Indexed OCR Text
Pages 21-40
الحذر مِنَ السَّمَاءِ فِيهِظُلُّمَتُ وَرَهْدٌ وَبِرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فىّ ءَاذَانِهِم مِّنَ الضََّوْعِقِ حَذَّرَ الْمَوْتِّ وَاَللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩]. فمثّل الله تعالى بهذا المثل المائي؛ لبيان مدى الاضطراب والحيرة الذي يعيشه المنافقون، بسبب اختلاف المواقف، والخوف والحذر من تعرضهم للموت والهلاك؛ بانكشاف أمرهم وافتضاح حالهم. المعنى: مثلهم كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي یصوب، أي: ينزل بكثرة، ﴿فِيهِ ظُلُمَتٌ ﴾ ظلمة الليل، وظلمة ﴿وَرَعْدٌ﴾ السحاب، وظلمات المطر، وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، ﴿وَرَقٌّ﴾ وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب، ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَّهُم﴾ البرق في تلك الظلمات ﴿مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: وقفوا. أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهیه ووعده ووعيده، فيروعهم وعيده وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد، ويجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت، فهذا تمكن له السلامة. وأما المنافقون فأنى لهم السلامة، وهو تعالى محيط بهم، قدرة وعلمًا فلا يفوتونه ولا يعجزونه، بل يحفظ عليهم أعمالهم، ويجازيهم عليها أتم الجزاء. ولما كانوا مبتلين بالصمم، والبكم، والعمى المعنوي، ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ﴾ أي: الحسيّة، ففيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة الدنيوية؛ ليحذروا، فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئًا فعله من غير ممانع ولا معارض(١). وقال البقاعي في معنى الآية: أو مثلهم في سماع القرآن الذي فيه المتشابه والوعيد والوعد كأصحاب صيب، أي: مطر عظيم نازل من السماء، ومثّل القرآن بهذا؛ لمواترة نزوله وعلوه وإحيائه القلوب كما أن الصيّب يحيي الأرض، ثم أخبر عن حاله بقوله: فيه ظلمات؛ لكثافة السحاب واسوداده، فهكذا حال المنافقين، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده؛ جعلوا ورعد، أي: صوت مرعب يرعد عند سماعه، وبرق، أي: نور مبهت، والظلمات مثل ما لم يفهموه، والرعد ما ينادي عليهم بالفضيحة والتهديد، والبرق ما يلوح لهم معناه، ویداخلهم رأي في استحسانه، ولما تم المثل القرآني استأنف الخبر عن حال الممثّل لهم، فقال: يجعلون أصابعهم، أي: بعضها، ولو قدروا لحشو الكل؛ لشدة (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤. www. modoee.com ٤٣٥ حرف الحاء خوفهم من الصواعق؛ لأن هولها يكاد أن حيث حل الوباء بديارهم، فخرجوا بهذه الكثرة؛ فرارًا من الموت، فلم ينجهم الفرار، يصم، ثم علل ذلك بقوله: ﴿حَذَّرَ اَلْمَوْتِ﴾ والحال أنه لا يغنيهم من قدره حذر (١). ولا أغنى عنھم من وقوع ما كانوا يحذرون؛ فعاملهم بنقيض مقصودهم، وأماتهم الله فالحركة التي تغمر المشهد كله: من الصيب الهاطل، إلى الظلمات والرعد والبرق، إلى الحائرين المفزعين فيه، إلى الخطوات المروعة الوجلة، التي تقف عندما يخيم الظلام ترسم حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون، بين لقائهم للمؤمنين، وعودتهم للشياطين، وبين ما يقولونه لحظة ثم ینکصون عنه فجأة، وبین ما يطلبونه من هدى ونور وما یفیئون إليه من ضلال وظلام، فهو مشهد حسي يرمز لحالة نفسية ويجسم صورة شعورية، وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس(٢). عن آخرهم، ثم تفضل عليهم، فأحياهم (٣). قال ابن عاشور: وقد اختلف في المراد من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، والأظهر أنهم قوم خرجوا خائفين من أعدائهم فتركوا ديارهم جبنًا، وقرينة ذلك عندي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ أُلُونُ﴾ فإنه الجملة حال، وهي محل التعجب، وإنما تكون كثرة العدد محلًّا للتعجب، إذا كان المقصود الخوف من العدو، فإن شأن القوم الكثيرين ألا يتركوا ديارهم خوفًا وهلعًا، والعرب تقول للجيش إذا بلغ الألوف: لا يغلب من قلة، فقيل: هم من بني إسرائيل خالفوا على نبي لهم في دعوته إياهم للجهاد، ففارقوا وطنهم؛ فرارًا من الجهاد، وهذا الأظهر، فتكون القصة تمثيلًا لحال أهل الجبن في القتال بحال الذين خرجوا من ديارهم بجامع الجبن (٤). ٢. حذر الموت لا يمنع قدر الله. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أَلُوفُّ حَذَرَ أَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَّرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. أي: ألم تسمع بهذه القصة العجيبة الجارية على من قبلكم من بني إسرائيل، فهذا هو الخوف والحذر الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء، فيخيل إليهم أن الفرار من القتال هو الواقي من الموت، وما هو إلا وسيلة تدني إلیه، فھو یمکن العدو من الرقاب، ويحفزه إلى الفتك بهم، استهانة (١) نظم الدرر، البقاعي ١/ ١٢٢. (٢) انظر: في ظلال القرآن ١ /٤٦. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٥١. (٤) التحرير والتنوير، ٢/ ٤٧٧. ٤٣٦ مَوَسُو ◌َر النفسية العضو القرآن الكريم الحذر بأمرهم (١). وفي هذه الآية دليل على أن الأسباب الله. لا تنفع مع القضاء والقدر، وخصوصًا الأسباب التي تترك بها أوامر الله. وفيها: آية عظيمة بإحياء الموتى عيانًا في هذه الدار(٢). سادسًا: الحذر من العدو: خاطب الله المؤمنين، وأمرهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله وحماية الشرع، وأمرهم أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة؛ حتى يتحسسوا ما عندهم ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانِفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا ) وَإِنَّ مِنْكُوْ لَمَنْ لَّيْبَِّنَّ فَإِنْ أَصَبَتَّكُ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعُمَ اللَّهُ عَلَىَ إِذْ لَوْ أَكُنْ تَعَهُمْ شَهِيدًا () وَلَيْنْ أَصَبَكُمْ فَضْلُ مِّنَ اْللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَّمْ تَكُلُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَلَيَتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَقُوزَ فَوْزاً عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧١ -٧٣]. قال السعدي: ((يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم من أعدائهم الكافرين، وهذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب، التي بها يستعان على قتالهم، ويستدفع مكرهم وقوتهم، من استعمال الحصون والخنادق، وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات التي تعین علی ذلك، وما به یعرف مداخلهم، (١) تفسير المراغي ٢٠٧/٢. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٧. ومخارجهم، ومكرهم، والنفير في سبيل ولهذا قال: ﴿فَنِفِرُواْ تُبَاتٍ﴾ أي: متفرقين بأن تنفر سرية أو جیش، ویقیم غیرهم ﴿آوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾ وكل هذا تبع للمصلحة والنكاية، والراحة للمسلمين في دينهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾. ثم أخبر عن ضعفاء الإيمان المتكاسلين عن الجهاد فقال: ﴿وَإِنَّمِنگ﴾ أي: أيها المؤمنون ﴿لَمَنْ لََّطَّأَنَّ﴾ أي: يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله ضعفًا وخورًا وجبنًا، هذا الصحيح. وقيل معناه: ليبطئن غيره، أي: یزهده عن القتال، وهؤلاء هم المنافقون، ولكن الأول أولی لوجهين: أحدهما: قوله ﴿مِنْكُرْ﴾ والخطاب للمؤمنين. والثاني: قوله في آخر الآية: ﴿كَأَنْ لَّمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ فإن الكفار من المشركين والمنافقين قد قطع الله بينهم وبين المؤمنين المودة، و أيضًا فإن هذا هو الواقع، فإن المؤمنين على قسمين: * صادقون في إيمانهم أوجب لهم ذلك کمال التصدیق والجهاد. * وضعفاء دخلوا في الإسلام فصار www. modoee.com ٤٣٧ حرف الحاء معهم إيمان ضعيف لا يقوى على الذي يليق بالمنافقين الضعاف (٤). الجهاد)»(١). وفي هذه الآية أمر من الله سبحانه للناس بالجهاد سرايا متفرقة أو مجتمعين على الأمیر، فإن خرجت السرايا فلا تخرج إلا بإذن الإمام؛ ليكون متحسسًا إليهم وعضدًا من ورائهم، وربما احتاجوا إلى درته(٢). وقوله: ﴿فَأَنِفِرُواْ ثُّبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا﴾ تفريع عن أخذ الحذر؛ لأنهم إذا أخذوا حذرهم تخيروا أساليب القتال بحسب حال العدو (٣). ومعنى الأمر بالحذر: ألا يخرج المجاهدون المؤمنون فرادى للسرايا أو المهام الجهادية، بل يخرجون سرايا وفصائل، أو يخرجون جميعًا في جيش متكامل؛ لأن الأرض حولهم ملغمة، والعداوات حولهم شتی، والکمین قد یکون کامنًا بينهم من المنافقين واليهود وغيرهم، فأخذ الحذر ليس من العدو الخارجي فحسب، ولكن أيضًا من المعوقين المبطئين المخذلين، الذين سقطت همتهم وغلب عليهم حب المنفعة القريبة، والتلوّن من حال إلى حال، حسب اختلاف الأحوال، فقد كانوا يبطئون أنفسهم وغيرهم، وتصورهم للربح والخسارة هو التصور (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٨٦. (٢) أحكام القرآن، ابن العربي، ١/ ٥٨١. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥/ ١١٧. والمتأمل لهذه الآيات يجد أنها قد حددت قواعد القتال، وأوجبت أن تكون الحرب لغرض شريف، وأول هذه القواعد: التزام الحذر، ومراقبة تحركات العدو، والإعداد اللازم لملاقاته في أي وقت، فقد يباغتنا العدو في أي لحظة، ويستغل بعض الظروف والأزمات، وعندها يكون الاستعداد السابق مفوتًا لأغراضه الدنيئة، وملحقًا به الهزيمة المنكرة(٥). وأمر الله سبحانه بأخذ الحذر من غدر العدو في ميدان القتال، فقال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلَيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآيِكُمْ وَلَتَأْتِ طَآَيِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةُ وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّنِ مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَى أَنْ تَضَعُواْأَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِ ينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]. وهذه الآية الكريمة تدل دلالة صريحة قاطعة على وجوب أخذ الحذر، بل وتبين للمسلمين كيفية الحذر مما يدل على (٤) في ظلال القرآن ٢/ ٧٠٥. (٥) التفسير الوسيط، الزحيلي ٣٤٤/١. ٤٣٨ مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم الحذر أهميته، فالأمر بأخذ الأسلحة، والأمر الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، ونزل جبريل بصلاة الخوف حذرًا من بأن يكون بعض المسلمين وراء المصلين يحمونهم من العدو، وتقسيم المسلمين إلی طائفتين، طائفة تصلي، و طائفة تحرس، والأمر بأخذ الحذر، وبيان أن الكفار يرغبون أن يترك المسلمون الحذر وأخذ أسبابه حتی يستأصلوا المسلمین مرة واحدة، كل ذلك دليل على وجوب الحيطة والتحرز، وأخذ الحذر من المكروه المتوقع. الكفار. واختلف في صلاة الخوف على عشرة أقوال؛ لاختلاف الأحاديث فيها، ولسنا مضطرين إلى ذكرها؛ لأن تفسيرها لا يتوقف على ذلك، حيث يقسم الإمام المسلمين على طائفتين، فيصلي بالأولى نصف الصلاة، وتقف الأخری تحرس، ثم يصلي بالثانية نصف الصلاة، وتقف الأولى تحرس، واختلف هل تتم كل طائفة صلاتها وهو مذهب الجمهور، أم لا؟ وعلى القول بالإتمام: اختلف هل يتمونها في إثر صلاتهم مع الإمام أو بعد ذلك(٢). وقد روى الواحدي سبب نزول هذه الآية بسنده عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقي المشركين بعسفان، فلما صلى رسول الله عليه الصلاة والسلام الظهر، فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض: كان هذا فرصة لكم، لو أغرتم عليهم، ما علموا بكم حتى تواقعوهم، فقال قائل منهم: فإن لهم صلاة أخرى، هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم، فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها، فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ ﴾ وأعلم ما ائتمر به المشركون، وذكر صلاة الخوف(١). يقول ابن جزي الكلبي: شرعت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، حیث أخبر الله نبيه عمّا جرى من عزم الكفار على (١) أسباب النزول ص ١٨٠. وجمع الله تعالى في هذه الآية بين الأمر بالحذر وتهديد الكافرين بالعذاب المهين؛ لأن الأمر بالحذر من العدويوهم توقع غلبته واعتزازه، فنفى عنهم ذلك الإيهام بالإخبار أن الله يهين الكافرين ويخذلهم وينصر المؤمنين عليهم؛ لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك، وإنما هو تعبد من الله(٣). ولما رخص الله للمؤمنين بوضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر، لئلا يجترئ العدو عليهم احتيالًا في الميل (٢) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ٢٧٩. (٣) الكشاف، الزمخشري ١ / ٥٦٠. www. modoee.com ٤٣٩ حرف الحاء عليهم واستغنامًا منهم لوضع المسلمين ميلة واحدة بالقتل والنهب، ولكن اللّه يريد لكم النصر والغلبة، فيأمركم بالاستعداد والحذر (٣). أسلحتهم (١). ويعدّ هذا النص من جملة التربية والتوجيه والتعليم والإعداد للصف المسلم وللجماعة المسلمة، وأول ما يلفت النظر هو الحرص على الصلاة في ساحة المعركة؛ لأن هذه الصلاة سلاح من أسلحة المعركة، فلا بد من تنظيم هذا السلاح بما يتناسب مع طبيعة المعركة، وهذه التعبئة الروحية، وهذا الحذر الذي يوصى به المؤمنون تجاه عدوهم الذي يتربص بهم لحظة غفلة عن أسلحتهم وأمتعتهم ليميلوا عليهم ميلة واحدة، ومع ذلك فهم يواجهون قومًا کتب الله عليهم الهوان والعذاب الأليم، وهذا التقابل بين التحذير والتطمين هو طابع منهج التربية الإلهية للصف المسلم في مواجهة عدوه الماكر اللئيم، بل لعل هذا الاحتياط، وهذه اليقظة، وهذا الحذر يكون إرادة ووسيلة لتحقيق العذاب الأليم الذي أعده الله للكافرين(٢). والحكمة العامة في الأمر بأخذ الحذر والسلاح حتى في الصلاة، أن الكفار يودون من صميم قلوبهم أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم، ولو بانشغالكم في الصلاة؛ فينقضون عليكم، ويميلون عليكم (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٢٠٦. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٧٤٨/٢. وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ وعد للمؤمنين بالنصر على الكفار بعد الأمر بالحزم؛ لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبر، فيتوكلوا علی الله سبحانه وتعالى(٤). وفي هذه الآية أدلّ دليل على تعاطي الأسباب، واتخاذ كل ما ینجي ذوي الألباب، ويوصل إلى السلامة ويبلغ دار الكرامة. مع التنبيه على أن الأخذ بالحذر وأسباب الحيطة واليقظة والتحرز لا يعني عدم الثقة بالله، ولا ينافي التوكل عليه؛ لأن الحذر من الأسباب، ومباشرة الأسباب لا تنافي التوكل، ولكن لا يجوز أبدًا الاطمئنان والركون إليها والتعلق بها؛ لأن الأسباب والمسببات بيد الله وحده، فهو الذي يهيئ السبب، وهو الذي يوفق إليه ويدل عليه، ويجعله مفضيًا إلى نتيجته، ولو شاء لسلبه ما به صار سببًا، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم یکن، بل إن المسلم یباشر الأسباب؛ لأن الله أمر بها ودعا إليها، ولكن يبقى القلب (٣) التفسير الواضح، الحجازي ١/ ٤٢٢. (٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ٩٤. ٤٤٠ مُوسُو ◌َر النفسية القرآن الكريم الحذر معتمدًا على الله وحده، متلفتا إليه متعلقًا به کأن صاحبه لم یباشر أي سبب أصلًا، وهذه كانت حالة سید المتو کلین نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد باشر الأسباب في هجرته إلى المدينة ودخل مع صاحبه أبي بكر إلى الغار أخذًا بالحيطة والحذر، ولكن اعتماده لم يكن على ما باشره من أسباب، وإنما كان اعتماده على الله وحده، ولهذا لما شعر أبو بكر بالقلق على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهر عليه الحزن، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال له صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)(١)، فكان نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتماده على معية الله لهما بالنصر والحفظ والتأييد لا على ما باشره من الأسباب. سابعًا: الحذر من الشيطان: بين الله عز وجل عداوة الشيطان وحذر منه فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ٤/ ١٨٥٤، رقم ٢٣٨١. فهو أول عدو في طريق المؤمنین إلى دار السلام، عداوته قديمة قدم الحياة، منذ بدء الخليقة. ونهانا ربنا عن اتباع خطوات الشيطان، وهي طرقه التي يدعو إليها من الفواحش والشهوات المحرمة، وترك الواجبات، وفعل المحرمات، وأخبرنا أن الشيطان لنا عدو، وأمرنا أن نتخذه عدوًّا وأنه يدعو أتباعه؛ ليكونوا من أهل النار فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنََّا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. ومن أعظم مداخل الشيطان على العباد: إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَعْضَآءُ فِى الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةَ فَهَلْ أَنتُم مُّنْتَهُونَ ٩١ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِن نَّيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩٢]. إنها دعوة للمؤمنين للحذر من الشيطان وكيده والتمسك بطاعة الله ورسوله، ((والحذر من هذا الرجس، الذي بين يدى الشیطان یدعوهم إليه، ویغریهم به، ولیس للمؤمنين بعد هذا البلاغ بلاغ، فإن تولّوا، www. modoee.com ٤٤١ حرف الحاء ولم يستجيبوا لأمر الله؛ فلهم ما اختاروا، وليس لأحد سلطان عليهم إلا وازع ضمائرهم»(١). وقد ذكر الواحدي في سبب نزول هذه الآية حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، قال: أتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقك خمرًا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حشّ -والحش: البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزقٌ من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحبي الرأس فضربني به، فجرح بأنفي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته فأنزل الله عز وجل فيّ -يعني نفسه- شأن الخمر: ﴿إِنَّمَا الَُّْ وَالْمَيْسِرُ وَاْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ [المائدة: ٩٠] (٢). وأخرج النسائي عن عمر رضي الله عنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: ((اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا))، فنزلت (١) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب، ٢١/٤ - ٢٢. (٢) أسباب النزول ص ٢٠٧. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب في فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ١٨٧٧/٤، رقم ١٧٤٨. الآية التي في البقرة، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال عمر: ((اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا))، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ شُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]. فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: «اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا))، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. قال عمر رضي الله عنه: ((انتهينا انتهينا))(٣). ثم أكد الله تعالى التحريم وشدد في الوعيد فقال: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢]. تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، وامتثال الأمر، وكفّ عن المنهي عنه، فإن خالفتم فما على الرسول إلا البلاغ في تحريم ما أمر بتحريمه، وعلى المرسل أن (٣) أخرجه النسائي، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر قال الله تبارك وتعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكما العداوة والبغضاء في الخمر والميسر)، ٢٨٦/٨، رقم ٥٥٤٠. موسوعة النفسية القرآن الكريم ٤٤٢ الحذر يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع (١). ما ينهى به؛ لأنه تعالى ذم الخمر والميسر وهذا الأمر أعم الأوامر؛ فإنه يدخل فيه كل وأظهر قبحهما للمخاطب، كأنه قيل: قد أمر ونهي، ظاهر وباطن (٢). وأمر سبحانه بطاعته وبطاعة رسوله، مع أن طاعة رسوله طاعة له سبحانه ؛ لتأكيد الدعوة إلى هذه الطاعة، ولتكريم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث جعلت طاعته مجاورة لطاعة الله تعالى(٣). وعطفت جملة: ﴿وآطِمُوا﴾ على جملة: ﴿فَهَلْ أَنْهُم مُّنْنَهُونَ﴾، وهي كالتذييل؛ لأن طاعة الله ورسوله تعم ترك الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وتعم غير ذلك من وجوه الامتثال والاجتناب، وكرر ﴿وَأَطِيعُواْ﴾ اهتمامًا بالأمر بالطاعة، وعطف ﴿وَأَحْذَرُواْ﴾ على ﴿وَأَطِيعُواْ﴾ أي: وكونوا على حذر. وحذف مفعول ﴿وَأَحْذَرُواْ﴾؛ لينزل الفعل منزلة اللازم؛ لأن القصد التلبس بالحذر في أمور الدين، أي: الحذر من الوقوع فيما یأباه الله ورسوله، وذلك أبلغ من أن يقال: واحذروهما؛ لأن الفعل اللازم يقرب معناه من معنى أفعال السجايا، ولذلك يجيء اسم الفاعل منه على زنة (فعل) كفرح ونهم (٤). وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ لفظة استفهام، ومعناه الأمر، أي: انتهوا، وهذا من أبلغ (١) التفسير المنير، الزحيلي، ٤٦/٧ (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٤٣. (٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ٤ /٢٧٩. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٧/ ٣٠. تدلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم منتهون مع هذه الأمور، أم أنتم على ما كنتم عليه كأنكم لم توعظوا ولم تنزجروا؟(٥). فليحذر المسلم من كيد الشيطان ومكره، وليعلم أنه يجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فور وصول الأمر، وليكن لسان المؤمن عند سماعه النهي: انتهينا انتهيا. ثامنًا: الحذر من المنافقين: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكثر المسلمون في المدينة واعتز الإسلام، صار أناس يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر؛ ليبقى جاههم، وتحقن دماؤهم، وتسلم أموالهم، وكانوا يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيستندون فيه، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن، وكان النبى صلى الله عليه وسلم ومن حضر یعجبون بهیاکلهم ويسمعون إلى كلامهم، فذكر الله من أوصافهم ما به يعرفون، لكي يحذر العباد منهم، ويكونوا منهم على بصيرة، قال تعالى: ﴿وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمّ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَهُمْ خُشُبٌ (٥) لباب التأويل، الخازن ٢/ ٧٦. www. modoee.com ٤٤٣ حرف الحاء مُسَنَّدَا يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمّ هُالْعَدُ فَاحْذَرْهُمْ قَتَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْقَّكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]. أي: إذا نظرت إليهم تروقك هيئاتهم ومناظرهم لما فيها من النضارة والرونق، وجمال الصورة، واعتدال الخلقة، وإن تكلموا حسن السماع لكلامهم، وظن أن قولهم حق وصدق؛ لفصاحتهم وحلاوة منطقهم، كأنهم أخشاب جوفاء منخورة مستندة إلى الحيطان، فهم مجرد كتل بشرية، لا تفهم ولا تعلم، و کانت لهم أجسام ومنظر تعجبك لحسنها وجمالها، و کان عبد الله بن أبيّ جسيمًا صبيحًا فصیحًا. ومع ذلك كله فهم في غاية الضعف والخور والجبن، يحسبون كل صيحة يسمعونها أنها واقعة عليهم، نازلة بهم لإحساسهم بالهزيمة من الداخل، فهم الأعداء الألداء، فاحذر مؤامرتهم، ولا تطلعهم على شيء من أسرارك، لأنهم عيون لأعدائك من الكفار، لعنهم الله وطردهم من رحمته وأهلكهم، كيف يصرفون عن الحق والهدى إلى الكفر والضلال(١). ﴿هُ الْعَدُوُّ﴾ على الحقيقة، لأن العدو البارز المتميز، أهون من العدو الذي لا یشعر به، وهو مخادع ماکر، يزعم أنه ولي، وهو العدو المبين(٢). ﴿فَلذرهُ﴾أي: احذر (١) التفسير المنير، الزحيلي ٢٨/ ٢١٧. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٦٤. مُوسو القرآن الكريم أن تأمنهم على سرك؛ لأنهم عيون لأعدائك من الكفار(٣). قال سيد قطب: ((يصف الله المنافقين في الآية بأنهم أجسام تعجب الناظرين إليها، لكنهم حين يتكلمون وينطقون تدرك أنهم فارغون من كل معنى وحس وإدراك، فهم أشكال متحركة لكن قلوبهم خاوية من الإيمان والثقة بأنفسهم، وهم يخشون في کل لحظة أن یکون أمرهم قد ظهر وبان، وسترهم قد انكشف، يتوجسون من كل حركة، ومن كل صوت، يحسبونه يطلبهم وقد عرف حقيقتهم، وهم بهذا يمثلون العدو الأول في المجتمع المسلم، عداوتهم نابعة من کفرهم الذي يخفونه في صدورهم مع تظاهرهم بالإيمان المزعوم ﴿هر الْعَدُوُ فَاحْذَرْهُمْ﴾ عدوٌ كامن يتربص الدوائر بالمؤمنين، وينتظر لحظة يشفي فيها غليله من المؤمنين، وهو بذلك أشد خطرًا من العدو الخارجي المعروف، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بقتلهم، بل أخذهم بخطة أخرى فيها حكمة وسعة وثقة بالنجاة من کیدهم»(٤). وفي قوله تعالى: ﴿هُ الْعَدُوُّ فَأَحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] وجهان: أحدهما: فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل (٣) التفسير الوسيط، الواحدي ٤/ ٣٠٣. (٤) في ظلال القرآن، ٣٥٧٤/٦. ٤٤٤ الحذر إلى كلامهم. الثاني: فاحذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك(١). وفي هذا الآية ((ما يشعر بحصر العداوة في المنافقين مع وجودها في المشركين واليهود، ولكن إظهار المشركين شركهم، وإعلان اليهود كفرهم مدعاة للحذر طبعًا. أما هؤلاء فادعاؤهم الإيمان وحلفهم عليه، قد يوحي بالركون إليهم -ولو رغبة في تأليفهم-، فكانوا أولى بالتحذير منهم لشدة عداوتهم ولقوة مداخلتهم مع المسلمين، مما يمكنهم من الاطلاع على جمیع شؤونهم»(٢). ووصفهم الله تعالى في هذه الآية بالعداوة؛ لأن التحذير منهم يقتضي وصفهم بالعداوة لا بالجبن(٣). وفي هذه الآيات تحذير من الاغترار بالمظاهر کحسن الهندام وفصاحة اللسان، فالحكم على الناس لا يكون بالأشكال والهيئات والمناظر، وإنما يكون بالحقائق المدركة، والأفعال الواقعة، والأقوال الصادقة، وقد كان المنافقون حسان الهيئة، فصیحي اللسان، ولکنھم أشباح بلا أرواح، وصور بلا معان. فهم أعداء المؤمنين، الكاملون في (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨/ ١٢٦. (٢) أضواء البيان، الشنقيطي ١٩٢/٨. (٣) روح المعاني، الألوسي ٣٠٦/١٤. العداوة لله ورسوله، فينبغي الحذر من أقوالهم، والحرص من تآمرهم. تاسعًا: الحذر من طاعة الأزواج والأولاد فیما یغضب الله: حب المسلم لأهله وولده قد یقعد به عن الجهاد في سبيل الله، ويحبب إليه الامتناع عن البذل حیث یحب الله منه البذل، وقد يمنعونه فعلًا عن الجهاد وعن العمل؛ ليوفر لهم الراحة والطمأنينة في زعمهم، وقد يستجيب لهم فيكون فعلهم هذا فعل الأعداء، والعدو يستحق الحذر والإفلات من مکیدته. قال تعالى: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَبِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٥ إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْ لَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤ - ١٥]. فحذّر الله تعالى من فتنة الأزواج والأموال والأولاد، الذين يكونون سببًا في التقصير بالطاعة، والتورّط أحيانًا في المعصية، وناسب ذلك أن يأمر الله بالتقوى والإنفاق في سبيل الله؛ لأن ذلك هو رأس مال الإنسان، وسبيل إسعاده في الدنيا والآخرة، فلكل مرض علاج، وعلاج الانحراف المبادرة إلى الاستقامة، والتزام www. modoee.com ٤٤٥ حرف الحاء جادة الامتثال والطاعة(١). عن ابن عباس قال: كان الرجل يسلم، فإذا أراد أن يهاجر منعه أهله وولده وقالوا: ننشدك الله أن تذهب فتدع أهلك وعشيرتك، وتصير إلى المدينة بلا أهل ولا مال، فمنهم من يرق لهم، ويقيم ولا يهاجر، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِ كُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال عكرمة وابن عباس: وهؤلاء الذين منعهم أهلهم عن الهجرة لما هاجروا، ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوا أهليهم الذين منعوهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٢). وأخرج الطبري عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التغابن كلها بمكة، إلا هؤلاء الآيات ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ نزلت في عوف بن مالك الأشجعيّ، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورقّقوه، فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرقٌ ويقيم، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَحِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ (١) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢٦٧٥/٣. (٢) أسباب النزول ص ٤٣٤. وأخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة التغابن ٤١٩/٥، رقم ٣٣١٧. عَدُوَالَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾(٣). ووجه عدواتهم كما يقول ابن العربي المالكي: ((إن العدو لم يكن عدوًّا لذاته، وإنما كان عدوًّا بفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو؛ کان عدوًّا، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد والطاعة)) (٤). وهذا التنبيه والتحذير من الأزواج والأولاد يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية، فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة ملهاة عن ذكر الله، وقد يكونون دافعًا للتقصير في تبعات الإيمان، فیبخل ویجبن؛ ليوفر لهم الأمن والقرار، أو المتاع والمال، فيكونون بهذا عدوًّا له؛ لأنهم صدوه عن الخیر، وهذا هو دافع التحذير من الله تعالى للمؤمنين؛ لإثارة اليقظة في قلوبهم، والحذر من تسلل هذه المشاعر، ثم كرر هذا التحذير في صورة أخرى من فتنة الأموال والأولاد. وقد يراد بالفتنة الاختبار، فهذا يحتاج إلى تنبه وحذر ويقظة للنجاح في الابتلاء والامتحان، وقد يراد بها أنها توقعكم في المخالفة والمعصية، فلا بد من الحذر أيضًا حتى لا تجرفكم الفتنة وتبعدكم عن الله تعالى(٥). وفي قوله تعالى: ﴿عَدُوَّالَّكُمْ﴾ ثلاثة (٣) جامع البيان، الطبري ٤٢٤/٢٣. (٤) أحكام القرآن، ابن العربي ٤ / ٢٦٤. (٥) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٣٥٨٩/٦. مُوسُو ◌َ النَِّّ القرآن الكريم ٤٤٦ الذر أقوال: أحدها: بمنعهم من الهجرة، وهو قول ابن عباس. فمن عفا عفا الله عنه، ومن صفح صفح الله عنه، ومن غفر غفر الله له، ومن عامل والثاني: بكونهم سببًا للمعاصي، وهو الله فيما يحب، وعامل عباده كما يحبون قول مجاهد. وينفعهم؛ نال محبة الله ومحبة عباده، والثالث: بنهيهم عن الإسلام، وهو قول واستوثق له أمره))(٢). قتادة (١). قال السعدي: ((هذا تحذير من الله للمؤمنين، من الاغترار بالأزواج والأولاد؛ فإن بعضهم عدو لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك الحذر ممن هذه وصفه، والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد؛ فنصح تعالى عباده أن توجب لهم هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان فيها ما فيها من المحذور الشرعي، ورغبهم في امتثال أوامره، وتقدیم مرضاته بما عنده من الأجر العظيم المشتمل على المطالب العالية والمحاب الغالية، وأن يؤثروا الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية، ولما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد، فیما هو ضرر على العبد، والتحذير من ذلك، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم، والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك، من المصالح ما لا یمکن حصره، فقال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾؛ لأن الجزاء من (١) زاد المسير، ابن الجوزي ٤/ ٢٩٤. جنس العمل. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٦٨. www. modoee.com ٤٤٧ حرف الحاء نماذج قرآنية من الحذرين أولًا: حذر المؤمنين: غاية الدعوة إلى الله التبشير بهذا الدين، وتبليغ أحكامه، وتخويف الناس عن ارتكاب ما نهى الله عنه، بطريقة وأسلوب يورث الحذر منه سبحانه وتعالى ويحقق الخشية المطلوبة؛ فأمر الله المؤمنين بالتفقه في الدين؛ ليتم الإنذار من خلاله، ويتحقق الحذر من بطش الله وعذابه فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوْلًا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِقَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين؛ لتخلفهم عن الجهاد، قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سرية أبدًا، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسرايا إلى العدو نفر المسلمون جمیعًا، وترکوا رسول الله صلی الله عليه وسلم وحده بالمدينة، فأنزل الله تعالى هذه الآية(١). قال النحاس: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْكَافَّةً﴾ لفظ خبر، ومعناه أمر(٢). (١) أسباب النزول، الواحدي، ص ٢٦٣. (٢) إعراب القرآن، النحاس ١٣٧/٢. والمعنى: لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا كلهم إلى الجهاد، بل يجب أن يصيروا طائفتين، طائفة تبقى في خدمة الرسول، وطائفة أخرى تنفر للجهاد؛ وذلك لأن الإسلام في ذلك الوقت كان محتاجًا إلى الجهاد، وأيضًا كانت التكاليف والشرائع تنزل، و کان بالمسلمین حاجة إلی من یکون مقيمًا بحضرة الرسول عليه الصلاة والسلام يتعلم تلك الشرائع والتكاليف، ويبلغها للغائبين، وبهذا الطريق يتم أمر الدين، وعلى هذا القول ففيه احتمالان: أحدهما: أن تكون الطائفة المقيمة هم الذين يتفقهون في الدين لملازمتهم الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومشاهدتهم التنزيل؛ فكلما نزل تكليف وشرع؛ عرفوه وحفظوه، فإذا رجعت الطائفة النافرة من الغزو؛ أنذرتهم المقيمة ما تعلموه من التكاليف والشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار، والتقدير: فلولا نفر من کل فرقة منهم طائفة، وأقامت طائفة؛ لتفقه المسلمين في الدين، ولينذروا قومهم، يعني النافرين إلى الغزو إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي الله تعالى . والاحتمال الثاني: أن التفقه صفة للطائفة النافرة ... والمعنى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة؛ حتى تصير هذه الطائفة النافرة فقهاء في الدین، أي: أنهم إذا شاهدوا ظهور ٤٤٨ مُوسُو ◌َةُ النَِّيـ القرآن الكريم الحذر المسلمين على المشركين، وأن العدد القليل منهم يغلبون العالم من المشركين؛ فیتبصروا ويعلموا أن ذلك بسبب أن الله تعالى خصهم إلى قومهم من الكفار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر، والفتح، والظفر، لعلهم يحذرون؛ فيتركوا الكفر والنفاق(١). قال الإمام الطبري: ((إن أولى الأقوال بالصواب من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاین من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به؛ فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ... لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاینوا من ذلك يحذرون، فيؤمنون بالله ورسوله، حذرًا أن ینزل بھم ما نزل بالذین أخبروا خبرهم»(٢). قال سيد قطب: ((إن هذا الدين منهج حركي، لا يفقهه إلا من يتحرك به، فالذين يخرجون للجهاد به هم أولی الناس بفقهه؟ بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه، وبما يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به. أما الذين يقعدون؛ فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا؛ (١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٠/ ٢٣٩. (٢) جامع البيان، ١٤/ ٥٧٣. لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا، ولا فقهوا فقههم، ولا وصلوا من أسرار هذا الدين إلى ما وصل إليه المتحركون، وبخاصة إذا كان الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والخروج بصفة عامة أدنى إلى الفهم والتفقه. ولعل هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن، من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد والحركة، هم الذين يتفرغون للتفقه في الدين! ولكن هذا وهم، لا يتفق مع طبيعة هذا الدين .. إن الحركة هي قوام هذا الدين، ومن ثم لا يفقهه إلا الذين يتحركون به، ويجاهدون لتقريره في واقع الناس، وتغليبه على الجاهلية، بالحركة العملية(٣). وللجمع بين القولين: لا بأس أن تنذر کل فئة الأخرى، فالذين تعلموا دین الله ولم يخرجوا للجهاد تعلم الفئة التي خرجت، وفي المقابل الذين خرجوا للجهاد تعلم الذين لم يخرجوا، حتى يتم الإنذار الكامل، ويتحقق الحذر من عذاب الله تعالى. وفي قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ الترجي لوقوع الحذر منهم عن التفريط فيما يجب فعله: فيترك، أو فيما يجب تركه: فيفعل (٤). ولعل السبب في حذف مفعول يحذون؛ «للتعميم، أي: يحذرون ما يحذر، وهو فعل (٣) في ظلال القرآن، ٣/ ١٧٣٤. (٤) فتح القدير، الشوكاني ٤٧٤/٢. www. modoee.com ٤٤٩ حرف الحاء المحرمات وترك الواجبات. واقتصر على الأعيان (٥). الحذر دون العمل؛ للإنذار؛ لأن مقتضى الإنذار التحذير، وقد علمت أنه يفيد الأمرين)) (١). وقد جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في الدين، وإنذار من لم يتفقه، فجمع بين المقصدین الصالحين، والمطلبين الصحیحین، وهما تعلم العلم، وتعلیمه، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذین، فهو طالب لغرض دنيوي، لا لغرض (٢) ديني(٢) وفي هذه الآية دليل بأنه يجب قبول قول العلماء، فقد أوجب سبحانه الحذر بإنذارهم، وألزم المنذرين قبول قولهم، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم(٣). وفى الآية دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية، وأنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم الاستقامة والإقامة، لا الترفع على الناس بالتصدر والترؤس (٤). وفي الآية دليل على أن الجهاد فرض كفاية إذا قام به جماعة سقط عن الباقين، إلا عند النفير العام حتى يصير فرضًا على (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٦٢. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٤٧٤. (٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٦/ ٥٢٢. (٤) روح البيان، إسماعيل حقي ٥٣٥/٣. وفي هذه الآية أيضًا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف؛ لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها؛ لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق، وتعددت المشارب؛ فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور (٦). ثانيًا: حذر المنافقين واليهود: إحساس المنافقين بنفاقهم جعلهم يحذرون من نزول آيات قرآنية تتلى في حقهم، وتكشف أمرهم، وتهتك سترهم، وتعلن للملأ حقيقة أمرهم، وقد وقع ما کانوا یتخوفون منه، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَحْذّرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُوَرَةٌ نُنِثُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ أَسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَّرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤]. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُغَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ ((في شأن المنافقين تخبرهم بمخازيهم ومساوئهم ومثالبهم، ولهذا (٥) التفسير المظهري ٤ /٣٢٥. (٦) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٥٥. مَوَسُ بَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٤٥٠ الحذر سميت بالفاضحة والمثيرة والمبعثرة، وقال الحسن: كانوا يسمون هذه السورة الحفّارة؛ لأنها حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرتها))(١). وكان المنافقون إذا عابوارسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكروا شيئًا من أمره وأمر المسلمین، قالوا: لعلّ الله لا یفشي سرّنا، فقال الله لنبيه محمد صلی الله عليه وسلم: قل لهم: استهزئوا، متهددًا لهم ومتوعدًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا تَحْذَّرُونَ﴾(٢). قال السدي: قال بعض المنافقين: والله لوددت أني قدمت؛ فجلدت مائة، ولا ينزل فينا شيء يفضحنا، فأنزل الله هذه الآية. وقال مجاهد: كانوا يقولون القول بينهم ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا (٣). وهذا أسلوب إعلامي قديم يستخدمه أعداء الإسلام بقصد قلب الحقائق أو تزييف الوعي، فقد كانوا يحرصون كل الحرص علی إخفاء مخططاتهم واجتماعاتهم بل وحتى بعض عباراتهم. والحقيقة أن المنافقين يعرفون حقيقة أمرهم، فهم غير مؤمنين بالله والرسول، وهم شاكون مرتابون في الوحي، قلقون مضطربون، والشك والقلق يدعوهم على الحذر والخوف؛ لذا وصفهم الله تعالى (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٢٤/٨. (٢) جامع البيان، الطبري ٣٣١/١٤. (٣) أسباب النزول ص ٢٥٠. ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ﴾ أي: بقوله: يخاف المنافقون، ويتحرزون أن تنزل على المؤمنين سورة تكشف أحوالهم، وتفضح أسرارهم، وتبين نفاقهم، كهذه التي سميت الكاشفة والفاضحة والمنبئة، التي تنبىء المؤمنين بما في قلوب المنافقين، وتخبرهم بحقیقة وضعهم، فیفتضح أمرهم، وتنکشف أسرارهم (٤). والخلاصة أن هذه الآية كشفت عن مدى ما كان يعيش عليه المنافقون من الحذر والخوف. وقد حذر المنافقين واليهود من الحكم بما أنزل الله. شارك المنافقون اليهود في البعد من اللجوء إلى الأحكام بما أنزل الله، وكان همهم تخفيف العقوبة عن أنفسهم ولیس إنزال القصاص على أنفسهم، قال تعالى في شأنهم: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُّنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكٌ يُحُرِّفُونَ اَلْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوِلِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَ إِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَّهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ (٤) التفسير المنير، الزحيلي ٢٨٩/١٠. www. modoee.com ٤٥١ حرف الحاء قُلُوبَهُمَّ لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. و کان سبب نزول هذه الآیات ما أخرجه الإمام مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بیهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم، فقال: (هكذا تجدون حد الزاني في کتابکم؟)، قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: (أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم) قال: لا، ولولا أنك تشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف؛ تركناه، وإذا أخذنا الضعيف؛ أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحمیم، والجلد مکان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذاماتوه)، فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُّئِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ اَلْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِن ◌َّمْ تُؤْتَوَهُ فَاحْذَرُواْ﴾ يقول: انتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاکم بالرجم فاحذروا)(١). والمعنى: أي: لا تهتم ولا تبال بمسارعة (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، ١٣٢٧/٣، رقم ١٧٠٠. المنافقين في إظهار الكفر، والانحياز إلى جانب الأعداء، كلما سنحت لهم الفرصة؛ فإني ناصرك علیھم، و کافیك شرهم، ولیس المراد النهي عن الحزن ذاته؛ لأنه أمر طبعي جبلّي، لا اختیار للإنسان فیه، ولا تکلیف به، وإنما المراد النهي عن لوازمه من مقدمات ونتائج من تعظيم شأن الحزن، وتعاطي أسبابه(٢). وقد تآمر اليهود مع المنافقين على أن یأخذوا من النبي صلی الله علیه وسلم عقابًا مخففًا عن حكم الله تعالى ، ولكن الله تعالى كشف كيدهم بقوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَ إِن لَّمْ تُؤْتَّوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾. أي: إن أجبتم بمثل ما تهوون؛ فاقبلوه، وإن لم تجابوه؛ فاحذروا قبوله. وإنما قالوا: فاحذروا؛ لأنه يفتح عليهم الطعن في أحكامهم التي مضوا عليها وفي حكامهم الحاکمین بها(٣). وفي ترتيب الأمر بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف، إشارة إلى تخوفهم الشديد من ميل أتباعهم إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يحذرونهم بشدة من الاستماع إلى ما يقوله لهم، مما يخالف ما تواضعوا عليه من أباطيل (٤). وهكذا بلغ منهم العبث، وبلغ منهم (٢) التفسير المنير، الزحيلي ٦/ ١٩٥. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/ ٢٠٠. (٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ٤ / ١٥٧. جَوَسُولَهُ النَفسِير العَرَآن الكَرِيمِ ٤٥٢ احذر الاستهتار، وبلغ منهم الالتواء أيضًا في على يد رجل من بني إسرائيل، فكانوا من التعامل مع الله والتعامل مع رسول الله ذلك على وجل منهم؛ ولذلك كان فرعون یذبح أبناءهم، ویستحيي نساءهم، فأرى الله فرعون وهامان وجنودهما، من بني إسرائيل على يد موسى بن عمران نبيه، ما كانوا يحذرونه منهم من هلاكهم وخراب منازلهم ودورهم(٢). صلى الله عليه وسلم هذا المبلغ .. وهي صورة تمثل أهل كل كتاب حين يطول عليهم الأمد، فتقسو قلوبهم وتبرد فيها حرارة العقيدة، وتنطفئ شعلتها، ويصبح التفصي من هذه العقيدة وشرائعها وتكاليفها هو الهدف الذي يبحث له عن الوسائل ويبحث له عن الفتاوى؛ لعلها تجد مخرجًا وحیلة، أليس الشأن کذلك الیوم بین الذین يقولون: إنهم مسلمون ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَقْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾؟! أليسوا يتلمسون الفتوى؛ للاحتيال على الدین، لا لتنفيذ الدین؟! ألیسوا یتمسحون بالدین أحيانًا؛ لکي يقر لهم أهواءهم ويوقع بالموافقة عليها؟! فأما إن قال الدين كلمة الحق وحكم الحق فلا حاجة بهم إليه .. ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوْ تِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾! إنه الحال نفسه. ولعله لهذا كان الله سبحانه يقص قصة بني إسرائيل بهذا الإسهاب وهذا التفصیل؛ لتحذر منها أجيال المسلمين وينتبه الواعون منها لمزالق الطريق (١). ثالثًا: حذر فرعون وهامان وجنودهما: كان فرعون وهامان قد أخبروا أن هلاكهم (١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢/ ٨٩٢. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآَيِفَةٌ مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِيِ نِسَآءُ هُمْ إِنَّهُ, كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَغَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةٌ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ ٥ وَتُمَكِّنَ لَّمْ فِي الأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٤- ٦]. قال ابن کثیر رحمه الله: «أراد فرعون بحوله وقوته أن ینجو من موسی، فما نفعه ذلك مع قدر الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري، بل نفذ حکمه، وجری قلمه في القدم بأن يكون إهلاك فرعون على یدیه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلت بسببه ألوفًا من الولدان، إنما منشؤه ومرباه على فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلله وتتفداه، وحتفك، وهلاكك وهلاك جنودك على يديه؛ لتعلم أن رب السموات العلا هو (٢) جامع البيان، الطبري ١٩ /٥١٨. www. modoee.com ٤٥٣ حرف الحاء القادر الغالب العظيم، العزيز القوي الشديد ففعل موسى، وخرج بيني إسرائيل، فلما المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم یکن»(١). وهذه قصة تعرض قوة الحكم، قوة فرعون الطاغية المتجبر اليقظ الحذر، وفي مواجهتها موسی طفلا رضیعًا لا حول له ولا قوة، ولا ملجأ له ولا وقاية، وقد علا فرعون في الأرض، واتخذ أهلها شيعًا، واستضعف بني إسرائيل، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، وهو على حذر منهم، وهو قابض على أعناقهم، ولكن قوة فرعون وجبروته، وحذره ويقظته لا تغني عنه شيئًا، بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير، المجرد من كل قوة وحيلة، وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة، ترعاه عين العناية، وتدفع عنه السوء، وتعمي عنه العیون، وتتحدی به فرعون وجنده تحدیًا سافرًا، فتدفع به إلى جحره، ویقتحم به عليه قلب امرأته، وهو مکتوف الیدین إزاءه، مکفوف الأذی عنه، يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه(٢). ولما ظهر أمر موسى عليه السلام ، وانتشرت دعوته؛ زاد خوف فرعون وحذره من خروج بني إسرائيل مع موسی، وعدم سيطرته علیهم، ولما أوحى الله تعالی إلی موسى أن يسير ليلًا باتجاه البحر مع قومه، (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٢١. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٦٧٤/٥. أصبح فرعون وقومه، وعلم بما صنع بنو إسرائيل؛ غاظه ذلك، وأرسل في مدائن مصر من يجمعوا الجند لملاحقة بني إسرائيل، أعلن التعبئة الكاملة من أجل تدمير هذه القوة المتنامية وإرجاعهم عبيدًا له، وتعذيبهم أشد العذاب، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَقٍ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىّ إِنَّكُر ◌ُتَّبَعُونَ إِنَّ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ الْمَدَآَيْنِ خَشِرِينَ ٥٢ هَؤُلاءِ لَثِيْزِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَايِظُونَ وَإِنَّا ◌َجَمِيعُ حَذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢ - ٥٦]. واستخدم فرعون أسلوب التعبئة المعنوية لتحريض قومه على الخروج معه، فوصف بني إسرائيل بثلاث صفات: ١. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَتِرْزِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ إن بني إسرائيل لطائفة قليلة؛ فيسهل متابعتهم وأسرهم أو قتلهم أو إعادتهم إلى العبودية. ٢. ﴿وَهُمْ لَّنَا لَغَيِظُونَ﴾ أي: إنهم في كل آونة يغيظوننا ويضايقوننا، بالفتنة والشغب، وقد ذهبوا بأموالنا، وخرجوا عن عبوديتنا، وخالفوا دیننا. ٣. ﴿وَإِنَّ لجِئُ حَدِرُونَ﴾ أي: وإن جميعنا قوم آخذون حذرنا وأهبتنا ومستعدون بالسلاح، وإني أريد إبادتهم واستئصالهم (٣). قال سيد قطب: ((نبأ الله موسى بأن فرعون سیتبعهم بجنده، وأمره أن يقود قومه (٣) التفسير المنير، الزحيلي، ١٥٨/١٩. ٤٥٤ القرآن الكريم