Indexed OCR Text

Pages 41-60

الحفظ
بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ وما بعث هؤلاء الكفار القائلون للمؤمنين:
إن هؤلاء لضالون، حافظين عليهم أعمالهم،
يقول: إنما كلّفوا الإيمان بالله، والعمل
بطاعته، ولم يجعلوا رقباء على غيرهم،
يحفظون عليهم أعمالهم ويتفقّدونها(١).
فتلك رذيلةٌ لا يليق بعاقل أن يتورّط فيها؛
فضلًا عن مسلمٍ داعيةٍ.
اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾
[القصص: ٥٦].
وإذا حدّثته نفسه بأن يقدّم بعض
التنازلات أو أن یکتم بعض رسالته ارعوی
بقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى
إِلَيْكَ وَضَآَِّقٌ بِهِ- صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ
عَلَيْهِ كَثْرُّ أَوْ جَاءَ مَعَهُ، مَلَكُ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ [هود: ١٢].
ولما كانت الدّعوة إلى الله على بصيرةٍ
هي مضمار إثبات التبعيّة للنبيّ صلى الله
عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ
أَدْعُواْإِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِيِ وَسُبْحَنَ
اَللَّهِ وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]؛
فإنّ الدّعاة أكثر الناس حاجةً إلى تدبّر هذه
الآيات والتفكّر فيها؛ فلعلّ حكمة تكرارها
-والله أعلم- حتى لا يمرّ يومٌ على الدّعاة
أهل القرآن؛ من غير أن یذکّرهم بها لأهميتها.
وأمّا الذين ينصّبون أنفسهم رقباء على
النّاس، كأنّهم اطّلعوا على القلوب فعلموا ما
فيها، فحكموا - بغير بيّنةٍ - على هذا بالضلال
وعلى هذا بالفسوق = فقد حدّثنا القرآن
عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ ﴿ وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَتَغَامَنُونَ
وَإِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ فَكِيهِينَ
٣٠
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَضَاَلُونَ () وَمَآ
أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣]؛ أي:
(١) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٢٢٧.
www. modoee.com
٣٨٥

حرف الحاء
مجالات الحفظ في حقّ العباد
ذكر القرآن الكريم مجالات الحفظ في
حق العباد، وهذا ما سنبينه فيما يأتي:
أولًا: حفظ حدود الله على الإجمال:
إن الحفظ المنوط بالعباد هو حفظ حدود
الله وحقوقه وأوامره ونواهيه، ویکون ذلك
بالوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه
بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ولا
يتعدّى ما أمر به إلى ما نهي عنه، فدخل
في ذلك فعل الواجبات جميعها، وترك
المحرّمات كلّها، فمن فعل ذلك فهو من
الحافظين لحدود الله(١). يقول الله تعالى
في سياق بيان صفات المؤمنين المجاهدين
الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم
بأنّ لهم الجنّة: ﴿التَِّبُونَ الْعَبِدُونَ
اْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
اْحَمِدُونَ السَّيِحُونَ الرَّكِعُونَ
السَّجِدُونَ
وَاَلنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْخَفِظُونَ
لِحُدُودِ اَللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢].
فقوله: ﴿وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اَلَّهِ﴾ معناه:
المؤدّون فرائض الله، المنتهون إلى أمره
ونهيه، الذين لا يضيّعون شيئًا ألزمهم الله عز
وجل العمل به، ولا يرتكبون شيئًا نهاهم عن
ارتكابه(٢).
(١) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ص ٤٣٤.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٢ / ١٦.
وقال ابن عباس: ((يعني: القائمين على
طاعة الله. وهو شرطٌ اشترطه على أهل
الجهاد؛ إذا وفّوا الله بشرطه وفّى لهم
شرطهم))(٣).
فحدود الله تشمل جميع التكاليف
الشرعيّة من أوامر ونواهٍ، وعباداتٍ
ومعاملاتٍ.
ثانيًا: حفظ القرآن والعلم:
العلم وضبط الشريعة - وإن كان فرض
كفاية- فإنه يتعيّن له طائفةٌ من الناس وهم
من جاد حفظهم، ورقّ فهمهم، وحسنت
سيرتهم، وطابت سريرتهم، فهؤلاء هم
الذين يتعين عليهم الاشتغال بالعلم؛ فإن
عديم الحفظ أو قليله أو سيئ الفهم لا
يصلح لضبط الشريعة، وكذلك من ساءت
سيرته لا يحصل به الوثوق للعامة، فلا
تحصل به مصلحة التقليد فتضيع أحوال
الناس، وإذا كانت هذه الطائفة متعينة بهذه
الصفات تعيّنت بصفاتها وصار طلب العلم
علیها فرض عین(٤).
والقرآن رأس العلم، من لم يأخذ
بحظّه منه فليس معدودًا في العلماء. ولا
يبرّز طالب العلم الشرعيّ، ولا يتأهّل في
أيّ فرعٍ من فروعه إلا بقدر أخذه من علم
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٢/ ١٧.
(٤) أنوار البروق في أنواء الفروق، القرافي
١٤٦/١.
٣٨٦
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الحفظ
القرآن؛ إذ هو الأصل المقدّم على غيره. قال ابن عبد البر: ((طلب العلم درجات
ومناقل ورتب، لا ينبغي تعدّيها، ومن تعدّاها
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِنَبِ
وَلَا تَفُّهُ, بِمِنِكٌَ إِذَا لَّأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ
(٨ بَّلَ هُوَءَايَتُ بَّنَتُ فِى صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ
اَلْعِلْمُّ وَمَا يَجْحَدُ بِشَايَتِنَآ إِلَّ الظَّالِمُونَ﴾
[العنكبوت: ٤٨-٤٩].
جملة فقد تعدی سبیل السلف رحمهم الله،
ومن تعدّى سبيلهم عامدًا ضلّ، ومن تعداه
مجتهدًا زلّ. فأوّل العلم حفظ كتاب الله
عز وجل وتفهّمه، وكلّ ما يعين على فهمه
فواجبٌ طلبه معه. ولا أقول: إنّ حفظه كلّه
فرضٌ، ولكني أقول: إنّ ذلك شرط لازمٌ
علی من أحبّ أن یکون عالمًا فقیھًا ناصبًا
نفسه للعلم»(٤).
قال ابن كثير: ((القرآن آیات بينةٌ واضحة
في الدلالة على الحق، أمرًا ونهيًا وخبرًا،
يحفظه العلماء، يسّره الله عز وجل عليهم
حفظًا وتلاوةً وتفسيرً))(١). وقال البيضاوي:
((بل هو القرآن آياتٌ بيّناتٌ في صدور الّذين
أوتوا العلم يحفظونه لا يقدر أحد على
تحریفه»(٢). وفيه إشارةٌ إلى صفة من صفات
الذين أوتوا العلم، وهي أنّ القرآن محفوظٌ
في صدورهم بيّن الدلالة ظاهر الحجّة، ولم
تكن هذه صفته فقد انخرم في حقّه أحد أهمّ
شروط الإمامة في العلم. والله أعلم.
غير أنّ الاستظهار والجمع أولى ما
يستعان به على الفهم والتدبّر، والمكثر من
التلاوة حريٌّ بجني القرآن وقطافه؛ علمًا
وعملًا، فهمًا وتطبيقًا؛ ولذا تتوارد النصوص
على التأكيد على فضيلة التلاوة واقترانها
بالأركان العملية؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنفَقُواْ
مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ يَرْجُونَ نْجَرَةً
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
(إذا أردتم العلم فأثیروا القرآن؛ فإنّ فيه علم
الأوّلين والآخرين))(٣).
لَّنْ تَبُورَ ﴾ [فاطر: ٢٩]، يخبر الله تعالى عن
عباده المؤمنین الذین یتلون کتابه ويؤمنون به
وقد كان علماء السّلف یوصون طلاب
ويعملون بما فيه، من إقامة الصلاة، والإنفاق
العلم أن يبدؤوا بالقرآن الكريم، يتعلّمون مما رزقهم الله في الأوقات المشروعة ليلًا
ونهارًا، سرًّا وعلانية، يرجون ثوابًا عند الله
حروفه ومعانیه، فإذا رأوا أنهم قد حصّلوا
من ذلك قدرًا كافيًا نقلوهم إلى التخصّص،
لا بدّ من حصوله(٥). قال قتادة: «كان مطرّف
إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القرّاء)»(٦).
(١) تفسير القرآن العظيم، ٢٨٦/٦.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ١٩٧.
(٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن، ٢٧٦/١،
رقم ٧٩.
(٤) جامع بيان العلم وفضله ٢ / ١١٢٩.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٤٥.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره ١٩ / ٣٦٦.
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الحاء
وتلاوة كتاب الله تعني شيئًا آخر غير القول بأنّ تمسيكهم بالكتاب لم يقتصر على
إمساکھم هم؛ بل مسّکوا به غیرهم نصحًا
وأمرًا وتعليمًا وتفهيمًا، والله تعالى أعلم.
المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت،
تعني: تلاوته عن تدبّرٍ، ينتهي إلى إدراك
وتأثّر، وإلی عمل بعد ذلك وسلوك، ومن ثمّ
يتبعها بإقامة الصلاة، وبالإنفاق سرًّا وعلانية
من رزق الله (١). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاوَتِ= أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ
﴾ [البقرة: ١٢١].
فقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَيِّهِ﴾ أي: يتبعونه
حقّ اتباعه، وإجماع الحجة من أهل التأويل
على أنّ ذلك تأويله(٢). وهو قول ابن مسعود
وابن عبّاس والحسن وقتادة وعكرمة
ومجاهد وغيرهم(٣).
﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ
وقوله تعالى:
بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ
اُْصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
والذين يعملون بما في كتاب الله،
وأقاموا الصلاة بحدودها، ولم يضيّعوا
أوقاتها، فإنّ الله لا يضيع أجر عملهم
الصالح (٤). والتعبير بقوله: ﴿اُْصْلِينَ﴾،
وما فيه من إشعارٍ بتعدّي صلاحهم في
أنفسهم إلى إصلاحهم غیرهم؛ یصیّرنا إلى
(١) فى ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٤٣/٥.
(٢) حكى هذا الإجماع الطبري في تفسيره
٤٩٣/٢.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨٧/٢ -٤٩٣،
تفسير ابن أبي حاتم ١ / ٢١٨.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٥٤١.
إنّ استقراء الآيات التي صرّحت بمقاصد
إنزال القرآن الكريم لا يدع مدخلًا لمراءٍ،
ولا تهوّكًا لهويٍّ: أنّ المراد بحفظ القرآن هو
حفظ مبانيه ومعانيه والعمل بما فيه، وهاك
طرفًا منها: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنْفَكَّرُونَ
[النحل: ٤٤].
﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَّكُ لِيَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ.
وَلِسَتَذَّكْرَ أُوْلُواْأَلْتَبٍ ﴾ [ص: ٢٩].
﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَأَتَّبِعُوهُ
وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥].
وحفظ العلم من حفظ القرآن، والعلماء
الحقيقون باسمهم موصوفون بالعبودية
ومعروفون بالخشية؛ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ العُلمؤا﴾ [فاطر: ٢٨]، قال ابن مسعود:
(ليس العلم بكثرة الرواية، ولكنّ العلم
الخشية)»(٥). وقال: ((كفى بخشية الله علمًا،
وكفى بالاغترار جهلًا)) (٦). وقال مسروق:
((بحسب الرجل من العلم أن يخشى
الله))(٧). وعن يحيى بن أبي كثير قال:
((العالم من خشي الله)(٨). وقال الحسن:
(٥) أخرجه أحمد في الزهد، رقم ٨٧٢.
(٦) أخرجه أحمد في الزهد، رقم ٨٦٩.
(٧) أخرجه أحمد في الزهد، رقم ٢٠٧٤.
(٨) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٢٧٩/١٢.
جَوَسُولَة النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٣٨٨

الحفظ
((العلم علمان: علمٌ على اللسان، فذاك حجّة
الله على ابن آدم، وعلمٌ في القلب، فذاك
العلم النافع»(١).
فالعلم ما أورث الخشية والتقوى، وكلّما بعلمكم الكتاب. وقرأ ابن عامر والكوفيّون
ازداد المرء علمًا يجب أن يرى ذلك في
عمله وتقواه؛ هذا هو الحفظ الحقّ، فإذا
قام المرء بالعلم أورثه الله علم ما لم یعلم،
ورزقه فهم ما يجمع؛ فالعمل بالعلم وتقوى
الله والخشية تورث العلم والحفظ، يقول
تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ اللّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
نزع منها كثيرٌ من أهل العلم أنّ تقوى
الله تفتح قلوبهم للمعرفة وتهيّئ أرواحهم
للتعليم؛ ليقوموا بحق هذا الإنعام بالطاعة
والرضى والإذعان(٢). وقال عمر بن عبد
العزيز: ((إنما قصّر بنا عن علم ما جهلنا
تقصيرنا في العمل بما علمنا))(٣). فالقيام
بحقّ العلم بالعمل به وتعليمه يثبّته، والعلم
يزكو على الإنفاق.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ
الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ
كُونُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُواْ رَبَّكِيِّنَ
بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾
[آل عمران: ٧٩].
(١) أخرجه الدارمي في سننه، ٣٧٣/١ -٣٧٤،
رقم ٣٧٦.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٣٧/١.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٣٢٦.
واختلف القرّاء فقرأ المكيّان والمدنيان
والبصريان (يعلمون) بفتح الياء وسكون
العين وفتح اللام مخفّفة، من العلم أي:
﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بضمّ التاء وفتح العين وكسر
اللام مشدّدة (٤): أي: بتعليمكم الناس
الكتاب، ودراستكم إيّاه، فوصفهم بالتعليم
متضمّنٌ وصفهم بالعلم؛ إذ لا يعلّمون إلا
بعد علمهم بما يعلّمون، فلا موصوف بأنه
يعلّم إلا وهو موصوفٌ بأنه عالم، وأما
الموصوف بأنه عالم فغير موصوف بأنه
معلّمٌ غيره، فهو أبلغ في مدح القوم بوصفهم
بأنهم كانوا يعلمون الناس الكتاب (٥).
قال ابن عاشور: ((و﴿تَدْرُسُونَ﴾ معناه
تقرؤون؛ أي: قراءة بإعادة وتكرير؛ لأنّ مادة
(درس) في كلام العرب تحوم حول معاني
التأثّر من تكرّر عملٍ يعمل في أمثاله، فمنه
قوله: درست الرّيح رسم الدار: إذا عفته
وأبلته، فهو دارسٌ، يقال: منزل دارس،
والطريق الدارس العافي الذي لا يتبيّن،
وثوب دارس خلقٌ، وقالوا: درس الکتاب
إذا قرأه بتمهّل لحفظه، أو للتدبّر، وفي
الحديث: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت
الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا
(٤) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري
١٨١/٢.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٣١/٥.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف الحاء
نزلت عليهم السكينة)(١). فعطف التدارس
على القراءة، فعلم أنّ الدراسة أخصّ من
القراءة. ومادة (درس) تستلزم التمكن من
المفعول؛ فلذلك صار درس الكتاب مجازًا
في فهمه وإتقانه؛ ولذلك عطف في هذه
الآية ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ على ﴿بِمَاكُنتُمْ
تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ﴾))(٢).
ثالثًا: حفظ الصلاة:
إنّ من أعظم ما يجب حفظه من الشرائع
الصلاة. وقد أمر الله عز وجل بالمحافظة
عليها، فقال: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَاتِ
وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدْنِتِينَ﴾
[البقرة: ٢٣٨].
وامتدح المؤمنين بالمحافظة عليها:
﴿وَهَذَا كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ مُّبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ
يَدَيّهِ وَلِنُنذِرَأُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَاً وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
يَآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِ، وَهُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِقُونَ﴾
[الأنعام: ٩٢].
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ
وقال:
[المؤمنون: ٩].
◌ُحَافِقُونَ﴾
﴿وَالَّذِيْنَ هُ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:
٣٤].
وتوعّد الله عز وجل مضيّعها؛ فقال:
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة
رضي الله عنه، كتاب الذكر والدّعاء والتوبة
والاستغفار، باب الاجتماع على تلاوة القرآن
وعلى الذّكر، رقم ٢٦٩٩.
(٢) التحرير والتنوير ٢٩٥/٣.
﴿وَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ
الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
والغيّ وادٍ في جهنم، وقيل: غيًّا: هلاكًا،
وقيل: يلقون غيًّا، أي: يلقون جزاء غيّهم(٣).
والصلاة معظّمٌ قدرها، وظاهرٌ خطرها،
ومعلومٌ منزلتها؛ فهي عمود الدين،
المفروضة من فوق سبع سماواتٍ، وهي
آخر ما يرفع من الشرائع، وأوّل ما يحاسب
عليه المرء من الأعمال، فإن صلحت صلح
سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله.
وإقامة الصلاة من أكثر ما المسلم به مأمورٌ
في الوحيين بعد تحقيق التوحيد. ولا تتحقق
إقامة الصلاة إلا بالمحافظة على ثمانية
أمورٍ، إذا أتمّها العبد على وجهها، وأدّاها
على مقصودها، فقد حفظ الصلاة على
تمامها، وإن قصّر في أحدها أو فرّط، فقد
فرّط في أصلها أو في كمالها، بحسب ما هو
فيه مقصّرٌ، وبقدر ما نزل عن التمام. وإليك
البيان باختصار:
الأمر الأول: إخلاص النية في الصلاة
لله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمُِوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهُ
مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ
الزَّكَوَةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيْمَةِ﴾ [البينة: ٥].
وقوله تعالى: ﴿فَصَلِ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾
[الكوثر: ٢].
وقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥ /٥٧١-٥٧٤.
٣٩٠
مَوَس ◌َرُ النفسية
القرآن الكريم

الحفظ
[البقرة: ٢٣٨].
وقوله في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ
يَبِيتُونَ لِّيْهِمْ سُجَدًا وَقِيمًا﴾ [الفرقان:
٦٤].
وقوله في وصف المنافقين: ﴿إِنَّ
الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا
قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا
يَذْكُرُونَ اللَّهُ إِلََّقَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
وعن حنظلة الكاتب؛ أنّ رسول الله فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ
صلى الله عليه وسلم قال: (من حافظ
على الصلوات الخمس: على وضوئها،
ومواقيتها، ور کوعها، وسجودها، يراها حقًّا
للهعلیه، حرم على النار)(١). فقوله صلى الله
عليه وسلم: (يراها حقًّا لله عليه) إشارةٌ إلى
إخلاص النّة فیها لله. والآيات والأحاديث
في هذا المعنى كثيرةٌ.
الأمر الثاني: المحافظة على إحسان
الوضوء لها، عن أبي الدرداء رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (خمسٌ من جاء بهنّ مع إيمانٍ دخل
الجنّة: من حافظ على الصلوات الخمس:
على وضوئهنّ وركوعهنّ وسجودهنّ
ومواقیتھنّ، وصام رمضان، وحج البيت إن
استطاع إليه سبيلاً، وأعطى الزكاة طيّبة بها
(١) أخرجه أحمد فى مسنده، ٢٧٨/٣٠، رقم
١٨٣٤٥.
وجوّد الألباني إسناده، في صحيح الترغيب،
رقم ٣٨١.
نفسه وأدّى الأمانة) قالوا: يا أبا الدرداء، وما
أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة(٢). وعن
ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلی الله عليه
وسلم قال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا
أنّ خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على
الوضوء إلا مؤمن)(٣).
الأمر الثالث: المحافظة على وقتها؛
يقول تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوةَ
فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَقِيمُوا الصَّلَوَّةُ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ
[النساء:
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا تَّوْقُوتًا﴾
١٠٣].
ويقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّيْنَ ا الَّذِينَ
هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤-٥]،
قال جماعة من أهل العلم: أي: يؤخّرونها
عن وقتها، فلا يصلّونها إلا بعد خروج
وقتها (٤). وقال: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدْنِتِينَ﴾
[البقرة: ٢٣٨].
أي: واظبوا على الصلوات المكتوبات
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب
المحافظة على الصلوات، رقم ٤٣٠.
وحسّنه الألباني في صحيح الترغيب، رقم
٧٣٨.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٦٠/٣٧، رقم
٢٢٣٧٨.
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم
١١٥.
(٤) جامع البيان، الطبري ٦٥٩/٢٤ - ٦٦١.
www. modoee.com
٣٩١

حرف الحاء
في أوقاتهنّ، وتعاهدوهنّ والزموهنّ، نَثَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٦ -
٣٧].
وحافظوا على الصلاة الوسطى منهنّ(١).
وإنّ أخصّ ما فسّر به المحافظة على الصلاة
هو المحافظة على وقتها. عن مسروق قال:
((المحافظة عليها: المحافظة على وقتها،
وعدم السهو عنها)(٢). وعن ابن مسعود
رضي الله عنهم قال: سألت رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (أي العمل أحبّ إلى
الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) الحديث(٣).
وعن أبي قتادة بن ربعيّ رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال
الله عز وجل: إني فرضت على أمتك خمس
صلوات، وعهدتّ عندي عهدًا: أنّه من جاء
یحافظ علیھن لو قتهنّ أدخلته الجنّة، ومن لم
یحافظ علیھنّ فلا عهد له عندي)(٤).
الأمر الرابع: المحافظة على مكانها
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
و جماعتها؛
وَيُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُ يُسَيِّعُ لَهُ فِهَا بِلْغُدُوِّ
وَالْأَصَالِ ٦ رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ فِجَرَةٌ وَلَا بَيَعُ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَ إِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا
(١) المصدر السابق ٤/ ٣٤٢.
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت
الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، رقم ٥٢٧،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون
الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، رقم ٨٥.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب
المحافظة على الصلوات، رقم ٤٢٩.
وحسّنه الألباني في السلسة الصحيحة، رقم
٤٠٣٣.
والأحاديث في فضل الصلاة في جماعةٍ
في المسجد مشهورة؛ فمن الترغيب قوله
صلى الله عليه وسلم: (من غدا إلى المسجد
أو راح أعدّ الله له نزله في الجنة كلّما غدا أو
راح)(٥)، ومن الترهيب قوله صلى الله عليه
وسلم: (والذي نفسي بيده، لقد هممت أن
آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذّن
لها، ثم آمر رجلاً فيؤمّ الناس، ثمّ أخالف إلى
رجال فأحرّق عليهم بيوتهم) (٦).
الأمر الخامس: المحافظة على خشوعها
وصفتها، يقول تعالى: ﴿قَدْ أَفَلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون:
١- ٢].
ويقول: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ [البقرة:
٢٣٨].
وفسّر القنوت في هذه الآية بالخشوع
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، عن أبي
هريرة رضي الله عنه، كتاب الأذان، باب
فضل من غدا إلى المسجد ومن راح، رقم
٦٦٢، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة
تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات، رقم
٦٦٩.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة
رضي الله عنه، كتاب الأذان، باب وجوب
صلاة الجماعة، رقم ٦٦٤، ومسلم في
صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة،
باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في
التخلّف عنها، رقم ٦٥١.
جَوَسُولَةُ التَّقَبـ
القرآن الكريم
٣٩٢

الحفظ
في الصلاة؛ أي: وقوموا لله في صلاتكم
خاشعین، خافضي الأجنحة، غير عابئین،
ولا لاعبين (١). وقال النبي صلى الله عليه
وسلم: (وصلّوا كما رأيتموني أصلّي)(٢).
وعن عبادة قال: أشهد أنّي سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس
صلوات افترضهن الله عز وجل، من أحسن
وضوءهنّ، وصلّاهنّ لوقتهنّ، وأمّركوعهنّ
وخشوعهنّ، كان له على الله عهدٌ أن يغفر
له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهدٌ؛ إن
شاء غفر له، وإن شاء عذّبه)(٣). والخشوع
في الصلاة يقتضي المحافظة على هيئتها من
الركوع والسجود ... وغير ذلك، والصلاة
على الصفة التي صحّت بها الأحاديث
والآثار يعين على تحقيق الخشوع.
الأمر السادس: المحافظة على نوافلها؛
كقيام الليل؛ لقوله: ﴿قُ اَلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[المزمل: ٢].
وقوله: ﴿وَمِنَ الَلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ
عَسَقَ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ [الإسراء:
٧٩].
(١) جامع البيان، الطبري ٤ / ٣٨١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، عن مالك ابن
الحويرث رضي الله عنه، كتاب الأذان، باب
أذان المسافرين إذا كانوا جماعة، رقم ٦٣١.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ح ٢٢٧٠٤، وأبو
داود في سننه، كتاب الصلاة، باب المحافظة
على الصلوات، ١١٥/١، رقم ٤٢٥.
وصحّحه الألباني في المشكاة، رقم ٥٧٠.
وليس هذا خاصًّا بالنبي صلى الله عليه
وسلم، فنحن مأمورون بالتأسّي به واتّباعه
صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ
تَقُومُ أَدْفَ مِنْ تُلُفِى الَّتْلِ وَنَصْفَهُ, وَثُلُهُ، وَطَيِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ
مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠].
وفي الحديث القدسي: (وما يزال عبدي
يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته
كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي
يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي
يمشي بها)(٤). وهذا كناية عن حفظ الله عز
وجل لعبده.
وعن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: (من حافظ على
أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرّمه
الله على النار)(٥). والأحاديث في هذا
المعنى كثيرة، وإنما غرضنا الإشارة.
الأمر السابع: الأمر بإقامة الصلاة،
وخصوصًا من هم في مسئولية المرء، يقول
تعالى: ﴿وَأَمْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾
[طه: ١٣٢].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة
رضي الله عنه، كتاب الرقاق، باب التواضع،
رقم ٦٥٠٢.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة،
باب الأربع قبل الظهر وبعدها، رقم ١٢٦٩،
والترمذي في سننه، كتاب مواقيت الصلاة،
باب ما جاء في الركعتين بعد الظهر، رقم
٤٢٨.
وصحّحه الألباني في المشكاة، رقم ١١٦٧.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الحاء
الصلاة: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوِ
وَكَانَ عِندَرَبِّهِ، مَرْضِيًا﴾ [مريم: ٥٥].
الأمر الثامن: المواظبة على كلّ ما كلّه في بعض الوقت لا يقال له محافظٍ.
مضى، والمداومة عليه، وبذا يكون العبد
من المصلّين ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَآيِمُونَ﴾.
[المعارج: ٢٣].
وإدامتها ألا یترکها أبدًا، عن أبي سلمة،
عن عائشة، قالت: (كان أحبّ الصلاة إلى
النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما داوم عليها وإن
قلّت، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا
صلّى صلاةً داوم عليها)، وقال أبو سلمة:
﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَايِعُونَ﴾ [المعارج:
٢٣](١).
وقد فسّر عقبة ابن عامر الدوام بقوله:
((هم الذين إذا صلّوا لم يلتفتوا خلفهم، ولا
عن أيمانهم، ولا عن شمائلهم، (٢)، وبنحوه
(٣)
عن عمران بن حصین
وقيل: إِدامتها هو إقامتها في أوقاتها (٤).
ولا تعارض بين ذلك كلّه على ما ذهبنا
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٤٥٤٠،
واللفظ والزيادة له، والبخاري في صحيحه،
كتاب الصوم، باب صوم شعبان، رقم ١٩٧٠،
ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب
صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير
رمضان، رقم ٧٨٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٦٨/٢٣.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ٢/ ٤٢، رقم
٤٥٨٠.
(٤) تفسير القرآن، السمعاني ٤٨/٦.
وأثنى الله على إسماعيل أنّه كان آمرًا إليه من أنّ المحافظة على الصلاة تتضمّن
المحافظة على كلّ ما سبق الإشارة إليه،
فإنّ فاعل بعضه في كلّ الوقت، أو فاعله
قال المروزي: ((ولم نجد الله عز وجل مدح
أحدًا من المؤمنين بمواظبته على شيء من
الأعمال مدح من واظب على الصلوات في
أوقاتها، ألا تراه كيف ذكرها مبتدأةً من بین
سائر الأعمال.
قال الله: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا ) إِذَا
مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ أَلْخَيْرُ مَنُوعًا﴾
[المعارج: ١٩- ٢١].
ثم لم يبرئ أحدًا من هذين الخلقين
المذمومين من جميع الناس قبل المصلين
فقال: ﴿إِلََّ الْمُصَلِّنَ ا الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ
دَآيِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٢ -٢٣].
ثم أعاد ذكرهم في آخر الآيات بذکر آخر
فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمُ عَلَى صَلَاتِهِمْيُحَافِظُونَ ( أُوَّلَكَ فِ
جَنَّتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٤-٣٥].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اَللَّهِ
وقال:
وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [فاطر: ٢٩]؛ في كلّ
ذلك يبدأ بمدح الصلاة قبل سائر الأعمال،
تبعها ما تبعها من سائر الطاعات، فكّر
الثناء عليهم، ومدحهم بالمحافظة عليها؛
ليدوموا عليها، كل ذلك تأكيدًا لها، وتعظيمًا
لشأنها)»(٥).
(٥) تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٣٦.
٣٩٤
مَوَسُولَةُ الَ
القرآن الكريمِ

الحفظ
وإنّها لكبيرةٌ إلا على ما يسّر الله عليه المكلّفون لتمّ الأمر، ولكن لخطورته لم
يكتف بواحدٍ؛ بل فرض الاستئذان، ومنعت
الخلوة، وشرع الحجاب. وحياطةً لهذا كلّه
عظّم أمر العفاف والحياء، وزكاة القلب،
وطهارة الخواطر، ثمّ هيّأ بالزواج مصرفًا
شرعيًّا؛ لترشيد الشهوة، ووضعها موضعًا
طیًّا لا دنس فیه ولا رذيلة.
ذلك؛ ولذا يقترن الأمر بالصلاة بالأمر
بالصبر؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَوَةٌ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ﴾ [البقرة:
٤٥].
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِنُواْ بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَوةَّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
وقوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ
وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
والصبر يحفظ على المرء الاستدامة فيه ضمنًا؛ بل اختصّهنّ بخطابٍ مستقلّ؛
على الطاعة، ويحمله على احتمال مشاقّها
وتبعاتها.
رابعًا: حفظ الفرج:
يتبوّأ حفظ الفرج مكانًا بين ما أمر به
المكلّفون في القرآن الكريم، ولا تتجلّ
أهميّته بتكراره الملموس فحسب؛ وإنّما
بالتنوّع والتقصّي المعبّد سبيل تحقيق حفظ
الفرج، فأمر بحفظ مقدّماته تأثيرًا وتأثّرًا،
فأمر سبحانه بحفظ العورات وسترها؛
لأنّ المرء مجبول على التأثّر بما يراه من
عوراتٍ. ولما كانت الحواسّ: البصر
والسمع والشمّ واللمس، هي مداخل هذا
التأثّر ومعابره، أمر العبد بحفظها. فوضع
لحفظ الفرج حاجزان: ستر العورات،
وحفظ الحواسّ المفضية إليها، والمطلعة
عليها. ولو اقتصر على أحدهما ثمّ تحرّاه
ثمّ لم يقتصر الأمر على خطاب
المكلّفين، ومعلومٌ أنّ المكلّفات يدخلن
لأنّ الطرفين فاعلان فى تحقيق المقصد،
ولو حقّقه طرفٌ دون الآخر لانتقض على
المجموع. ثمّ يتأكّد الأمر على فئامٍ من
المكلّفين قد يظنّ أنّ التحفّظ في حقّهم
لا ضرورة له؛ لغياب الباعث على الخرق؛
كشأن القواعد من النّساء، أو لسموّ المنزلة
وجلالتها في قلوب المسلمين؛ كشأن أمّهات
المؤمنين. ثمّ يتعدّى الخطاب إلى بعض غير
المكلّفین؛ کالأطفال المدرکین المميّزین.
وعلى كلّ ذلك دلّت الأدلّة المستفيضة من
الوحيين. ولسنا بصدد تقصّيها، ولكن لنأخذ
منها ما يحصل به المقصود بإذن الله.
يقول تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ
أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمَّ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠].
والآية الكريمة جاءت بعد تفصيل بعض
آداب الاستئذان وقواعده، ثمّ يأمر الله عز
www. modoee.com
٣٩٥

حرف الحاء
وجل نبيه صلی الله عليه وسلم أن يرشد
المؤمنين إلى غضّ البصر عن العورات
والمحارم. وقد بلّغ النبيّ صلى الله عليه
وسلم، فكان يعلّم أصحابه وربّما خصّهم
فرادى بالأمر، فيقول لعليّ رضي الله عنه:
(يا عليّ؛ لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنّ لك
الأولى، وليست لك الآخرة)(١).
وأمر جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن
يصرف بصره بعد نظرة الفجاءة(٢).
ونهى عن وصف المرأة أمام الرجل،
فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تباشر المرأة
المرأة لتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها)(٣).
ثمّ يأمرهم بحفظ فروجهم، وحفظ
الفرج يكون بحفظه عن الحرام؛ كالزّنى،
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِقُونَ
٥ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٢٩٧٤، وأبو
داود في سننه، كتاب النكاح، باب في يؤمر به
من غضّ البصر، رقم ٢١٤٩، والترمذي في
سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في نظرة
المفاجأة، رقم ٢٧٧٧، عن بريدة الأسلميّ
رضي الله عنه.
وحسّنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب
والترهيب، رقم ١٩٠٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، عن جرير رضي
الله عنه، كتاب اللباس والزينة، باب نظر
الفجاءة، رقم ٢١٥٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، عن ابن مسعود
رضي الله عنه، كتاب النكاح، باب لا تباشر
المرأة المرأة فتنعتها لزوجها، رقم ٥٢٤٠،
٥٢٤١.
فَإِنَّهُمْ غَيْرٌ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥-٦].
فمن التمس لفرجه منكحًا سوى زوجته
وملك يمينه؛ فهم العادون حدود الله،
المجاوزون ما أحلّ الله لهم إلى ما حرّم
عليهم(٤).
وفي تكرار ثلاث آيات متتابعاتٍ بألفاظها
في سورتين ما يستقدح التأمّل المليّ،
ويشحذ النّظر الحفيّ، وهو - على كلٌّ - أحد
أبلغ أساليب التنبيه والتأكید.
کما یکون حفظ الفرج بستره أن يراه غير
زوج؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(احفظ عورتك إلا على زوجتك أو ما
ملكت يمينك)(٥).
ثمّ يتكرّر الأمر للمؤمنات مع كونهنّ
داخلاتٍ في عموم الأمر للمؤمنين؛ على
عادة الخطاب القرآنيّ، ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ
يَغْضُّصْنَ مِنْ أَبْصَرِمِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
[النور: ٣١].
فلمّا أمرهنّ بغضّ البصر وحفظ الفرج
أمرهنّ بکفّ ما يمكن أن يحدث به التأثير
على الرجال؛ کاتّخاذ الزينة إلا ما لا يمكن
إخفاؤه، والتبرّج، والسفور ﴿وَلَا يُبْدِينَ
(٤) جامع البيان، الطبري ١٧ / ١٢.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٣٥/٣٣، رقم
٢٠٠٣٤، وأبو داود في سننه، كتاب الحمّام،
باب ما جاء في التعرّي، رقم ٤٠١٧.
وحسّنه الألباني في مشكاة المصابيح، رقم
٣١١٧.
جَوَبُو بَرُ النَّقِبـ
القرآن الكريمِ
٣٩٦

الحفظ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِيْنَ بِحُمُرِهِنَّ عَلَى لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنّة)(٤).
جُوِنَ﴾.
وكان النساء في الجاهلية يمشين في
الطريق وفي أرجلهنّ الخلاخيل فيضربن
بأرجلهنّ الأرض، فيعلم الرجال طنين
الخلاخيل، فنهى الله المؤمنات عن مثل
ذلك ﴿وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ
مِن زِینَتِهِنَّ﴾. وتنهی کذلك إذا كان شيءٌ
من زينتها مستورًا أن تتحرّك بحركةٍ لتظهر ما
هو خفيٌّ(١).
ومما يبعث كوامن الاشتهاء ويحرّكها أن
يجد الرجال ريح طيب المرأة، فنهيت النساء
عن ذلك، وغلّظ فيه القول، فعن أبي موسى
الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (أيما امرأة استعطرت فمرّت
على قومٍ ليجدوا ريحها فهي زانية)(٢).
لقد أوضح النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ
أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج (٣)،
فحدّ لهم حدًّا واضحًا: (من يضمن لي ما بين
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩/٦.
(٢) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الزينة، باب ما
يكره للنساء من الطيب، رقم ٥١٢٦.
وحسّنه الألباني في المشكاة، رقم ١٠٦٥.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، عن أبي هريرة رضي
الله عنه، رقم ٧٩٠٧، والترمذي في سننه،
كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن
الخلق، رقم ٢٠٠٤، وابن ماجه في سننه،
كتاب الزهد، باب ذكر الذنوب، رقم ٤٢٤٦.
وصحّحه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم
٠٩٧٧
وبشّر الله تعالى المؤمنين ﴿وَالْحَفِظِينَ
فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]
بأنّ لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا.
ومدح العفيفات بقوله تعالى:
﴿فَالصََّلِحَتُ قَنِشَتُ حَفِظَتُ لِلْغَيْبِ
بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤].
أي: حافظات لأنفسهنّ عند غيبة
أزواجهن عنهنّ في فروجهنّ وأموالهم(٥).
خامسًا: حفظ الأمانات:
الأمانة في اللغة: تقع على الطاعة
والعبادة والوديعة والثقة والأمان (٦).
وكلّ ما استودع المرء حفظه حياطةً وأداءً
فهو أمانة، فمنه أمانات الناس وودائعهم،
ومنه الفرائض والطاعات الشرعية.
والشرع كلّه أمانةٌ، يدلّ عليه قوله تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةُ عَلَى السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا
الإِنسَنُ﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وحسبك بقول أنس رضي الله عنه: ما
خطبنا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إلا قال:
(لا إیمان لمن لا أمانة له ولا دین لمن لا عهد
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، عن سهل بن
سعد، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، رقم
٦٤٧٤.
(٥) جامع البيان، الطبري ٦/ ٦٩٢.
(٦) لسان العرب، ابن منظور ٢٣٣/١
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الحاء
له)(١).
«الأمانة: الفرائض التي افترضها الله عز
وعن عبد الله بن عمرو أنّ النبيّ صلى وجل على عباده))(٥).
الله علیه وسلم قال: (أربعٌ إذا کنّ فیك فلا
عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق
حديث، وحسن خليقة، وعفّة طعمة)(٢).
وعن جابر رضي الله عنه أنّ النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (إذا حدّث الرجل
الحديث ثم التفت فهي أمانة)(٣).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ((من تضييع الأمانة النظر في الحجرات
والدور»(٩).
أنّ النبي صلی الله عليه وسلم قال: (إنّ من
أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل
يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر
سرّها) (٤).
يعني: إنّ من أعظم خيانة الأمانة؛ على
حذف المضاف.
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير:
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٧٦/١٩، رقم
١٢٣٨٣.
وحسنه الألباني في المشكاة، رقم ٣٥.
(٢) أخرجه أحمد مسنده، ٢٣٣/١١، رقم
٦٦٥٢.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم
٧٣٣.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
في نقل الحديث، رقم ٤٨٦٨، والترمذي
في سننه، كتاب البرّ والصلة، باب ما جاء أنّ
المجالس أمانة، رقم ١٩٥٩.
وحسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم
١٠٨٩.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب تحريم إفشاء سرّ المرأة، رقم ١٤٣٧ .
جوبيبو
القرآن الكريم
وقال أبو العالية: ((الأمانة ما أمروا به
ونهوا عنه))(٦).
وقال الضحّاك: ((الأمانة الدّين)»(٧).
وقال أبيّ بن کعب رضي الله عنه: ((من
الأمانة أنّ المرأة اؤتمنت علی فرجها)»(٨).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
فبعضهم فسّرها بالعموم والإجمال،
وبعضهم فسّرها ببعض المهمّات، ولا
تعارض.
ويقول تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ
الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ
◌َّحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
وهذا يعمّ جميع الأمانات الواجبة على
الإنسان، من حقوق الله عز وجل على
عباده، من الصلوات والزكوات، والكفّارات
والنذور والصيام ... وغير ذلك، مما هو
مؤتمن عليه لا يطّلع عليه العباد، ومن حقوق
العباد بعضهم على بعض كالودائع ... وغير
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره ١٩/ ١٩٧.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣١٥٩/١٠.
(٧) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١٢/ ١٦٠.
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره، ١٩/ ٢٠٠.
(٩) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم
٤٩٠٦.
٣٩٨

الحفظ
ذلك، مما يأتمنون به بعضهم على بعض من إِلَى أَبِهِمْ قَالُواْ يَتَأَبَنَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ
مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ، لَحَفِظُونَ
غير ضمانٍ على ذلك، فأمر الله عز وجل
بأدائها (١). وامتدح الله عز وجل المؤمنين
﴿وَالَّذِيْنَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾
[المؤمنون: ٨].
◌َقَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنِتُكُمْ
عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ قَاللَّهُ خَيْرٌّ حَفِظَاً وَهُوَ أَرْحَمُ
الرَّحِينَ﴾ [يوسف: ٦٣ -٦٤].
فإذا اؤتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها
إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا
بذلك (٢)، لا كصفات المنافقين الذين قال
فیهم رسول الله صلی الله عليه وسلم: (آية
المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد
أخلف، وإذا اؤتمن خان)(٣).
ومن الأمانة بمعنى: الوديعة ما تحمّله
إخوة يوسف إذ عاهدوا أباهم على ردّه، وهم
قد أضمروا به السّوء؛ ﴿قَالُواْ يَتَأَبَنَا مَا لَكَ لَا
تَأْمَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَصِحُونَ ) أَرْسِلْهُ
مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾
[يوسف: ١١- ١٢]؛ أي: نحوطه ونكلؤه. ولم
یکن منهم وفاءً، وكان من شأنهم ما كان.
ثمّ لمّا أدال الله عز وجل عليهم،
ودخلوا على يوسف -وهم لم يعرفوه-
يطلبون الميرة لأهليهم، فطلب منهم أن
يرجعوا إليه ومعهم أخوهم، ﴿فَلَمَّا رَجَمُواْ
(١) تفسير القرآن العظيم، ٣٣٨/٢.
(٢) المصدر السابق ٤٦٣/٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة
رضي الله عنه، كتاب الإيمان، باب علامة
المنافق، رقم ٣٣، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم ١٠٧.
وإنّما لم يأتمنهم يعقوب عليه؛ لأنّ
لهم سابقةً مع یوسف لم یوفوا فيها. ولمّا
كان تفريطهم وتضييعهم في المرّة الأولى
بتخطيطٍ منهم وإصرارٍ، فقد شاء الله عز
وجل أن يعجزوا عن صيانة الأمانة للمرّة
الثانية؛ إذ كان ليوسف إرادةٌ في استبقاء
أخيه لأمرٍ أراده الله. فلمّا تمّ له ذلك ذهبوا
یترجّون یوسف في افتداء أخيهم بأحدهم،
فأبى، وهنا لم يجدوا مخرجًا إلا الاعتراف
بعجزهم وتقصيرهم: ﴿فَلَمَّا أُسْتَيْئَسُواْ مِنْهُ
خَلَصُواْ غَّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ
أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْئِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ
مَا فَرَّطِّتُمْ فِي يُوسُفٌَ فَلَنْ أَبْرَعَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ
لِيِّ أَبِىّ أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِيِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ(
٨٠
أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِيِكُمْ فَقُولُواْ يَتَأَبَاناً إِنَّ أَبْنَكَ
سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا
لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ﴾ [يوسف: ٨٠-٨١].
لما يئسوا من تخلیص أخيهم وهم قد
التزموا لأبيهم بردّه إليه، وعاهدوه على
ذلك، انفردوا عن الناس يتناجون فيما بينهم،
فیذگرهم کبیرهم بالميثاق الذي أخذه عليهم
أبوهم، ويذكّرهم بتفريطهم في يوسف؛ فإنّ
www. modoee.com
٣٩٩

حرف الحاء
الثانية غير الأولى، ولو كانت أوّل سقطةٍ سادسًا: حفظ الأيمان:
لأمّلوا في صفح أبيهم ورضائه. ثمّ يقترح
عليهم كبيرهم الحلّ الذي قد يبرئ ساحتهم
عند أبيهم بأن يخبروه أنّ ابنه سرق، وما قلنا:
إنّه سرق إلا بظاهر علمنا بأنّ ذلك كذلك؛
لأنّ صواع الملك أصيب في وعائه دون
أوعية غيره، وما كنا للغيب حافظین، وما كنا
نری أنّ ابنك یسرق ویصیر أمرنا إلى هذا،
وإنما تعهّدنا بأن نحفظ أخانا مما لنا إلى
حفظه منه السبیل، وهذا ليس منه(١).
ولا نزال مع قصّة يوسف؛ لنرى تحمّل
يوسف الأمانة، وهو المشهود له من صاحبي
السجن:
﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[يوسف: ٣٦].
والمشهود له من النسوة: ﴿قُلْنَ حَشَ
لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ﴾ [يوسف: ٥١].
والمشهود له من امرأة العزيز وهي
خصمه: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِّقِينَ﴾ [يوسف:
٥١ ].
فلم يكن من المستغرب أن يقول له
الملك حين رآه: ﴿إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُ
آمِينٌ﴾ [یوسف: ٥٤]؛ أي: إنك يا يوسف لدينا
مکینٌ أمینٌ؛ أي: متمكّنٌ مما أردت، وعرض
لك من حاجةٍ؛ لرفعة مكانك ومنزلتك لدینا،
أمين على ما اؤتمنت عليه من شيء (٢).
الأيمان: جمع يمين، وأصلها العضو،
واستعملت في الحلف مجازًا؛ لأنّهم كانوا
يتماسحون بأيمانهم فيتحالفون (٣).
وقد أمر الله عز وجل بحفظ الأيمان
بقوله تعالى: ﴿وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ ﴾ [المائدة:
٨٩].
وفي بيان المراد بحفظ الأيمان عدة
أقوال للمفسّرين والأصوليين وغيرهم،
ليس بينها - في الجملة - تعارضٌ ولا تدافعٌ،
ولذا سنوردها على أنّها صورٌ لحفظ الأيمان،
من فرّط في واحدةٍ منها فقد فرّط في قدرٍ من
حفظ الأيمان المأمور به في الآية الكريمة.
وترتيب هذه الصّور من لحظة العزم على
عقد اليمين؛ لا بترتيب أخطرها أثرًا، ولا
أرجحها معنی.
الأولى: حفظ اليمين بالإقلال منها،
والضنّ بها، وعدم بذلها لكلّ أمرٍ (٤)، وقد
ذهب جماعةٌ إلى أنّه المراد بقوله تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ أَن
تَبَرُواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:
٢٢٤]؛ أي: لا تستكثروا من الأيمان؛ فإنّ من
کثر یمینه فقد جعل اسم الله عرضةً للهتك،
وقد ذمّ الله عز وجل كثرة الحلف في قوله
(٣) أساس البلاغة، الزمخشري ٣٩١/٢.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٨/١٣-٢٨٩. (٤) انظر: الوجيز، الواحدي ٣٣٣/١، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٢ / ٤٢٣.
(٢) المصدر السابق ٢١٦/١٣.
مُوسُوبَةُ التَّقِين
القرآن الكريم
٤٠٠

الحفظ
تعالی: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَ حَلَافٍ مَّهِينٍ﴾[القلم:
١٠]؛ ذلك أنّ من حلف بالله في كلّ قليل
و کثیر، انطلق لسانه بذلك، فلم يبق للیمین
في قلبه وقعٌ، فلا يؤمن إقدامه على الأيمان
الكاذبة. وكلما كان الإنسان أكثر تعظيمًا لله
كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم
أن يكون ذكر الله أجلّ وأعلى عنده من
أن يستشهد به في غرض من الأغراض
الدنيوية(١).
الثانية: فإن كان حالفا فليحفظ يمينه أن
يحلف بغير الله، فعن ابن عمر رضي الله
عنهما، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:
(من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)(٢).
وعن عمر رضي الله عنه أنّ النبي صلى
الله علیه وسلم قال: (ألا إنّ الله عز وجل
پنھاکم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا
فليحلف بالله أو ليصمت)(٣). والأحاديث
(١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢٢٧/١،
الكشاف، الزمخشري ٢٦٨/١، البحر
المحیط، أبو حیان ٢/ ١٨٧.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٤٩/١٠، رقم
٦٠٧٢، وأبو داود في سننه، كتاب الأيمان
والنّذور، باب اليمين بغير الله، ٢٢٣/٣، رقم
٣٢٥١، والترمذيّ في سننه، كتاب الأيمان
والتّذور، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير
الله، ٤ /١١٠، رقم ١٥٣٥.
وصحّحه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم
٢٠٤٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان،
باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى،
١٢٦٧/٣، رقم ١٦٤٦.
في الباب كثيرةٌ.
الثالثة: حفظ اليمين أن يحلف على
إثم، أو قطيعة رحم، أو أن يحلف فيما لا
يملّك؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ اَلْفَضْلِ
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِىِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ
وَأَلْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢٢]؛
نزلت في شأن أبي بكر ومِسْطَح رضي الله
عنهما وكان ابن خالة أبي بكر رضي الله
عنه وفي نفقته، وهو رجل من أهل بدر من
المهاجرين الأوّلین رضي الله عنهم، فلما
ذكر في عائشة ما ذكر في حادث الإفك،
ونزلت براءتها من السماء، حلف أبو بكر ألا
ينفق عليه، وكان مسكينًا لا شيء له، فنزلت
هذه الآية (٤).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (لا
نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في
معصية الله، ولا في قطيعة رحم) (٥).
الرابعة: حفظ اليمين بعدم تعمّد الأيمان
﴿وَأَحْفَظُوا أَيْمُنَّكُمْ
الكاذبة، فقوله تعالى:
(٤) أخرج قصة الإفك البخاري في صحيحه،
كتاب المغازي، باب حديث الإفك، رقم
٤١٤١، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة،
باب في حديث الإفك، رقم ٢٧٧٠.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأيمان
والنّذور، باب اليمين في قطيعة الرّحم، رقم
٣٣٢١، والنسائي في سننه، كتاب الأيمان
والنذور، باب اليمين في ما لا يملك، رقم
٣٧٩٢.
www. modoee.com
٤٠١

حرف الحاء
يحتمل أن يكون المراد منه: لا تتعمّدوا على الماضي متعمّدًا الكذب؛ بأن يقول:
والله فعلت كذا، أو: والله ما فعلت كذا، وهو
الأيمان الكاذبة، وهو قول سعيد بن جبير
وبه قال مقاتل(٢).
یعلم آنّه كاذب ما فعله، أو أنه فعله. وأعظمها
أن یحلف الرجل کاذبًا؛ لیذهب بمال أحد أو
وإنّ متعمّد اليمين الكاذبة بغير ضرورة
تصيّره إليها، قد اجترح كبيرةً من الكبائر؛
وهي اليمين الغموس.
حقّه. وسمّي غموسًا؛ لأنه يدخل صاحبه في
النار، أو في الإثم(٥). وفاعل ذلك مفرّطٌ
-ولا شكّ- في حفظ الأيمان.
قال تعالى: ﴿وَلَا نَتَّخِذُوَأْ أَيْمَنَكُمْ دَخَلَّا
بَيْنَكُمْ فَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوَءَ بِمَا
صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[النحل: ٩٤].
حذّر الله تعالى عباده من اتخاذ الأيمان
خديعةً ومکرًا؛ لئلا تزلّ قدمٌ بعد ثبوتها؛ مثل
لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وزلّ
عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة
المشتملة على الصدّ عن سبيل الله؛ لأن
الكافر إذا رأی أن المؤمن قد عاهده ثم غدر
به، لم يبق له وثوقٌ بالدین، فانصد بسببه عن
الدخول في الإسلام(٣).
وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:
(الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين،
وقتل النفس، والیمین الغموس)(٤).
واليمن الغموس هو أن يحلف الرجل
(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٤ /١١٩٥.
(٢) تفسير مقاتل ١/ ٥٠٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٦٠٠.
(٤) أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما، کتاب الأيمان، باب اليمين
الغموس، رقم ٦٦٧٥.
الخامسة: حفظ اليمين من الحنث
فيها (٢). فمن حلف فليجتهد أن يوفّي كما
حلف.
السادسة: ومن حفظ الأيمان ألّا يجعلها
تحول بينه وبين البرّ والتقوى والإصلاح
بين الناس، فيحلف على عدم فعل البرّ،
ويتذرّع إلى القطيعة والركود عن السعي
في الإصلاح؛ بأنّه أقسم على ألا يصل وألا
يصلح، وهو أحد وجهي تفسير قوله تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَنِكُمْ أَن
تَبَرُوا وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:
٢٢٤]؛ معناه: ولا تجعلوه علّة لأيمانكم؛
وذلك إذا سئل أحدكم الشيء من الخير
والإصلاح بين الناس.
قال: عليّ یمینٌ بالله إلا أفعل ذلك، أو:
قد حلفت بالله أن لا أفعله. فيعتلّ في تركه
(٥) انظر: إكمال المعلم، القاضي عياض
١/ ٤٣٤، الكاشف عن حقائق السنن، الطيبي
٥٠٥/٢.
(٦) تفسير القرآن، السمعاني ٦١/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٢ / ٤٢٣.
٤٠٢
القرآن الكريم

الحفظ
فعل الخير، والإصلاح بين الناس بالحلف وأصرّ على اللجاج (٤).
بالله(١).
وهو کقول النبيّ صلى الله عليه وسلم:
(من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها،
فليأت الذي هو خيرٌ وليترك يمينه)(٢).
فمن فعل ترك إتيان الذي هو خيرٌ متذّعًا
بيمينه فقد أعرض وضيّع وفرّط بقدر ما ترك
من الخير؛ لأنّه وضعها في غير موضعها
الذي شرعه الله عز وجل من أجلها، وترك
الامتثال لله ورسوله، وقد روى أبو هريرة
رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (والله لأن يلج أحدكم بيمينه في
أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي
افترض الله عليه)(٣).
يريد به أنّ الرجل إذا حلف على شيءٍ
وأصرّ علیه لجاجًا مع أهله، كان ذلك أدخل
في الوزر وأفضى إلى الإثم من أن يحنث
في يمينه ويكفّر عنها؛ لأنّه جعل الله بذلك
عرضة الامتناع عن البرّ والمواساة مع الأهل
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤ /٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، عن عديّ بن حاتم
رضي الله عنه، كتاب الإيمان، باب ندب من
حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها، رقم
١٦٥١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان
والنّذور، باب قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله
باللغو في أيمانكم)، رقم ٦٦٢٥، ومسلم
في صحيحه، كتاب الأيمان، باب النهي
عن الإصرار على اليمين فيما يتأذى به أهلّ
الحالف مما ليس بحرام، رقم ١٦٥٥.
والفرق بين هذه الصورة وبين الصورة
الثالثة: أن هذه الصورة فيمن عقد اليمين
ثمّ رأى غيرها خيرًا منها، أمّا الصورة الثالثة:
ففي من عقد اليمين ابتداءً مع كونه يعلم أنّ
غيرها خيرٌ منها وأبرّ، أو يعلم أنّه فيما ينويه
ویحلف علیه آثمٌ أو تاركٌ للأولى.
وهذه الصورة مخصوصةٌ من عموم
وجوب عدم الحنث في الأيمان، فلا
تعارض.
السابعة: من صور حفظ الأيمان أن
يحفظ المرء كيف حلف بها، وعلام حلف
تحديدًا، فلا ينسى ذلك تهاونًا بها(٥). وأمّا
الذي غلب على النسيان فهو معذورٌ بنسيانه.
الثامنة: حفظ الأيمان من أن يحنث فيها
ثم يضيّع كفّارتها، بل عليه أن يبادر لأداء
الكفّارة إذا حنث (٦).
فهذه الصّور كلّها داخلٌ في حفظ
الأيمان، من وعاها وراعاها فقد أدّى ما
عليه. والله المستعان.
(٤) الكاشف عن حقائق السنن، الطيبي
٢٤٤٠/٨.
(٥) الكشاف، الزمخشري ١/ ٦٧٤.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/ ٦٥٥.
www. modoee.com
٤٠٣

حرف الحاء
ثواب الحافظين، وعاقبة المضيّعين
أولًا: ثواب الحافظين في الدنيا
والآخرة:
رأينا أنّ الحفظ عقدٌ فريدٌ ينتظم درّ
الطاعات، فهو رعايةٌ ووفاءٌ وتقوى، وهو
جهادٌ في تزكية النّفس، وترقيتها في مراقي
الكمال. وإذا فكلّ ثمرةٍ مخصوصةٍ لطاعةٍ
مخصوصةٍ فهو ثمرةٌ للحفظ في الدنيا
والآخرة. وما وعد حافظٌ بأفضل من قول
الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ
اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩].
وبقوله: ﴿وَأَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
[العنكبوت:
سُبُّلْنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
٦٩].
وأمثال ذلك من الآيات، وبقول النبي
صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك،
احفظ الله تجده أمامك)(١)، ولو لم يكن إلا
هذا الحديث لكفى به حاديًا للحفظة.
ومن حفظ حدود الله، وراعى حقوقه،
(١) أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عبّاس،
١٩/٥، رقم ٢٨٠٣، والترمذي في سننه،
أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب
٥٩، ٦٦٧/٤، رقم ٢٥١٦.
قال الترمذي: ((حسن صحيح)). وصحّحه
الألباني في صحيح الجامع، ١٣١٧/٢، رقم
٧٩٥٧.
حفظه الله، فإنّ الجزاء من جنس العمل (٢).
ومن حفظ الله للحافظ المراعي أن
يحفظه في مصالح دنياه؛ فيحفظه في عقله،
ومن سنن الله عز وجل في خلقه أن يجد
المعمّر وهنّا في قوّته، وضعفًا في قدراته
العقلية، فطبعيٌّ أن ينكر من نفسه وينكر منه
بعض ما كان يمدح به من رجاحة العقل،
وحدّة الذاكرة، وجودة التفكير. ونحو ذلك.
يقول تعالى: ﴿وَمِنكُ مَّن يُرَةُ إِلَى أَوَذَلِ آلْعُمُرِ
لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمِ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠].
إلا أنّ العلماء العاملين وقرّاء القرآن
الحافظين لا يجري عليهم هذا القانون بمثل
ما يجري على غيرهم؛ قال ابن عباس: ((من
قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ (٥) إِلَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَصِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [التين: ٥-٦].
قال: إلا الذين قرؤوا القرآن)»(٣).
وعن عكرمة قال: ((من قرأ القرآن لم يردّ
إلى أرذل العمر)»(٤).
وعن الشّعبيّ قال: ((من قرأ القرآن لم
یخرف»(٥).
(٢) جامع العلوم والحكم ص ٤٣٦.
(٣) أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب التفسير،
باب تفسير سورة والتين، رقم ٤٠١٠.
قال الحاكم: ((صحيح الإسناد)). وصححه
الألباني في صحيح الترغيب، رقم ١٤٣٥.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف، ٤٦٨/١٠،
رقم ٣٠٥٧٨.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في العمر والشيب
مُوسُوبَةُ النَّسية
القرآن الكريم
٤٠٤