق بالزاد الروحيّ وأذكى
لا تكفل للحضارة بقاءها وازدهارها، بل في فؤاده روح المثابرة وأشعل في قلبه وقود
العبرة بالزاد الإيماني الذي يقيم الحضارة،
ويحفظها، ويوجهها ويرشّدها، ويعدّ روّادها
وصفوتها.
والإيمان نبراس مبين يضيء لصاحبه
شتى دروب الحياة.
قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَوَمَن كَانَ
مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ، نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي
النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ القُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
[الأنعام: ١٢٢].
قال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله تعالى
للمؤمن الذي كان ميتاً، أي: في الضلالة
هالگًا حائرًا، فأحياه الله، أي: أحيا قلبه
بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله»(١).
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وقال تعالى:
أُسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ
وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٤].
فبالإيمان حياة القلوب، ونور البصائر،
وجلاء الأفهام، وبه تسمو الأرواح وتتآلف،
وتتفتق الأذهان وتتوقد القرائح، وتنشط
الجوارح، وتعلو الهمم وتنهض الأمم،
فكلما ضعفت إرادة العبد، ووهنت قواه
وكلّ جهده في السعي إلى المعالي، أمدّه
(١) المصدر السابق ١١٠/٢.
الانطلاق، و کلما أحاطت به المخاوف كان
هذا الإيمان ملاذًا آمنا، وحصنًا حصيناً،
يفيء إليه المؤمن، فيطمئن قلبه، وتسكن
نفسه، والإيمان سرّ التفوق وإكسير النجاح،
بالإيمان يرقى وينهض، فهو زاد القلوب،
وضياء العقول، ونور البصائر، يقول شيخ
الإسلام ابن تيمية واصفًا أهل الإيمان:
(ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم
والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في القرون
والأجيال)»(٢).
بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها
تُنال إلَّا على جسرٍ من التعب(٣)
وهو السبيل إلى الحياة الآمنة المطمئنة،
الراضية المرضية، الطيبة الكريمة، قال تعالى
في سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ
طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
قال ابن القيم رحمه الله: «فضمن لأهل
الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا
بالحياة الطيبة والحسنى يوم القيامة، فلهم
أطيب الحياتين وهم أحياء في الدارين)) (٤).
(٢) نقض المنطق، ابن تيمية ص ٨.
(٣) انظر: رياض الأنس في بيان أصول تزكية
النفس، إبراهيم العلي ص ٦٢.
(٤) الجواب الكافي ص ٨٤.
٣٠٦
مُوسوبر النفسية
القرآن الكريم

الحضارة
الَّذِينَ
وقال تعالى في سورة الأنعام:
ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُمُ
الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾، فالإیمان مصدر الأمن
والأمان، والسكينة والأنس والطمأنينة،
وراحة البال وسلام الروح.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَبُ الْبَرِّيَّةِ﴾ أي: أفضل
الخليقة؛ لأنهم بمعرفتهم الحق واتباعهم
له، قد حققوا لأنفسهم معنى الإنسانية التي
شرفهم الله بها، وبالعمل الصالح وتحصيل
الفضائل نالوا معالي الرّتب، وتزيّنوا
بالفضيلة وتمسّكوا بالقيم التي جعلها الله
قوام الوجود الإنسانيّ، فضربوا أروع أمثلة
للإنسانية.
وميادين العمل الصالح واسعة ومنتشرة
فالإيمان هو منهج الحياة وعمل فتشمل كلّ عمل صالح مثمر يلتمس منه
صاحبه رضا الله تعالى.
الصالحات؛ تشمل کل خير وبرِّ وإحسان،
وفق شريعة الله في الأرض، فمن كانوا
کذلك فهم خير البرية.
ولا قيمة للحياة ولا وزن لها إن لم
يحكمها الإيمان، فإذا ارتقت الأمم وتقدمت
مادِّيًّا وتخلّفت إيمانيًّا فإنها إلى الفناء تصير
مهما طال بقاؤها.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىِّ ءَامَنُواْ
وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ
وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾
[الأعراف: ٩٦].
وعمل الصالحات یکون بالامتثال لکل
ما أمر الله به ودعا إليه، واجتناب كل ما نهى
الله عنه وحذر منه.
ولقد ورد ذكر العمل الصالح في القرآن
الكريم ما يقرب من (٥٥) مرة، وقد جاء
دائمًا مقترنًا بالإيمان، وهذا يدل على
ارتباطهما الوثيق وتلازمهما المستمر، فلا
إیمان بدون عمل صالح يعبر عنه ويبرهن
عليه، ولا قيمة للعمل الصالح بدون إيمان
یقوم علیه ویرکن إلیه، فالإیمان بدون عمل
کالشجر بلا ظل ولا ثمر.
والعمل الصالح بدون إيمان كالجسد بلا
روح، فلا إیمان بدون عمل ولا عمل بدون
إيمان.
والإيمان والعمل الصالح هما السبيل
إلى إصلاح النفس وكمالها وسعادة الإنسان
في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ.
وَمَنْ أَسَآءُ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُجَعُونَ﴾
[الجاثية: ١٥].
والإيمان والعمل الصالح هما
السبيل إلى النصر والتمكين.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ
كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
www. modoee.com
٣٠٧

حرف الحاء
لَكُمْ دِينَهُمُ الَّذِ آَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنْهُم مِنْ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُدُونَفِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن
كَفَرْ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾
[النور: ٥٥].
وقال عز وجل في سورة الأنبياء: ﴿ وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ
[الأنبياء:
يَقُّهَا عِبَادِىَ الصََّلِحُونَ ﴾
١٠٥].
فالعمل الصالح مع الإيمان الخالص:
هما أساسا السعادة والفلاح، والرقي
والتقدم، والنهوض والتحضر. وميادين
العمل الصالح واسعة ومتنوعة، وتشمل كل
عمل مفید مثمر يلتمس منه الإنسان ويتحرّی
فيه رضا الله تعالى.
والحياة الطيبة التي ينشدها الناس لا
سبيل لها إلا بالإيمان والعمل الصالح.
قال سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ
صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ.
حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [ النحل: ٩٧].
فرسالة المؤمن هي رسالة الإصلاح
والرعاية ورسالة الخير والعطاء؛ ذلك أن
المؤمن كالنخلة لا يسقط ورقها، ولا ينقطع
نفعها، فكل ما فيها نافعٌ مفيدٌ، فضلًا عن
ثمرها الطيّب؛ وفي الصحيحين عن عبد الله
بن عمر رضي الله عنهما قال: (قال رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم: (إنّ من الشّجر
شجرةٌ لا يسقط ورقها، وإنّها مثل المسلم،
فحدّثوني ما هي؟) فوقع النّاس في شجر
البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنّها
النّخلة، فاستحییت، ثمّ قالوا: حدّثنا ما هي یا
رسول اللّه؟ قال: فقال: (هي النّخلة)، قال:
فذكرت ذلك لعمر، قال: لأن تكون قلت هي
النّخلة، أحبّ إليّ من كذا وكذا)(١).
فالمؤمن وحده هو الذي يعرف مهمتّه
في الوجود، ويسعى إلى تحقيقها والقيام
بها، يؤمن بأن وجوده لغاية سامية هي عبادة
الله تعالى، ويستعين بإيمانه ويقينه على
العمل الصالح الذي ينهض بمجتمعه وأمته
وجميع بني جنسه.
فالإيمان هو الأساس الذي يقوم عليه
صرح الصلاح والرّشد والتقوى في نظر
القرآن، إن المؤمن تنمو وتتزكى أعماله في
نظر القرآن، کما یخضر وینضر ویورق ويثمر
ما يغرسه البستاني من أشجاره في أخصب
أرض وأجود هواء.
والعمل الصالح هو الغراس الطيبة
للحضارة الإسلامية، والثمرة المباركة
للإيمان، هو جزء لا ينفك عنه وثمرة
تتفتق منه، وكثيرًا ما يقترن العمل الصالح
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب الحياء في العلم الحديث، رقم ١٣١،
ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنّة والنّار، باب مثل المؤمن مثل النخلة
رقم ٢٨١١.
٣٠٨
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحضارة
بالإيمان في القرآن؛ لبيان أنهما صنوان الأنبياء والصدق معهم وإيثارهم على النفس
وتحمّل المشاق، وتجشّم الصّعاب في سبیل
الله؛ نصرً لدینه ودودًا عن حياضه، ونشرًا
لدعوته، وقهرًا لأعدائه ونيلا منهم كل هذا
يعدّ من أجلّ الأعمال الصالحات التي تسطّر
في الصحائف ويجازى عليها العبد أحسن
جزاء.
متلازمان، فالإيمان هو الشجرة، والعمل
هو الثمرة، الإيمان غراس والعمل الصالح
جنى وحصاد، والعمل الصالح كل عمل
يعود بالخير على الفرد والمجتمع سواء
كان في محراب العبادة أو في ميادين السعي
والطلب، ويأتي الصلاح دائمًا صفة ملازمة
للعمل، وتابعًا لا ینفك عنه؛ لأن العمل لیس
على إطلاقه، وإنما هو مقترن بالصلاح،
وميزان الصلاح هو الكتاب والسنة، وثمراته
العاجلة والآجلة لا تحصى.
إن العامل لا يرجو الأجر الدنيوي وحده
على ما قدم، بل تتوق نفسه إلى ما عند الله
تعالى الذي لا یضیع عنده عمل عامل،
فالمؤمن یغرس ويصنع ويبني ويرفع ويتقن
العمل؛ طمعًا في الجزاء الأوفى، یراقب الله
تعالى في عمله، مما يدفعه إلى الدقة والإتقان
والتفنن والإحسان فينهض المجتمع وترقى
الصناعات وتتقدم المجتمعات.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ
وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ
اللَّهِ وَلَا يَرْضَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَاأَ وَلَا نَصَبٌّ وَلَا تَخْمَصَةٌ
فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَفِيطُ
الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ نَّيْلًا إِلَّا
كُلِبَ لَهُمبِهِ عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ
١٢٠ [التوبة: ١٢٠] فنصرة
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
فمقاومة الأعداء بالبطون الخاوية
والأكباد الظمأى والأبدان المتعبة والأقدام
الراسخة المغبرة من أفضل الأعمال
الصالحة؛ لما فيها من مقاومة الشّرّ
ومحاصرة الفساد واقتلاع جذوره، وغرس
الصالحات هي رأس العمل الصالح وعماده
وذروة سنامه. وإنّ هذا البعث الذي أقام
العرب من أنقاض الجاهليّة، وأشعل نبراس
حضارتهم ووحّد صفوفهم ورایتھم وسما
بنفوسهم إلى علياء الفضيلة وحلّق بأرواحهم
في آفاق الأمجاد وأذکی فیھم روح التنافس
وعلوّ الهمّة ما هو إلا الإيمان الذي أحيا الله
به قلوبًا، وشرح به صدورًا، وأنار دروبًا إلی
التّقدّم والرّقيّ.
قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ
وَجَعَلْنَا لَهُّ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ.
فِيِ اُلِّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ
لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[ الأنعام: ١٢٢].
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ.
لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ، فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ
www. modoee.com
٣٠٩

حرف الماء
قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِّ أُوْلَكَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴾
[الزمر: ٢٢ ].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ
أَمْرِنَأَ مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن
جَعَلْتَهُ نُورًا تَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَأْ وَإِنَّكَ
لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [ الشورى: ٥٢].
ثانيًا: العلم النافع:
جاء القرآن بالعلم الذي يحيي موات
القلوب، ويصلح فسادها، ويجلّيها ويوقد
سراجها، جاء بمنهج وطريقٍ وركائز لبناء
أسمى الحضارات وأنقاها، لم تقم تلك
الحضارة على أنقاض حضارةٍ أخرى،
ولم تكن وريئةً أو ربيبة لحضارةٍ أخرى،
بل قامت على رمال الصّحراء الشّاسعة،
وأوقدت شعلتها وأشرقت شمسها بعد
ظلام ليلٍ طويلٍ حالكِ؛ لتنثر ضياءها في
ربوع الكون، ولتبدأ البشريّة عهدًا جديدًا
في ظلال الإسلام، الذي تولّى قيادة موكب
الإنسانيّة قرونًا عديدة، جاء بالروح التي
تسري في الأمة، فإذا هي حيّةٌ نابضة بعد
أن كانت راقدةً خامدة، فالإيمان هو القداح
الذي أذكي شعلتها.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّيِِّنَ
رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَيْهِ، وَيُزَكْبِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلِ تُبِينٍ﴾
[ الجمعة: ٢].
بينما كانت الجزيرة العربية غارقةً في
جاهليةٍ جهلاء، راقدة في سباتٍ عميق،
عاطلةً عن لآلئ المعالي جاء الإسلام،
وسرت روح الإیمان في جسدٍ هامد سرعان
ما دبّت فيه الحياة، وبسقت شجرة الحضارة
التي تنبت جذورها في تلك الصّحراء
المقفرة، وامتدّت أغصانها في كلّ النّواحي.
إن الحاجة إلى العلم ضروريّةٌ للإنسان،
فهو أساس النهضة والتقدم، وعماد
الحضارة، وقوام الحياة، وقد قام الإسلام
على أساس متين من العلم، وحسبنا أن
أول آيات نزلت من الوحي الإلهي إلى قلب
رسول الله صلى الله عليه وسلم أشارت إلى
فضل العلم، حيث أمر بالقراءة، وهي مفتاح
العلم، ونوّهت بـ (القلم)، وهو رمز العلم
وأداته التي يدوّن بها.
قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسِ رَيِكَ الَّذِي خَلَقَ ))
خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرُ الَّذِى
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسَنَ مَا لَمْيَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ -٥].
فلا يعرف دين -مثل الإسلام- ولا کتاب
-مثل القرآن- أشاد بالعلم، وحثّ عليه،
ورغب في طلبه، ونوه بأهله ومكانتهم،
وأعلى من قدرهم، وبيّن فضل العلم وأثره
في الدنيا والآخرة، وحض على التعلّم
والتعلیم.
العلم نورٌ وضياءٌ، وهدايةٌ وعصمةٌ،
وفضلٌ من الله ونعمةٌ، ومنحةٌ ورحمةٌ، به
٣١٠
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الحضارة
تنكشف الظلمات، وتنقشع غيوم الفتن،
وينجلي غبار الشّبهات، وهو نبراس
الحضارة وأساسها، وروحها وملهمها.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ
عِلْمَّاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ صِبَادِهِ
اَلْمُؤْمِنِينَ﴾[ النمل: ١٥].
قال القرطبي رحمه الله: ((وفي الآية
دليلٌ على شرف العلم، وإنافة محلّه وتقدّم
حملته وأهله، وأنّ نعمة العلم من أجلّ النّعم
وأجزل القسم، وأنّ من أوتيه فقد أوتي فضلًا
على كثير من عباد الله المؤمنين))(١).
وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [المجادلة:
١١].
((أي: في الثّواب في الآخرة، وفي
الكرامة في الدّنيا، فيرفع المؤمن على من
ليس بمؤمنٍ والعالم على من ليس بعالمٍ.
.. ويرفع العلماء منهم خاصة درجاتٍ بما
جمعوا من العلم والعمل)»(٢).
فالرفعة في الدنيا بسموّ المراتب
وتبوّء المناصب، وتقلّد الأمور، وتصدّر
المجالس، وفي الآخرة بعلوّ المراتب في
الجنان.
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْتَهَا
إِبْرَهِيمٌ عَلَى قَوْمِهْ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤٨/١٣.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣١٢/٣.
رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣].
قال السعدي رحمه الله: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ
مَننَشَاءٌ ﴾ «كما رفعنا درجات إبراهيم عليه
السلام في الدنيا والآخرة، فإن العلم يرفع
الله به صاحبه فوق العباد درجاتٍ، خصوصًا
العالم العامل المعلّم، فإنه يجعله الله إمامًا
للناس، بحسب حاله ترمق أفعاله، وتقتفی
آثاره، ويستضاء بنوره، ويمشى بعلمه في
ظلمة ديجوره))(٣).
ومن البراهين القاطعة والحجج الساطعة
على فضل العلم وأدواته ووسائله: افتتاح
الله عز وجل كتابه الكريم بصدر سورة
العلق: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيْكَ الَّذِىِ خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ
مِنْ عَلَقٍ ، أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَلْمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
٥ عَّمَ الإِنسَنَ مَا لَمْيَعَمْ﴾[١ - ٥].
فكما أنعم الله سبحانه وتعالى على
الإنسانية بنعمة الحياة كذلك أنعم عليهم
بنعمة العلم الذي يخرج الناس به من
ظلمات الجهل إلى نور المعرفة.
ومن شرف العلم وفضله: أن الله سبحانه
وتعالى حثنا على الاستزادة منه وأمر بذلك
نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وبيّن القرآن أن العالم وغير العالم لا
يستويان.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٦٣.
www. modoee.com
٣١١

حرف الحاء
وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ﴾
[الزمر: ٩].
فالعلم نورٌ وحیاةٌ، وغرسُ وبناءً، وسموٍّ
وانطلاقٌ، وتقدّمٌ وابتكارٌ، وتحضّرٌ وازدهارٌ،
أما الجهل فهدمٌ ودمارٌ، وحيرةٌ وانحدارٌ،
وغبشٌ وظلامٌ، وخرافاتٌ وأوهامٌ، وتخبّطٌ
وضلالٌ، فأظهرت لنا الآية الكريمة المفارقة
العظيمة بين حال العالم، وحال الجاهل، بين
بيئة العلم وبين بيئة باض فيها الجهل وأفرخ.
قال الرازي: («هذا التفاوت العظيم
الحاصل بين العلماء والجهّال، لا يعرفه
إلا أولو الألباب، قيل لبعض العلماء: إنكم
تقولون العلم أفضل من المال، ثم نرى
العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا
نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء؟
فأجاب العالم بأن هذا أيضًا يدل على فضيلة
العلم؛ لأن العلماء علموا ما في المال من
المنافع فطلبوه، والجهّال لم يعرفوا ما في
العلم من المنافع فلا جرم تركوه)) (١).
وقال ابن القيم: «لو لم یکن من فوائد
العلم إلا أنه يثمر اليقين الذي هو أعظم حياة
القلب، وبه طمأنینته وقوته ونشاطه، وسائر
لوازم الحياة»(٢).
وبالعلم تسمو الهمم وترقى الأخلاق
والقیم، وتضبط المعايير، وتعتدل الموازین،
وتتضح الرؤى قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ
وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّنَهَا إِلَّ الصَِّرُونَ﴾
[القصص: ٨٠].
فدعا أهل العلم إلى تسامي الهمم،
والتنافس في ميدان الخير والفضيلة،
والتسابق إلى عمل الآخرة وثوابها، لا إلى
أعراض الدنيا الفانية وملذاتها المنقضية.
والعلم الذي تنهض به أمتنا هو كل
علم نافع، سواء كان من علوم الشريعة
أم من علوم الطبيعة، أقصد كل العلوم
التي يحتاجها الناس في حياتهم؛ كالطبّ
والهندسة والزراعة والكيمياء وعلم الأحياء
وعلم الفيزياء وعلم الإحصاء وسائر العلوم
التي تعدّ من المقومات الأساسية للنهضة
الحضارية، العلوم التي توجّه الإنسان وتأخذ
بیده وتیسّر له القيام بمهمته في الوجود.
ولقد تحدث العلماء عن فروض الكفاية
التي إذا قام بها البعض سقط الإثم عن
الباقين، وإذا لم يقم بها أحد أثم كلّ قادر
على القيام بها، ومن هذه الفروض تعلّم
العلوم التي تستغني بها الأمة عن أعدائها،
وتدافع بها عن کیانها، والله سبحانه وتعالى
يقول في سورة الأنفال: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم
مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَمَاخَرِينَ
مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٩/٢٦.
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم ص ١٥٢.
مَوَسُوبَة النفسية
القرآن الكريم
٣١٢

الحضارة
مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا
نُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فكل قوة يستطيع المسلمون إعدادها
ثم يقصّرون فإنهم آثمون، والعلوم الحديثة
بكل جوانبها واجبة على الأمة؛ لأن ما لا
يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكل ما
يحتاج إليه المسلمون من العلوم ليحقق لهم
التفوق على غيرهم ولتكون لهم القوة على
عدوهم، فهو فرض کفائي علیھم، تأثم الأمة
إذا فرّطت فيه.
ثالثًا: التوكل على الله مع الأخذ
بالأسباب:
من أهم الأسباب إلى التقدم والنهوض
والحضارة والرقي: التوكل على الله تعالى،
فبيده مقاليد كل شيء، وهو المدبر لهذا
الكون المصرّف له، وبيده مفاتيح الرحمات
والبركات والعطايا، مع الأخذ بالأسباب
الموصلة للتقدم والنهوض، فالله تعالى
جعل الأخذ بالأسباب وتأثيرها سنةً في
هذا الكون لابد من أخذها بعين الاعتبار
ومراعاتها من أجل إصلاح الكون وعمارته،
فالتوكل على الله تعالى من عوامل النجاح
ومفاتح التيسير والقبول.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ
اُللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
ومن أحبه الله أيده وسدّده.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]،
فاعبده حق العبادة، وتوكل عليه حقّ التوكّل،
وما ربك بغافل عن أعمال العباد، بل مطّلعٌ
علیھا ومحصیھا؛ لیجازیھم بها.
والتوكل من أسباب النصر والتمكين.
قال تعالى: ﴿إِن يَنصُرَّكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ
لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنصُرُّكُم مِنْ
بَعْدِهِهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (
﴾ [آل
عمران: ١٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اللّهِمِنْ
بَعْدٍ مَا ظُلِمُواْ لَنُوِّثَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَأَجْرُ
الْآَخِرَةِ أَكْبَرٌ لَوْ كَانُواْيَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤١-٤٢].
فالتضحية والبذل والعطاء مع لزوم
الصبر والتوكل من أسباب السعادة والهناء
والاستقرار في الدنيا مع حسن المكانة
والمنزلة.
والسبب في اللغة كل شيء يتوصل به
إلى غيره(١).
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ
قُلْ سَأَقْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَا لَهُ.
فِي الْأَرْضِ وَءَانَيْتَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبًّاً ) فَأَنْبَعَ سَبَبًا﴾
[الكهف: ٨٣ - ٩٣].
فذو القرنين هیأ الله له الأسباب ومگّن له
(١) لسان العرب، ابن منظور، ١/ ٤٣.
www. modoee.com
٣١٣

حرف الحاء
فارتقى بالأسباب وطوّر من ملكاته وإمكاناته،
حتى ملك ما بين المشرق والمغرب، ونشر
العدالة والرحمة بينهما بإيمانه وتوكله
ومراعاته لسنَّة الأخذ بالأسباب، واجتهاده
ومهارته في الأخذ بالأسباب وإتباع بعضها
بعضًا، قال الزمخشري: السبب ما يتوصل به
إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة(١).
فقانون السببية، أي: ربط المسببات
بأسبابها والنتائج بمقدماتها، هذا القانون عام
شامل لكل ما في العالم، ولكل ما يحصل
للإنسان في الدنيا والآخرة. وقد زعم البعض
أن من تمام التوكل ترك الأسباب حتى التي
جرت عادة الناس بها كحمل الزاد في السفر
مثلًا حتى قيل: إن من تمام التوكل أن لا
يحمل المتوكل الزاد في سفره للحج، بل
وفي غيره من الأسفار، فيدخل إلى الصحراء
بلا زاد ولا ماء.
قال ابن تيمية رحمه الله في ردّه على هذا
القول: ((وهذا القول وأمثاله من قلّة العلم
بسنّة الله في خلقه وأمره، فإن الله تعالى خلق
المخلوقات بأسباب، وشرع للعباد أسبابًا
ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا
والآخرة، فمن ظنّ أنه بمجرد تو کله مع تركه
ما أمره الله به من الأسباب يحصل مطلوبه،
وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي
(١) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٧٤٣.
جَوَسُو ◌َرَ التقنية المضوي
القرآن الكريم
جعلها الله أسبابًا لها فهو غالط)) (٢).
وقال ابن القيم: ((والله أمر بالقيام
بالأسباب، فمن رفض ما أمره الله أن يقوم
به فقد ضادّالله في أمره، و کیف یحلّ لمسلم
أن يرفض الأسباب كلّها؟»(٣).
رابعًا: التقوى والاتباع:
تقوى الله تعالى من أهم أسس البناء
الحضاري، وحصونه المنيعة، فتقوى الله
زادٌ وسراجٌ وعصمةٌ ومنهاج، وتقوى الله
تعالى دافعٌ لعمل الصالحات واجتناب
المحرمات وإتقان الأعمال ومراقبة الله
تعالى في جميع الأحوال، والمبادرة إلى
البرّ، والحرص على الخير، والأتقياء هم
الصادقون الناصحون، الأوفياء الصالحون،
العاملون المتقنون، العابدون المحسنون،
الرحماء المتسامحون.
وقد عرّف التقوى عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه في تفسيره لقول الله: ﴿يَأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَّوُثُّنَّ إِلَّا
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
فقال: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا
ینسی، وأن یشکر فلا يكفر (٤).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٥٢٩/٨.
(٣) مدارج السالكين، ابن القيم ٣/ ٤٧٨.
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٩/ ٩٢،
رقم ٨٥٠٢، والحاكم في المستدرك،
٢٩٤/٢، والطبري في تفسيره ٦٥/٧.
٣١٤

الحضارة
وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات،
ومعنی ذکره فلا ینسی: ذکر العبد بقلبه أوامر
الله في حر کاته، وسکناته، و کلماته فیمثلها،
وذكره نواهيه في ذلك كله فيجتنبها (١).
لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُواْ
وقال تعالى:
وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ أَلْبِّ مَنْ
ءَامَنَ بِالَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ
وَالنَّبْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتْمَىِّ وَاَلْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ
وَفِىِ الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ
وَالْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ
فِي الْبَأْسَآءِ وَالشَّرَّاءِ وَحِيْنَ اَلْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ
[البقرة:
صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُّ الْمُنَّقُونَ
١٧٧].
والمتأمل في هذه الصفات يجدها تجمع
بين صلاح الدنيا وصلاح الآخرة، استقامة
(١) جامع العلوم والحكم، ص٤٠١.
في الدين والحياة، كما يلمس التلازم بين هذه
الصفات فلا تنفك عن صاحبها ولا تتحقق
ثمارها إلا بمجموعها، وأن الإيمان والعبادة
تبدو ثمارها ويظهر آثارها في معاملة الناس،
وأن العقيدة والعبادة والشريعة والأخلاق
ومن صفات المتقين وأحوالهم کما
بيّن القرآن: الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة منظومةٌ واحدةٌ وعقدٌ واحدٌ لا تنفرط حبّاته،
وأن للتقوى ثمراتها التي تعود على النفس
والمجتمع، وأنها السبيل إلى تزكية النفوس
وطهارة القلوب وارتقاء الأخلاق وسموّ
الأرواح وبناء المجتمعات.
وإيتاء الزكاة، والإنفاق في وجوه البرّ الخير
والإيمان بالقرآن وبما قبله واليقين بوعد
الآخرة، والوفاء بالعهد والصبر في البأساء
والضراء وفي القتال: ﴿الَّ ذَلِكَ الْكِتَبُّ لَا
ومن ثمرات التقوى:
رَيْبُ فِيهِ هُدَّى لِلْقَّقِينَ ) الَّذِينَ يُؤُْونَ بِالْغَيْ وَيُقِمُونَ السَّلَوَةَ
وَمَّا رَزَقْهُمْ يُفِقُونَ (٥) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ
مِن قَبْلِكَ وَبِآَخِرَةِ هُمْ يُوقُونَ ( ٥) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى ◌ِن ◌َِّهِمّ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: ١ - ٥].
* الفلاح في الدارين، والفلاح:
التوفيق لتحقيق الغايات وتيسير
الوصول إليها: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩، وآل عمران
١٣٠، ٢٠٠]. وقال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا
اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ
اَلْوَسِيلَةَ وَجَِهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ٣٥].
العصمة من الزيغ والانحراف، والنجاة
من مكائد الأعداء: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ
تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبَّكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا
وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُّكُمْ
كَيّدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ
مُحِيطٌ﴾ [ آل عمران: ١٢٠].
# الأمن والسعادة: ﴿يَبَفِّ ءَآدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ
رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِىٌ فَمَنِ أَنَّقَى
www. modoee.com
٣١٥

حرف الحاء
وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[الأعراف: ٣٥].
حصول البركات من السماء والأرض:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا
عَلَّهِم بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن
كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾
[الأعراف: ٩٦ ].
الزيادة في العلم: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهُ
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ﴾[ البقرة: ٢٨٢].
التوفيق والسداد وصلاح الأعمال:
﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا
سَدِيدًا
يُصْلِعْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ
٧٠
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ
فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١].
البصيرة وقوة الإدراك والتمييز:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ
يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ ﴾[الأنفال: ٢٩]. وقال
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ
وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْيِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّهْتِهِ،
وَبَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمّ
[الحديد: ٢٨].
وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
حسن العاقبة: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ
اسْتَحِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ
لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِيِّة
وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
﴿ وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ
وقال تعالى:
وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَاً لَا نَتْشَلُكَ رِزْقًا فَّحْنُ نَزُقُكَ
وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
معية الله تعالى في الدارين: ومعية الله
تعالى سبيل للتوفيق والعصمة والسداد
وتسهيل الصعاب والنصر والتمكين:
﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾
[البقرة: ١٩٤].
ولا شك أن اجتماع هذه الثمرات
واجتناءها يعود بالمصلحة على المجتمع
المسلم، ويدفعه إلى النهوض والتقدم
والارتقاء الحضاري.
والاتباع: من أهم أسس البناء الحضاري
والانطلاق نحو التقدم والنهوض، فالقرآن
كتاب النهوض والارتقاء وشريعة الإسلام
ومنهاجه دستور الحضارة، وقد أمرنا الله
تعالى باتّباع كتابه ففيه الخير والبركة،
والهداية والرشاد.
وحين يأتلف الناس على اتّباع منهج
واحد ففي ذلك الخير العميم للإنسانية.
وقد جعل الله تعالى شرعة ومنهاجًا
وهدى للإنسانية تتبعه وتنتهجه وتسير
عليه، هذا الهدى فيه الخير والفلاح والرضا
والنجاح، وفيه الأمن والعافية وفيه السعد
والهناء.
قال تعالى: ﴿قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا
٣١٦
القضوي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحضارة
يَأْتِيَنْكُم مِّنِى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاَ فَلاَ خَوْفُ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
وقال تعالى: ﴿أَتَّبِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ" وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ،
مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُوا مِن دُوَّةِ أَوْلِيَاءُ قَلِيلًا مَّا " ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ :
[الأنعام: ١٥٣].
تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا
فَأَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَغَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِيلِ،ْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
﴾[الأنعام: ١٥٣].
١٥٣
ولما أمر الله باتباعه أمر باتباع نبيه صلى
الله عليه وسلم الذي بلغ عن ربه بلاغًا قويًّا
وتطبيقيًّا، فبين تعالى أن من مقتضيات محبته
اتباع نبيه صلی الله عليه وسلم.
قال سبحانه: ﴿قُلّ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
فَاتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ
غَفُورٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
والذين يتبعون ما أنزل الله هم الذين
ينتفعون بالنذر، فلهم البشرى، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ أَتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ
بِالْغَيْبٍّ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ [يس:
١١].
وقال تعالى: ﴿وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ
مِن رَّيِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
[الأحزاب: ٢].
والاختلاف والتفرق وتبديد الجهود، قال
تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ
وبين تعالى أن للهداية طريقًا واحدًا طريقًا
واضحًا هو طريق الاتباع اتباع النبي صلى
الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى
لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُمي.
وَيُمِتٌّ فَامِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِيّ الَّذِى
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨
والاتّباع لابد وأن يكون مصحوبًا بإتقانٍ
ومراقبة لله تعالى، وتحرِّ للصواب.
قال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
اَلْمُهَجِنَ وَاْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم ◌ِإحْسَنِ
رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّلَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى ◌َّحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ
اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
ولقد كان سلفنا الصالح -رحمهم
الله- متجاوبين مع القرآن الكريم؛ امتثالاً
لأوامره واجتنابًا لنواهيه، وتصديقًا ويقينًا
بوعده ووعيده، واعتبارًا وانتفاعًا بمواعظه
وأمثاله، قد أشربت قلوبهم حبّه، حتى
وأمر الله تعالى باتّباع صراطه المستقيم،
ففيه وحدة الصف ولمّ الشمل والحفاظ
جرى في أرواحهم وعقولهم مجرى الدّم
على الطاقات والأوقات من التخبط والحيرة في العروق، وانعكست آدابه وأخلاقه على
www. modoee.com
٣١٧

حرف الحاء
سلوكهم وحياتهم كلها، فكانوا صورًا حية يصير المال الصالح في يد العبد الصالح
لهداية القرآن.
الذي اكتسبه من حلّه وينفقه في حقه، من
هذا المنطلق قال رسول الله صلى الله
خامسًا: توظيف المال:
عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله
عنه: (يا عمرو نعم المال الصّالح مع الرّجل
الصّالح)(١).
المال وسيلةٌ من الوسائل الضرورية،
فهو قوام الحياة وروحها التي تسري في
كيان المجتمعات والأمم، وهو نعمةٌ من نعم
الله تعالى على العباد، بيد أنّه مع ذلك فتنةٌ
وابتلاءٌ لمن ناله، بل فتنةٌ كذلك لمن حرم
منه، ولنا في هذا الفصل وقفةٌ مع نظرة القرآن
للمال، نتدبّر ما تيسّر من الآيات البينات التي
تحدثت في هذا الشأن:
١. المال نعمة من الله.
نعم الله تعالی لا تعدّ ولا تحصى، فمنها
الظاهر ومنها الباطن: ﴿أَلَوْتَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ
لَكُمْ مَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ
نِعَمَهُ ظَهِرَةٌ وَيَاطِنَةٌ ﴾ [لقمان: ٢٠].
ومنها العاجل والآجل، ومنها النعم
العامة والنعم التي يختصّ الله بها من يشاء،
ومن هذه النعم نعمة المال، قال تعالى في
سورة إبراهيم: ﴿وَءَاتَمْكُمْ مِّن كُلِّ مَا
سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لَا تُخْضُوهَاً
إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ ﴾، وقال
تعالى في سورة نوح: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ
رَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ، يُرْسِلِ السَّمَآءُ عَلَيْكُر
مِّدْرَارًا ﴿ وَيُعْدِدَكُ بِأَقْوَلٍ وَبِينَ وَيَجْعَل لَّكُجَنَّتِ
وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا ﴾، وتمام هذه النعمة أن
٢. المال خيرٌ.
وجاء التعبير عن المال في القرآن بكلمة
(خيرًا) كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ
إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا أَلْوَصِيَّةُ
لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى
الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
فالمال خير؛ لأنه يقضي الحاجات،
ويغني عن السؤال، والمال خيرٌ إذا جاء من
حلّه وأنفق في حقّه.
قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ
فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَآءَ
وَجْدِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ
وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [ البقرة: ٢٧٢].
فنظرة الإسلام للمال نظرةٌ إيجابيةٌ واقعيةٌ
متوازنة.
٣. المال مال الله.
المال هبةٌ ومنحةٌ من الله، فهو من الله
(١) أخرجه أحمد في المسند، ٢٢٩/٢٩، رقم
١٧٠٩٦.
وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد،
ص١٢٦.
٣١٨
مَوَسُورُ النَّفِيَة
القرآن الكَرِيْمِ

الحضارة
تعالى، وعلى العبد أن يضع نصب عينيه
دائمًا أن المال مال الله تعالى، فلا يضنّ به
على محتاج، بل یحسن کما أحسن الله إليه،
ویوسّع کما وسّع الله عليه.
قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ اَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ
اٌلْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ فَكَلِبُوهُمْ إِنْ
عَلِّمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُّوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ اَلَّذِىّ
ءَاتَنْكُمْ ﴾ [النور: ٣٣].
٤. الإنسان مستخلف في ماله.
وليدرك الإنسان أنه مستخلفٌ في هذا
المال، وأنه لو دام لغیرہ لما وصل إليه، فليتق
الله فیه، ولینفقه في حقه.
قال تعالى: ﴿ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ
مِمَّا جَعَلَكُم ◌ُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُ
وَأَنفَقُواْلَمْ أَجْرُ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧].
قال الإمام الشوكاني: ((فإن المال مال
الله، والعباد خلفاء الله في أمواله، فعليهم أن
يصرفوها فیما يرضيه، وقيل: جعلكم خلفاء
من كان قبلكم ممن ترثونه وسینتقل إلى
غیر کم ممن یرٹکم؛ فلا تبخلوا به، کذا قال
الحسن وغيره، وفيه الترغيب إلى الإنفاق
في سبيل الخير قبل أن ينتقل عنهم ويصير
إلی غیرهم»(١).
٥. المال قوام الحياة:
(١) فتح القدير، الشوكاني ٢٣٣/٥.
جبلت النفوس على حبّ المال، فالمال
بالنسبة للحياة كالدم الذي يضخّه القلب
فيسري في سائر الأعضاء، فالمال قوام
الحياة ونبضها.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِى
جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَمًا وَأَرْزُقُّوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُوَ الَرْ
قَوْلاً مَّقُوفًا﴾ [النساء: ٥].
قال البغوي: ((هو ملاك الأمر وما يقوم
به الأمر، وأراد هاهنا قوام عيشكم الذي
تعيشون به، قال الضحاك: به يقام الحج
والجهاد وأعمال البر، وبه فكاك الرقاب من
النار))(٢).
وقال الزمخشري: ((﴿جَعَلَ اللَّهُلَكُمْقِيَمًا﴾
أي: تقومون بها وتنتعشون، ولو ضيعتموها
لضعتم ... ))(٣).
٦ . المال وسيلةٌ وليس غاية.
المال في الإسلام وسيلةٌ لا غاية، وسيلة
إلى تحقيق بعض الحاجات وتحصيل
المنافع التي لا غنی للإنسان عنها، لکن إذا
صار المال غاية للإنسان فإنه ينقلب آفةً؛
إذ يحمله على الجشع والطمع، وارتكاب
المحرمات وانتهاك المحظورات، والشخّ
والأنانية، والتقتير والحرمان حتى يصير عبدًا
للمال وخادمًا له وخازنًا علیه، ویضنّ بحق
الفقراء والمساكين بل يحرم أعزّ الناس عليه
(٢) معالم التنزيل، البغوي ١٦٤/٢.
(٣) الكشاف، الزمخشري ١/ ٣٧٧.
www. modoee.com
٣١٩

حرف الحاء
قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ
كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُونَ
أَمْوَلَ اَلنَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
وَأَلْفِضََّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمِ ﴾ [ التوبة: ٣٤].
٧. المنهج القويم في كسب المال.
دعا الإسلام إلى كسب المال الحلال
الطيّب، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اْأَرْضَ ذَلُوْلًا فَامْشُواْ فِى مَنَّاكِهَا وَكُواْ مِنْ رِزْقِّ وَإِلَيْهِ
التُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ
مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرُجْنَالَكُمْ مِنَ
اُلْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
ونهى القرآن عن الكسب الحرام بشتى
صوره ووسائله قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُواْ
أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ
لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقال سبحانه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنَكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ
أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾﴾ [النساء:
٢٩].
فتأمل كيف قرن بين أكل المال بوجه
من حقهم في الإنفاق، ولقد نهى الإسلام الحرام، وبين قتل النفس؛ لتشنيع أكل
الحرام والمبالغة في تأثيمه، فهو قرينٌ لسفك
عن ذلك.
الدماء وسلب الأرواح، وكم أفضى إلى
ذلك، فحرَّم القرآن الكسب الحرام، وحرّم
الوسائل المفضية إليه من كذب واحتيال
وغشِّ وتدلیس وغبن واستغلال، وغير ذلك
من الوسائل المحرمة للكسب. قال علي بن
أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل
يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيجحد
المال، ویخاصم إلى الحكّام وهو يعرف أن
الحق عليه، وهو يعلم أنه آئم آكلِّ الحرام(١).
٨. المنهج القويم في إنفاق المال.
قال تعالى في أوصاف عباد الرحمن:
﴿وَأَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
أي: ليسوا مبذرين في إنفاقهم ولا بخلاء
على أهليهم، بل معتدلون في الإنفاق،
وخير الأمور أوسطها، وقد سأل عبد الملك
بن مروان ابن أخیه عمر بن عبد العزيز ما
نفقتك؟ فقال: الحسنة بين السیئتين، ثم تلا
هذه الآية: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِقُواْ وَلَمْ
يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾
قال ابن كثير رحمه الله ﴿وَالَّذِينَ إِذَا
أَنْفَقُواْلَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾ الآية ((أي: ليسوا
مبذّرين في إنفاقهم، فيصرفوا فوق الحاجة،
ولا بخلاء على أهليهم، فيقصّروا في حقهم
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٠/١.
صَوْسُورَةُ الْبَّهـ
الْقُرآن الكَرِيْمِ
٣٢٠

الحضارة
فلا يكفوهم بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور وَالنَّهَارَ لِتَسْكُمْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
أوسطها))(١).
سادسًا: اغتنام الوقت:
للوقت ذكره في القرآن وأهميته، فلقد
بيّن القرآن الكريم قيمة الوقت، وأنه أمانة
ومسئولية، وأنه نعمة جليلة، وعبرة عظيمة،
وأن من شأن المؤمن أن يعمّر أوقاته بكل
عمل صالح يعود نفعه عليه وعلى من حوله،
وأن المحافظة على الوقت وحسن استثماره
من أسباب التقدّم والنهوض، ومن مظاهر
التحضّر والرقي، وهو من شأن العلماء
والمصلحين والمجددين والقادة والحكام.
والعقلاء وحدهم هم الذين يدركون
هذه النعمة ويجدّون في القيام بحق شكر
المنعم عز وجل، الذي رحم بنا وأنعم
علينا بنعمة الليل ونعمة النهار، فلا تستقيم
الحياة بدون هاتین النعمتین، فلا غنى بالليل
عن النهار، كما أنه لا غنی بالنهار عن الليل.
قال تعالى في سورة القصص: ﴿قُلّ
أََّيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى
يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ
◌َفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ
عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ
إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيَةٍ أَفَلاَ
وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ
تُبْصِرُونَ ؟
٧٢
(١) المصدر السابق ٤٣٣/٣.
تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣].
من هنا تتجلى لنا تلك النعمة الإلهية
التي غفل عن شكرها الغافلون، وتنافس
في تبديدها وإهدارها البطّالون المبطلون،
وفرّط فيها المغبونون.
عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال
النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبونٌ
فيهما كثيرٌ من النّاس الصّحّة والفراغ)(٢).
فعلى المؤمن العاقل أن يجدّ في شكر
المنعم على نعمة الوقت، وأن يوظّفه في
كل مفيد نافع. ولسوف يسأل الكفار وهم
يقّبون في النار عن الأعمار التي أفنوها.
قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِعُونَ فِيهَا رَبَّنَآ
أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرُ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ
أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ
النَّذِيرِّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾
[فاطر: ٣٧].
من هول النيران يجأرون ويستغيثون
فيها ألمًا وحسرة، سائلين ربهم أن يخرجهم
منها؛ ليستدركوا ما فاتهم، ويصلحوا ما
أفسدوه في حياتهم الأولى، وأنّی لهم ذلك
وقد أمهلهم الله تعالى وأمدٌ لهم في العمر،
فما استکانوا لربهم ولا رجعوا إلیه، بل كذّبوا
بالنذر وأعرضوا عنها !! فيقال لهم: ذوقوا
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب ما جاء في الصحة والفراغ، وأن لا عيش
إلا عيش الآخرة، رقم ٦٠٤٩.
www. modoee.com
٣٢١

حرف الحاء
العذاب الذي كنتم تستعجلونه؛ استبعادًا من كلّ خيرٍ، وفي غير ذلك من المجالات
وتحدّیًا، فلا ناصر لكم لظلمكم.
الوقت عظة واعتبار: ويتجلّى ذلك في
تعاقب الجديدين وتقلّهما، أعني: الليل
والنهار، وفي ذلك من الاتعاظ والاعتبار ما
يدل على أهمية الوقت. قال تعالى في سورة
النور: ﴿يُقَلِّبُ اَللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَغِبْرَةً
لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ ﴾[النور: ٤٤].
قال ابن القيم في كتابه الجواب الكافي:
((أعلى الفكر وأجلّها وأنفعها ما كان لله
والدار الآخرة، فما كان لله فهو أنواع ... ،
وذكر منها: الفكرة في واجب الوقت
ووظيفته وجمع الهمّ كله عليه، فالعارف
ابن وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه
كلّها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت،
فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدًا))(١).
وبحرص سلفنا الصالح على أوقاتهم
علا قدرهم وسما شأنهم، وخلد ذكرهم،
أما في زماننا هذا فإن من أبرز أسباب تخلف
كثيرٍ من المسلمين تفننهم وتفانيهم وتهافتهم
وتنافسهم على تدمير وإهدار أوقاتهم؛ في
المقاهي والملاهي والمطاعم والطرقات،
وأمام التلفاز والتسجيلات الصوتية
والمرئية، وغرف المحادثات والمنتديات
التي إثمها أكبر من نفعها، وربما خلت من
كلّ فضيلةٍ وأجدبت من كلّ منفعة، وأقفرت
التي لا فائدة منها ولا ثمرة من ورائها، ولا
حول ولا قوة إلا بالله.
سابعًا: رعاية الحقوق وأداء الواجبات:
من أسباب التقدم والنهوض معرفة
الحقوق والواجبات، وأداء الحقوق والقيام
بالواجبات، ولقد ميّز القرآن الكريم في آياتٍ
كثيرة بين الحقّ والواجب، وقدّم الواجب
على الحقّ حتى يشتغل به المرء أولًا ففيه
صلاحه وفلاحه وسعادته في الدارين، ولو
أدی کلّ واحد ما عليه من واجبات لاستوفى
أصحاب الحقوق حقوقهم، فإن أداء واجبٍ
يعني الوفاء بحقٌّ.
قال تعالى: ﴿إَِّكَ نَهْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾
[الفاتحة: ٥].
وفي تقديم العبادة -وهي حق الله على
العباد- على طلب العون -وهو مطلب
العباد من ربهم- بيان لوجوب تقديم
الواجبات على المطالب.
وقال تعالى: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَتِنَ
بِالْرُوفِ وَ لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٢٨].
ونھی الله تعالى عن بخس الحقوق أو
الانتقاص منها، فقال: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ
أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ
إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم
(١) الجواب الكافي ص ٢٠٨.
مَوسُوبَةُ التَّقسيد
القرآن الكريم
٣٢٢

الحضارة
مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥].
وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) الَّذِينَ
إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو
وَزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ -٣].
فإن التطفيف في الكيل والميزان
كالتطفيف في الحقوق والواجبات، بعض
الناس يقصّر في واجباته ويفرّط فيها بينما
يصرّ على استيفاء حقوقه والزيادة عليها،
وهذا من التطفيف في الحقوق والواجبات.
والحقوق في الإسلام منحة ربانية،ليست
من وضع بشر ولا تفضلا من أحد، والناس
في المجتمع المسلم ليسوا في حاجة للكفاح
والثورات من أجل البحث عن حقوقهم، بل
إنها حقوق دعت إليها الشريعة وقررتها،
حقوق تتناسب مع الفطرة، حقوق متوازنة
تحقق العدالة والخير للجميع؛ الحاكم
والمحكوم الغني والفقير، المرأة والرجل
الصغير والكبير، حقوق ثابتة وشاملة
تتواكب مع شتی العصور وتتناسب مع كل
الأجيال، وهي ليست حكرًا على طبقة معينة
أو على طائفة معينة منهن، فهي للجميع
على السواء، مهما اختلفت الألوان وتناءت
الأوطان وتباينت الظروف والبيئات، بل
إن لغير المسلم حقوقه الشرعية التي يجب
على المجتمع المسلم الذي يعيش في كنفه
الوفاء بها، وهي واقعية تراعي طبيعة الإنسان
وطاقاته واحتياجاته ودوره في هذا الوجود،
فضلًا عن مراعاة طبيعة من يجب عليه الوفاء
بتلك الحقوق، حقوق معلومة: معرفة تلك
الحقوق مطلب ضروري ومقصد شرعي
فيجب على الجميع معرفة ما له وما عليه،
خذ على سبيل المثال حق الفقير على الغني
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ فِ أَمْوَهِمْ حَقٌ مَعَلُومٌ
٢٤
لِلِسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ -٢٥].
ولقد حرص سلفنا الصالح على معرفة
ما علیھم من واجبات وما لهم من حقوق،
فعن حكيم بن معاوية القشيريّ عن أبيه
رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله ما
حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا
طعمت، وتكسوها إذا اكتسیت أو اكتسبت،
ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلاّ
في البيت)(١).
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك،
باب في حق المرأة على زوجها، ٦٥١/١،
رقم ٢١٤٢.
وحسنه النووي في رياض الصالحين، ص
٣٤، رقم ٢٧٧.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الحاء
تأملات حضارية في القصص القرآني
أولًا: صور ومشاهد لحضارات رائدة:
نظرة القرآن للحضارات البائدة على
أنها تاريخ الإنسانية وتراثها نلمس فيها
الإيجابيات والسلبيات، ونستخلص فيها
عوامل البناء ومعاول الهدم، أما حضارتنا
الإسلامية الرائدة في عصور ازدهارها
وزمان نهوضها ورقيّها فلا ينبغي أن نقنع
بالوقوف عند آثارها ونكتفي ببكاء أطلالها
والتفاخر بأمجاد أسلافنا، بل نجعلها صهوة
انطلاقنا ونستلهم منها العزم، والله تعالى
بعد أن تحدث عن أسلاف بني إسرائيل
وأصولهم الطيّة؛ إبراهيم وإسحاق ويعقوب
والأسباط.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌّ قَدْ خَلَثٌّ ◌َمَا مَا
كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمٌ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١].
وفي هذا درسُ لبني إسرائيل حين كانوا
يتفاخرون بأسلافهم مع انحرافهم عن
مسارهم ونکوبهم عن هدیھم.
١. من قصة ذي القرنين.
قال تعالى: ﴿وَيَسْشَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ
سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ) إِنَّ مَكَّنَا لَهُ فِ
اَلْأَرْضِ وَءَانَيْتَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَيَبًا فَأَنْبَعَ سَيَبًّا)
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِىِ عَيْبٍ
حَمِثَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمَا قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ
وَإِمَّا أَنْ نَتَّخِذَ فِهِمْ حُسْنَا لَ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ
نُعَذِّبُهُ، ثُمَّيُرَُّّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُ عَذَابًا تَكْرًا وَأَمَا
مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَّآءُ الْحُسْنِىّ وَسَنَقُولُ لَهُ.
مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًَّ اثُمَّأَنْبَعَ سَبَبًّا ) حَتَّى إِذَا بَلَغَ
مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَّوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم
مِّن دُونِهَا سِتْرً ا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرً
ث ◌ُمَّأَنْعَ سَبَالْ حَقَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ
مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا
قَالُواْ يَذَا الْقَرْبَّنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْسَدًّا
قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِينُونِ بِقُوٍَّ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ رَدْمَان ◌َتُونِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ
الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنفُخُواْ حَقََّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِيِّ
أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ٦ فَمَا أَسْطَمُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ
وَمَا أُسْتَطَعُواْ لَهُ نَقْبَا ؟ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ تَبِّ
فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّ جَعَلَهُ, دَكَءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا﴾
[الكهف: ٨٣ - ٩٨ ].
رجل صالحمگّن الله له، وهياله الأسباب
فأخذ بها، واجتهد في استثمارها وتطويرها،
فطوّف في الأرض، وجال في أقطارها، قائدًا
ظافرًا، وحكمًا عادلًا، وسلطانًا قويًّا، وعبدًا
شکورًا، فملأ الدنيا عدلًا ونورًا.
طاف موسى عليه السلام طلبًا للعلم
النافع، وطاف الخضر بأمر الله تعالى حاملًا
راية الإصلاح والتغيير، كذلك طاف ذو
القرنين بجنده وعتاده؛ لينشر العدالة في
مُوسُوبَةُ الْبَقِيَـ
القرآن الكريم
٣٢٤