Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ الحُقُوق عناصر الموضوع مفهوم الحقوق ٤٤٦ الحقوق في الاستعمال القرآني ٤٤٨ الألفاظ ذات الصلة ٤٤٩ أنواع الحقوق ٤٥٢ حقوق العباد ٤٥٤ أداء الحقوق ٤٩٢ المجلد الثانىعشر حرف الحاء مفهوم الحقوق أولًا: المعنى اللغوي: جاء في كتب اللغة في مادة (حقق) أنّ الحقّ نقيض الباطل وجمعه ((حقوقٌ)) و((حقاقٌ)) وليس له بناء أدنى عدد، وهو مصدر قولهم: حقّ الشيء، أي: وجب، ويطلق في اللغة على عدة معانٍ، منها: الأمر الواجب، والموجود الثابت، وحقّ الشيء يحق بالكسر، أي: وجب، وأحققت الشيء، أي: أوجبته، وحقّ عليه القول وأحققته أنا، أي: ثبت. وحقّ الأمر يحقّه حقًّا وأحقّه، كان منه على يقين تقول: حققت الأمر وأحققته إذا كنت على يقين منه، ويقال: ما لي فيك حقٌّ ولا حقاقٌ، أي: خصومة(١). وعرّف المناوي الحق في اللغة بأنه «الثابت الذي لا يسوغ إنكاره)) (٢). وقال الراغب الأصفهاني: ((إن أصل الحق: المطابقة والموافقة))(٣). وبهذا يمكن القول: إن المعنى اللغوي للحق يتضمن معاني: الوجوب، والإلزام، والثبات، والإحكام، والصحة. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: اختلفت عبارات العلماء وتعريفاتهم لمفهوم ((الحقوق)) في الاصطلاح، وأورد من ذلك عدة تعريفات مبتدأ بأقربها لموضوع البحث: أولًا: أنّ الحق هو المطلب الذي يجب لأحد على غيره (٤). ثانيًا: أنّ الحق مصلحة ثابتة للشخص على سبيل الاختصاص والاستئثار يقررها الشارع الحكيم(٥). (٥) ثالثًا: أنّ الحق هو مجموعة القواعد والنصوص التشريعية التي تنظم على سبيل الإلزام علائق الناس من حيث الأشخاص والأموال (٦). (١) الصحاح، الجوهري ٤ / ١٤٦٠، لسان العرب، ابن منظور ١٠/ ٤٩. (٢) التوقيف، المناوي ص ٢٨٧. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٢٥. (٤) المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا ٣/ ١٠. (٥) انظر: المدخل للفقه الإسلامي، أحمد عيسوي ص٣٣٨، الإسلام وحقوق الإنسان، القطب محمد ص٣٨. (٦) انظر: المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا ٩/٣-١٠. ٤٤٦ جَوَسُو ◌َرُ النَّفْسِد القرآن الكريم الحقوق رابعًا: أنّ الحق هو الحكم المطابق للواقع، وهو يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك(١). وذكر بعض الباحثين أنه يمكن من خلال التعريفات السابقة استنباط أبرز ما يتضمنه مفهوم ((الحقوق)) اصطلاحًا ملخصة على هذا النحو: ١. النصوص الشرعية من الكتاب والسنة. ٢. القواعد والمبادئ التي تضمنتها هذه النصوص. ٣. تنظيم علاقات الناس. ٤. الوجوب والإلزام في تطبيق تلك القواعد(٢). ويمكن استنادًا إلى كل ما سبق تعريف الحق بأنه: أمور واجبة على المرء نحو غيره ألزمه بها الشرع أو ألزم بها نفسه. فالمعنى الاصطلاحي تفصيل للمعنى اللغوي ولا يخرج عنه. (١) التعريفات، الجرجاني ص ١٢٠. (٢) المنهج الأخلاقي وحقوق الإنسان في القرآن الكريم، يحيى زمزمي ص ٢٠. www. modoee.com ٤٤٧ حرف الحاء الحقوق في الاستعمال القرآني وردت مادة (حق) في القرآن (١٠) مرات (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال فعل الماضي ٢ ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا أَسْتَحَقًّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧] اسم ٨ ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ولم يرد لفظ (الحقوق) في القرآن مجموعًا، وورد مفردًا بمعناه اللغوي، وهو: وجب (٢)، ولم يخرج في استعماله القرآني عن معناه اللغوي. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص٦٠٤-٦٠٥. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ١٥. ٤٤٨ مُوسُوبَةُ النَّفيده القرآن الكريم الحقوق الألفاظ ذات الصلة الواجبات: ١ الواجبات لغة: أصل الوجوب في اللغة السقوط يقال: وجبت الشمس إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط، وسمعت وجبةً يعني سقطة، والوجوب أيضًا بمعنى الإلزام، وجب الشيء يجب وجوبًا، أي: لزم وأوجبه هو وأوجبه اللّه واستوجبه، أي: استحقّه، ويقال: وجب الشيء یجب وجوبًا إذا ثبت ولزم(١). الواجبات اصطلاحًا: والواجب في عرف الفقهاء ما ثبت وجوبه بدليل شرعي فيه شبهة العدم كخبر الواحد، وهو ما يثاب بفعله ويستحق بتركه عقوبة لولا العذر (٢). الصلة بين الواجبات والحقوق: الحقوق أمور واجبة على المرء نحو غيره ألزمه بها الشرع أو ألزم بها نفسه، والواجبات أعم منها؛ إذ إنها تشمل الحقوق نحو النفس ونحو الغير. المظالم: ٢ المظالم لغة: الظّلم هو وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظلمه يظلمه ظلمًا وظلمًا ومظلمةً، فالظّلم مصدرٌ حقيقيٌّ، والظّلم الاسم يقوم مقام المصدر، وتظلّم منه، أي: شكا من ظلمه، وتظلّم الرجل أحال الظّلم على نفسه، ويقال: تظلّم فلانٌ إلى الحاكم من فلانٍ فظلّمه تظليمًا، أي: أنصفه من ظالمه وأعانه عليه(٣). المظالم اصطلاحًا: والظّلامة، والظّليمة، والمظلمة بفتح اللام هي ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما يؤخذ من المرء بدون حق، تقول عند فلان ظلامتي (٤). وعرّف المناوي المظلمة بأنها الخصلة التي يقع فيها الظلم وليست مصدرًا، بل هي (١) لسان العرب، ابن منظور ١/ ٧٩٣. (٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٣٢٢. (٣) لسان العرب، ابن منظور ٢٧٣/١٢. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢/ ٢٧٣، مختار الصحاح، الرازي ص٤٠٧. www. modoee.com ٤٤٩ حرف الحاء بمعنى الشيء المظلوم به(١). الصلة بين المظالم والحقوق: يمكن الربط بين الحق والمظالم بأن رفع المظالم عن الناس هو صورة من صور الحق، أو معلم من معالمه، وأن المظالم هي سلب لحقوق الناس وإهدار لها. حقوق الإنسان: ٣ شاع في العصر الحاضر اصطلاح حقوق الإنسان، وأصبح يستخدم على نطاق واسع في المحافل العلمية والقانونية، والمنظمات الدولية والإقليمية، وأنشأت لأجله منظمات وهيئات، وعقدت بشأنه الندوات والمؤتمرات، وسعت الدول الغربية إلى تطبيقه على حسب أهوائها، فإذا كان الأمر يخصهم ويخص ذويهم، فإنهم ينادون بتطبيقه في كل وقت وحین، وإن كان الأمر لا یعنیھم ولا یعني أتباعهم، فإنهم أکثر الناس انتهاكًا لحقوق الإنسان وإهدارًا لها. الحقوق لغة: تتضمن معاني: الوجوب، والإلزام، والثبات، والإحكام، والصحة. حقوق الإنسان اصطلاحًا: هذه بعض التعريفات الخاصة بهذا المصطلح: أولًا: أنّ حقوق الإنسان المراد بها: حماية مصلحة الشخص سواء أكان حقًّا عامًا کتحقيق الأمن، وقمع الجريمة، ورد العدوان، والتمتع بالمرافق العامة، أم خاصًّا كحق الزوجة في النفقة وحق الأم في الحضانة لطفلها، وحق الأب في الولاية على أولاده ونحوه .. (٢). ثانيًا: أنّ المقصود بها حرمات الله -سبحانه وتعالى- فهو الذي تفضل بها على الإنسان؛ ولأنّ حمايتها والذود عنها قربى لله تعالى؛ فلا يجوز لصاحبها أن يفرط فيها(٣). ثالثًا: أنّ المراد بحقوق الإنسان: تلك المبادئ والقوانين العامة التي اتفقت عليها القوانين الدولية فيما يتعلق باحترام الإنسان في مجال عقيدته، وحريته، وثقافته، وفي مجال حقوق المرأة والطفل، والقضايا السياسية، وحرية التفكير ... وهي حقوق كفلتها الشريعة الإسلامية (١) التوقيف، المناوي ص ٦٦٤. (٢) الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي ٤/ ١٤. (٣) حقوق الانسان أمام القضاء، البشري الشوربجي، مجلة كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر، عدد ٣، سنة ١٩٨١م، ص٢٨٣. ٤٥٠ جَوَسُو عَرَ النَّسيد القرآن الكريم الحقوق وجميع الأديان والقوانين الدولية(١). رابعًا: أنّ حقوق الإنسان تتمثل في المعايير الأساسية التي تفضل بها الله سبحانه وتعالى على العباد، وبما يكفل للناس كافة أن يعيشوا بكرامة كبشر(٢). وبالنظر إلى كل هذه التعريفات نجد أنها لا تخرج عن الإطار الشرعي الذي كفله الإسلام للإنسان آیا کان جنسه أو لونه أو عقيدته أو موطنه، فالله تعالى قد أمر بحفظ حقوق الإنسان في جميع مراحل حياته، وبعد مماته. (١) محمد النجيمي في جريدة الرياض بتاريخ ٢٠٠٣/١٠/١٣ م. (٢) حقوق الإنسان الثقافية بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية، داود درويش حلش ص٧. www. modoee.com ٤٥١ حرف الحاء أنواع الحقوق تنقسم الحقوق إلى قسمين: حقوق الله عز وجل، وحقوق العباد، وهناك قسم ثالث يجتمع فيه الحقان، وهذه الحقوق على مراتب ودرجات، وبيان ذلك على النحو الآتي: أولًا: حقوق الله تعالى: حق الله عز وجل عرفه التفتازاني: بأنه ما يتعلق به النفع العام للعالم من غير اختصاصٍ بأحدٍ، فينسب إلى الله تعالى، لعظم خطره، وشمول نفعه(١). وأشار ابن القيم إلى التفرقة بين حق الله تعالی وحق العبد بأن حق الله عز وجل هو ما لا مدخل للصلح فيه؛ کالحدود والزكوات والكفارات وغيرها(٢). ويمكن تعريف حق الله تعالى بأنه ما أوجبه الله عز وجل لنفسه؛ كعبادته، وشكره، وطاعة أمره، وغير ذلك. وأبرز حقوق الله تعالى على العباد حق العبادة وعدم الشرك به، كما قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَكُمْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِىِ آرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَهُم مِّنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَأْ (١) التلويح على التوضيح، التفتازاني ٢/ ٣٠٠. (٢) إعلام الموقعين، ابن القيم ١/ ٨٥. يَعْبُدُ ونَفِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَهُكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. وقال جل شأنه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لْنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فهذه الآيات الكريمة تشير إلى حقوق الله تعالى التي من أجلها خلق الخلق ومکنهم في الأرض واستعمرهم فيها، ويسر لهم سبل العيش فيها، مما يقتضي معه من العباد أن يقوموا بتلك الحقوق لله تعالى. وفي حديث معاذ بن جبلٍ قال: (كنت ردف التّي صلی الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلّ مؤخرة الرّحل فقال: (يا معاذ بن جبلٍ). قلت: لبّيك رسول الله وسعديك، ثمّ سار ساعةً ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ). قلت: لبّيك رسول الله وسعديك. ثمّ سار ساعة ثمّ قال: (یا معاذ بن جبلٍ). قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك. قال: (هل تدري ما حقّ اللّه على العباد). قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً). ثمّ سار ساعةً، ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ). قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك. قال: (هل تدري ما حقّ العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك). قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم. قال: (أن لا يعذّبهم)(٣). (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنّة وحرم على النّار، رقم ١٥٢. ٤٥٢ مَوَسُوبَةُ الْبَد القرآن الكريمِ الحقوق على اختلاف درجاتها ومراتبها من صلاة وزكاة وصيام وحج وذكر واستغفار وقراءة قرآن وغير ذلك إنما هي حقوق لله تعالى علینا. ثانيًا: حقوق العباد: حق العبد: هو ما يتعلق به مصلحة خاصة له، كحرمة ماله. قال ابن القيم: «وأما حقوق العباد، فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها))(١). وحقوق العباد في الشريعة تنقسم باعتبار ما يضاف إليه الحق، أما حق الإنسان فهو أكثر من أن يخص، وهو ينقسم إلى عام وخاص، فالعام ما ترتب عليه مصلحة عامة للمجتمع من غير اختصاص بأحد في مثل: التعليم - المساواة- القضاء. والخاص ما تعلقت به مصلحة خاصة بالفرد؛ كحقه في إدارة عمله، وحق الزوج على زوجته. وثمت أمور يجتمع فيها حقان حق لله عز وجل، وحق للعبد، وفي بعضها يكون حق الله تعالى هو الغالب، وفي بعضها الآخر یغلب حق العبد. فمن النوع الأول: الذي فيه الحقان وحق الله تعالى هو الغالب: حد القذف عند أكثر العلماء، فإنه من (١) إعلام الموقعين، ابن القيم ١/ ٨٥. وكل العبادات التي أمرنا الله تعالى بها حيث إنه يقع نفعه عامًا بإخلاء العالم عن الفساد حق الله تعالى؛ إذ لم يختص بهذا إنسان دون إنسان، ومن حیث إنّ فیه صيانة العرض ودفع العار عن المقذوف حق العبد؛ إذ هو الذي ينتفع به على الخصوص ثم في هذا حق الله تعالى أيضًا؛ لأنّ في النفس حقين حق الاستعباد لله وحق الانتفاع للعبد فکان الغالب حق الله تعالى، فليس للمقذوف إسقاط الحد؛ لأن حق الله لا يسقط باسقاط العبد وإن كان غير متمحض له كما يشهد به دلالة الإجماع على عدم سقوط العدة بإسقاط الزوج إياها لما فيها من حق الله عز وجل (٢). قلت: وبناء على كون حق الله تعالى هو الغالب فإنه لم يفوض استيفاء الحد إلى المقذوف ليقيمه؛ لأنّ حقوقه تعالى لا يستوفيها إلا الإمام، لاستنابة الله تعالى إياه في استیفائها دون غيره، کذلك فإن حد القذف لتهمة القاذف المقذوف بالزنا، وحد الزنا حق لله تعالى اتفاقًا، فلم يكن استيفاؤه للمقذوف. ومن النوع الثاني الذي اجتمع فيه الحقان وحق العبد هو الغالب: القصاص اتفاقًا، فإن لله تعالى في نفس العبد حق الاستعباد، وللعبد حق الاستمتاع؛ (٢) انظر: تيسير التحرير، أمير باد شاه ٢٥٩/٢، التقرير والتحبير، ابن أمير الحاج ١٤٨/٢. www. modoee.com ٤٥٣ حرف الحاء ففي شرعية القصاص إيفاء للحقين وإخلاء للعالم عن الفساد إلا أن وجوبه بطريقة المماثلة المنبئة عن معنى الجبر؛ وفيه معنی المقابلة بالمحل فكان حق العبد راجحًا؛ ولهذا فرض استيفاؤه للوارث وجرى فيه الاعتياض بالمال والعفو (١). (١) انظر: شرح التلويح على التوضيح، التفتازاني ٣١٥/٢، التقرير والتحبير، ابن أمير الحاج ١٤٨/٢. حقوق العباد أولًا: حقوق الأنبياء والرسل: الأنبياء والرسل هم صفوة خلق الله تعالى، أرسلهم لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، هم المبلغون عن رب العباد جل وعلا مراده من العباد، أودع الله تعالى فيهم خصائص وصفات كمال ليست في غيرهم، ليكونوا أقدر على تحمل عبء النبوة والرسالة، تحملوا الإيذاء والجحود من أقوامهم، فازدادوا بذلك رفعة عند الله. ولذلك كان من حقهم على الناس الطاعة والامتثال، والاقتداء بهم والاهتداء، وهذا طرف مما ورد في القرآن الكريم من حقوق الأنبياء عامة، ومن حقوق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وأتناول ذلك في فرعين على هذا النحو: الفرع الأول: من حقوق الأنبياء والرسل على جهة العموم: ١. حق الإيمان بالأنبياء والرسل. الإيمان بالأنبياء والرسل واجب، نصت علیه آيات كثيرة في كتاب الله تعالى، ورتب الله تعالى على الإيمان بالرسل خیرًا كبيرًا ونفعًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، وتنوعت هذه النصوص فجاءت في معرض الكلام عن نبي الله عيسى عليه السلام، وفي ٤٥٤ مَوَسُوبَةُ النَِّيَّة القرآن الكريم الحقوق معرض الكلام عن سيدنا محمد صلى الله لا محل لذكره هنا. عليه وسلم، وفي غيرها من المواضع العامة والخاصة، ومن هذه النصوص ما يلي: ١ - قوله تعالى ﴿فَامِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَبْرُ عَظِيمٌ ﴾ [ عمران: ١٧٩]. قال أبو جعفر الطبري: «یعني جل ثناؤه بقوله: ((وإن تؤمنوا»، وإن تصدّقوا من اجتبيته من رسلي بعلمي وأطلعته على المنافقین منکم (وتتقوا)) ریکم بطاعته فيما أمر کم به نبیکم محمد صلی الله عليه وسلم وفیما نهاكم عنه=(فلکم أجر عظيم))، يقول: فلکم بذلك من إیمانکم واتقائکم ربکم، ثوابٌ عظيم))(١). ٢- قوله تعالى ﴿مَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللّهِ وَمَلَتِكَتِ. وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ومن لطائف الآية ما ذكره الرازي مُبيِّنًا مراتب الإيمان بالرسل في أربعة أمور: المرتبة الأولى: أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب. المرتبة الثانية: أن یعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي. المرتبة الثالثة: تفضيلهم على الملائكة، على تفصيل واسع في هذه المسألة وخلاف (١) جامع البيان، الطبري ٤٢٨/٧. المرتبة الرابعة: أن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض على تفصيل في المسألة(٢). ٢. حق التقدير والتعظيم والنصرة للأنبياء والرسل. جعل الله تعالى تقدير الأنبياء والمرسلين وتعظيمهم ونصرتهم حق لهم واجب على أتباعهم، فقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَِّيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنَّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلٍ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّتٍ ◌َّجْرِى مِن ◌َحْتِهَا الْأَنْهَرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢]. قال أبو جعفر النحاس: «قال أبو عبيد: عزرتموهم عظمتموهم، وقال يونس: أثنيتم عليها، وأحسن من هذين القولين قول ابن أبي نجيح عن مجاهد أن معنى عزرتموهم: نصرتموهم، والتعظيم داخل في النصرة، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] وأصل التعزير في اللغة: المنع، ومنه عزرت فلانًا، أي: أنزلت به ما يمتنع من أجله من المعاودة)» (٣). (٢) مفاتيح الغيب، ١٠٥/٧ بتصرف. (٣) معاني القرآن، النحاس ٢٧٩/٢ - ٢٨٠. www. modoee.com ٤٥٥ حرف الحاء ٣. حق الطاعة لجميع الأنبياء والرسل. وذلك وارد في أكثر حوارات الأنبياء مع أقوامهم، حیث کلف الله تعالی أتباع الأنبياء بطاعتهم، وحث کل نبي أمته على ذلك كما في حوار سيدنا نوح عليه السلام مع قومه في قول الله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٨]. وكذا في قوله تعالى في سورة: ﴿ أَنِ أُعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: ٣]. وما فعله نبي الله نوح عليه السلام من أمره قومه بالطاعة، فعله غيره من الأنبياء مثل: سيدنا هود، وسيدنا صالح، ولوط، وشعيب، وهارون، وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين، على نحو ما هو مبسوط في مواضع عدة من سور القرآن الكريم، لاسيما سورة الشعراء. والناظر في الآيات الكريمة التي أمر فيها الأنبياء أقوامهم بطاعتهم يلحظ فيها أمرين: أولهما: تأكيد الأنبياء والمرسلين عليهم السلام على قومهم بضرورة الطاعة، مع إعادة التأكيد مرة أخرى من بعضهم؛ كنبي الله نوح وهود وصالح وعيسى عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة أتم التسليم. وثانيهما: التذكير بنعم الله تعالى عليهم؛ كنعم الأمن، وسعة الرزق، والبسط في العمر والمال، والربط بين الطاعة وبين الفلاح والخير. الفرع الثاني: من حقوق النبي محمد صلى الله عليه وسلم على جهة الخصوص: ١. حق الطاعة من حقوق نبينا محمد صلی الله عليه وسلم. وهذا مبسوط في آيات عدة من القرآن، حيث ورد مقرونًا في أكثر المواضع بطاعة الله تعالى ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرَّحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهُ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وفي الأمر بطاعة الرسول ومدلوله هنا يقول الطبري: «یعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدًا صلی الله عليه وسلم، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته)»(١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌّ فَإِنْ تَوْلَوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حِلَ وَعَلَيَّكُمْ مَّا ◌ُِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ اُلْمُّبِينُ﴾ [النور: ٥٤]. والآية تؤكد على ضرورة طاعة الله تعالی وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم مع التنبيه على أن الطاعة سبب الهداية. (١) جامع البيان، الطبري ٤٩٥/٨ بتصرف. صُوَ سُورَةُ النَّهـ القرآن الكْرِيْمِ ٤٥٦ الحقوق ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وقوله تعالى: أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وقد ذكر الماوردي فيها وجهين: أحدهما: أطيعوا الله بتوحيده، وأطيعوا الرسول بتصديقه، والثاني: أطيعوا الله في حرمة الرسول، وأطيعوا الرسول في تعظيم الله(١). ومواضع أخرى في المائدة: ٩٢، و النور : ٥٦، و ٤٦، والأنفال: ١، والمجادلة:١١، والتغابن ١٢، و١٦). صلی الله عليه وسلم. أمر الله تعالى المسلمين بالصلاة قاله ابن عباس (٣). والسلام على النبي صلی الله عليه وسلم، وجعل ذلك فرض عین علی کل مسلم، فقال جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَّهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. قال الجصاص: ((قد تضمن الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وظاهره يقتضي الوجوب، وهو فرض عندنا، فمتى فعلها الإنسان مرة واحدة في صلاة أو غیر صلاة فقد أدی فرضه، وهو مثل كلمة التوحيد والتصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم، متى فعله الإنسان مرة واحدة في (١) النكت والعيون، الماوردي ٣٠٥/٥-٣٠٦. عمره فقد أدى فرضه»(٢). وفي معنى قول الله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ وَمَلَبِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أن صلاة الله تعالى عليه ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، قاله أبو العالية. الثاني: أن صلاة الله تعالى عليه المغفرة له، وصلاة الملائکة الاستغفار له، قاله سعید بن جبير. الثالث: أن صلاة الله تعالی علیه رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء له، قاله الحسن، ٢. حق الصلاة والسلام على النبي محمد ومعنى قول عطاء بن أبي رباح. الرابع: أن صلاتهم عليه أن يباركوا عليه، وحكى الماوردي عن ثعلب أن معنى قولنا: ((اللهم صل على محمد»، أي: زد محمدا برکة ورحمة، ويجري فیه التأويلات المذكورة، وأن قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ یحتمل وجهين: أحدهما: سلموا لأمره بالطاعة له تسليمًا. الثاني: وسلموا علیه بالدعاء له تسليمًا، أي: سلامًا (٤). ٣. حق الاتباع والاقتداء من حقوق النبي محمد صلی الله عليه وسلم(٥). (٢) أحكام القرآن، الجصاص ٢٤٣/٥. (٣) النكت والعيون، الماوردي ٤ /٤٢١. (٤) المصدر السابق. (٥) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي www. modoee.com ٤٥٧ حرف الحاء أمر الله تعالى المؤمنين باتباع الرسول واحترامه وعدم إيذائه أو إيذاء آل بيته. صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في غير موضوع من کتابه العزیز، فمن ذلك قوله جل شأنه: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِ، وَيُّمِثٌ فَشَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِيِّ أَلَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[الأعراف: ١٥٨]. قال ابن عادل الدمشقي: ((وهذا الأمر يدلّ على وجوب متابعة الرسول عليه الصّلاة والسّلام في کلّ ما یأتي به قولًا کان أو فعلًا أو تركًا إلا ما خصه الدّليل))(١). وقوله جل ثناؤه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١]. والأسوة هنا بمعنى القدوة، وأكثر المفسرين على أن الآية وإن كانت واردة في سبب خاص، وهو التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر ونحوه مما ابتلي به يوم أحد، فإنها تشير إلى ضرورة الاقتداء به في كل فعل وقول على جهة العموم(٢). ٤. حق توقير النبي صلى الله عليه وسلم عياض ٢/ ٩. (١) اللباب في علوم الكتاب ٣٤٦/٩. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٥/٢٠، الجواهر الحسان، الثعالبي ٢٢٣/٣، اللباب في علوم الكتاب، لابن عادل ١٥/ ٥٢٦. من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم علينا التي وردت في القرآن الكريم وجوب تقديره وتكريمه واحترامه، وعدم التعرض له صلی الله عليه وسلم بإيذاء؛ بالقول أو بالفعل، سواء كان الإيذاء لشخصه الكريم أو لآل بيته الطيبين الأطهار؛ رجالًا كانوا أو نساء. وقد جاء هذا الحق في آية كريمة شاملة في سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُوتَ النَّبِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنَّهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنَّشِرُواْ وَلَا مُسْتَْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ◌َلِكُمْ كَانَ يُؤْزِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحِي، مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَغْيِ. مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْتَلُوهُنَّ مِنٍ وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ: أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقد ورد في سبب نزولها ما أخرجه الشيخان أنّ أنس بن مالكٍ قال: (أنا أعلم النّاس بهذه الآية آية الحجاب، لمّا أهديت زينب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - کانت معه فى البيت، صنع طعامًا، ودعا القوم، فقعدوا يتحدّثون، فجعل النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- يخرج، ثمّ يرجع، ٤٥٨ مُؤُوالَهُ النَّفِيَّة جويق القرآن الكريم الحقوق وهم قعودٌ يتحدّثون، فأنزل اللّه تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْ خُلُوا بُيُوتَ النَّبِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ﴾ فضرب الحجاب، وقام القوم)(١). ٥. حب النبي صلى الله عليه وسلم من حقوقه علینا. حب النبي صلى الله عليه وسلم واجب علينا، وهو من حقوقه المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجُكُمْ وَعَشِيرَكُ وَأَمْوَلُ أَقْتَفْتُمُوهَا وَنَجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْيِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال القاضي عياض: ((فكفى بهذا حضًّا وتنبيهًا ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلی الله عليه وسلم، إذ قرع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله وأوعدهم بقوله تعالى: (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم)، رقم ٤٧٩٢، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب، رقم ٣٥٧٨. ﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اَللَّهُ بِأَمْرِ﴾ ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله (٢). ٦. حرمة التقدم على النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الصوت عليه. من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم التي وردت في القرآن حرمة رفع الصوت أمامه عليه السلام؛ وذلك امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ) يَأَيُها الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِأَلْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَّ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَكَ الَّذِينَ آَمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبُهُمْ لِلنَّقْوَىَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ اَلْهُجُزَتِ أَكْتُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرً لَّهُمَّ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾[الأحزاب: ١-٥]. والنهي عن التقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد في معناه أقوال: الأول: أن ناسًا کانوا یقولون: لو أنزل فيّ كذا، لو أنزل فيّ كذا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. الثاني: أنهم نهوا أن يتكلموا بين يدي (٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عیاض١٨/٢ بتصرف یسیر. www. modoee.com ٤٥٩ حرف الحاء کلامه، قاله ابن عباس. الثالث: معناه ألا يقتاتوا على الله ورسوله، حتی یقضي الله علی لسان رسوله، قاله مجاهد. الرابع: أنها نزلت في قوم ضحوا قبل أن يصلوا مع رسول الله صلی الله عليه وسلم، فأمرهم أن يعيدوا الذبح، قاله الحسن. الخامس: لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر به الله تعالى ورسوله، قاله الزجاج (١). والنهي عن رفع الصوت في الآية قيل: المراد به رفع الصوت أو الجهر به أمام النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل: رفع الصوت عند منبره يوم الجمعة، وقيل: المراد داعؤه بإسمه فقط (٢). وأيًّا كان المقصود بالتقدم على النبي صلى الله عليه وسلم أو رفع الصوت علیه، فإن هذا يتنافى مع مكانة رسول الله صلی الله عليه وسلم، ولا يتفق مع مكارم الأخلاق، ونحن مأمورن بتعظيم شأن النبي وتقديره حق قدره. وفي سبب نزول مقدمة سورة الحجرات روايات عدة كلها في الصحيح. الأولى: ما رواه ابن أبی ملیکة قال: کاد (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٢٦/٥. (٢) انظر: تفسير مقاتل ٢٥٨/٣، جامع البيان، الطبري ١٦٩/١٤، النكت والعيون، الماوردي ٣٢٦/٥. الخیّران أن یھلکا - أبا بكر وعمر رضي الله عنهما رفعا أصواتهما عند النّبيّ صلى الله علیه وسلم حین قدم علیه رکب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابسٍ أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجلٍ آخر - قال نافعٌ لاَ أحفظ اسمه- فقال أبو بكرٍ لعمر: ما أردت إلّ خلافي، قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل اللّه ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتّى یستفهمه. ولم یذکر ذلك عن أبيه، يعني: أبا بکر (٣). الثاني: أخرجه مسلم عن أنس بن مالكٍ أنّه قال: لمّا نزلت هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ﴾ إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيسٍ فى بيته وقال: أنا من أهل النّار. واحتبس عن النّبيّ صلی الله عليه وسلم، فسأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذٍ فقال: (يا أبا عمرٍو ما شأن ثابتٍ أشتكى). قال سعدٌ: إنّه لجاري وما علمت له بشکوی. قال: فأتاه سعدٌ فذكر له قول رسول الله صلی الله عليه وسلم، فقال ثابتٌ: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم آني من أرفعکم صوتًا على رسول الله صلى (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة الحجرات، باب (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)، رقم ٤٨٤٥. مَوسُوْ حَرَ التفسير الموضع القرآن الكريم ٤٦٠ الحقوق الله عليه وسلم، فأنا من أهل النّار. فذكر ذلك سعدٌ للنّبيّ صلی الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل هو من أهل الجنّة)(١). وذكر الواحدي أن قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَى اَللَّهِ وَرَسُولِ،﴾ نزلت في خلاف سيدنا أبي بكر وعمر، والنهي عن رفع الصوت نزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وکان جهوري الصوت وکان إذا کلم إنسانًا جھر بصوته فربما کان یکلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢). ثانيًا: حقوق الوالدين: من أعظم الحقوق على الإنسان بعد حق الله عز وجل حقوق الوالدين، حيث إن فضلهما كبير، ومنزلتهما عظيمة، ولهذا استحقا أن يقرن الله عز وجل شكرهما بشكر الله تعالى، وتعددت آيات القرآن الکریم التي توصي بالوالدین، و کذا نصوص السنة النبوية لا سيما بالأم. وأورد من ذلك ما يلي: ١. حق الإحسان إلى الوالدين مقترن بعبادة الله تعالی. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله، رقم ٣٢٩. (٢) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص ٢٨٦. وهذا ما وردت به آيات عديدة، منها قول الله تعالى: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِيثَقَ بَنِيَّ إِسْرَِّيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُو ◌ْلِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوا الزَّكَوَةَ ◌ُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُم تُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]. ويلحظ في الآية أن الوصية بالوالدين أمر معروف في كل الشرائع السماوية، وليس في الشريعة الإسلامية فقط. ومنها: قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. ومنها: قوله جل شأنه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِنَّهُ وَبِلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً ، [الإسراء: ٢٣]. ويتدبر تلك الآيات الكريمة نجد أن الوصية بالإحسان للوالدين جاءت عقب الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، مما يدل على عظم منزلة الوالدين وفضلهما عند الله تعالی. قال الجصاص: ((يدل على تأكيد حق الوالدين ووجوب الإحسان إليهما كافرين كانا أو مؤمنين؛ لأنه قرنه إلى الأمر بعبادته تعالى»(٣). وقال في موضع آخر: «فقرن تعالی ذکره (٣) أحكام القرآن، الجصاص ١/ ٤٧. www. modoee.com ٤٦١ حرف الحاء إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده وأمر في الأقوال والأعمال؛ فأما في الأقوال فكما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أَنّ وَلَا به كما أمر بهما كما قرن شكرهما بشكره في قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِّكَ إِلَّ الْمَصِيرُ ﴾ وكفى بذلك دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما))(١). نَنْهُرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. فإن لها حق الرحم المطلقة، وحق القرابة الخاصة؛ إذ أنت جزء منه، وهو أصلك الذي أوجدك، وهو القائم بك حال ضعفك وعجزك عن نفسك))(٤). وفي طائفة آخرى من الآيات جاء النص بالإخبار في صورة أمر كما في قول الله تعالى: ﴿وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنَّاً وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَ تُطِعْهُمَاْ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا اَلْإِنْسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنَا حَمَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَنْهُ كُرُّهَاً وَحَلُهُ. وَفِصَلُهُ تَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. وهنا جاء الأمر بالإحسان مقرونًا ببيان مخالفة لشرع الله تعالى، أو متضمنة الأمر فضل الأم وما لاقته من عنت ومشقة في الحمل والولادة والرضاع. وفسّر الإحسان بأنه تأدية حقوقهما ومجانبة عقوقهما والمحافظة على برهما(٢). ونكر لفظ الإحسان وجاء منونًا لمعان ذكرها بعض المفسرين، منها ما ذكره الألوسي من أن التنوين للتفخيم (٣). قال ابن العربي: ((بر الوالدين ركن من أركان الدين في المفروضات، وبرهما يكون (١) المصدر السابق ١٥٥/٣. (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢/ ١٨٥. (٣) روح المعاني، الألوسي ١٧/٢٦. هذا والإحسان إلى الوالدين فيه جوانب مادية؛ كالإنفاق عليهما من ماله، وجوانب معنوية؛ كالبر والطاعة وحسن معاملتهما، على تفصيل مبسوط في كتب الفقه وكتب السنة وغير ذلك. ٢. طاعة الوالدين فيما لا يخالف شرع الله. أمر الله تعالى الأبناء بطاعة الوالدين، مع اشتراط أن لا تكون تلك الطاعة بالشرك ونحوه كما نصت عليه الآيات في قوله تعالى: ﴿وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَ تُطِعْهُمَاْ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأنْيِّئُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨]. وروى مسلم عن مصعب بن سعدٍ عن أبيه أنّه نزلت فيه آياتٌ من القرآن، قال: حلفت أمّ سعدٍ أن لا تكلّمہ أبدًا حتّی یکفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب. قالت: زعمت أنّ اللّه وصّاك بوالديك وأنا أمّك وأنا آمرك (٤) أحكام القرآن، ابن العربي ٣٥٨/٢. ٤٦٢ مَوَسُولَةُ النَّفِي القرآن الكريم الحقوق بهذا. قال: مکثت ثلاثًا حتی غشی علیھا من الجهد فقام ابنٌ لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعدٍ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ في القرآن هذه الآية ﴿وَوَصَّيْنَا اْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ ﴿وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِىِ﴾ وفيها ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ... الحديث(١). وكما في قوله جل شأنه: ﴿ وَوَصَّيْنَا اَلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ، فِ عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلَيْكَ إِلَّ الْمَصِيرُ ﴾ وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ ◌ِ مَا لَيْسَ لَكَ بِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًاً وَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِيِشُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: ١٤ - ١٥ ]. ومن أروع الأمثلة في الطاعة طاعة نبي الله إسماعيل عليه السلام لأبيه الخليل إبراهيم عليه السلام في قصة الذبح. قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ بَبُنَىَّ إِنّ آَرَى فِ ١٠١ اَلْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىَّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌّ سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّيِينَ ﴾ [الصافات: ١٠٢]. (١٠٢) ٣. عدم إيذائهما أو التأفف منهما. قال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل سعد بن أبي وقاص، رقم ٠٦٣٩١ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أَنَّ وَلَا ١٠٠٠٠٠ تَنْهُرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وهنا عبرت الآية بلفظ (أف) ونهي الإنسان عن قولها لوالديه أو لأحدهما، ومن معاني هذه الكلمة والمقصود منها لدى المفسرين ما قاله قتادة أنها «الكلام الرديء، كأن تقول: اللهم أرحني منهما، أو تغلظ عليهما في القول عند كبرهما، ومعالجتك إياهما وعند إماطة القذر عنهما))، وروي نحوه عن مجاهد(٢). وقيل: المقصود بها أنه استقذار الشيء وتغير الرائحة. وقيل: إنها كلمة تدل على التبرم والضجر، خرجت مخرج الأصوات المحكية، والعرب أف وتف، فالأف وسخ الأظفار، والتّف ما رفعته من الأرض بيدك من شيء حقير، وحكى الجصاص أن هذا دلالة على تحريم ما فوق هذه الكلمة من نحو الضرب والشتم (٣). وقال تعالى: ﴿وَأَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُنّ لَكُمَا أَتَعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيئَانِ اَللَّهَ وَيَلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِيَ أُمَرِ قَدْ خَلَتْ (٢) انظر: تفسير مقاتل ٢٥٤/٢، جامع البيان، الطبري ١٧ / ٤١٥. (٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٨٣/٣، أحكام القرآن، الجصاص ٨٩/٢. www. modoee.com ٤٦٣ حرف الحاء مِن قَّلِهِم مِّنَ لَجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ﴾ والمغفرة إذا كانا مسلمين؛ لأنه قال في [الأحقاف: ١٦- ١٨]. موضع آخر: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ ٤. إلانة القول لهما وخفض الجناح. قُرْبَى﴾ فعلمنا أن مراده بالدعاء للوالدين خاص في المؤمنین)»(٣). الله تعالى: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٣ -٢٤]. أمر الله تعالى الأبناء بإلانة القول للوالدين وحسن اختيار الكلام معهما، وخفض الجناح بمعنى التذلل لهما وعدم الترفع عليهما أو التكبر، فاستعار للذل جناحًا، وأضافه إليه؛ مبالغة؛ فإنّ الطير إذا تذلل أرخى جناحه إلى الأرض، كذلك الولد، ينبغي أن يخضع لأبویه، ویلین جانبه، ویتذلل لهما غاية جهده، وقيل المراد: حسن التدبير لأمورهما وكفالتهما ورعايتهما(١). ٥. الدعاء لهما في حياتهما وبعد وفاتهما. من حقوق الوالدين على الأبناء الدعاء لهما، سواء كانا حيين أو ميتين (٢)، كما قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبَِّانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. وهذا الدعاء للمؤمنين فقط، كما قال الجصاص: ((فيه الأمر بالدعاء لهما بالرحمة (١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢٥/٥، البحر المحيط، أبو حيان ٢٥/٦ - ٢٦، البحر المديد، ابن عجيبة ٤ /١٢٠. (٢) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٥/ ٢٠، تفسير السمرقندي ٢/ ٣٠٧. ثالثًا: حقوق الأقارب: الأقارب أنواع، منهم الأصول، كالآباء والأجداد، ومنهم الفروع كالأبناء وأبناء الأبناء والبنات، ومنهم الحواشي كالإخوة والأخوات، وهناك ذوو الأرحام، وكل هؤلاء قرابة المرء، لهم عليه حقوق، بعضها فرض، وبعضها مستحب، وقد ورد ذکر ذوي القربى في مواضع عدة من كتاب الله تعالى مبينًا فيها حقوقهم والوصية بهم ماديًّا ومعنويًّا، ومن هذه الحقوق ما يلي: ١. الإنفاق عليهم. قال تعالى: ﴿لَيْسَ آلْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبٍ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَتِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ وَءَاتَ الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. قال الماوردي: ((يريد قرابة الرجل من طرفیه من قبل أبويه، فإن كان ذلك محمولًا على الزكاة، روعي فيهم شرطان: أحدهما: الفقر، والثاني: سقوط النفقة، وإن كان ذلك (٣) أحكام القرآن، ٢٠/٥. مُوسُوبَة النَّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٤٦٤