Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْبَر النفسية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ حَجَاب المرآة عناصر الموضوع مفهوم الحجاب ٢٥٠ الألفاظ ذات الصلة ٢٥١ القرآن وستر المرأة ٢٥٦ المرأة والزينة ٢٦٧ ضوابط التعامل بين الجنسين ٢٨٣ الأساليب الوقائية لحفظ الأعراض ٢٨٩ فوائد الحجاب ٢٩٥ المُجَلَّد الخَّادِىعَشِر حرف الحاء مفهوم الحجاب أولًا: المعنى اللغوي: قول ابن فارس: ((الحاء والجيم والباء أصل واحد، وهو المنع. يقال: حجبته عن كذا، أي منعته)»(١). فالحجب والحجاب: المنع من الوصول، يقال: حجبه أي: منعه حجبًا وحجابًا، ومنه قيل للستر الذي يحول بين شيئين: حجاب؛ لأنه يمنع الرؤية بينهما، وسمي حجاب المرأة حجابًا لأنه يمنع المشاهدة، وقيل للبواب: حاجب؛ لأنه يمنع من الدخول عليه إلا بإذنه خشية الأذى يصيبه، وكل شيء منع شيئًا فقد حجبه كما تحجب الإخوة الأمّ عن فريضتها، فإنهم يحجبون الأم عن الثلث إلى السّدس. والحاجبان من الرأس لكونهما كالحاجبين للعينين في الذبّ عنهما، واحتجب الملك عن الناس، وتحجّب: إذا اكتنّ من وراء حجاب(٢). وهكذا يبدو لنا أن مادة الحجاب في لغة العرب تدور بين الستر والمنع. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: وردت عدة تعريفات شرعية للحجاب، يدور أغلبها حول جانب معين منه، غير جامع لكل أركانه ومقوماته، ومما يساعد على وضع تعريف جامع للحجاب هو معرفة الغرض منه، فإن الحجاب أحد التدابير الوقائية التي شرعت من أجل منع وقوع الفتنة بين الرجال والنساء من جهة الشهوة. إذن ((فالحجاب لفظ ينتظم جملة من الأحكام الشرعية الاجتماعية المتعلقة بوضع المرأة في المجتمع الإسلامي، من حيث علاقتها بمن لا يحل لها أن تظهر زينتها أمامهم))(٣). فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي، فكلاهما يدوران حول الستر المانع من النظر. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٤٣/٢. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٤٣/٢، لسان العرب، ابن منظور ٢٩٨/١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٧٢، تاج العروس، الزبيدي ٢٣٩/٢. (٣) عودة الحجاب، محمد إسماعيل المقدم ٣/ ٧٧. مَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٥٠ حجاب المراة الألفاظ ذات الصلة الخمار: ١ الخمار لغة: الخمار من الخمر، وأصله الستر، يقال: خمر الشيء يخمره خمرًا، وأخمره أي ستره، وكل مغطى مخمر، يقال: خمّرت الإناء أي غطّيته، وكل ما يستر شيئًا فهو خماره (١). الخمار اصطلاحًا: ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كلها، تستر به الرأس والصدغين أو العنق(٢). قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِثُمُرِ هِنَّ عَلَى جُنُوبِنَّ﴾ [النور: ٣١]. الصلة بين الحجاب والخمار: بالتأمل في مفهوم الحجاب والخمار، يتبين أن الحجاب أعم من الخمار، فالحجاب قد یکون بالثیاب وغیرها، والخمار لا یکون إلا بلباس. الجلباب: ٢ الجلباب لغة: الجلباب في لغة العرب: يطلق على الثوب المشتمل على الجسد كله، وعلى الخمار، وعلى ما يلبس فوق الثياب كالملحفة والملاءة تشتمل بها المرأة (٣). الجلباب اصطلاحًا: کساء کثیف تشتمل به المرأة من رأسها إلی قدمیها، ساتر لجمیع بدنها وما علیه من ثياب وزينة. ويقال له: الملاءة، والملحفة، والرداء، والدثار، والكساء. وصفة لبسها: أن تضعها فوق رأسها ضاربة بها على خمارها وعلى جميع بدنها وزينتها، حتى تستر قدميها (٤). قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَاِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَئِهِنَّ﴾ (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢١٥/٢، مختار الصحاح، الرازي ص ٩٧. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٩٨، الكليات، الكفوي ص ٤١٤، التوقيف، المناوي ص١٦٠. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٧٣/١. (٤) انظر: تفسير يحيى بن سلام ٢/ ٧٣٨، جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٨٠. www. modoee.com ٢٥١ حرف الحاء [الأحزاب: ٥٩]. الصلة بين الحجاب والجلباب: الحجاب أعم من الجلباب، فالحجاب يكون بالجلباب وغيره. ٣ النقاب: النقاب لغة: قال ابن فارس: ((النون والقاف والباء أصل صحيح يدل على فتح في شيء))(١). وسمي النقاب نقابًا لوجود نقبين في مواجهة العينين لمعرفة الطريق. النقاب اصطلاحًا: القناع الذي تضعه المرأة على مارن أنفها بحيث يظهر عينيها ومحاجرهما (٢)، وهو ما يسمى باللفام، فإن كان لا يظهر منه إلا عيناها فقط سمي برقعًا (٣). الصلة بين الحجاب والنقاب: النقاب أخص من الحجاب، فالنقاب يغطي جزءًا من البدن، وهو الوجه، والحجاب يغطي البدن كله، والحجاب قد يكون بالنقاب وغيره. فمهوم الحجاب أشمل وأعم من مفهوم النقاب. ٤ الغطاء: الغطاء لغة: تدور مادة (غطى) حول الغشاء والستر. قال ابن فارس: ((الغين والطاء والحرف المعتل يدل على الغشاء والستر. يقال: غطيت الشيء وغطيته. والغطاء: ما تغطى به. وغطا الليل یغطو، إذا غشی بظلامه»(٤). الغطاء اصطلاحًا: ما غطّت به المرأة جسدها وزينتها(٥). (١) مقاييس اللغة ٤٦٥/٥. (٢) محجر العين: هو ما دار بالعين من العظم الذي هو أسفل الجفن، وهو يظهر من نقاب المرأة، فكل ما بدا من النقاب محجر. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٩٥/٢. (٣) انظر: المصباح المنير، الفيومي ص٢٣٧، فتح الباري، ابن حجر ٥٣/٤. (٤) مقاييس اللغة ٤٢٩/٤. وانظر: لسان العرب، ابن منظور ١٣٠/١٥، تاج العروس، الزبيدي ١٧٥/٣٩. (٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص١٧٦، التوقيف، المناوي ص٢٥٢. مُوسُوبَةُ اللَّيـ القرآن الكريم ٢٥٢ حجاب المراة الصلة بين الحجاب والغطاء: يلاحظ أن الحجاب أعم من الغطاء من ناحيتين: الغطاء يكون باللباس، والحجاب باللباس وغيره. الغطاء لا يكون إلا ملاصقًا، والحجاب قد يكون ملاصقًا بالثياب، وقد يكون غير ذلك (١). الستر: ٥ السترلغة: قال ابن فارس: ((السين والتاء والراء كلمة تدل على الغطاء. تقول: سترت الشيء سترا. والسترة: ما استترت به، كائنًا ما كان. وكذلك الستار))(٢). الستر اصطلاحًا: ما تستر به المرأة نفسها. الصلة بين الحجاب والستر: يشترك الحجاب والستر في ما يستر المرأة ويحجبها كائناً ما كان، ويفترقان في أمور ذكرها أبو هلال العسكري فقال: ((تقول: حجبني فلان عن كذا، ولا تقول: سترني عنه، وتقول: احتجبت بشيء كما تقول: تستّرت به. فالحجاب هو المانع والممنوع به، والستر هو المستور به، ويجوز أن يقال: حجاب الشيء ما قصد ستره، ألا ترى أنك لا تقول لمن منع غيره من الدخول إلى الرئيس داره من غير قصد المنع له: أنه حجبه، وإنما يقال: حجبه إذا قصد منعه ... ، وفرق آخر: أن الستر لا يمنع من الدخول على المستور، والحجاب يمنع))(٣). التبرج: ٦ التبرج لغة: مصدر قولهم: تبرّجت المرأة تتبرّج، وهو مأخوذ من مادة (ب رج) الّتي تدلّ على معنيين: الأوّل: البروز والظّهور، والثّاني: الوزر والملجأ فمن الأوّل: البرج وهو سعة العين في شدّة سواد وشدّة بياض بياضها، ومن ذلك التّج، وهو إظهار محاسنها، ومن الأصل الثّاني: البرج وهو واحد بروج السّماء، وأصل البروج: الحصون والقصور، وذكر الراغب: أنّ التّج (١) انظر: شمس العلوم، الحميري ٤٩٦٩/٨، الفروق اللغوية، العسكري ص٢٧٢. (٢) مقاييس اللغة ٣/ ١٣٢. وانظر: مختار الصحاح، الرازي ص ١٤٢، لسان العرب، ابن منظور ٤ / ٤٤٣. (٣) الفروق اللغوية ص١٧٦ بتصرف. www. modoee.com ٢٥٣ حرف الحاء مأخوذ من الثّوب المبرّج أي الذي صوّر عليه البروج، يقال: ثوب مبرّج: صوّرت عليه بروج فاعتبر حسنه، فقيل: تبرّجت المرأة أي تشبّهت به في إظهار المحاسن، وقيل: اشتقاق ذلك من البرج وهو القصر، ومن ثمّ يكون معنى تبرّجت ظهرت من برجها أي قصرها، وقال المبرّد: إنّ التّج مأخوذ من السّعة، يقال في أسنانه برج إذا كانت متفرّقة(١). التبرج اصطلاحًا: كل زينة أو تجمّل تقصد المرأة بإظهاره أن تحلو في أعين الأجانب، حتى القناع الذي تستتر به المرأة إن انتخب من الألوان البارقة، والشكل الجذّاب لكي تلذّ به أعين الناظرين، فهو من مظاهر تبرج الجاهلية أيضًا(٢). قال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبُّعَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُوْلَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. الصلة بين الحجاب والتبرج: التبرج مضاد للحجاب، فهما نقيضان لا يجتمعان، فالحجاب مقصود به الستر، والتبرج ضده. السفور: ٧ السفور لغة: السفور: مأخوذ من السّفر، وهو كشف الغطاء، قال ابن فارس: ((السين والفاء والراء أصل واحد يدل على الانكشاف والجلاء))(٣) ويختص بالأعيان، فيقال: امرأة سافر، وامرأة سافرة، إذا كشفت الغطاء والخمار عن وجهها، ولهذا قال سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨]. أي: مشرقة (٤)، فخص سبحانه الإسفار بالوجوه دون بقية البدن. السفور اصطلاحًا: السفور في الاصطلاح هو: كشف المرأة وجهها(٥). وهناك فرق بين التبرج والسفور: أن ((التبرج يكون بإبداء الوجه أو غيره من البدن أو من الزينة المكتسبة، فالسفور أخص من التبرج، وأن المرأة إذا كشفت عن وجهها فهي سافرة (١) انظر: الصحاح، الجوهري ١/ ٢٩٩، مقاييس اللغة ١/ ٢٣٨، المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٨، لسان العرب، ابن منظور ١/ ٢٤٣. (٢) الحجاب، المودودي ص١٣٢. (٣) مقاييس اللغة ٣/ ٨٢. (٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٨٢، مختار الصحاح، الرازي ص١٤٨. (٥) معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي وحامد قنیبي ص٢٤٥، مَوَسُو ◌َرُ النَّفِيد القرآن الكريمِ ٢٥٤ حجاب المراة متبرجة، وإذا كشفت عما سوى الوجه من بدنها أو الزينة المكتسبة فهي متبرجة حاسرة))(١). والبعض من أهل العلم يرى أنهما متقاربان، فقد خرج السفور اليوم عن معناه في أصل اللغة، وتحول إلى التبرج الفاحش والاختلاط المزري بالأجانب(٢). الصلة بين الحجاب والسفور: السفور ضد الحجاب، فهما نقيضان لا يجتمعان. (١) حراسة الفضيلة، بكر أبو زيد ص ٥٠. (٢) عودة الحجاب، محمد إسماعيل المقدم ٣/ ٧٧. www. modoee.com ٢٥٥ حرف الحاء القرآن وستر المرأة لقد رفع الإسلام مكانة المرأة، وأكرمها بما لم يكرمها به دين سواه، ومن إكرام الإسلام للمرأة أن أمرها بما يصونها، ويحفظ كرامتها، ويحميها من الألسنة البذيئة، والأعين الغادرة، والأيدي الباطشة. ومن صور تكريم الإسلام للمرأة أنه ربّاها على الستر، بأن فرض عليها ضوابط في ملبسها وزينتها وعلاقتها بالرجال، وهذه الضوابط التي فرضها عليها لم تكن إلا لسد ذريعة الفساد، وتجفيف منابع الافتتان بها. ويدور ستر القرآن للمرأة حول أصلين: الأصل الأول: أمر المرأة بالقرار في بیتھا: الأصل لزوم المرأة بيتها، فهو عزيمة شرعية في حقها، وخروجها من البيت رخصة لا تكون إلا لضرورة أو حاجة. قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّعْنَ تَبُّعَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللّهَ وَرَسُولَهٌ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّحْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣ حيث أمر سبحانه أمهات المؤمنين -وجميع المسلمات والمؤمنات داخلات في ذلك- بالقرار في البيوت؛ لما في ذلك من صيانتهن وإبعادهن عن وسائل الفساد؛ لأن الخروج لغير حاجة قد يفضي إلى شرور عدة، كالتبرج والخلوة بالأجنبي، ثم أمرهن بالأعمال الصالحة التي تنهاهن عن الفحشاء والمنكر، وذلك بإقامتهن الصلاة وإيتائهن الزكاة وطاعتهن لله ولرسوله صلى الله علیه وسلم، ثم وجههن إلى ما يعود عليهن بالنفع في الدنيا والآخرة، وذلك بأن يكنّ على اتصال دائم بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية المطهرة، اللذين فيهما ما يجلو صدأ القلوب ويطهّرها من الأرجاس والأنجاس ويرشد إلى الحق والصواب. وقد سمى الله مکث المرأة في بيتها قرارًا، وهذا المعنى من أسمى المعاني الرفيعة، ففيه استقرار لنفسها وراحة لقلبها وانشراح لصدرها، وخروجها عن هذا القرار يفضي إلى اضطراب نفسها، وقلق قلبها، وضيق صدرها، وتعريضها لما لا تحمد عقباه. والأمر بالقرار في البيوت ليس خاصًّا بأزواج النبي صلی الله عليه وسلم دون غيرهن من النساء؛ لأنه إذا كانت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمرن بالقرار في البيوت مع تقواهن وطهارتهن، فما بال غيرهن من النساء؟! إنهن أولى من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بأن يؤمرن بالقرار في البيوت. قال الإمام القرطبي: ((وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد مُوسُوبَةُ النَّخِّ القرآن الكريم ٢٥٦ حجاب المراة دخل غيرهن فيه بالمعنى. هذا لو لم يرد لنصف المجتمع -كما يدعي العلمانيون وغيرهم - فهل تعتبر المرأة عاطلة إذا قرّت دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بیوتهن، والانکفاف عن الخروج منها إلا لضرورة)) (١). في البيت وتفرّغت لتربية الجيل الجديد، الذي يرجى بإصلاحه صلاح الأمم، وبإفساده یتحقق فساد الأمم؟ وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن الأصل للنساء هو القرار في البيوت، لأجل هذا ليس على النساء حضور المسجد، لا لصلاة الجماعة أو الجمعة. وقرّر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد مع الجماعة، وليس ذلك إلا حرصًا من الشريعة الغراء على إبقاء النساء في البيوت، فعن أم حميد الساعدية أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك. فقال: (قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي)(٢). وأمر المرأة بلزوم البيت ليس فيه تعطیل (١) الجامع لأحكام القرآن، ١٤/ ١٧٩. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٧/٤٥، رقم ٢٧٠٩٠، وابن خزيمة في صحيحه، ٨١٥/٢، رقم ١٦٨٩. و حسنه محقق المسند. ولا يخفى أن خروج المرأة من بيتها لغير ضرورة أو حاجة له آثار سيئة على الأسرة والمجتمع. لكن من الأمور الواجب التنبيه عليها ظهور سماحة الإسلام في إباحته الخروج للمرأة عند الضرورة، كطلب العلم من السنوات الأولى حتى تسنّم أعلى الشهادات العلمية، طالما احتشمت المرأة وأخذت بأسباب التصون، كما أباح الإسلام للمرأة العمل في كل ما يتناسب مع طبيعتها وتکوینها، خاصة إذا احتاجت إلى العمل، أو احتاج إليها العمل النوعي الذي يتفق مع کیانها ومكانتها. ومن النصوص التي تدل على جواز خروج المرأة عند وجود الحاجة، ما جاء عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفی علی من یعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانکفات راجعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وإنه ليتعشى وفي www. modoee.com ٢٥٧ حرف الحاء يده عرق(١)، فدخلت فقالت: يا رسول الله، خرجت استشرفها (٤) الشيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها)(٥). إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: (إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن)(٢). و قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)(٣). الأصل الثاني: آداب يجب على المرأة مراعاتها عند خروجها من بيتها: حينما قرر الإسلام أن الأصل قرار المرأة في بيتها، فقد سمح لها بالخروج في بعض الأحوال، ولما كان الشيطان يستغل خروج المرأة لنشر الفاحشة والفساد، کما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة عورة، فإذا (١) عرق: هو العظم الذي عليه بقية لحم. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢١٩/٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه. كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم)، ٦/ ١٢٠، رقم ٤٧٩٥، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان، ١٧٠٩/٤، رقم ٢١٧٠. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم؟، ٢ / ٦، رقم ٩٠٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، وأنها لا تخرج مطيبة، ٣٢٧/١، رقم ٤٤٢. ومن أجل ذلك فقد شرع الإسلام ضوابط لخروج المرأة؛ حتى لا يتمكن الشيطان من استغلال خروجها لنشر الفاحشة. ومن هذه الضوابط: ١. الالتزام بالحجاب الشرعي. حيث يجب شرعًا على جميع نساء المؤمنين التزام الحجاب الشرعي، الساتر لجميع الزينة المكتسبة من ثياب وحلي وغيرها من كل رجل أجنبي. فعلى المرأة المسلمة ألا تخرج إلا متحجبة بالحجاب الكامل من فوق الرأس، وتغطي القدمين، ويعرف أهمية تغطية القدمين من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. قال أبو السعود: ((وفي النّهي عن إبداء صوت الحليّ بعد النّهي عن إبداء عينها من المبالغة في الزّجر عن إبداء موضعها مالا (٤) الاستشراف: رفع البصر للنظر إلى شيء. والمعنى: أن المرأة إذا خرجت أمعن الشيطان في الإغواء بها. انظر: تحفة الأحوذي، المباركفوري ٢٠٨/٢. (٥) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب أبواب الرضاع، باب ١٨، ٢/ ٤٦٧، رقم ١١٧٣. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٣٠٣، رقم ٢٧٣. مَوَسُولَةُ النَّص القُرآن الكَرِيْمِ ٢٥٨ حجاب المرأة یخفی»(١). ويتضح هذا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة). فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذیولهن! قال: (یرخینه شیرًا)، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: (فیرخینه ذراعًا، ولا يزدن عليه)(٢). هذه الآية عرفت باسم آية الحجاب؛ فيظهر من قول أم سلمة رضي الله عنها لأنها أول آية نزلت بشأن فرض الحجاب أن وجوب ستر القدمين كان أمرًا شائعًا معروفًا بين المسلمين. وقد اتفق العلماء على أنه يجب على من الهجرة(٣). المرأة ستر وجهها وكفيها عند وجود الفتنة، ورقة الدين، وفساد الزمان، واختلفوا إذا أمنت الفتنة على قولين: ومن أدلتهم: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَأَيّاً الَّذِينَ ءَمَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّنَهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَّشِرُواْ وَلَا (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ١٧١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه. كتاب اللباس، باب من جر إزاره من غير خيلاء، ٧/ ١٤١، رقم ٥٧٨٤، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب خيلاء، ١٦٥٢/٣، رقم ٢٠٨٥. مُسْتَقْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِ، مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَغْيِ مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْتَلُوهُنَّ مِنِ وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ: أَبَدَّاً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. على أمهات المؤمنين ونساء المؤمنين، و کان نزولها في شهر ذي القعدة سنة خمس وسبب نزولها ما ثبت من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قلت: (يا رسول الله! القول الأول: أكثر أهل العلم على يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت وجوب تغطية الوجه والکفین. أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب)(٤). ولما نزلت حجب النبي صلى الله عليه وسلم نساءه عن الرجال الأجانب عنهن، وحجب المسلمون نساءهم عن الرجال الأجانب عنهن، بستر أبدانهن من الرأس إلى القدمين، وستر ما عليها من الزينة المكتسبة، فالحجاب فرض عام على كل مؤمنة مؤبد (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٥١. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب (لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلّا أن يؤذن لكم)، ١١٨/٦، رقم ٤٧٩٠. www. modoee.com ٢٥٩ حرف الحاء إلى يوم القيامة، وقد تنوعت دلالة هذه الآيات على هذا الحكم من الوجوه الآتية: الوجه الأول: لما نزلت هذه الآية حجب النبي صلی الله عليه وسلم نساءه، وحجب الصحابة نساءهم، بستر وجوههن وسائر البدن والزينة المكتسبة، واستمر ذلك في عمل نساء المؤمنين، هذا إجماع عملي دال على عموم حكم الآية لجميع نساء المؤمنين، ولهذا قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: ((﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ يقول: وإذا سألتم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنین اللواتي لسن لکم بأزواج متاعًا، فاسألوهن من وراء حجاب، يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن))(١). الوجه الثاني: في قول الله تعالى في آية الحجاب: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ علة لفرض الحجاب في قوله سبحانه: ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ بمسلك الإيماء والتنبيه، وحكم العلة عام لمعلولها هنا؛ لأن طهارة قلوب الرجال والنساء وسلامتها من الريبة مطلوبة من جميع المسلمين، فصار فرض الحجاب على نساء المؤمنين من باب الأولى من فرضه على أمهات المؤمنين، وهن الطاهرات المبرآت من كل عيب ونقيصة رضي الله عنهن . (١) جامع البيان، الطبري ١٩ / ١٦٦. مَوْسُور لِلْقُرآن الكَرِيْمِ فاتضح أن فرض الحجاب حكم عام على جميع النساء لا خاصًّا بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن عموم علة الحکم دلیل علی عموم الحکم فیه، وهل يقول مسلم: إن هذه العلة: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ ◌ِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ غير مرادة من أحد من المؤمنين؟ فيالها من علة جامعة لم تغادر صغيرة ولا كبيرة من مقاصد فرض الحجاب إلا شملتها (٢). الوجه الثالث: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلا إذا قام دليل على التخصيص، وكثير من آيات القرآن ذوات أسباب في نزولها، وقصر أحكامها في دائرة أسبابها بلا دليل تعطيل للتشريع، فما هو حظ المؤمنين منها؟ الوجه الرابع: زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات لجميع المؤمنين، كما قال الله تعالى: وأزواجهءَ امَهْهـ [الأحزاب: ٦]. ونكاحهن محرم على التأبيد كنكاح الأمهات ﴿وَلَا أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ, مِنْ بَعْدِهِهِ أَبَدًا ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وإذا كانت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، فلا معنى لقصر الحجاب علیهن دون بقية نساء المؤمنين؛ ولهذا كان حكم فرض الحجاب عامًّا لكل مؤمنة، (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٥٨٤. ٢٦٠ حجاب المراة مؤبدا إلى يوم القيامة، وهو الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم، كما تقدم من حجبهم نساءهم رضي الله عنهن . الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُّدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَّيْنَّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]. قال السيوطي: ((هذه آية الحجاب في حق سائر النساء، ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهن))(١). وقد خصّ الله سبحانه في هذه الآية بالذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته؛ لشرفهن ولأنهن آكد في حقه من غيرهن لقربهن منه، ثم عمم سبحانه الحكم على نساء المؤمنين، وهذه الآية صريحة كآية الحجاب الأولى، على أنه يجب على جميع نساء المؤمنين أن يغطين ويسترن وجوههن وجميع البدن والزينة المكتسبة، عن الرجال الأجانب عنهن، وذلك الستر بالتحجب بالجلباب الذي يغطي ويستر وجوههن وجمیع أبدانهن وزینتهن، وفي هذا تمییز لهن عن اللائي یکشفن من نساء الجاهلية؛ حتى لا يتعرضن للأذى ولا يطمع فیھن طامع. والأدلة من هذه الآية على أن المراد بها (١) عون المعبود، العظيم آبادي ١١ / ١٠٦. ستر الوجه وتغطيته من وجوه، هي: الوجه الأول: معنى الجلباب في الآية هو معناه في لسان العرب، وهو: اللباس الواسع الذي يغطي جميع البدن، وهو بمعنى: الملاءة والعباءة، فتلبسه المرأة فوق ثيابها من أعلى رأسها مدنية ومرخية له على وجهها وسائر جسدها، وما على جسدها من زينة مكتسبة، ممتدًا إلى ستر قدميها(٢). فثبت بهذا حجب الوجه بالجلباب کسائر البدن لغةً وشرعًا. الوجه الثاني: أن شمول الجلباب لستر الوجه هو أول معنى مراد؛ لأن الذي كان يبدو من بعض النساء في الجاهلية هو: الوجه، فأمر الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بستره وتغطيته، بإدناء الجلباب عليه؛ لأن الإدناء عدّي بحرف على، وهو دال على تضمن معنى الإرخاء، والإرخاء لا يكون إلا من أعلى، فهو هنا من فوق الرءوس على الوجوه والأبدان. الوجه الثالث: أن ستر الجلباب للوجه وجميع البدن وما عليه من الثياب المكتسبة - الزينة المكتسبة - هو الذي فهمه نساء الصحابة رضي الله عنهم، وذلك فيما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَِّيبِهِنَّ﴾ (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٧٣/١، شمس العلوم، الحميري ١١٣٩/٢. www. modoee.com ٢٦١ حرف الحاء خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن تستر وجهها لا يطمع فيها طامع بالكشف عن باقي بدنها وعورتها المغلظة، فصار الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها (١). في کشف الحجاب عن الوجه تعریض لها بالأذى من السفهاء، فدل هذا على التعليل على فرض الحجاب على نساء المؤمنين لجمیع البدن والزينة بالجلباب، وذلك حتى يعرفن بالعفة، وأنهن مستورات محجبات بعیدات عن أهل الخنا، وحتى لا يفتتن ولا یفتن غیرهن فلا يؤذين. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: رحم الله تعالى نساء الأنصار، لما نزلت: ﴿يَأَيُّها النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ﴾ الآية شققن مروطهن (٢)، فاعتجرن بها، فصلّين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما على رءوسهن الغربان(٣). والاعتجار: هو الاختمار، فمعنى: فاعتجرن بها، واختمرن بها: أي غطين وجوههن (٤). الوجه الرابع: هذا التعليل ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَايُؤْذَينَ﴾ راجع إلى الإدناء، المفهوم من قوله: ﴿يُدْنِينَ﴾ وهو حكم بالأولى على وجوب ستر الوجه؛ لأن ستره علامة على معرفة العفيفات فلا يؤذين، فهذه الآية نص على ستر الوجه وتغطيته، ولأن من (١) أخرجه أبو داود في سننه،كتاب اللباس، باب في قوله تعالى: (يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ)، ٦/ ١٩٧، رقم ٤١٠١. وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود، رقم ٤١٠١. (٢) المرط: هو الكساء، ويكون من صوف وغيره. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٣١٩/٤. (٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦ / ٦٦٠ لابن مردویه. (٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ١٨٥/٣. ومعلوم أن المرأة إذا كانت غاية في الستر، لم يقدم عليها من في قلبه مرض، وكّفّت عنها الأعين الخائنة، بخلاف المتبرجة المنتشرة الباذلة لوجهها، فإنها مطموع فيها. القول الثاني: ذهب عدد من أهل العلم إلى جواز كشف المرأة وجهها وكفيها(٥). ومن أدلتهم: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَاظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. واستدلوا به من وجھین: الوجه الأول: ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر قوله: إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالوجه والكفين(٦). (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٨/١٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٥، أضواء البيان، الشنقيطي ٥١١/٥. (٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٦٧/٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٤/٣. ٢٦٢ القرآن الكريمِ حجاب المراة فابن عباس رضي الله عنهما إنما يشير بتفسيره للآية إلى هذه العادة التي كانت معروفة عند نساء العرب عند نزولها، وأقروا عليها(١). الوجه الثاني: حصل الإجماع على وجوب ستر العورة على كل مصلٍّ في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، فإذ کان ذلك من جمیعهم إجماعًا، کان معلومًا بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة، كما ذلك للرجال ؛ لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره، وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلومًا أنه مما استثناه الله -تعالى ذكره- بقوله: ـدِينَ وَإ زِينَتَهُنَّ إِلََّ مَاظَهَرَ مِنْهَا﴾ الدليل الثاني: عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: (يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن یری منها إلا هذا)، وأشار إلى وجهه وكفيه (٢). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٦، أضواء البيان، الشنقيطي ٥١٧/٥، جلباب المرأة المسلمة، الألباني ص٥١. (٢) انظر: جلباب المرأة المسلمة، الألباني ص٥٣. الترجيح: يرى الباحث وجوب تغطية الوجه والكفين في زمان الفتنة، وليست هناك فتنة أعظم من فتن هذا الزمان. ٢. لا تخرج متبرجة. ومن حرص الإسلام على ستر المرأة أنه نهى عن التبرج، وحذّر منه تحذيرًا شديدًا، والذي ينظر في قصة آدم عليه السلام وإبليس يلحظ أن الحياء من التعري وانكشاف السوءة شيء مركوز في طبع الإنسان وفطرته، إذ يقول الله سبحانه: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَئِنُ لِيُبْدِىَ لَمُمَا مَا ؤُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠]. وقال سبحانه: ﴿قَدَلَّنْهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقًا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ﴾ [الأعراف: ٢٢]. إن قصة آدم وحواء مع إبليس تکشف لنا مدی حرص عدو الله على كشف السوءات، وهتك الأستار، وإشاعة الفاحشة، وأن هذا هدف مقصود له. ومن ثمّ حذرنا الله عز وجل عن هذه الفتنة خاصة، فقال جل وعلا: ﴿يَِّيّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كُمَّا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]. ومن هنا فإن إبليس هو رائد الدعوة إلى كشف العورات، وهو مؤسس الدعوة إلى www. modoee.com ٢٦٣ حرف الحاء التبرج بدرجاته المتفاوتة، بل هو الزعيم الأول لشياطين الإنس والجن الداعين إلى تحرير المرأة عن قيد الستر والصيانة والعفاف. فعلى المرأة إذا خرجت من بيتها لحاجة أن تلتزم حجابها الشرعي، وأن تبتعد عن التبرج، فلا تخلع الحجاب، ولا تبدي زينتها للأجانب، ولا تظهر محاسنها. وقد دلّ الكتاب والسنة والإجماع على تحريم تبرج المرأة، وهو إظهارها شيئًا من بدنها أو زينتها المكتسبة التي حرّم الله عليها إبداءها أمام الرجال الأجانب عنها. قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِ بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّحْنَ تَبُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. فقد أمر الله سبحانه في هذه الآية نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين، وهن من خير النساء وأطهرهن بلزومهن البيوت، ونهاهن عن تبرج الجاهلية، وهو إظهار الزينة والمحاسن، كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق، ونحو ذلك من الزينة؛ لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة، وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا، وإذا كان الله سبحانه يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن فغيرهن أولى، وأولى بالتحذير والإنكار والخوف عليهن من أسباب الفتنة. والتبرج كبيرة من الكبائر، وسبب من أسباب دخول النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)(١). ومن معاني قوله صلی الله عليه وسلم: (كاسيات عاريات) ما ذكره النووي: (تكشف شيئًا من بدنها إظهارًا لجمالها، فهن كاسيات عاريات))(٢). ٣. عدم الخضوع بالقول. إذا خرجت المرأة من بيتها واضطرت إلى معاملة الرجال، فيجب عليها ألا ترقّق الكلام، بل علیھا التكلم بوقار واحتشام، يقول الله تعالى: ﴿يَنِسَآءُ النَّيْ لَسْأُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِسَاءِ إِنِ اتَّقَيُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِىِ فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ فَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. فقد نهى سبحانه في هذه الآية نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين، وهن من (١) أخرجه مسلم في صحيحه،كتاب اللباس والزينة، باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، ٣/ ١٦٨٠، رقم ٢١٢٨. (٢) المنهاج شرح صحيح مسلم ١٧/ ١٩١. ٢٦٤ القرآن الكريم حجاب المرأة خير النساء وأطهرهن عن الخضوع بالقول للرجال، وهو تليين القول وترقيقه، لئلا یطمع فیھن من في قلبه مرض شهوة الزنا، ويظن أنهن يوافقنه على ذلك. والخطاب في هذه الآية إن كان لنساء النبي صلى الله عليه وسلم لكنه شامل لجميع النساء. قال الجصاص: ((وفيه الدلالة على أن ذلك حكم سائر النساء في نهيهن عن إلانة القول للرجال على وجه يوجب الطمع فيهن، ويستدل به على رغبتهن فيهم))(١). وقال ابن كثير: ((﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ قال السدي وغيره: يعني بذلك: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال؛ ولهذا قال: ﴿فَطْمَعَ الَّذِىِ فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ﴾ أي: دغل، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلاً معروفًا في الخير. ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها))(٢). فقد نهيت المرأة عن مخاطبة الأجانب بكلام فيه ترخيم كما تخاطب زوجها، وأمرت أن تتحرى الصوت الجاد العاري عن أسباب الفتنة، وقد سد الإسلام على المرأة كل سبيل للتسيب في هذا الباب، (١) أحكام القرآن، الجصاص ٣٥٩/٣. (٢) تفسير القرآن العظيم، ٦/ ٤٠٩. حينما جعل أمهات المؤمنين محلًّا للقدوة، فلم يبق هناك عذر لمعتذر. ٤. عدم الخروج متعطرة. من الأمور التي تحرّك الشهوات شم الرجال طيب النساء، فستر الإسلام المرأة في هذا الباب بأن نهاها عن الخروج متعطرة، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة استعطرت، فمرت على قوم ليجدوا من ريحها، فهي زانية)(٣). يقول صاحب بذل المجهود: ((سماها النبي صلى الله عليه وسلم زانية مجازًا؛ لأنها رغبت الرجال في نفسها، فأقل ما یکون هذا سببًا لرؤيتها، وهي زنا العين»(٤). وعن موسى بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن امرأة مرت به تعصف ريحها، فقال: يا أمة الجبار، المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من امرأة تخرج إلى المسجد (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٤١٤/٤، رقم ١٩٧١١، والنسائي في سننه، كتاب الزينة، باب ما يكره للنساء من الطيب، ١٥٣/٨، رقم ٥١٢٦، والحاكم في المستدرك، ٣٩٦/٢، رقم ٣٤٩٧. قال الحاكم: ((صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)) ولم يتعقبه الذهبي. (٤) بذل المجهود، السهار نفوري ١٧/ ٦٠. www. modoee.com ٢٦٥ حرف الحاء تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى يخطر في خيالهم، أكثر مما يثيرهم شخص ترجع إلى بيتها فتغتسل)(١). وسبب المنع منه واضح وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة. قال ابن دقيق العيد: ((وفي حرمة التطيب علي مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال»(٢). وإذا كانت المرأة تمنع من الذهاب إلى المسجد إذا استعطرت، فهل يسمح لها بأن تذهب إلى الأسواق مستعطرة، تحرّك الشهوات وتفتن الرجال؟! ٥. عدم إظهار زينتها بالصوت. من الآداب التي قررتها الشريعة الغراء، وأمرت المرأة بالتزامها، أن لا تظهر زينتها بالصوت، سواء كان صوت الحلي أو غيره. قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. يقول سيد قطب: ((وإنها لمعرفة عميقة بتركيب النفس البشرية وانفعالاتها واستجاباتها. فإن الخيال ليكون أحيانًا أقوى في إثارة الشهوات من العیان. و کثیرون تثير شهواتهم رؤية حذاء المرأة أو ثوبها، أو حليّها، أكثر مما تثيرها رؤية جسد المرأة ذاته، كما أن كثيرين يثيرهم طيف المرأة (١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، ٨١٢/٢، رقم ١٦٨١، والبيهقي في السنن الكبرى، ٣٤٨/٣، رقم ٥٩٧٣. (٢) فيض القدير، المناوي ٣/ ١٣٧. المرأة بين أيديهم- وهي حالات معروفة عند علماء الأمراض النفسية اليوم - وسماع وسوسة الحلي أو شمام شذى العطر من بعید، قد یثیر حواس رجال کثیرین، ویھیج أعصابهم، ويفتنهم فتنة جارفة لا يملكون لها ردًّا. والقرآن يأخذ الطريق على هذا كله؛ لأن منزّله هو الذي خلق، وهو الذي يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير))(٣). وقال الجصاص: ((وفيه دلالة على أن المرأة منھیة عن رفع صوتها بالكلام، بحیث يسمع ذلك الأجانب؛ إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها؛ ولذلك كره أصحابنا أذان النساء لأنه يحتاج فیه إلى رفع الصوت)) (٤). ومن حرص الشريعة على ستر المرأة أنه ليس لها أن ترفع صوتها بحيث يسمعه الرجال الأجانب، فجعلت لها التصفیق دون التسبيح إذا انتابها شيء في الصلاة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء)(٥). (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥١٤/٤. (٤) أحكام القرآن، الجصاص ١٧٧/٥. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب العمل في الصلاة، باب التصفيق للنساء، ٦٣/٢، رقم ١٢٠٣، ومسلم في صحيحه، كتاب مَوَسُولَةُ النَِّي القرآن الكريم ٢٦٦ حجاب المراة وليس للمرأة أن ترفع صوتها بالتلبية في الحج والعمرة؛ حتى لا تظهر زينتها بالصوت، قال ابن قدامة: ((قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها. وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها، ولهذا لا يسن لها أذان ولا إقامة، والمسنون لها في التنبيه في الصلاة التصفيق دون التسبيح))(١). فلم تهمل الشريعة المطهرة أي أمر يتحقق به ستر المرأة، ويحفظ كرامتها، ويصون عفتها، ويقطع دابر الشر والفساد عن المجتمع الإسلامي. الصلاة، باب تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذا نابهما شيء في الصلاة، ٣١٨/١، رقم ٤٢٢. (١) المغني ٣٠٥/٣. وانظر: الاستذكار، ابن عبد البر ٤/ ٥٧. المرأة والزينة عني الإسلام بزينة المرأة عناية عظيمة، فوضع لها القواعد والضوابط التي تجعل الزينة تلبي فطرة المرأة، وتناسب أنوثتها من جهة، وتحفظها في مسارها الصحيح بلا إفراط ولا تفريط من جهة أخرى. وفيما يلي نتناول في هذا المبحث بعض المسائل المتعلقة بزينة المرأة. أولًا: شروط لباس المرأة: لقد حدد الإسلام الشروط والضوابط التي يجب على المرأة المسلمة أن تتقيد بها في موضوع اللباس، وهذه الشروط هي: ١. أن يستوعب اللباس جميع البدن. وذلك ليكون ساترًا للعورة، وللزينة التي نهيت المرأة عن إبدائها، فإن القصد الأول من اللباس هو الستر ثم الزينة، ولباس المرأة لابد أن يكون ساترًا لوجهها وكفيها وقدميها وسائر جسمها، إذا كانت خارج الصلاة وبحضرتها أجانب. قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلََّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. والنهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من باب أولى، ولولا اللباس لظهرت مواضع الزينة من الصدر، والذراع، www. modoee.com ٢٦٧ حرف الحاء والقدم ونحوها، وعلى هذا فلابد أن تلبس تصف حجم عظامها)(٣). المرأة ما يستر كل جسدها، إذ قد يظهر شيء منه، لا سيما عند ركوبها للسيارة ونزولها منها، أو دخولها أماكن تضطر فيها على صعود سلالم، فتظهر زينتها وتحصل الفتنة بها. ٢. ألا يكون اللباس ضيقًا يصف جسمها. وذلك أن الغرض من اللباس ستر العورة، ومواضع الزينة، وهذا إنما يكون بالثوب الواسع، أما الثوب الضيق فإنه - وإن كان يستر لون البشرة- يصف جسم المرأة أو بعضه، فالواجب على المرأة أن تهتم بستر بدنها وتقاطيع جسمها، والتساهل في ذلك من أعظم أسباب الفساد ودواعي الفتنة. يقول أسامة بن زيد رضي الله عنه: كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطيةً(١) كثيفة مما أهدى له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال: مالك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي. فقال: (مرها فلتجعل تحتها غلالةٌ(٢) فإني أخاف أن فالرسول صلى الله عليه وسلم يأمر أسامة أن يطلب من امرأته أن تضع تحت هذا الثوب الثخين غلالة، ليمنع وصف بدنها وحجم عظامها؛ فهذه القبطية - وإن كانت ثخينة - قد تصف الجسم، ولا سيما إذا كان اللباس الثخين من طبيعته الليونة والانثناء؛ فهذه القبطية ثخینة، ومع ذلك خاف صلى الله عليه وسلم من أن تصف حجم عظامها. فلابد أن تعلم المرأة أن اللباس الضيق الذي يصف مفاتن الجسم لا يجوز شرعًا، وهو داخل في لباس أهل النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)(٤). وقد فسر العلماء - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) - الكاسيات العاريات بأن من معانيها أن تلبس الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع جسمها. (١) القبطية: هي ثياب من كتّانٍ رقيقٍ كانت تعملٍ بمصر، نسبة إلى القبط على غير قياس فرقًا بينها وبين الإنسان. انظر: المصباح المنير، الفيومي ٤٨٨/٢. (٢) غلالة: شعار يلبس تحت الثوب للبدن خاصّة. انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٠ / ١٢٠. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ١٢٠/٣٦، رقم ٢١٧٨٦، والبيهقي في معرفة السنن والآثار، ١٤٦/٣، رقم ٤٠٦٥ وحسنه الألباني في الثمر المستطاب، ٣١٨/١. (٤) سبق تخريجه. (٥) مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٤٦/٢٢. ٢٦٨ مُوسْو ◌َ النَّيّة جوبيو القرآن الكريم