Indexed OCR Text
Pages 41-52
الحقوق وكما في قوله تعالى: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَىِ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الروم: ٣٨]. ٨. استحقاقه من الفيء. قال تعالى: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَى وَالْمَسْكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. الفرع السادس: حقوق الأطفال: اهتم الإسلام بالطفولة الكريمة وجعلها أساس المجتمع السوي، وأعطاها اهتمامًا بالغًا، فحض على الزواج وعلى حسن اختيار كل من الزوجين للآخر لما في ذلك من أثر في حسن العشرة والنشأة الكريمة للأطفال، وورد في القرآن الكريم طائفة من حقوق الأطفال على هذا النحو: ١. حق الرضاعة. من أبرز حقوق الطفل بعد ولادته حق الرضاعة التي تقوم بها الأم أو أي امرأة أخرى بالأجر مع التزام والد الطفل بهذا الأجر، مع ملاحظة أن الرضاع ليس بواجب على الأم، ولا تجبر عليه، إلا إذا لم يوجد غيرها، مما يترتب على ترك الرضاع إضرار بالطفل، وقد نص القرآن الكريم على ذلك في غير موضع منها: قال الله تعالى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمّ الرَّضَاعَةُ وَعَلَى الْوَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمعْرُوفِ". [البقرة: ٢٣٣]. قال الطبري: ((وليس ذلك بإيجاب من الله تعالى ذكره عليهن رضاعهم، إذا كان المولود له ولد، حیًّا موسرًا؛ لأن الله تعالی ذكره قال في سورة النساء القصرى: ﴿وَإِن تَسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٢]. فأخبر تعالى ذكره: أن الوالدة والمولود له إن تعاسرا في الأجرة التي ترضع بها المرأة ولدها، أن أخرى سواها ترضعه، فلم يوجب عليها فرضًا رضاع ولدها. فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ دلالة على مبلغ غاية الرضاع التي متى اختلف الوالدان في رضاع المولود بعده، جعل حدًّا یفصل به بينهما، لا دلالة على أن فرضًا على الوالدات رضاع أولادهن)»(١). وجاء في نفس الآية: ﴿وَإِنْ أَرَدَ تُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَانَيْتُم ◌ِلْتَرُوفُ وَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ٢. حق التربية والتقويم. تربية الأولاد وتقويمهم من الحقوق التي کفلها الإسلام لهم، وحض علیها الوالدين، وذلك وارد کثیرًا في السنة النبوية بتوسع، وأصول التربية وارد بعضها في كتاب الله (١) جامع البيان، الطبري ٣١/٥. www. modoee.com ٤٨٥ حرف الحاء تعالی، وأبرزها في موطنین: على جهة التعليم؛ كما أمرهم الله تعالى الموطن الأول: في وصف سيدنا بالاستئذان في هذه الأوقات))(٢). إسماعيل عليه السلام حيث كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وهذا جانب من جوانب التربية. قال تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فىِ الْكِنَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ. كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا فِيًّا ﴾ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا [مريم: ٥٤ -٥٥]. ٥٥ الموطن الثاني: في تعليم الأطفال الاستئذان. قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَقْدِنَّكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ اُْلُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّتٍ مِن قَبْلِ صَلَوْةِ الْنَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ فِيَابَكُمْ مِنَ النَّهِيَرَةِ وَ مِنْ بَعْدٍ صَلَوْقِ الْمِشَآءِ ثَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. البلوغ (١)، على تفصيل في الآية وخلاف هل المقصود بها الذكور والإناث أم الذكور فقط، وليس هذا موضع لبسط الخلاف في المسألة. قال الجصاص: ((وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ اٌلَكُلُمُ مِنْكُمْ﴾ يدل على أن من لم يبلغ وقد عقل یؤمر بفعل الشرائع وینھی عن ارتكاب القبائح وإن لم يكن من أهل التكليف (١) انظر: تفسير مقاتل ٢٤٥/٢، جامع البيان، الطبري ٢١٢/١٩. وفي نفس السورة: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُّ فَلْيَسْتَنْذِفُواْ كَمَا أُسْتَخْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِنُ اَللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩]. هذا وحقوق الأطفال على جهة الإجمال كثيرة مبسوطة في كتب السنة النبوية مما لا مجال لذكره. وقد نص القرار رقم: ١١٣ (١٢/٧)[١] بشأن موضوع حقوق الأطفال والمسنين، والصادر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ - ١ رجب ١٤٢١ هـ الموافق ٢٣ والمراد بهم الأطفال الأحرار دون - ٢٨ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٠م. على عدة توصيات تتعلق بحقوق الأطفال مستمدة من القرآن والسنة تصل في مجملها إلى عشرة بنود(٣). ثامنًا: حقوق الفقراء والمساكين: الفقراء والمساكين صنفان من أصناف الزكاة الواردة في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ (٢) أحكام القرآن، ١٩٥/٥. (٣) انظر: قرارات المجمع ١٩٥/١، ومجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد ١٢، ص١٩٨٦. ٤٨٦ جَوَسُو بَرُ النفسية القصوي القرآن الكريم الحقوق عَلَيَّهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِىِ الْرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. وللعلماء كلام طويل في تعريف كل منهما والتفرقة بینهما أشير إليه بإيجاز: أنّ الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ویقیمه(١). أنّ الفقير الذي لا يسأل الناس، کما قال الله تعالى في صفة الفقراء: يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، والمسكين هو الذي يسأل الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ اَلَّعَمَ عَلَى حُبْهِ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقد جاء يسأل(٢). أنّ الفقير الذي يسأل ويظهر افتقاره وحاجته إلى الناس، استدلالًا بقوله عز وجل: ﴿وَأَنْتُمُ اَلْفُقَرَآءُ﴾، والمسكين هو الذي به زمانة لا يسأل ولا يعطى له، كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينَاذَا مَتْرَبَكْ﴾ [البلد: ١٦] أي: لاصقًا بالتراب من الجوع والعرى(٣). أنّ الفقير هو الذي له بلغة لا تكفيه لعيش عامه، والمسكين هو من ليس (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٩/٨. (٢) وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، كما في المبسوط للسرخسي ١٤/٣. (٣) وهو رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، كما في المبسوط ١٤/٣. لديه شيء بالكلية (٤). أن الفقير هو الذي يقدر على ما يقع موقعًا من کفایته إلا إنه لا یکفیه(٥). أن الفقير هو الذي لا يجد شيئًا ألبته، أي: قطعًا، أو يجد شيئًا يسيرًا من الكفاية دون نصفها من كسب أو غيره مما لا يقع موقعًا من كفايته، والمسکین الذي يجد معظم الکفایة أو نصفها، من کسب أو غيره(٦). الفرق بين الفقير والمسكين: للعلماء فى التفرقة بين الفقير والمسكين أو التشابه بينهما أقوال أوجزها في ثلاثة: القول الأول: أن الفقير أحسن حالًّا من المسكين، قال ابن السكيت: سألت أعرابيًّا أفقير أنت؟ فقال: لا والله، بل مسكينٌ. القول الثاني: أنّ المسكين أحسن حالًا من الفقير؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِىِ اَلْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]. و کانت تساوي جملة، وقال في حقّ الفقراء: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. (٤) وهو مشهور عن ابن عرفة المالكي، كما في شرح خليل للخرشي ٢/ ٢١٢. (٥) تعريف الفقير هكذا مروي عن الشافعي وبعض أصحابه، كما في المجموع ٦/ ١٩٠، وتعريف المسكين مروي عن بعض الشافعية کما في المجموع، للنووي ١٩٥/٦. (٦) كشاف القناع، البهوتي ٢٧٢/٢. www. modoee.com ٤٨٧ حرف الحاء القول الثالث: أنهما صنف واحد، وهو الذي لا شيء له، فجعلهما سواء(١). هذا وقد حثت نصوص القرآن الكريم على وجوب إيتاء حق المساكين في غير موضع كما في قوله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ، وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ [الإسراء: ٢٦]. وقوله جل شأنه: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ. وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الروم: ٣٨]. وأبرز ما يمكن ملاحظته من حقوق الفقراء والمساكين في القرآن الكريم ما يلي: ١. دفع الزكاة إليهم. وذلك بنص الآية: ﴿إِنَّمَا اُلصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِ أَلْرِقَابٍ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهُ وَاللّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. هذا وقد لاحظ بعض العلماء أن الفقير والمسكين يأخذون منها أخذًا مستقرًّا، لا يجب عليهم رد ما أخذوه بأي حال حتى لو استغنوا (٢). ٢. مراعاة شعورهم في دفع الصدقات (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦٠/٥، ٢١١/١٣، المصباح المنير، الفيومي ٢٨٣/١. (٢) كشاف القناع، البهوتي ٢٨٥/٢. بأفضلية إخفاء الصدقة. كما في قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىٌّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا اٌلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّن سَيْئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) [البقرة: ٢٧١]. وللعلماء كلام طويل في المقارنة بين الإخفاء والإظهار في هذا الصدد، لا مجال لذكره(٣). ٣. المبادرة بإعطائهم قبل السؤال، لا سيما المتعففون منهم الذين لا يسألون الناس إلحافًا. كما في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُخْصِرُ واْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَقُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ [البقرة : خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ، عَلِيمٌ ﴾ ٢٧٣]. ٤. الحث على تزوج الفقراء مع وعد الله تعالى لهم بالغنى بسبب الزواج. كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَى مِنْكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّ يِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]. ٥. جعل نصيب للفقراء والمساكين في (٣) انظر: معاني القرآن، النحاس ٣٠١/١، زاد المسير، ابن الجوزي ٣٢٦/١، أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٤٧٢. ٤٨٨ مُوسُو ◌َ النَّسيد جوبي القرآن الكريم الحقوق الغنيمة. كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ﴾ [الأنفال: ٤١]. ٦. جعل نصيب لهم عند حضور القسمة. كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَّرَ اٌلْقِسْمَةَ أُوُلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَنَى وَالْمَسَكِينُ فَرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]. ٧. جعل نصيب لهم من النفقة. كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْبَتَ وَالْسَلِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٨. الإحسان إليهم. كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْأَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣]. ٩. التصدق عليهم بالطعام والشراب. كما في قول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ﴿أَوْ وقوله جل شأنه في سورة البلد: ٠ مِسْكِينَاذَا مَتْرَبَكْرٍ﴾ [البلد: ١٦]. والمراد به: مسكينًا ذا لصوق بالأرض لحاجته وشدة فقره، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ويقال أيضًا ترب بمعنى افتقر، وأترب، أي: استغنى، كأنّ الهمزة للشّلب (١). ١. جعل نصيب للمساكين من الكفارات المالية. كما في قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. وقوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿أَوْكَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينً﴾ [المجادلة: ٤]. تاسعًا: حقوق غير المسلمين: كفل الإسلام لغير المسلمين جملة من الحقوق التي يتمتعون بها في ظل الإسلام، بغض النظر عن تقسيماتهم المختلفة، وينقسم غير المسلمين من حيث عداوتهم ومسالمتهم إلى صنفين: مسالمين ومحاربين، والمسالمون هم: الذميون، والمعاهدون، والمستأمنون، وهذا طرف مما ورد في القرآن الكريم من حقوقهم. ١. البر والقسط مع المسالمين من غير المسلمين. وهم الذين لم يتعرضوا للمسلمين بضرر أو سوء، ولم یحاربوهم فهؤلاء لم ينه الله (١) انظر: اللباب في علوم الكتاب ٣٨٩/٤، البحر المديد ٨/ ٤٧٢. www. modoee.com ٤٨٩ حرف الحاء تعالى عن برّهم والإقساط إليهم، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَكُاللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَيِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ تَبُوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿ إِنَّمَا يَتَهَنَّكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَى إِخْرَاجِكُمْأَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَنَوَُّمْ فَأَْكَهُمُ الثَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٧-٨]. فهؤلاء لهم حقّ البرّ والقسط؛ وفي معنى القسط إليهم ثلاثة أوجه ذكرها الماوردي: أحدها: يعني وتعدلوا فيهم، قاله ابن حبان. فلا تغلوا في مقاربتهم، ولا تسرفوا في مباعدتهم. الثاني: معناه أن تعطوهم قسطًا من أموالکم، حکاه ابن عیسی. الثالث: أنه الإنفاق على من وجبت نفقته منهم، ولا يكون اختلاف الدين مانعًا من استحقاقها (١). وهذه الآية ذهب بعض مفسري السلف إلى أنها منسوخة بآيات القتال، ولكن ذهب شيخ المفسرين الطبري إلى أن المعنى: ((لا ینهاکم الله عن الذين لم يقاتلو کم في الدین، من جميع أصناف الملل والأدیان أن تبرّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عزّ وجلّ ◌ِّندِیزِگُمْ﴾ جمیع من کان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى (١) النكت والعيون، الماوردي ٥٢٠/٥. لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهيّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح))(٢). ٢. دعوة غير المسلمين إلى دين الإسلام. من حقوق غير المسلمين علينا أن ندعوهم إلى الدخول في دين الله تعالى، حرصًا على نشر دينه، وحرصًا على مصلحتهم وسلامتهم من العذاب يوم القيامة، والعديد من نصوص القرآن الكريم تأمر بذلك، ومن هذا القبيل قول الله تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ اْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةٍ وَهُوَ أَعْلَمُ ◌ِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]. والمراد بسبيل الله هنا هو دينه وطاعته سبحانه وتعالى (٣). ٣. عدم مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ اَلْكِتَبِ إِلَّا بِأَلَِّى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمِّ وَقُولُواْ ءَامَنَّا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ عمّ بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَوْ نُخْرِجُوكُمْ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَجِدٌ وَنَحْنُ لَهُ. مُسْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. (٢) جامع البيان، ٢٣/ ٣٢٣. (٣) انظر: تفسير السمر قندي، ٢/ ٢٩٧. ٤٩٠ مَوَسُو ◌َب النفسية القرآن الكَرِيْمِ الحقوق وهذه الآية ذهب البعض کقتادة ومعمر إلى أنها منسوخة بآية السيف، وذهب آخرون كابن زيد إلى أنها ليست منسوخة (١). وفي المقصود بالتي هي أحسن أربعة أقوال: أحدها: أن الّتي هي أحسن قول: (لا إله إلا الله)، قاله ابن عباس. والثاني: الكف عنهم عند بذل الجزية منهم وقتالهم إن أبوا، قاله مجاهد. والثالث: أنهم إن قالوا شرًّا فقولوا لهم خيرًا، رواه ابن أبي نجيح. والرابع: وهو أن يحتج لشريعة الإسلام ولا يذم ما تقدمها من الشرائع. وفي المراد بـ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ أقوال: والآية تنص على على وجوب الوفاء أحدها: أنهم أهل الحرب، قاله مجاهد. بالعهد مع غير المسلمين الذين التزموا به إلى تمام وقته، فلا يجوز نقضه من جانب المسلمين إلا إذا غدر المشركون وخانوا(٥). والثاني: من منع الجزية منهم، رواه خصيف. والثالث: ظلموا بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم، قاله ابن زيد. والرابع: ظلموا في جدالهم فأغلظوا لهم، قاله ابن عیسی(٢). ٤. الوفاء بالعهود لهم. الأصل في العهد أو الالتزام أنه يجب الوفاء به امتثالاً لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْقُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [الأنعام: ١]. وجرى خلاف كبير في المقصود بالعقود (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٧، النكت والعيون، الماوردي ٢٨٦/٤. (٢) انظر: النكت والعيون، ٢٨٦/٤. في الآية على خمسة أقوال(٣). منها أن المراد بها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، ويعقدها المرء على نفسه وأشهرها خمسة: عقدة الأيمان، وعقدة النكاح، وعقدة العهد، وعقدة البيع، وعقدة الحلف. وهذا مروي عن عبد الرحمن بن زيد (٤). وفيما يتعلق بالعهد مع غير المسلمين يقول المولى عز وجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. (٣) انظر: تفسير مقاتل ٢٧٦/١، جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٤٩- ٤٥١، النكت والعيون، الماوردي ٥/٢-٦. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٥٣. (٥) انظر: تفسير السمر قندي ٣٩/٢. www. modoee.com ٤٩١ حرف الحاء أداء الحقوق لما كانت الحقوق على اختلاف أنواعها ودرجاتها ذات أهمية كبيرة في الدنيا والآخرة، فقد أمر الله تعالی الناس بأدائها، ورتب على ذلك الثواب الكبير والفضل العظيم، وحذّر من تضييعها أو إهدارها والتعدي عليها، ورتب على ذلك العواقب الوخيمة في الدنيا والآخرة. ونصوص القرآن الكريم وافرة في هذا الصدد، منها ما هو صريح أمرًا ونھیًا، ومنها ما استنبطه المفسرون والفقهاء من الآيات المتعددة التي تدل على استيفاء الحقوق، وما يسقط منها بالتوبة وما لا يسقط، وما تكفره الحسنات وما لا تكفره، وأتناول ذلك على النحو الآتي: أولًا: ثواب المؤدين للحقوق: ١. الحقوق بجميع أقسامها أمانة اختص الإنسان بحملها. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنْسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. فسرت الأمانة في الآية الكريمة بتفسيرات عدة، ففسرها البعض بأنها طاعة الله عز وجل وفرائضه وشرائعه، روي هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، والحسن وأبي العالية، ومقاتل، وقتادة، وسعيد بن جبیر وغيرهم(١). وذهب بعضهم إلى أن الأمانة هي غسل الجنابة، وذهب أبو الدرداء وغيره إلى أن الأمانة هي حفظ الفرج للرجال والنساء (٢)، وذهب السدي إلى أن المقصود بها ائتمان قابيل على أخيه (٣). وذهب ابن مسعود إلى أن الأمانة هنا المقصود بها أمانات الناس من الودائع ونحوها (٤)، وأورد فيها حديث ((القتل في سبيل اللّه يكفّر الذّنوب كلّها غير الأمانة، يؤتى بالشّهيد في سبيل اللّه فيقال: أدّ أمانتك، فيقول: من أين أؤدّيها فقد ذهبت الدّنيا؟ قال: فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، حتّى إذا انتهي به إلى قرار الهاوية، مثّلت له أمانته كهيئتها يوم ذهبت فيحملها فيضعها على عاتقه، فيتصعد في النّار حتّى إذا رأى آنّه قد خرج منها فهوت، وهوی في إثرها أبد الآبدين، ثمّ قرأ عبد اللّه: ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ أَلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾))(٥). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣٦/٢٠ - ٣٣٨، النكت والعيون، الماوردي ٤٢٨/٤. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣٩/٢٠، النكت والعيون، الماوردي ٤٢٨/٤. (٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٤٢٨. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٣٤٠. (٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الوديعة باب ما جاء فى الترغيب فى أداء الأمانات، رقم ١٣٠٦٧. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، مُوسُوبَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٤٩٢ الحقوق ٢. الحقوق أمانة واجبة الأداء. وقيل: ((المقصود إيتاء ذي القربى حقه جميع الحقوق التي شرعها الله تعالى من صلة المال وحسن المعاشرة ولين القول، قال الحسن ((حقه)) المواساة في اليسر وقول ميسور في العسر»(٣). أمانة في أعناقنا يجب علينا أداؤها ﴿إِنَّاللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِمَا يَعُكُمْيِيُّهِ إِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. قال الطبري تعقيبًا على قول ابن جريج إنّ هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة، «إنه جائز أن تکون نزلت فيه، وأريد به کل مؤتمن على أمانة، فدخل فيه ولاة أمور المسلمين، وكلّ مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا. ولذلك قال من قال: عني به قضاء الدين، وردّ حقوق الناس»(١). ٣. إيفاء حقوق الناس عاقبته الفلاح. أمر الله تعالی بإیتاء حقوق الغير لا سيما إن کان له درجة خاصة، أو ظروف خاصة؛ كالأقارب والمساكين وأبناء السبيل. قال تعالى: ﴿فَثَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ. وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيِلَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَِّنَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الروم: ٣٨]. والمعنى هنا يجوز أن يكون مراده الصدقات الواجبة في آية مصارف الزكاة، وجائز أن يكون الحق الذي يلزمه إعطاؤه عند الضرورة إليه(٢). رقم ١٧٦٣. (١) جامع البيان، ٨/ ٤٩٣. (٢) أحكام القرآن، الجصاص ٢١/٥. ٤. إيفاء الحقوق من أهم وصايا الأنبياء إلى قومهم. أرسل الله تعالى أنبياءه ورسله لهداية الناس وإرشادهم وتحذيرهم من عاقبة مخالفة الله تعالى، وأكل حقوق الناس، ولهذا جاءت آيات القرآن لتبرز وصايا الأنبياء لقومهم في هذا الشأن. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: وصية سيدنا شعيب عليه السلام لقومه ﴿ وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِاَلْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى اُلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥]. أي: لا تنقصوا الناس حقوقهم، کما روي عن صالح بن حي، وقتادة (٤). ٥. الوصايا القرآنية الإجمالية داخلة جميعها في الحقوق. وردت وصايا قرآنية على سبيل الإجمال في سورتي الأنعام والإسراء بلغت عشر وصايا في الأولى، واثنتا عشرة وصية في الثانية، واشتملت هذه الوصايا على طائفة كبيرة من الحقوق، سواء كانت حقوقًا لله (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/ ٣٩٢. (٤) انظر: تفسير مقاتل ١٢٨/٢، جامع البيان، الطبري ١٥/ ٤٤٣-٤٤٦. www. modoee.com ٤٩٣ حرف الحاء تعالى أم للعباد. فوصية سورة الأنعام في قول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالُواْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمّ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَ بِاَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَئِدَكُمْ مِنْ إِمْلَقٍّ ◌َحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمٌ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌَ وَلَا تَقُّْلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ (٥) وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِأَتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ، وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌَ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ فُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ () وَأَنَّ هَذَا صِرَّطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَقَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِ، ذَلِكُمْ وَصَّنگُم پِهِ. لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ﴾ [الأنعام: ١٥١ -١٥٣]. ووصية سورة الإسرء في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِنَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُ هُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَا تَقُل لَّمَآ أَنِّ وَلَا تَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قولًاكريمًا (٣) إلى قوله: ﴿وَلَاتّمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحَاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ اِبَالَ طُولًا ) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهَا ﴾ [الإسراء: ٢٣-٣٩]. قلت: وهذه الحقوق السابق ذكرها في الأنعام والإسراء ورد ذكر أكثرها بالتفصيل في المبحث السابق. ٦. استيفاء الحقوق في الدنيا. شرع الله عز وجل الولاية العظمى، وما يستتبعها من الولايات الأخرى، لإقامة العدل في الأرض، وأنزل الأحكام الشرعية لتكون دستورًا يحفظ للناس حقوقها، فكانت مشروعية القصاص والحدود والتعازير على نحو ما هو معروف في الشريعة الإسلامية، ولذلك نجد ضوابط الشريعة الإسلامية الحاكمة لاستيفاء الحقوق. وبالنظر إلى الحقوق من حيث استيفاؤها إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما لا بد فيه من الرفع إلى القضاء، باتفاق الفقهاء؛ كتحصيل العقوبات وما يخاف من استيفائه الفتنة، وذلك لخطرها وكذلك ما كان من الحقوق مختلفًا في أصل ثبوته. الثاني: ما لا يحتاج إلى القضاء باتفاق الفقهاء، لتحصيل الأعيان المستحقة، وتحصيل نفقة الزوجة والأولاد. الثالث: ما اختلف في جواز تحصيله من غير قضاء، کاستيفاء الديون(١). ثانيًا: عاقبة المفرطين في الحقوق: حذرت الشريعة الإسلامية من التعدي على الحقوق، سواء كانت من حقوق الله تعالی أو من حقوق العباد، وورد في نصوص (١) الموسوعة الجنائية الإسلامية ٣٧١/١. ٤٩٤ جـ القرآن الكريم الحقوق الكتاب العزيز آيات تحذر من ذلك، وأورد هنا للتبعيض؛ لأن حقوق العباد لا تكفرها في هذا المطلب جوانب من التحذير في الصدقة(٢). تعدي الحدود والتفريط في الحقوق، وما يتعلق بها على النحو التالي: ١. التعدي على الحقوق يعتبر كفر أو فجور. قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ٤٠ تَرْهَتُهَا قَتَرَةُ ﴿ أُوْلَيْكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجْرَةُ [عبس: ٤٠ -٤٢]. حيث ذهب بعض المفسرين إلى أن كانت حقوق الناس استولي عليها بالحرابة ونحوها. المراد: أن الموصوفين بهذا (كفرة) في حقوق الله تعالى، (فجرة) في حقوق العباد، وأنهم لما جمعوا الفجور إلى الكفر جمع إلى سواد وجوههم الغبرة(١) ٢. حقوق العباد لا تكفرها الصدقة. يخطئ من يظن أن الصدقة وفعل الخيرات تكفر كل الذنوب، أو تعفي المرء من كل التبعات، فهي لا تعفيه من تبعات حقوق الناس؛ لأن حقوق الناس تقوم على المشائَّة. قال الله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىَّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَّرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمَّ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]. ذكر الإمام الماوردي أن كلمة (من) (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٦/ ٢١٠. ٣. حقوق العباد لا تسقط بالتوبة. التوبة لها شروط معروفة عند العلماء، سواء تعلقت بحقوق الله تعالى أو بحقوق العباد، وأهم شرط فيما يتعلق بالتوبة من حقوق العباد هو التحلل من تبعاتهم ومظالمهم، وهذا معروف بلا خلاف في عامة الحقوق، وفيه خلاف يسير فيما إذا أما عن الأول فهذا مستفاد من نصوص قرآنية كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَإِذَادَفَعْتُمْ إِلَّهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمَّ وَكَفَى بِاللَّهَ حَسِيبًا﴾﴾ [النساء:٦]. حيث استنبط منها بعض المفسرين أن حقوق الناس لا تسقط بالتوبة(٣). ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. قال الألوسي: ((ولا يمكن على ذلك التقدير حملها على الظاهر لما أن السيئة حينئذ تشمل حقوق العباد والإجماع على أن الحسنات لا تذهبها وإنما تذهبها التوبة بشروطها المعتبرة المعلومة» (٤) وأما عن الثاني وهو عدم سقوط حقوق (٢) المصدر السابق. (٣) روح البيان، إسماعيل حقي ١٣٤/٢. (٤) روح المعاني ٤ / ١٧٠. www. modoee.com ٤٩٥ حرف الحاء الناس عن المحارب، فقد قال الله عز واختياره فلا أثر للتقادم فيها، وإن كانت أثيرت بناء على شهادة الشهود فهذا محل خلاف بين الفقهاء (٢). وجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٤]. استفيد من الآية أن المحارب إذا تاب منهم قبل القدرة عليهم وهو قبل أن يظفر به الإمام تسقط عنه كل عقوبة وجبت حقًّا لله، ولا يسقط ما كان من حقوق العباد فإن كان قد قتل في قطع الطريق يسقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل، ويبقى عليه القصاص لولي القتيل فإن شاء عفا عنه وإن شاء استوفاه، وإن كان قد أخذ المال يسقط عنه القطع وإن كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب، ويجب ضمان المال وهو قول الشافعي رضي الله عنه(١). ٤. حقوق العباد لا تسقط بالتقادم. المعروف في الشريعة الإسلامية أن الحقوق يطرأ عليها العفو والتقادم ونحوهما، فما مدى أثر العفو والتقادم على سقوط الحقوق من عدمه؟. يمكن القول بأن التقادم يسري على حقوق العباد، وعلى حقوق الله تعالى، فأما حقوق العباد فإنها لا تسقط بالتقادم بل تسمع الدعوى فيها متى ما تقدم صاحب الحق بالمطالبة بحقه، وأما الحقوق الخالصة لله تعالى كالحدود، فإن أقر بها الشخص بطوعه (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٥٠/٣. جَوَسُوع القرآن الكريم ٥. حقوق العباد لا يصح الرجوع فيها بعد الإقرار بها طوعًا. لا يجوز للمرء أن يرجع في حق أقر به من حقوق العباد، وإن رجع فلا يقبل رجوعه، فقد نصت المادة (١٥٨٨) من مجلة الأحكام العدلية على ما يلي: (لا يصح الرجوع عن الإقرار في حقوق العباد، فعليه لو قال أحد: إنني مدین لفلان بکذا درهمًا فيلزم بإقراره، ولا يعتبر قوله بعد ذلك: إنني رجعت عن إقراري)(٣). وهذا آخر ما يسره الله تعالى في هذا البحث، أسأل الله جل وعلا أن يرزقه رضی وقبولا، وأن ينفع به من قرأه ووقف علیه، وأن يعفو عن زلاتي ويقيل عثراتي، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير. موضوعات ذات صلة: الأبوة، الأمومة، الألوهية، البنوة، الحق، الرحم (٢) الموسوعة الجنائية الإسلامية ١/ ٢٨٣ . (٣) مجلة الأحكام العدلية ٣١١/١. ٤٩٦