Indexed OCR Text

Pages 21-40

الحقوق
محمولًا على التطوع لم يعتبر واحد منهما، الرحم))(٣).
وجاز مع الغنى والفقر، ووجوب النفقة
وسقوطها؛ لأن فيهم مع الغنى صلة رحم
مبرور))(١).
وقال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌ
قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيِّرٍ فَلِلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
وَاُلْتَ وَالْسَِّكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ
خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥].
٢. الإحسان إليهم والمراد به صلتهم،
(٢)
والبر بهم(٢).
وقد ورد الأمر بالإحسان لذوي القربى
في آيات، منها قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا
اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا
وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَلِكِينِ وَالْجَارِ
ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمُّ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا !
[النساء: ٣٦].
ومن لطائف الآية ما ذكره الرازي («اعلم
أن الوالدين من الأقارب أيضًا، إلا أن قرابة
الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب
القرابات وكانت مخصوصة بخواص
لا تحصل في غيرها، لا جرم ميزها الله
تعالى في الذكر عن سائر الأنواع، فذكر
في هذه الآية قرابة الولاد، ثم أتبعها بقرابة
(١) النكت والعيون، ٢٢٦/١.
(٢) تفسير مقاتل ٢٢٩/١.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِيثَاقَ بَنِىّ
إِسْرَّءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا
وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ﴾
[البقرة: ٨٣].
٣. إيفاؤهم حقهم.
أمر القرآن الكريم بإيفاء ذوي القربى
حقوقهم من البر والصلة والعون والنصرة،
وذلك في غير موضع، منها قول الله تعالى:
﴿ وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ
السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦].
وقوله جل وعلا: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ.
وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ
يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[الروم: ٣٨].
وفي هذا المعنى روي عن قتادة في قوله
تعالى ﴿ فَاتِ ذَاالْقُرْبَ حَقَّهُ,﴾ قال: ((إذا كان
لك ذو قرابة فلم تصله بمالك ولم تمش إليه
برجلك فقد قطعته)) (٤)
٤. جعل نصيب لهم عند حضور القسمة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ
أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَالْيَمَ وَالْمَسَكِيْنُ فَأَرْزُقُوهُم
مِنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨].
عن عكرمة: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ
قال: كان ابن عباس يقول: ((إذا
القُرْبی ﴾
(٣) مفاتيح الغيب، ١٠/ ٧٥.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣/ ١٠٣.
www. modoee.com
٤٦٥

حرف الحاء
ولي شيئًا من ذلك، یرضخ لأقرباء الميت.
وإن لم يفعل، اعتذر إليهم وقال لهم قولا
معروفًا))(١).
وذكر الماوردي في هذه الآية ثلاثة
أقاویل:
أحدها: أنها ثابتة الحكم. قال سعيد بن
جبير: هما ولیان، أحدهما يرث وهو الذي
أمر أن يرزقهم، أي: یعطیھم، والآخر لا يرث
وهو الذي أمر أن يقول لهم قولًا معروفًا،
وبإثبات حكمها قال ابن عباس، ومجاهد،
والشعبي، والحسن، والزهري.
وروي عن عبيدة أنه ولي وصية فأمر
بشاة فذبحت، وصنع طعامًا لأجل هذه الآية
وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.
والقول الثاني: أنها منسوخة بآية
المواريث، وهذا قول قتادة، وسعيد بن
المسيب، وأبي مالك، والفقهاء.
والثالث: أن المراد بها وصية الميت التي
وصّی بها أن تفرق فیمن ذكر وفیمن حضر،
وهو قول عائشة.
فيكون ثبوت حكمها على غير الوجه
الأول(٢).
فبان من هذه النصوص القرآنية مدی ما
يتمتع به أولو القربى من حقوق كفلها لهم
القرآن الكريم.
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٧/ ١٦.
(٢) النكت والعيون، الماوردي ١/ ٤٦٥.
رابعًا: حقوق الجار:
أوصى القرآن الكريم بالجار على
اختلاف أنواعه في آية كريمة اشتملت
على الوصية بأصناف عدة وهي قول الله
تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِءَ شَيْئاً
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى
وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَاَلْجَارِ
الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ
وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
مُخْتَالًاً فَخُورًا ﴾ [النساء: ٣٦].
والمراد بالجار ذي القربى هو الجار
الذي يمت لك بصلة قرابة، والجار الجنب،
هو جارك من قوم آخرين؛ هكذا روي عن ابن
عباس ومقاتل وقتادة ومجاهد(٣)، وهناك
نوع آخر من الجيران وهو غير المسلم.
ولهذا فإن الجار الذي بينك وبينه قرابة له
ثلاثة حقوق (حق الجوار وحق القرابة وحق
الإسلام)، والجار الذي ليس بقريب له
حقان (حق الجوار وحق الإسلام)، والجار
غير المسلم له حق واحد وهو الجوار (٤).
وقد قال القرطبي بعد أن أورد تقسيم
الجيران: ((وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور
بها مندوب إليها مسلمًا كان أو كافرًا، وهو
الصحيح. والإحسان قد يكون بمعنى
(٣) انظر: تفسير القرآن، عبد الرزاق الصنعاني
١٥٩/١، جامع البيان، الطبري ٣٣٥/٨.
(٤) تفسير السمر قندي، ٣٢٧/١.
٤٦٦
جَوَسُو ◌َ النَِّيَة
القرآن الكريم

الحقوق
المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة [الحجرات: ١٢].
وكف الأذى والمحاماة دونه)) (١).
ومن أبرز حقوق الجار:
١. محبة الجار والتودد إليه.
فقد أخرج مسلم عن أنس بن مالكٍ عن
النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال (لا يؤمن
أحدکم حتی یحبّ لأخیه - أو قال لجاره -
ما يحبّ لنفسه)(٢).
٢. عدم إيذائه بقول أو فعل.
فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول خامسًا: حقوق الصحبة:
اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل
الجنّة من لا يأمن جاره بوائقه)(٣).
ومن لطائف التفسير ما ذهب إليه أبي بن
كعب بتفسير الفاحشة في قول الله تعالى
بالبذاء على الجيران والإحماء أو على
الزوج؛ بحيث أن بقاء أمثالهن في جوار
أهل البيت يفضي إلى تكرر الخصام فيكون
إخراجها من ارتكاب أخف الضررين (٤).
٣. عدم کشف ستره أو التجسس عليه.
وذلك إعمالا للنص الوارد في النهي
عن التجسس مطلقًا ﴿وَلَا تَّهْتَّسُواْ﴾
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٨٤/٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الدّليل علىّ أنّ من خصال الإيمان أن
يحبّ لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه من الخير،
رقم ١٧٩.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان
باب تحريم إيذاء الجار، رقم ١٨١.
قلت: وإذا كان التجسس محرم على جهة
العموم، في حق الجار وغير الجار، فلا شك
أن حرمته في حق الجار أشد؛ نظرًا لقرب ما
بین الجيران في السكن.
وهناك حقوق أخرى للجار وردت في
السنة النبوية، بعضها حقوق مادية وبعضها
معنوية، لا يناسب ذكرها في هذا البحث
التفسيري.
((الصاحب هو
قال الفيروزآبادي:
الملازم، إنسانًا كان أو غيره، ولا فرق بين
أن يكون مصاحبته بالبدن - وهو الأكثر - أو
بالعناية والهمة. ولا يقال فى العرف إلا لمن
کثرت ملازمته(٥).
٠
والصحبة من الأمور الهامة في حياة
الناس، حيث لا يستطيع كثير من الناس
العیش بمفردهم بل لابد لهم من أصحاب
أو أصدقاء يأنسون لهم، ويستشيرونهم،
ويتعاونون معهم على في السراء والضراء،
والمعهود من قديم الزمان وجود الأصحاب
والأصدقاء.
وللصحبة ضوابطها في الإسلام،
وللأصحاب حقوقهم في القرآن والسنة،
ولقد اهتم القرآن الكريم بحقوق الصحبة
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٠/٢٨. (٥) بصائر ذوي التمييز، ٣٨٧/٣ بتصرف.
www. modoee.com
٤٦٧

حرف الحاء
ونصت الآيات الكريمة على بيان فضلها في
مواطن، فمن ذلك ما يلي:
١. نصرة الصاحب لصاحبه ومعاونته
إياه.
وهذا يتجلى في موقف سيدنا أبي بكر
الصديق رضي الله عنه من النبي صلى الله
علیه وسلم في رحلة الهجرة، حيث أثنى الله
تعالى على صحبة أبي بكر الصديق للنبي
صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة، وما
أبلاه رضي الله عنه في هذه الرحلة، بل وما
أبلاه نحو الإسلام ونحو الدعوة عبر حياته.
قال تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ
نَصَرَهُ اَللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاً فَأَنزَلَ
اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَيَدَهُ بِجُنُودٍ
لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ السُّغْلِىُّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِ
الْعُلْيَأْ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾ [التوبة: ٤٠].
ويتجلى من هذه الآية الكريمة طرف من
العبر واللطائف بيانها على النحو الآتي:
أنّ سیدنا أبا بكر رضي الله عنه كان
يخاف على نفس رسول الله صلى
الله عليه وسلم وعلى ذهاب التوحيد
والإسلام، ولم يكن يخاف على
(١) انظر: تفسير السمر قندي، ٢/ ٦٠، معالم
■ أنّ الآية تضمنت عتابًا لجميع الناس
عدا أبي بكر الصديق رضي الله عنه،
كما قال الشعبي: «عاتب الله عز وجل
أهل الأرض جميعًا في هذه الآية غير
أبي بكر الصديق رضي الله عنه))(٢).
قلت: وما ذلك إلا لبلاء أبي بكر رضي
الله عنه وجهوده في خدمة دين الله تعالی،
ولذلك استحق هذا الثناء، وما لحقه من ثناء
من النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث
عدة مبسوطة في كتب المناقب من كتب
السنة المطهرة.
وقد ورد لفظ الصاحب في القرآن الكريم
في عدة مواضع وتجلى في هذه المواضع
بعض حقوق الصحبة منها:
٢. الإحسان إلى الصاحب.
وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا
اُللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا
وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَاَلْجَارِ
ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ تُخْتَالًا فَخُورًا
٦)) [النساء: ٣٦].
وفسر الصاحب بالجنب هنا بتفسيرات
عدة منها: أن المراد به الرفيق الصالح، وهو
مروي عن علي وابن مسعود وغيرهم (٣).
التنزيل، البغوي ٤ / ٤٩.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٤ /٤٩.
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٤١/٨.
٤٦٨
جَوَسُ حَرَ النفسيةِالمُضوية
لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ

الحقوق
ومنها: أنه الرفيق في السفر، حيث روي
هذا عن مجاهد وابن جبير وعكرمة وقتادة
والضحاك وغيرهم(١).
ومنها: أن المراد بها زوجة الرجل، حیث
روي هذا أيضًا عن علي وابن مسعود رضي
الله عنهما(٢).
ومنها: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء
نفعك، وهو قول ابن زيد(٣).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما
قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم:
(خير الأصحاب عند الله خيره لصاحبه،
وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره)(٤).
٣. دعوة الصاحب إلى الهدى والرشاد.
وذلك كما فعل سيدنا يوسف عليه
السلام من دعوته رفقاء السجن إلى دين
الله عز وجل، كما في الآية ﴿يَصَحِ
السّجْنِ ءَأَزْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اَللَّهُ
الْوَجِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ
أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا
أَنَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا
(١) انظر: تفسير القرآن، عبد الرزاق الصنعاني
٩٥/١، جامع البيان، الطبري ٣٤١/٨.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٢/٨.
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١ / ٤٨٥.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب البر والصلة،
باب حق الجوار، رقم ١٩٤٤.
قال الترمذي: حديث صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٦٢٠، رقم ٣٢٧٠.
تَعْبُدُواْ إِلَّا إِيَاءٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩ -٤٠].
وهنا يلحظ أن نبي الله يوسف عليه
السلام كرر النداء عليهم مرتين بـ﴿يصَحِی
السّجْنِ﴾ حتى تجتمع أنفسهما لسماع
الجواب، ونسبهما إلى السجن باعتبار أنهما
من سکانه حينئذٍ(٥).
٤. اجتماع الأصحاب على الخير
والطاعة وبذل النفس في سبيل الله.
وهذا نراه واضحًا في أروع مثال ضربه
فريق من الأصحاب (أهل الكهف) من البذل
والتحمل في سبيل الله، والاتفاق على نصرة
دينه، والصدع بالحق أمام الظالم، فنالوا من
الأذى ما نالوا، وفروا بدینهم، فکرمهم الله
تعالى بمعجزة باهرة وآية عظيمة.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ
اَلْكَهْفِ وَالرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا عَجَبًا
إِذْ أَوَى أَلْفِتْبَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَا ءَائِنَا
مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
[الكهف: ٩- ١٠].
ثم تلا ذلك بضعة عشر آية تذكر قصتهم
العجيبة، فانظر كيف اجتمعت صحبتهم
على الطاعة واشتروا دينهم بدنياهم فكرّمهم
الله تعالى في الدنيا والآخرة، ولله درها
من صحبة، اجتمعت فيها القلوب على
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٤/١٦، تفسير
القرآن، السمعاني ٣١/٣، المحرر الوجيز،
ابن عطية ٢٥٦/٣.
www. modoee.com
٤٦٩

حرف الحاء
هدف واحد بالرغم من اختلافهم طبقاتهم
ودرجاتهم، كما هو معلوم في القصة من
وجود الغني والفقير فيهم، والراعي وأحد
مستشاري الملك.
٥. تقديم النصيحة للصاحب إذا كان
علی غیر رشد.
وهذا ما نراه واضحًا في قصة صاحب
الجنتين في سورة الكهف ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ.
وَهُوَ تُحَاوِرُأَ كَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَفَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن
تُطْفَةٍ ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلًا (٦) لَّكِنَا هُوَ اللَّهُ رَبِ وَلَآ
أُشْرِكُ بِرَبِ أَحَدًا ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنََّكَ
قُلْتَ مَا شَآءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ
مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٧-٣٩].
قلت: ليس في الآيات ما يدل على نوع
هذه الصحبة، فقد ذهب المفسرون إلى
أقوال في ذلك: منها أنهما شریکان، ومنها
أنهما كانا أخوین ورثا مالا عن أبيهما (١).
سادسًا: حقوق العلماء:
العلماء ورثة الأنبياء، وهم أهل الفضل
والمنة على كثير من الناس، وهم منارات
في الأرض يهتدي بها الناس، يفقهون الناس
في دينهم، ويشرحون لهم ما أشكل عليهم،
ويبينون لهم الحلال والحرام.
روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن
النبي صلی الله عليه وسلم قال: (من سلك
(١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٦/ ١٦٩.
طريقًا يبتغي به علمًا سلك الله له طريقًا إلى
الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضِى
لطالب العلم بما يصنع، وإنّ العالم ليستغفر
له من في السّماوات ومن في الأرض حتّى
الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد،
كفضل القمر على سائر الكواكب، وإنّ
العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الانبياء لم يورّثوا
دينارًا ولا درهمًا، وإنّما ورّثوا العلم، فمن
أخذ به فقد أخذ بحظُّ وافٍ)(٢).
وقد اهتم القرآن الكريم بهم في غير
موضع، وأمر بإيفائهم حقهم من التقدير
والاحترام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ
مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ ﴾
[فاطر: ٢٨].
قال الجصاص: ((فيه الإبانة عن فضيلة
العلم وأن به يتوصل إلى خشية الله وتقواه؛
لأن من عرف توحيد الله وعدله بدلائله
أوصله ذلك إلى خشية الله وتقواه؛ إذ كان
من لا یعرف الله ولا یعرف عدله وما قصد
له بخلقه لا يخشى عقابه ولا يتقي)»(٣).
وقال جل شأنه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَِّلِ
سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب العلم،
باب الحث على طلب العلم، رقم ٣٦٤٣،
والترمذي في سننه، أبواب العلم، باب ما جاء
في فضل الفقة على العبادة، رقم ٢٦٨٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٠٧٩/٢، رقم ٦٢٩٧.
(٣) أحكام القرآن، الجصاص ٢٤٦/٥-٢٤٧.
٤٧٠
القرآن الكريم

الحقوق
هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ ولهذا نصّ بعض العلماء على أنّ الغيبة إذا
أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾ [الزمر: ٩].
وأورد هنا طرفًا من حقوق العلماء علينا:
١. تقديرهم واحترامهم وموالاتهم.
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي بعد
آية ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ
لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِينَ نُوَلَّهِ.
مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا}
[النساء: ١١٥]: ((يجب على كل مسلمٍ بعد
موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما
نطق به القرآن؛ خصوصًا الذين هم ورثة
الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم
يهتدي بهم في ظلمات البر والبحر، وقد
أجمع المسلمون على هدایتهم ودرایتھم،
فإنّهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما
مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا،
وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا))(١).
٢. عدم غيبتهم وإيذائهم.
حرم القرآن الكريم الغيبة، فقال الله
تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُّكُمْ بَعْضَاً أَيُحِبُّ
أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِ هْتُمُوَةٌ
وَأَنَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
وإذا كانت الغيبة محرمة على جهة
العموم فقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ غيبة
العلماء أشدّ و آثم من غیبة غیرهم، لما يترتّب
على ذلك من المفاسد العظيمة في غيبتهم،
(١) شرح العقيدة الطحاوية ٣٢٧/١.
كانت في أهل العلم وحملة القرآن الكريم
فهي كبيرةٌ، وإلا فصغيرةٌ (٢).
٣. طاعتھم فیما یأمرون به.
من حقوق العلماء علينا حق الطاعة
لهم فیما یأمروننا به من تعاليم وإرشادات،
وقد ورد في القرآن الكريم الأمر بطاعة
أولي الأمر، في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
مَمَنُوَأْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾
[النساء: ٥٩].
وقد فسر بعض السلف كجابر بن عبد
الله والحسن ومجاهد وعطاء رضي الله
عنهم جميعًا أولي الأمر بأنهم العلماء(٣).
فقد أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن جابر
بن عبد الله: ﴿وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُرُ﴾ قال: أولو
الفقه أولو الخير (٤).
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن في
قوله تعالى: ﴿وَأُوْلِ الْأَمِِّ مِنْكُمْ﴾ قال: هم
العلماء (٥).
سابعًا: حقوق الضعفاء:
الضعفاء أصناف شتى من الناس بعضهم
ضعفه حسي؛ کالمرضى وذوي الإعاقات،
(٢) السراج المنير، الشربيني ٤ /٨٨ بتصرف.
(٣) انظر: تفسير القرآن، عبد الرزاق الصنعاني
١٦٦/١، جامع البيان، الطبري ٥٠١/٨.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ١٢/ ٢١٢،
رقم ٣٣٢٠٠.
(٥) أخرجه عبدالرزاق في تفسيره ١٦٦/١.
www. modoee.com
٤٧١

حرف الحاء
وبعضهم ضعفه معنوي؛ كاليتيم وابن لها عليه مثله بقوله تعالى: ﴿وَلِّجَالِ عَلَتِنَّ
دَرَههٌ﴾ ولم یبین في هذه الآية ما لكل واحد
منهما على صاحبه من الحق مفسرًا، وقد بينه
في غيرها وعلى لسان رسوله صلى الله عليه
والسنة النبوية المطهرة بحقوق هؤلاء على وسلم))(١).
السبيل، والعبيد والخدم، وبعضهم ضعفه
بأصل الخلقة التي خلقه الله عليها كالمرأة،
وقد اهتم الإسلام ممثلًا في القرآن الكريم
اختلاف أنواعهم، فحذرت النصوص
القرآنية والنبوية من التعدي عليهم، أو
الإساءة لهم بالقول أو بالفعل، أو أكل
حقوقهم، کما أمرت بالإحسان إليهم، وهو
ما أتناوله على النحو التالي:
الفرع الاول: حقوق النساء:
كرّم القرآن الكريم النساء أيما تکریم،
وحسبهن أن سميت باسمهن سورة في كتاب
الله تعالى اشتملت على طائفة من الأحكام
والتشريعات الخاصة بالنساء، وبنحوهن من
الضعفاء؛ کالیتامی والمساکین.
وحقوق النساء أكثر من أن تذكر في هذه
السطور القليلة، فهي مبسوطة في كتب السنة
وأبواب الفقه المختلفة.
وجعل سبحانه وتعالى بين الرجل
والمرأة حقوقًا متبادلة، أجملها في آية
وفصلها في آيات أخرى، فقال جل شأنه:
﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَتِنَّ
دَرَجَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
قال الجصاص: «أخبر الله تعالى في هذه
الآية أن لكل واحد من الزوجين على صاحبه
حقًّا، وإن الزوج مختص بحق له علیھا لیس
وأشير هنا إلى طرف من حقوق النساء
في القرآن الكريم بإيجاز على هذا النحو:
١. إحسان العشرة الزوجية.
وذلك یتجلى في نصوص قرآنية حثت
على إباحة تعدد الزوجات مع شرط العدل
بینهن، ونصوص أخرى حثت على التعامل
مع نشوز النساء بحلول شرعية تناسب كل
النساء، ونصوص ثالثة حثت على إدخال
التحكيم أو الصلح في نزاع المرأة مع
زوجها، ونصوص رابعة تنهى عن الحيف
على المرأة وتأمر بالاعتدال في حالة التعدد.
فمن النوع الأول: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ
خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ آلَ فَأَنْكِحُوْمَا طَابَ لَكُمْ
مِّنَ النِّسَلِ مَثْفَ وَثُلَثَ وَرُبَعٌّ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ
فَوَجِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَلََّّ تَعُولُواْ﴾
[النساء: ٣].
ومنه أيضًا قوله جل شأنه: ﴿يَكَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ
كَرْمَّاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآَ
ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَفِْ
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ
(١) أحكام القرآن، ٦٨/٢.
٤٧٢
مُوسَو ◌َةُ النَِّيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحقوق
فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا رضى منها آخر). أو قال: (غيره)(٤).
كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
فنصت الآية على سبيل الوجوب بإحسان
عشرة النساء مع الإشارة إلى أن الله تعالى قد
یکون قدر الخير في تلك المرأة التي يبغضها
زوجها.
والمعاشرة بالمعروف المقصود
بها المصاحبة لهن بالإحسان كما ذكره
مقاتل(١
وقال الشافعي رحمه الله في معناها
في موضع: «وجماع المعروف إتيان ذلك
بما يحسن لك ثوابه وكف المكروه»،
وفي موضع آخر: ((وجماع المعروف بين
الزوجين: كف المكروه وإعفاء صاحب
الحق من المؤنة في طلبه، لا بإظهار الكراهية
في تأديته فأيهما مطل بتأخيره فمطل الغني
ظلم))(٢).
وذكر الزمخشري أن المراد بالمعاشرة
بالمعروف النصفة في المبيت والنفقة
والإجمال في القول(٣).
ویفسر المعروف کذلك حديث رسول
الله صلی الله عليه وسلم الذي يقول فيه:
(لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً إن كره منها خلقا
(١) انظر: تفسير مقاتل ٣٦٤/١.
(٢) أحكام القرآن، الشافعي ١/ ١٣٣، والموضع
الثاني رواية ثانية عند المزني.
(٣) الكشاف ٥٢٢/١.
ومنه كذلك ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ
تَعْدِ لُواْ بَيْنَ النِّسَآِ وَلَوْ حَرَصْتُمَّ فَلَا تَمِيلُواْ
كُلَ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن
تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩].
ومن النوع الثاني من النصوص الآمرة
بحسن العشرة: قوله جل شأنه: ﴿وَالَّتِى
تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُ وهُنَّ
فِي الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنٌّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ
فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا
كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].
ومن النوع الثالث: قول الله تعالى:
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا
مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدًاْ إِصْلَحًا
يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيَا ﴾
[النساء: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا
نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحًا
بَيْنَهُمَا صُلْحَاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ آلْأَنفُسُ
الشَّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨].
ومن إحسان عشرة النساء عدم إمساكهن
كرهًا، فإما إمساك بمعروف أو تسريح
بإحسان، قال الله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍّ
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع،
باب الوصية بالنساء، رقم ٣٧٢١.
www. modoee.com
٤٧٣

حرف الحاء
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيحٌ بِإِحْسَنٌ﴾ [البقرة: لأنّ الله تعالى لا يمثل إلا بمباح وقد روي
٢٢٩].
أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه
خطب على المنبر فقال: ((أَا لا تغالوا في
وقال جل شأنه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ
فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ بِعُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِّعْنَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَ نَفْسَهُ، وَلَا نَتَّخِذُوْاْ ءَايَتِ اللّهِ
هُزُوَأْ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ
مِّنَ الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ يَمِظُكُم بِْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٣١].
صداقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة
في الدنیا وتقوی عند الله لکان أولا کم بها
رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما أصدق
قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنتي
عشرة أوقية)) فقامت إليه امرأة فقالت: يا
عمر، يعطينا الله وتحرمنا أنت؟ أليس الله
سبحانه يقول: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَمُهُنَّ قِنْطَارًا
٢. إيفاء النساء صداقهن.
فَلَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ فقال عمر: ((امرأة
أصابت وأمير أخطأ))(١).
جعل الله الصداق حقًّا من حقوق النساء،
فأمر الأزواج بإيفائه لهن، وضرب مثالًا
لعظمه ومقداره بالقنطار، ونهى عن أخذ
شيء منه إلا عن طيب نفس من الزوجة،
ونھی عن استرداده.
فقال جل شأنه: ﴿وَءَاتُوْلِنِسَآءُ صَدُقَتِنَّ
◌ِلَةٌ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيفًا
قَرِفًا﴾ [النساء: ٤].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ أَرَدَثُمُ
أُسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ
إِحْدَهُنَّ قِنَطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً
أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنًا وَإِثْمًا قُّبِينًا ) وَكَيْفَ
تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ
وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًّا غَلِيظًا (٥)
[النساء: ٢٠-٢١].
والآيتان تدلان على عظم قدر الصداق،
وفيها دليل على جواز المغالاة في المهور؛
والآية تدل كذلك عدم جواز أخذ شيء
منه بعد الزواج، فالصداق حق كامل للمرأة
بالدخول، أو المسيس أو الخلوة الشرعية،
وحق متنصف إذا طلقت قبل الدخول على
ما هو معروف في أبواب النكاح.
وقال جل شأنه: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ
النِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ كِتَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
ج
وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْبِأَمْوَلِكُمْ
◌ُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ فَمَا أُسْتَمْتَعْثُم بِ
مِنْهُنَّ فَنَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ فَرِيضَةٌ وَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ فِيمَا تَضَيْتُم بِهِ، مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: ٢٤].
فأبانت الآية أن المهر حق للمرأة، فإن
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم ١٠٤٢٠
٦/ ١٨٠.
٤٧٤
صَوْبَرُ النَّـ
جوب
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحقوق
شاء تنازلت عنه أو عن شيء منه فلا حرج المرأة شيئًا ولا الصبيّ شيئًا، وإنما يجعلون
عليه ولا على الزوج في ذلك.
٣. حق النساء في الميراث.
أعطى الإسلام للمرأة حقها في الميراث
زوجة كانت أو بنتًا أو أمَّا أو جدةً، أو أختًا أو
بنت ابن .. الخ، وجعل نصيب المرأة نصف
نصیب الرجل، وفي بعض الحالات تتساوى
معه أو تزید علیه.
قال تعالى في شأن توريث النساء على
جهة العموم: ﴿لِلْرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ
وَالْأَقْرَبُونَ وَلِّسَآءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ أَلْوَلِدَانِ
وَالْأَقْرَبُونَ مِنَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْكَثُرُ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا
[النساء: ٧].
٧
وأخرج البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي
الله عنهما قال: ((كان المال للولد، وكانت
الوصية للوالدين، فنسخ اللّه من ذلك ما
أحبّ، فجعل للذّكر مثل حظّ الأنثيين،
وجعل للأبوين لكلّ واحدٍ منهما السّدس
والثّلث، وجعل للمرأة الثّمن والرّبع،
وللزّوج الشّطر والرّبع))(١).
تعالى قوله: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ
◌ِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِّ لِلْرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمًّا
اُكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِمَا أَكْنَسَبْنَ﴾
[النساء: ٣٢]، كان أهل الجاهلية لا يوزّثون
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (ولكم نصف ما ترك أزواجكم)، رقم
٤٥٧٨.
الميراث لمن يحترف وينفع ويدفع، فلما
نجز للمرأة نصيبها وللصبيّ نصيبه، وجعل
للذكر مثل حظّ الأنثيين، قال النساء: ((لو
كان جعل أنصباءنا في الميراث كأنصباء
الرجال))! وقال الرجال: ((إنا لنرجو أن نفضّل
على النساء بحسناتنا في الآخرة، کما فضلنا
عليهن في الميراث))! فأنزل الله: ﴿لَلِّجَالِ
نَصِيبٌ مِّمَّا أَكْتَسَبُواْ وَلِلنَّسَآءِ نَصِيبٌ مِمّاً
أُكْنَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]، يقول: المرأة تجزى
بحسنتها عشر أمثالها، كما يجزى الرجل،
قال الله تعالى: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ=﴾
[النساء: ٣٢](٢).
وورد في سورة النساء آيات تنص على
حق توريث المرأة بجميع حالاتها الأم
والجدة، والبنت وبنت الابن، والاخت،
والزوجة .... على ما هو معروف في آيات
سورة النساء.
٤. عدم عضل المرأة في النكاح.
نهى القرآن الكريم الأولياء عن عضل
وأورد الطبري عن قتادة في قول الله النساء في الزواج، سواء كانت المرأة ابنة
الولي أو أخته أو يتيمة في حجره، فقال جل
شأنه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ قَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَ
تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم
بِلْمَعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ إِءَ مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَأَلْيَّوِْ الْآَخِرِّ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٦٥/٨-٢٦٦.
www. modoee.com
٤٧٥

حرف الحاء
وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
يتزوجها فجاءت إلى النبي صلى الله عليه
قال الإمام الشافعي: ((حتم لازم وسلم فقالت: يانبي الله لا أنا ورثت زوجي،
ولا أنا تركت فأنكح، فنزلت هذه الآية»(٢).
لأولياء الأيامى، والحرائر البوالغ إذا أردن
النكاح، ودعوا إلى رضى من الأزواج.
أن يزوجوهن؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا
طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ
يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْ بَيْنَهُمْ بِلْمَعْرُوفِ﴾
فإن شبّه على أحد بأن مبتدأ الآية علی ذکر
الأزواج؛ ففي الآية دلالة على أنه إنما نھی
عن العضل الأولياء؛ لأن الزوج إذا طلق،
فبلغت المرأة الأجل فهو أبعد الناس منها،
فكيف يعضلها من لا سبيل ولا شرك له في
أن يعضلها في بعضها؟!)) (١).
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا
يَحِلُ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلََّ أَنْ يَأْتِينَ
بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].
وسبب نزول ذلك كما ذكره الماوردي:
((أن أهل المدينة في الجاهلية كانوا إذا مات
أحدهم عن زوجة، کان ابنه وقریبه أولی بها
من غيره ومنها بنفسها، فإن شاء نكحها كأبيه
بالصداق الأول، وإن شاء زوجها وملك
صداقها، وإن شاء عضلها عن النكاح حتى
تموت فيرثها أو تفتدي منه نفسها بصداقها،
إلى أن توفّي أبو قيس بن الأسلت عن زوجته
كبيشة بنت معن بن عاصم فأراد ابنه أن
(١) أحكام القرآن، الشافعي ١/ ١٣١.
٥. تشريع كفارة الظهار من حقوق
النساء.
شرع الله تعالى كفارة الظهار حلَّا
لإشكالية وقعت لامرأة على عهد رسول
الله صلی الله علیه وسلم، فکان في ذلك
رحمة بكثير من الأسر التي توشك أن تنهار
بسبب الظهار، بل إن الله تعالى قد أنزل
سورة كاملًا تحمل اسم ((المجادلة)) والتي
صدرت آياتها بقصة السيدة خولة ﴿قَدْ سَمِعَ
اللَّهُ قَوْلَ أَلَّتِى تُجَدِّلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اللَّهِ
وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ الَّذِينَ
يُظَهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَابِهِم مَّا هُنَ أُمَّهَتِهِمٌ
إِنْ أُمَّهَنْتُهُمْ إِلَّا أَّتِى وَلَدِنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ
مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًاً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ
﴿ وَالَّذِينَ يُظَبِهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ ثُمَّيَعُودُونَلِمَا قَالُواْ
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَأَ ذَلِكُمْ تُوعَفُونَ
بِّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿ فَمَنْ لَّوْيَدْ فَصِيَامُ
شَهْرَيْنِ مُتَتَايِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا فَمَن لَّوْ
يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِنَا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللّهِ
وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اُللَّهِ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ
•[المجادلة: ١ - ٤].
روي عن عبد الله بن سلام عن خويلة
بنت مالك بن ثعلبة قالت: (ظاهر منّي
(٢) النكت والعيون، الماوردي ٤٦٦/١.
٤٧٦
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحقوق
زوجي أوس بن الصّامت فجئت رسول اللّه الْمَحِيضِّ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَّ يَطْهُرْنٌ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ
فَأَتُوهُنَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ
وَيُحِبُّالْمُتَّطَّهِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
صلی الله علیه وسلم أشکو إليه، ورسول
الله صلی الله عليه وسلم یجادلتي فیه،
ويقول: (اتّقي اللّه فإنّ ابن عمّك)، فما
برحت حتّى نزل القرآن ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِىِ
تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى الفرض، فقال: (يعتق
رقبةً)، قالت: لا يجد، قال: (فیصوم شهرین
متتابعين)، قالت: يا رسول اللّه، إنّه شيخٌ
کبیرٌ ما به من صیام، قال: (فلبطعم ستّين
مسکینا)، قالت: ما عنده من شيءٍ يتصدّق
به، قالت: فأتی ساعتئذٍ بعرقٍ من تمر، قلت:
یا رسول الله، فإنّي أھینه بعرقٍ آخر، قال:
(قد أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستّین
مسكينًا وارجعي إلى ابن عمّك)(١).
٦. النهي عن معاشرة المرأة في حال
العذر الشرعي:
من حقوق المرأة كذلك أن القرآن
الكريم نهى الأزواج عن معاشرة زوجاتهم
خلال الحيض ونحوه؛ كالنفاس، واصفًا
ذلك بأنه أذى، وهذا وإن كان أمرًا شرعيًّا
يتعلق بالطهارة، وحفظ الصحة، ونحوهما؛
فهو حق للمرأة كذلك، حيث لا يحل
لزوجها إجبارها على المعاشرة وهي على
هذه الحالة، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ
عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب
في الظهار، رقم ٢٢١٦.
وصححه ابن الملقن في البدر المنير ١٤٨/٨.
وقد حكى الرازي - عند تفسير هذه
الآية - اتفاق المسلمين على حرمة الجماع
في زمن الحيض، واتفاقهم على حل
الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة ودون
الركبة، واستنبط من الآية فائدة جليلة جديدة
وهي أن يكون قوله: ﴿فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي
الْمَحِيضِ﴾ نهيًا عن المباشرة في موضع
الدم، وقوله: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ﴾ یکون نھیًا عن
الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع (٢).
الفرع الثاني: حقوق اليتامى:
الیتیم هو من فقد أباه دون البلوغ ویمکن
أن يطلق أيضًا على من بلغ استصحابًا
للأصل(٣).
وقد ورد ذكر اليتامى في القرآن الكريم
في اثنين وعشرين موضعًا، بعضها بالإفراد
وأكثرها بالجمع، وموضع في الكهف
بالتثنية.
وقد أوصى القرآن الكريم باليتامى خيرًا
في غير موضع، وحث على إيفائهم حقوقهم
وعدم أكل أموالهم، وذکر نعمته جل وعلا
علی نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي
نشأ یتیمًا فآواه الله عز وجل.
(٢) مفاتيح الغيب، ٦/ ٤١٣.
(٣) معجم ألفاظ القرآن الكريم، ٢/ ١٢١٣.
www. modoee.com
٤٧٧

حرف الحاء
وأبرز حقوق اليتامى التي ورد الأمر بها اُلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
﴾ [النساء: ١٠].
١٠
في القرآن الكريم ما يلي:
١. الإحسان إليهم.
وذلك في آيات عدة منها:
قول الله تعالى: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ
إِسْرَّهِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
وَذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَّسَكِينِ وَقُولُواْ
لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ
وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣].
وقوله جل شأنه: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا
تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِى
اَلْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَاَلْمَسَكِينِ وَالْجَارِ
ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمُّ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا
﴾[النساء: ٣٦].
٢. عدم أكل مال اليتامى ظلمًا.
كما في قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اَلْيَ أَمْوَهُمْ
وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَيْثَ بِالَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَكُمْ إِلَى
أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
نُقْسِطُواْ فِى الْيَكَ فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآِ
مَثْفَ وَثُلَثَ وَرُبَعٌّ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً أَوْ
مَا مَلَكَتْ أَيُّمَنَّكُمّْ ذَلِكَ أَدْفَةَ أَلَّا تَعُولُواْ ﴾
[النساء: ٣].
وحذر القرآن الكريم من أكل أموال
اليتامى مصورًا إياه في أبشع صورة ﴿إِنَّ
وأكل مال اليتامى ظلمًا معدود من أكبر
الكبائر ومن السبع الموبقات بنص حديث
أبى هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله
عليه وسلم قال: (اجتنبوا السّبع الموبقات).
قالوا: يا رسول اللّه، وما هنّ؟ قال: (الشّرك
باللّه، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله
إلّ بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم،
والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات
المؤمنات الغافلات)(١).
٣. عدم الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتي
هي أحسن حتى يبلغ أشده.
وذلك جاء في موضعين من مواضع
الوصايا الواردة في سورتي الأنعام
﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ
والإسراء، قوله تعالى:
اَلْيَتِبِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ﴾
[الأنعام: ١٥٢] [الإسراء: ٣٠].
٤. النصح لليتيم.
من حقوق اليتيم النصح له، وذلك
بالنظر فيما يصلح شأنه ماديًّا ومعنويًّا،
وحسن التصرف في ذلك، مصداقًا، لقول
الله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْبَتَمَىّ قُلْ إِصْلَاحٌ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا،
باب قول الله تعالى: (إنّ الّذين يأكلون أموال
اليتامى ظلمًا إنّما يأكلون فى بطونهم نارًا
وسیصلون سعیرًا)، رقم ٢٧٦٦.
٤٧٨
مُوسُوبَةُ النَِّّ
القرآن الكريم

الحقوق
◌َمْ خَيْرٌّ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمَّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ
الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ وَلَوْ سَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ
اُللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وذكر البخاري أن ابن سيرين كان أحبّ
الأشياء إليه في مال اليتيم أن يجتمع إليه
نصحاؤه وأولياؤه فينظروا الّذي هو خيرٌ
له. وكان طاوسٌ إذا سئل عن شيءٍ من
أمر اليتامى قرأ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
اٌلْمُصْلِحِ﴾. وقال عطاءٌ فى يتامى الصّغير
والكبير: ينفق الوليّ على كلّ إنسانٍ بقدره
من حصّته (١) ..
٥. التصدق على اليتيم.
ومن حقوقه أيضًا: التصدق عليه كما في
قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ أَلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ أَلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ
وَءَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَىِّ
وَاَلْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِىِ
الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وكما في حديث أبي سعيد الخدريّ
رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه
وسلم قال: (إنّ هذا المال خضرةٌ حلوةٌ،
فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين
واليتيم وابن السّبيل)، أو كما قال النّبيّ صلى
الله عليه وسلم: (وإنّه من يأخذه بغير حقّه
(١) علق هذه الآثار البخاري في صحيحه، كتاب
الوصايا، باب قول الله تعالى: (ويسألونك
عن اليتامى قل إصلاحٌ لهم خيرٌ)، ١٠/٤.
کالّذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدًا عليه
يوم القيامة)(٢).
٦. الإحسان إلى يتامى النساء.
أمر القرآن الکریم بالإحسان إلى اليتيمات
من النساء خاصة؛ نظرًا لما كان عليه العرب
من هضم حقوقهن، وإهدارها، والتزوج
منهن كرهًا حتى يستولي عليها وعلى
مالها، فقال تعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِی
النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَ
عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِالَّتِى لَا
تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ
لِلْيَتَعَى بِالْقِسْطِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِهِ، عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧].
وسبب نزولها كما في الصحيحين: ما
رواه عروة بن الزبير أنّه سأل عائشة عن قول
اللّه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلََّ نُقْسِطُواْ فِ الَْ﴾.
فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في
حجر وليّها، تشركه في ماله ویعجبه مائها
وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوّجها، بغير أن
يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها
غيره، فنهوا عن أن ينكحوهنّ، إلاّ أن يقسطوا
لهنّ، ويبلغوا لهنّ أعلى سنّتهنّ في الصّداق،
فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء
(٢) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري رقم
١٤٦٥ في كتاب الزكاة، باب الصدقة على
الیتامی.
www. modoee.com
٤٧٩

حرف الحاء
سواهنّ. قال عروة قالت عائشة وإنّ النّاس رمضان)، وهذا أبرز حق من حقوق العبيد
استفتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو: السعي في إعتاقهم، والنصوص
القرآنية وافرة في هذا الشأن:
بعد هذه الآية فأنزل اللّه ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِی
اُلْنِسَآَِّ﴾ قالت عائشة وقول اللّه تعالى فى
آيةٍ أخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ رغبة
أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال
والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا عن من
رغبوا في ماله وجماله في یتامی النّساء،
إلّ بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ
قليلات المال والجمال(١).
الفرع الثالث: حقوق العبيد
ونحوهم:
العبيد والإماء صنف من الناس ابتلوا
بالرق لظروف ألمت بهم، وقد اهتم الإسلام
بأمرهم، وحث على الإحسان إليهم، ووردت
في أكثر الكفارات صنف من خصال الكفارة
عن عتق الرقاب، وقد كان الرق منتشرًا قبل
الإسلام، فلما أنعم الله تعالى على البشرية
بالرسالة المحمدية، سعت الشريعة إلى
تضييق نطاق الرق بتجفيف منابعه، وذلك
من خلال الحث على الإعتاق:
فجاء الأمر بالعتق في كفارات (اليمين،
والظهار، والقتل الخطأ، والجماع في
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)، رقم
٤٥٤٧، ومسلم في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم
لذكر الله)، رقم ٣٠٢٧.
قال الله تعالى في شأن كفارة القتل
الخطأ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا
إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطًا فَتَحْرِيُ
رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ- إِلَّ
أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدٍُ لَّكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن
كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌّ
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَّابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].
وقال جل شأنه في كفارة اليمين:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن
يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ
عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ
أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ
وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ،
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:
وقال عز من قائل في كفارة الظهار:
وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْ نِسَآِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ
فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَّاسَا ذَلِكُمْ تُوعَفُونَ
بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣].
وقال سبحانه وتعالى مرغبًا في الإعتاق
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
٤٨٠

الحقوق
على جهة العموم: ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ
فَكُّ رَقَّبَةٍ
وَمَّا أَدْرَتِكَ مَا الْعَقَبَةُ (١)
[البلد: ١١ - ١٣].
١١
١٣
ومن حقوق العبيد التي وردت في القرآن
الكريم مكاتبتهم إن أرادوا التحرر من ربقة
العبودية.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَبَتَغُونَ الْكِنَبَ
مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَاِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ
خَيراً وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنَكُمْ﴾
[النور: ٣٣].
ومن حقوق الإماء عدم إكراههم على
الفاحشة، تطبيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَا
تُكْرِهُواْ فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآِ إِنْ أَرَدْنَ تَّحَمُّنَا لِبَنَغُواْ
عَرَضَ لَلَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ
إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
وسبب الآية كما أخرجه مسلم عن جابر
بن عبد الله رضي الله عنهما أنّ جاریةً لعبد
اللّه بن أبيٍّ ابن سلول يقال لها: مسيكة،
وأخرى يقال لها: أميمة، فکان یکرههما
على الزّنى، فشكتا ذلك إلى النّبيّ صلى الله
عليه وسلم فأنزل اللّه: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَنَتِكُمْ
عَلَى الِْغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١).
ومن حقوق العبید التصدق علیھم، وذلك
من خصال البر، كما في قول الله: ﴿لَيْسَ آلْبِرَّ
أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) رقم
٣٠٢٩.
اَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَڪَةِ
وَالْكِنَبِ وَالنَّيْئِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى
الْقُرْبَ وَاَلْيَتََّى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ
وَالسَّآيِلِينَ وَفِىِ الْرِقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
ومن حقوق العبيد والإماء ويلحق بهم
الخدم عدم التقصير في نفقتهم، وتعليمهم
أمور الشرع وحثهم على الطاعات.
وعدم تكليفهم بما لا يطاق، فإن كلفوا
بعمل شاق، فينبغي مساعدتهم، وهذا
الحق وإن لم ينص عليه صراحة في كتاب
الله تعالى إلا أنه مستفاد من نصوص قرآنية
عامة، مثل قول الله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ
إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقد نصت السنة النبوية على هذا الحق
كما في الصحيح عن المعرور بن سويد قال:
رأيت أبا ذر الغفاريّ رضي الله عنه وعليه
حلّةٌ وعلى غلامه حلّةٌ فسألناه عن ذلك
فقال: (إنّى سابيت رجلًا فشكاني إلى النّبيّ
صلى الله عليه وسلم، فقال لي النّبيّ صلى
الله عليه وسلم: (أعيّرته بأمّه؟). ثمّ قال: (إنّ
إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم،
فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل،
وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم،
فإن كلّفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم) (٢).
وللعبيد حقوق أخرى مبسوطة في مواضعها
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق،
باب قول النبي في العبيد: (إخوانكم خولكم)،
رقم ٢٥٤٥.
www. modoee.com
٤٨١

حرف الحاء
من كتب الفقه.
الفرع الرابع: حقوق المرضى وذوي
الإعاقات:
المرض ضعف في القوى يترتب عليه
خلل في الأفعال، أو هو خروج البدن عن
الاعتدال الخاص(١).
والأمراض من البلايا التي يبتلى بها
البشر وغيرهم، وقد جعل الله تعالى
المرض مشتملًا على فوائد وحكم متعددة،
وللمرضى حقوق كفلتها لهم الشريعة
الإسلامية مراعاة لأحوالهم وظروفهم،
وأبرز حقوق المرضى والضعفاء التي وردت
في القرآن الكريم هي التخفيف عن المرضى
في العبادات وما يتعلق بها:
حيث خفف الله تعالى عن المرضى
في العبادات، ورخص لهم ويسر عليهم
أمورهم في الطهارة، والصلاة، والصوم،
والحج، والجهاد، والاستئذان، والأكل من
بيوت الأقارب، ونحوها مما ورد في القرآن
الكريم:
ففي معرض الرخص في العبادات نجد
في الطهارة قول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم
قَرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِنَ الْغَابِطِ أَوْ
لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا
طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
وفي الصلاة قال الله تعالى:
(١) التوقيف، المناوي ص٦٤٩.
وَلَا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ
أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ
حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١)
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا
مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٢ -١٠٣].
وفي الآيتين اعتبار لعذر المرض في
صلاة الخوف، وفي الصلاة من قعود أو
على جنب عند العجز عن القيام.
وقال جل شأنه في معرض الأمر
بالتخفيف في القراءة في الصلاة: ﴿فَقْرَهُواْ
مَا تَبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِّ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٌ
وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ يِّبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ
وَهَاخَرُونَ يُقَِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَهُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾
[المزمل: ٣٠].
وفي الصيام قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
(١٨٣)
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنَكُمْ فَرِيضًا أَوْ
عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرُّ وَعَلَى الَّذِينَ
يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ
خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ، وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمَّ إِن
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ
١٨٤
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ
اَلْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ
فَلْيَصُمَّةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
٤٨٢
الحضور
مَوَسُو ◌َرَ النَفسِير
القرآن الكريم

الحقوق
فَعِدَّةٌ مِنْ أَنَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا
أَوْ أَشْتَاناً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ
وَلَا يُرِيِّدُ بِكُمُ الْمُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ
وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَاهَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٢ -١٨٣].
تَجِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةٌ
كَذَلِكَ يُبَيِّبُّ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [النور: ٦١].
وفي الحج قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ
رُوسَكُمْ خَّ بَبْغَ اَلْهَدْىُ مَحِلَّةً، فَنَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًّا
أَوْ بِهِ= أَذَّى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ
◌ُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وفي رفع الحرج عن المريض في الجهاد
والإذن له بالتخلف، قال الله تعالى: ﴿ لَيْسَ
عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَ عَلَى الَّذِينَ
لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ
وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١].
وقال جلَّ شأنه أيضًا: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَيِ
حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجُ
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يُدْيِظْهُ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَخْتِهَا
اْأَنْهَرُّ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧].
وفي الأكل من بيوت الأقارب نجد
قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ
وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجُ
وَلَ عَلَ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ
أَوْ بُيُوتِ ءَابَآيِكُمْ أَوْ بُتِ أُنَّهَتِكُمْ أَوْ
بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَتِكُمْ أَوْ
بُيُوتٍ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ عَنَّتِكُمْ
أَوْ بُتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ خَيْكُمْ أَوْ
مَا مَلَكْتُم مَّفَائِحَةُ: أَوْ صَدِيقِكُمْ
وفي المقصود بهذه الآية خمسة أقاويل:
أحدها: أن الأنصار كانوا يتحرجون أن
يؤاكلوا هؤلاء إذا دعوا إلى الطعام فيقولون:
الأعمى لا يبصر أطيب الطعام، والأعرج
لا يستطيع الزحام عند الطعام، والمريض
يضعف عن مشاركة الصحيح في الطعام،
وكانوا يقولون: طعامهم مفرد ويرون أنه
أفضل من أن يكونوا شركاء، فأنزل الله هذه
الآية فيهم ورفع الحرج عنهم في مؤاكلتهم،
قاله ابن عباس، والضحاك، والكلبي.
الثاني: أنه ليس على هؤلاء من أهل
الزمانة حرج أن يأكلوا من بيوت من سمى
الله بعد هذا من أهاليهم، قاله مجاهد.
الثالث: أنه كان المذكورون من أهل
الزمانة يخلفون الأنصار في منازلهم إذا
خرجوا بجهاد وكانوا يتحرجون أن يأكلوا
منها فرخص الله لهم في الأكل من بيوت
من استخلفوهم فيها، قاله الزهري.
الرابع: أنها نزلت في إسقاط الجهاد عمن
ذکروا من أهل الزمانة.
الخامس: ليس على من ذكر من أهل
الزمانة حرج إذا دعي إلى وليمة أن يأخذ معه
www. modoee.com
٤٨٣

حرف الحاء
قائده(١).
هذا وللمريض حقوق كفلتها السنة
النبوية؛ كالزيارة، والدعاء له بالشفاء ونحوها
مما ورد في مواضعه، مما لا يتسع المقام
لذكره لعدم صلته المباشرة بآيات قرآنية.
الفرع الخامس: حقوق أبناء السبيل:
ابن السبيل صنف من الأصناف التي ورد
ذكرها في آية مصارف الزكاة، وقد اختلف
في المقصود به وأشهر ما في ذلك قولان:
أولًا: أنه المسافر الغريب أو عابر الطريق،
الذي انقطعت به النفقة، وسمي بذلك كأن
الطريق ولدته(٢).
ثانيًا: أن المراد به الضيف، أو المسافر
الذي يمر بحي من الأحياء، حيث يجب
إكرامه (٣)
ولابن السبيل جملة من الحقوق ورد
ذكرها في القرآن الكريم بيانها على هذا
النحو:
١. الأخذ من الزكاة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ
وَفِىِ الْرِقَابٍ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ
[التوبة: ٦٠].
(١) النكت والعيون، الماوردي ٤ / ١٢٣.
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٢١٩/١.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ٢٤٤، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ٧٧.
٢. الإنفاق عليه.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ أَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبْهِ ذَوِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَىّ
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقال تعالى في آية النفقة: ﴿ يَسْتَلُونَكَ
مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيِّرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ
وَالْأَقْرَبِينَ وَالْتَ وَالْسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا
تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:
٢١٥].
٣. الإحسان إليه.
قال تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ
وَاُلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ
وَاْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: ٣٦].
٤. استحقاقه من الغنيمة.
قال الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن
شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ اُلْسَبِيلِ﴾
[الأنفال: ٤١].
٥. إیفاؤه حقه.
﴿وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ حَقَّهُ.
قال تعالى:
وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ اُلسَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾
[الإسراء: ٢٦].
ضـ
موسوعة النفسية
القرآن الكريم
٤٨٤