Indexed OCR Text
Pages 41-58
الجدال
بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِمَا أَرَنِكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اللَّهَ وَلَا تَكُنَ
لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: ١٠٥].
وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهُ إِنَّ
١٠٥
لِلْخَكِنِينَ خَصِيمًاً
﴾[النساء: ١٠٥-١٠٦]
اُللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا
ولذلك حرّم الإسلام الدفاع عمّن علم
شره وفساده، وظهر فسقه ونفاقه(١).
وهنا تحذير في زماننا لمن امتهن
المحاماة أن يتّقيَ الله عز وجل في اختيار
قضاياه، وألّا يدافع عن شخص ظهر إجرامه
وفساده، وأن يبحث عن المظلومين؛ ليرفع
الظلم عنهم، ويرد إليهم حقوقهم.
وليعلم أنّه إن نجحت المدافعة عن أهل
النفاق والفساد في الدنيا؛ من تبرأتهم ودفع
السوء عنهم، فإنّ ذلك لن يغيّر شيئًا من
عذاب يوم القيامة.
عَنْهُمْ فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَدِلُ
اَللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ
وَكِيلًا ﴾ [النساء: ١٠٩].
وفي هذا المقام نقدم نصيحة لكل من
يتولى مهنة القضاء أو المحاماة أن يحرص
على دوام الاستغفار؛ خشية أن يكون قد برأ
مجرمًا، أو جرّم بريئًا، لتوجيهه لنبيه صلى
الله عليه وسلم والأمة من بعده إلى هذا
الفعل.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ
ونود التأكيد في هذه القضية على أنّ نهي
القرآن الكريم عن المجادلة عن الخائنين
لا يعني الوقوف ضدهم، وحرمانهم من
حقوقهم، وتتبع أخطائهم؛ لإنزال العقوبات
المختلفة بهم، فيجب على المسلم أن
يكون عدلًا في مواقفه؛ بغض النظر عن
حقيقة الأشخاص، سواء أكانوا من جماعته
وحزبه، أو غير ذلك، بل لابد من الوقوف
بجانب الحق، وتعرية الباطل وأهله، فضلًا
حقيقتهم الخبيثة، أو يخفف عنهم شيئًا من عن الدفاع أو السكوت عنهم.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
قال تعالى: ﴿هَتَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ جَدَلْتُمْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِاَلْقِسْطِ وَلَا
يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ
أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللّهَ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: ٨].
وإنّ المتأمل للآية القرآنية يستنبط أنّ
الخيانة طبع متجذر فيهم، نتج عنها حالان
قبيحان يمنعان من الدفاع عن أهل النفاق
والفساد، وهما:
الأول: الحياء من الناس، مع الحرص
الشديد على التستر من الناس عند الوقوع
في المنكرات، وعدم الحياء من الله عز
وجل، وإغفال مراقبة الله عز وجل، مع أنّ
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي الله عز وجل هو الأولى أن يستحى منه.
٠٣٧٧/٥
www. modoee.com
٤٧
حرف الجيمى
قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا
يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨].
الثاني: إضمار الشر والتدبير لمخالفة
شرع الله عز وجل قولا وفعلاً، ثمّ العمل
على إلصاق التهمة بغيرهم من المسلمين (١).
قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا
يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾
[النساء: ١٠٨].
سادسًا: الجدال عمّن استحق العذاب:
إنّ الإنسان بطبعه يسعى لتحقيق
المصلحة ودفع المفسدة عمّن تربطه
بهم قرابة، أو مودة؛ لذلك فهو يسلك كل
السبل ليتحصل على مراده؛ سواء كانت
هذه المجادلة بقصد الإصلاح أو الإفساد،
وسيتناول المطلب موقفين يشيران إلى
ذلك؛ وهما كالتالي:
الموقف الأول: نبي الله إبراهيم
عليه السلام يجادل في قوم لوط.
لقد أثبت القرآن الكريم أنّ نبي الله
إبراهيم عليه السلام لما جاءته الملائكة
تبشره بإسحاق عليه السلام، وتعلمه بأمر
إهلاك قوم نبي الله لوط عليه السلام، أخذ
يجادلهم في أمر نزول العقاب بهم، قال
تعالى: ﴿فَلَّا ذَهَبَ عَنْ إِنَزَهِيَمَ الزَّوْعُ وَجَاءَتَّهُ
اَلْبُشْرَى يُجَدِّلْنَا فِىِ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ [هود: ٧٤].
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣/ ٣٠٠.
فهنا نبي الله إبراهيم عليه السلام يجادل
ليدفع العقاب عن قوم لوط عليه السلام.
إنّ الجدال في أمر الله عز وجل بقصد
ردّه وعدم الالتزام به من أعظم الذنوب
والمعاصي؛ لأنها اعتداء على حكم الله
عز وجل، وجرأة عليه، لكنّ مجادلة نبي
الله إبراهيم عليه السلام لا تندرج تحت
هذا المفهوم؛ إذ القصد منها سعي نبي الله
إبراهيم عليه السلام إلى تأخير العقوبة عن
قوم لوط وليس رفضًا لأمر الله عز وجل،
لذلك نجد أنّ الله عز وجل قد امتدحه بعد
مجادلته(٢) بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِتَزْهِيَمَ لَحَلِيمٌ
أَوَّهُ مُنِيبٌ ﴾ [هود: ٧٥].
فإنّ نبي الله إبراهيم عليه السلام حليمٌ
لا يستعجل العقوبة، صبورٌ على الأذى،
أوّاه(٣) رقيق القلب لا يحتمل ألم الناس؛
لذلك طلب من الله عز وجل تأجيل العذاب
المقرر على قوم لوط عليه السلام؛ لعلهم
يؤمنون قبل أن يحل بهم العذاب العظيم
الأليم؛ بسبب جهلهم وعنادهم (٤).
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/ ٣٧٧.
(٣) الأوّاه: كثير التأوّه، وهو من قولهم أوه، وهو
ناتج عن شدة الخشية من الله عز وجل، أو عن
کثرة عنایة الشخص بأحوال الناس وهمومهم،
والتألم لآلامهم.
انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/
١٢٣، التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٧/
٢٤٣.
(٤) انظر: تفسير الشعراوي ١١/ ٦٥٧٠.
٤٨
مُوسُوبَةُ النَّ
لِلْقَرَآن الكَرِيْمِ
الجدال
الموقف الثاني: جدال نبي الله نوح لَيْسَمِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غيرُ صلح﴾؛ لذلك نھی
عليه السلام في شأن ابنه.
لقد توجّه نبي الله نوح عليه السلام إلى
الله عز وجل طالبًا منه أن يغفر لولده في
الآخرة، بعدما يأس من نجاته في الدنيا،
توجّةٌ اقتضاه داعي شفقة الأبوة على الولد،
تلك الأبوة المتقدة التي لا تنطفئ مهما صدر
عن الأبناء من عقوق ومخالفة ؛ لعله ينفع ابنه
في الآخرة، ويدفع عنه العذاب الأليم(١).
قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ، فَقَالَ رَبٍّ
إِنَّ أَبْنِ مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحَكَمُ
الْحَكِينَ ﴾ قَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌَ
إِنَّهُ, عَمَلُ غَيْرُ صَلِحٍ فَلَا تَتْعَلْنِ مَا لَيْسَ لَّكَ بِهِ عِلْمٌّ إِّ
أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ ﴾ قَالَ رَبِّ إِِّّ
أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيَّسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإلَّا
تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِنَ الْخَسِرِينَ
٤٧
[هود: ٤٥ -٤٧].
نادی نبي الله نوح عليه السلام ربّه سبحانه
وتعالى: ربّ قد وعدتني بنجاتي وأهلي من
الغرق، وإنّ ابني من أهلي، ووعدك حقٌّ لا
خلف له، وأنت أحكم الحاكمين، فاحكم
لي بوفاء الوعد ونجاة ابني وأهلي، لكنّ ابن
نوح عليه السلام ليس من أهله؛ لأنّه على
دين يخالف عقيدة التوحيد، فهو ليس ممن
وعد الله عز وجل بنجاتهم ﴿قال ينُوحُ إِنَّهُ,
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/ ٨٣،
التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١١٤٦/٦.
الله عز وجل نبيه نوح عليه السلام أن يسأله
عن أسباب أفعاله التي غابت عنه وعن غيره
من البشر ﴿فَلَا تَتَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ إِنْ أَعِظُكَ
أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾، وفي نهاية المحاورة
یتوجّه نبي الله نوح عليه السلام إلى الله عز
وجل بالإنابة والتوبة في أن يسأل فيما لا
يدركه علمه، واستأثر الله عز وجل بعلمه
﴿قَالَ رَبٍ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِ
بِهِ عِلْمٌ﴾، وطلب من الله عز وجل المغفرة
والرحمة والإنقاذ من غضبه وإلّا كان من
الخاسرين (٢) ﴿وَإِلََّ تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىَ أَكُن
مِنَ الْخَسِرِينَ﴾.
إنّ هذا الموقف يرسخ حقيقة قرآنية تميّز
طبيعة هذا الدّين، مفادها أنّ روابط الدّين
أقوى وأثبت من روابط الدم والنسب، أو
روابط الأرض والوطن، أو روابط اللون
واللغة؛ لأنّ هذه الروابط في لحظة تنتهي
بانتهاء المصالح المشتركة والمكاسب
الدنيوية، فالقرآن الكريم يوجّه الأمة نحو
التربية على هذا الأصل الكبير، والمعلم
البارز في حياة الأمة، ألا وهو الرابط الذي
يمثّل وحدة العقيدة والمنهج (٣).
ونظير ذلك قوله تعالى في مخاطبة نبيه
إبراهيم عليه السلام لما طلب لذريته الإمامة
(٢) انظر: جامع البيان ١٥/ ٣٣٩-٣٥٢.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٢٦.
www. modoee.com
٤٩
حرف الجيمى
وَإِذِ أَبْتَلَّ إِبْرَهِعَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ
من بعده
فَتَّمَّهُنَّ قَالَ إِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَّا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ
[البقرة :
قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الََّالِمِينَ
١٢٤].
سابعًا: الجدال في الحج:
إنّ زيارة بيت الله الحرام، والتقرب بعبادة
الحج لله عز وجل، تقتضي من الإنسان ألّا
يقدم على أمر يدنس قصده، ويبطل عمله (١).
قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَنٌ فَمَن
فَضَ فِيهِنَّ الَْجَّ فَلَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا
جِدَالَ فِى الْحَجُّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ
اللَّهُ وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ
يَتَأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: ١٩٧].
فمنع الإسلام الجدال في الحج؛ فأمر
الحجيج بالابتعاد عن كل فعل أو قول
يخالف آداب الإسلام، ويؤدي إلى التنازع
والتخاصم بين المسلمين؛ لأنّ الجميع قد
قصد مكة من أجل الطاعة والأجر، فالواجب
عليهم التعاون على البر والتقوى، واجتناب
الإثم والعدوان (٢).
ولما كان القصد من الحج هو إظهار
وحدة المسلمين؛ وحدة الكلمة والمنهج
والغاية، وإظهار قوة الأخوة في الدّين،
وصفاء الترابط بين الحجيج، أمر الله عز
وجل باجتناب كل ما يخدش هذه الوحدة،
(١) روح المعاني، الألوسي ٢ / ٨٦.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٤٢٨.
ويعكر صفو هذا التآلف، وعلى رأس هذه
المنهيات الجدال والمنازعة.
بعد استعراض هذا المبحث يمكن
الخروج بجملة من الاستنباطات من أهمها:
١. الجدال المذموم أغلبه متعلق
بأهل الكفر والضلال، وقد يقع من
المسلمين.
٢. يسعى أهل الكفر والضلال لمحاربة
الإسلام بشتى الوسائل والأساليب
دون توقف أو فتور، لكنّها بلا فائدة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
قال تعالى:
يُفِقُونَ أَمْوَّلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ
فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً
ثُمَّ يُغْلَبُونَُّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمُ
● [الأنفال: ٣٦].
يحشرون (٣)هـ
٣. الخير كل الخير في الاستجابة لأمر
الله عز وجل، وأمر نبيه صلى الله عليه
وسلم، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا
◌ُهِيكُمْ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ
اَلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ: إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
﴾ [الأنفال: ٢٤].
(٢٤)
٤. ((الإنسان وبخاصة الكافر كثير الجدال
والمجادلة؛ لطمس معالم الحق،
والإبقاء على ما ارتضاه لنفسه من اتباع
الأهواء، وتقليد الأسلاف والآباء،
واحتضان الكفر، والاحتفاظ بالزعامة
٠
مُوسُوبَة النَِّّ
القرآن الكريم
الجدال
الدنيوية والمكاسب المادية))(١).
٥. إنّ الطريق الوحيد لاستخلاص حقوقنا
من اليهود هو الجهاد في سبيل الله عز
وجل؛ لأنّ اليهود من طبعهم الخيانة
والغدر والمماطلة والتسويف، فلا
يحترمون عهدًا ولا ميثاقًا مع المسلمين؛
لاعتقادهم أنّ الله عز وجل قد أباح لهم
أموال المسلمين ودماءهم، قال تعالى:
﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ
إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآَيِمَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ
لَيْسَ عَلَيْنَا فِ الْأُمَّتْنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى
اَللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:
٧٥].
(١) التفسير المنير، الزحيلي ٢٨٤/١٥.
منافع الجدال ومضاره في القرآن
خلق الله عز وجل الإنسان وجعل الجدل
من طبيعته، قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ
شَىْءٍ جَدَلًا ﴾ [الكهف: ٥٤].
وهذا نابع من طبيعته الاجتماعية؛ القائمة
على مخالطة الناس على اختلاف توجهاتهم
وأفكارهم وميولهم المختلفة، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةٌّ وَاحِدَةٌ وَلَا
يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١٨)﴾ [هود: ١١٨].
فكان من لوازم الاختلاف المعارضة
والمجادلة، استعملها المؤمنون لنصرة
الحق ودفع الباطل وأهله، واتخذها أهل
الضلال والفساد سبيلًا للحرب على
الإسلام و تشويهه والتشكيك فيه(٢).
وسنتناول في هذا المبحث منافع الجدال
ومضاره في القرآن الكريم، بناءً على هدف
المتعاملین به.
أولًا: منافع الجدال المحمود في القرآن
الكريم:
((إنّ الجدل والمناظرة ضرب من ضروب
بیان الحق وتأییده، وقمع الباطل وتزهیقه،
وقد استخدمه القرآن الكريم كثيرًا، وعلى
أساليب شتى، في حالات متنوعة؛ من تنبيه
لغافل، أو إرشاد لمسترشد، أو إفحام لمعاند
(٢) انظر: أصول الجدل والمناظرة في الكتاب
والسنّة، حمد العثمان، ص٥.
www. modoee.com
حرف الجيمر
متلدد))(١).
والمتأمل لآيات القرآن الكريم يستنبط
منها جملة من منافع الجدال، نلخصها في
النقاط الآتية:
١. وسيلة ناجعة في مواجهة أهل
الكفر والضلال.
إِنّ أهل الفساد والضلال يسعون
المعارضة أهل الإيمان ودفع الحق بكل
وسيلة وفي كل باب، فكان الواجب على
المؤمنين التصدي لفسادهم، ورد شبهاتهم
وطعونهم، وإتيانهم بالحق الصادق الذي
یزهق باطلهم، على أقوى برهان، وأحسن
بيان(٢)، وفقًا لمنهج القرآن الكريم، قال
تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ
جُمْلَةٌ وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُقَّبِّتَ بِهِ فُؤَادَكٌ وَرَقَّلْتَهُ
تَرْبِيلاً ) وَلَا بَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّ ◌ِتْنَكَ بِالْحَقِّ
[الفرقان: ٣٢-٣٣].
وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله إلى هذا المعنى فقال: ((فالصحابة كانوا
يعلمون ما جاء به الرسول صلى الله عليه
وسلم، وفيما جاء به بیان الحجة على بطلان
کفر کل کافر، وبیان ذلك بقیاس صحیح أحق
وأحسن بیانًا من مقاییس أولئك الكفار، كما
(١) منهج الجدل والمناظرة في تقرير مسائل
الاعتقاد، عثمان علي حسن ١ / ٨.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٥٨٢، التفسير الوسيط، طنطاوي ١٠/
١٩٤.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْتَكَ
بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَغْسِيًا ﴾ [الفرقان: ٣٣].
أخبر سبحانه أنّ الكفار لا يأتونه بقیاس
عقلي لباطلهم إلّا جاءه الله عز وجل بالحق،
وجاءه من البیان والدلیل وضرب المثل بما
هو أحسن تفسيرًا وكشفًا وإيضاحًا للحق من
قیاسهم»(٣).
٢. إقامة الحجة على الناس.
لقد اقتضت حكمة الله عز وجل وتدبيره
ألّا يعذّب قومًا إلّا بعد أن يبيّن لهم الحق من
الضلال، قال تعالى: ﴿ مَنِآُهْتَدَى فَإِنَّمَايَتَدِی
لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاً وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَنُّ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
(١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
ومن مهمّة الرسل عليهم السلام إيضاح
أوامر الله عز وجل ونواهيه للناس؛ ومن
أهم وسائل الأنبياء عليهم السلام في إقامة
الحجة على الناس الجدال، قال تعالى:
﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ
وَبُجَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ
بِهِ لَلْفَقِّ وَأَخَذُوَاْ مَنِيِ وَمَا أُنْذِرُواْ هُوَا ◌َ
[الكهف: ٥٦].
حتى لا يبقى لمعتذر عذر؛ فالجزاء لا
يقع إلاّ على من بلغته الدعوة على الوجه
الصحيح، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ
وَمُنذِرِينَ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
(٣) نقض المنطق، ابن تيمية، ص٨٩.
جَوَسُوبَةُ النَّقِّ
القرآن الكريمِ
٥٢
الجدال
الرُّسُلِّ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: العناد والمكابرة فقلبه خاضع لها ذليل
١٦٥].
مقهور تحت سلطانها، بل سلطان الجاه
إن لم یکن معه علم یساس به، فهو بمنزلة
وحتى لا يدعي أهل الكفر والإجرام أنّهم
ما خالفوا أمر الله عز وجل إلّا لجهلهم(١)،
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّنْ
قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا
فَقَّعَ ءَايَئِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَّذِلَّ وَغَخْرَى )﴾
[طه: ١٣٤].
سلطان السباع والأسود ونحوها، قدرة بلا
علم ولا رحمة، بخلاف سلطان الحجة فإنّه
قدرة بعلم ورحمة وحکمة، ومن لم یکن
له اقتدار في علمه فهو إما لضعف حجته
وسلطانه، وإما لقهر سلطان اليد والسيف
له، وإلّا فالحجة ناصرة نفسها، ظاهرة على
الباطل، قاهرة له)) (٢).
٣. يكسب المؤمن قوة الحجة
وسلطة العلم في مواجهة أهل الباطل.
عدّ الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله
سلطة علم الحجّة على الناس في مقام
السلطة القاهرة بل أعظم، مشيرًا إلى قوله
تعالى: ﴿ قَالُوا أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَأُسُبْحَنَةٌ.
هُوَ أَلْفَنِىُّ لَهُمَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضَِّ
إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَاْ أَتَقُولُونَ
عَلَى اَللَّهِ مَالَا تَعْلَمُونَ ()﴾ [يونس: ٦٨].
فيقول: ((والمقصود أنّ الله سبحانه
سمى علم الحجة سلطانًا؛ لأنّها توجب
تسلط صاحبها واقتداره، فله بها سلطان
على الجاهلين، بل سلطان العلم أعظم من
سلطان اليد؛ ولهذا ينقاد الناس للحجة مالا
ينقادون لليد؛ فإن الحجة تنقاد لها القلوب،
وأما اليد فإنّما ينقاد لها البدن، فالحجة تأسر
القلب وتقوده وتذل المخالف، وإن أظهر
(١) انظر: المنار، محمد رشید رضا ٦/ ٥٩، أيسر
التفاسیر، أسعد حومد، ص٢٥٦.
٤. تحقيق مبدأ الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر.
إنّ من أهم مقتضيات الإيمان، وواجبات
المؤمن الحق، الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
بل إنّ تحقيق صفة الخيرية للأمة، وبناء
أركانها على الخير والفضيلة، منوط بإقامة
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بين
الناس؛ لأنهما السياج الحامي للدّين(٣)،
وميزان النقاء والصفاء للمجتمع من الرذيلة
والفساد.
إنّ تحقيق فضيلة الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، مقرونة بالدعوة إلى الله عز
(٢) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ١٦٠.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢/ ٢١٤.
www. modoee.com
٥٣
حرف الجيمى
وجل القائمة على الحكمة والجدال بالتي
هي أحسن، قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِرَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى
هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
٥. علو مكانة من أحاط بالحجة
والدليل؛ لنصرة الإسلام وأهله.
«قد أثنى الله عز وجل في كتابه العزيز
على إبراهيم عليه السلام؛ لأخذه بمجامع
الحجة، ولقطعه للكافرين الضالين، بل
وأضاف الله عز وجل الحجة التي آتاها
إبراهيم عليه السلام لنفسه؛ تعظيمًا لشأنها،
وحثًّا على تحصيلها))(١).
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَاَ ءَاتَيْتَهَا
إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهَ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ
رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنعام: ٨٣].
((لقد أعطى الله عز وجل إبراهيم عليه
السلام الحجة على قومه، أي كانت له
عليهم درجات وسمو وارتفاع؛ لأنّ إقامة
الحجة على الغير انتصار، والانتصار رفع
لدرجة موضوعك، ورفع أيضًا لموضوع
عملك)» (٢).
إنّ ما يحوزه الإنسان من علم نظري
فضيلة ومنقبة، وأن يؤتى الحكمة العلمية
والعملية درجة أكبر، وأن يرزق فصل
(١) أصول الجدل والمناظرة في الكتاب والسنّة،
حمد العثمان ، ص٤.
(٢) تفسير الشعراوي ١٣ / ٨٢٨٦.
الخطاب وقوة المعارضة والحكم بالحق
في محاجة أهل الباطل درجة أكبر وأعظم؛
وهذا التفاوت بفضل الله عز وجل؛ فكل
شيء بیده، والأمر مرده إليه(٣).
٦. التعاون على إظهار الحق،
والوصول إلى الصواب.
يحرص أطراف الجدال على بيان أنّ
غايتهم من الجدال إظهار الحق، والتزام
الصواب، مؤكدين زعمهم بالأدلة والبراهين؛
فإن خلصت النيات في هذا المقام، وصدق
الزعم؛ تعاون الجميع للوصول إليه، وإقامة
الأدلة عليه، لا يضرهم على لسان أيّهم ظهر،
ملتزمين بتوجيهات القرآن الكريم للمؤمنين
بالتعاون والسماحة في دعوة الناس لعبادة
الله عز وجل وحده.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَّوْاْ إِلَى
كَلِمَةٍ سَوَلْعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَصْبُّهَ إِلََّ اللهَ
وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًّا
أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ
بِأَنَّامُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ٦٤].
٧. تثبيت أهل الإيمان والإسلام.
يقصد أهل الإيمان من جدالهم بيان الحق
لأهل الضلال، والسعي إلى استجابتهم،
فإذا لم تتحقق الاستجابة، تحقق من الجدال
تثبيت قلوب المؤمنين واطمئنانهم على
(٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٧ / ٤٨٥.
مُوسُوبَة النشـ
القرآن الكريم
٥٤
الجدال
صحة منهجهم، وصدق توجههم؛ من خلال الإيمان وليس في كيفيته؛ لأنّ حقيقة الإيمان
تقوم على التصديق والجزم، وذلك لا يقبل
ما يقدّمه أهل الإيمان في المناظرة والجدال
من الحجج والبراهين الدالة على علو منهج
الإسلام وصدقه، وضعف حجج أهل
الباطل ووهنها (١).
الزيادة ولا النقصان(٣)، وهذا نظير موقف
نبي الله إبراهيم عليه السلام لما سأل الله عز
وجل أن يريه كيفية إحياء الموتى، قال تعالى:
﴿وَإِذْقَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى
قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَى وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلِىِ﴾
[البقرة: ٢٦٠].
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْصَبَ النَّارِ إِلََّ مَلَبِكَةٌ
وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِسَنً﴾ [المدثر:
٣١].
إنّ أعداء الإسلام ییذلون كل الجهود،
ويسلكون كافة الطرق، ويتبعون جميع
الوسائل؛ للصد عن سبيل الله عز وجل،
وردّ المؤمنين عن دينهم.
قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِرٌ مِّنْ أَهْلِ
اَلْكِنَبِ لَوْ يَرُدُونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيَمَنِكُمْ
كُفَارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا
ثَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].
ولذلك فإنّ من واجب علماء المسلمين
اليوم تثبيت عامة المسلمين، الذين
يسعى الكفار لصرفهم عن منهج الإسلام
وعقيدته؛ من خلال دحض حجج أعداء
الإسلام، والغلبة عليهم في ميدان الجدال
والمناظرة (٢).
إنّ الزيادة في الإيمان زيادة في كمّ
(١) انظر: منهج الجدل والمناظرة في تقرير مسائل
الاعتقاد، عثمان علي حسن ١/ ٤١.
(٢) انظر: الحوار مع أهل الكتاب، خالد القاسم،
ص١١٦- ١١٧.
٨. رد شبهات أعداء الإسلام،
وإزهاق باطلهم.
يسعى أعداء الإسلام لإثارة الشكوك
حول حقائق الإسلام ومبادئه؛ من خلال
الطعن في القرآن الكريم وأحكامه وأخلاقه
وطريقة إنزاله؛ بهدف صد المسلمين عن
دينهم، وقد ذكر القرآن الكريم جملة من
شبھھم وردّ عليها بأفصح عبارة، وأبلغ بيان،
ومن شبههم اعتراضهم على نزول القرآن
الكريم مفرقًا (٤).
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ
عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جْلَةً وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُقَبْتَ بِ
فُؤَادَكٌ وَرَقَّلْنَهُ تَرِْيلًا ﴾ [الفرقان: ٣٢].
وليعلم أهل الشبهات والضلالات ((أنّ
الحق إذا جحد وعورض بالشبهات، أقام
الله عز وجل له مما يحق به الحق، ويبطل
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/
٣١٦.
(٤) انظر: الحوار مع أهل الكتاب، خالد القاسم ،
ص١١٥.
www. modoee.com
٥
حرف الجيمى
به الباطل من الآيات البينات؛ بما يظهره عند الناس في فهم آياته.
من أدلة الحق وبراهينه الواضحة، وفساد ما
عارضه من الحجج الداحضة))(١).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ
تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَأَلَّذِينَ
[الأنفال:
كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾﴾
٣٦ ].
وفي مقام ردّ شبهات الخصوم المعادين
للإسلام وأهله، ينبغي لمن يتولى الرّد
عليهم، ويتصدى لبيان زيف باطلهم وكذب
ادعائهم، أن یکون من الراسخين في العلم،
أهل الحجة والبيان، وروّاد التعامل مع أهل
الشبهات والشهوات؛ حتى لا يتمكن أهل
الزيغ والضلال منهم، وتتقرر شبههم في
قلوب عامة المسلمين مع ضعف حجة من
يتصدى لهم من غير أهل الاختصاص (٢).
٩. دعوة الناس لاتباع الحق
والتزامه.
إنّ الهدف الرئيس والأسمى والأجل
من مشروعية المجادلة هو دعوة الناس
للإسلام، والالتزام به، وتطبيق أحكامه،
والعمل على بيانه للناس، وتيسير فهمه
عليهم، وإزالة اللبس والغموض الحاصل
(١) الجواب الصحيح، ابن تيمية ١/ ٨٥-٨٦.
(٢) انظر: الحوار مع أهل الكتاب، خالد القاسم،
ص١١٦.
وقد عدّ الإمام الفخر الرازي رحمه
الله أنّ اعتبار الجدال المحمود يكون في
تقريره الحق، ودعوة الناس إلى الإسلام،
وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والدفاع
عن الدّين وأهله(٣).
قال تعالى: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ
إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ فَيُضِلُ
اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
مُوسَى بِثَايَئِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ
اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّنْمِ اللَّهِّ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
٥)﴾ [إبراهيم: ٤-٥].
ثانيًا: مضار الجدال المذموم في القرآن
الكريم:
إنّ المتأمل في آيات القرآن الكريم
يستطيع الخروج بجملة من مضار الجدال
ومساوئه، نلخصها في النقاط التالية:
١. الحرمان من العلم والفهم.
إنّ أهل الجدال بالباطل يحرمون من
نعمة الفهم الصحيح للعلم؛ حيث جعل
الله عز وجل ثقلا يمنعهم من سماع الحق
والانقياد إليه، والانتفاع بآياته وفقهها؛ لأنّهم
ذكّروا بها فأعرضوا عنها، فكان الجزاء من
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥/ ١٤٣.
٥٦
القرآن الكريم
الجدال
جنس العمل(١).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلُهُ مِمَّنِ ذُكِرَ بِنَايَتِ
رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَةُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ءَاذَانِمْ وَقْرَاً وَإِن
تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوَا إِذَا أَبَدًا )﴾
[الكهف: ٥٧].
وقد وردت هذه الآية بعد الآية التي
ذكرت جدال أهل الكفر رسلهم؛ لردّ الحق،
وتقرير الباطل.
قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا
مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَتُجَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ لَمَنَّ وَأَخَذُوَاْ ءَايَنِى وَمَّاً
أُنْذِرُ واهُزُوً )﴾ [الكهف: ٥٦].
وفي ذلك إشارة أنّ سبب الحرمان من
العلم، وجعل الأكنة على القلوب، هو
جدالهم رسلهم بالباطل.
وهنا قد تعرض عند البعض شبهة تقول:
إذا كانت هذه الفئة قد منعوا السمع والبصر
والفقه؛ لأنّ الله عز وجل جعل على قلوبهم
أكنة، وعلى سمعهم وقرًا، وعلى أبصارهم
غشاوة، فما وجه تعذيبهم مع حدوث الصرفة
لهم؟ الجواب: أنّ الله عز وجل بيّن في غیر
موضع من القرآن الكريم، أنّ حصول تلك
الموانع كالختم والطبع والغشاوة والأكنة،
كانت جزاءً متناسبًا لمبادرتهم بالكفر،
وتكذيب الرسل عليهم السلام بإرادتهم،
(١) انظر: تفسير الشعراوي ١٤ / ٨٩٤٤.
فكان الجزاء من جنس العمل؛ فمقابل
كفرهم وعنادهم كان جزاؤهم الطبع والختم
والغشاوة ونحوها (٢).
٠
قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّشَقَهُمْ
وَكُفْرِهِم بِثَايَتِ الَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَنِيّءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلَفٌ بَلْ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ
فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٥)﴾ [النساء: ١٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ،
يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِى رَسُولُ
اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَمَّا زَاغُوْ أَزَاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا
يَدِى الْقَوْمَ الْفَسِفِينَ ﴾ [الصف: ٥].
٢. عدم الاستفادة من النصح.
إنّ أصحاب المناهج الفاسدة لا
يقصدون من جدالهم الوصول إلى الحق،
وإنّما يحرصون على المشاغبة والمعارضة؛
رفضًا للحق، وإصرارًا منهم على الجحود
والعناد؛ فإنّ نتيجة ذلك عدم حصول
الفائدة لهم بالنّصح والإرشاد، بل الزيادة في
الرفض والإنكار، والابتعاد عن منهج أهل
الحق والإيمان.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَنُوعُ قَدْ جَدَلْتَنَا
فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَاْ إِن كُنتَ مِنَ
الصَّدِقِينَ
قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ
٣٢
﴿ وَلَا يَنَفَعُّكُمْ نُصْحِىٌّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ
أَنْتُم بِمُعْجِينَ )
أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٢ -٣٤].
وهذا نابع من عدم فهمهم لطبيعة الدعوة
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي، ٣١١/٣.
www. modoee.com
٥٧
حرف الجيمى
إلى الله عز وجل، ومهمة دعاة الحق
والخير؛ لذلك نجدهم يطلبون من الدعاة
إلى الله عز وجل أشياء تدل على قصور
إدراكهم، وضحالة أفكارهم، متغافلين أنّ
مهمة هؤلاء الدعاة هو هداية الناس إلى
طريق الحق، وإرشادهم إلى ما فيه سعادة
الدنيا والآخرة، فقد حكى القرآن الكريم لنا
مشهد مطالبة قوم نبي الله نوح عليه السلام
منه طرد المؤمنين؛ ليستجيبوا لدعوته.
قال تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ
مَالَّا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِهِ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِنِّى أَرْنَكُمْ قَوْمًا
وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُ فِي مِنَ اللَّهِ إِن
٢٩
تَجْهَلُونَ
◌َنُهُمْ أَفَلَا نَذَكَّرُونَ (٥)﴾ [هود: ٢٩-٣٠].
٣. العمل على ردّ الحق، وتزييف
الحقائق.
يسعى أهل الزيغ والضلال، والجحود
والإنكار من وراء جدالهم إلى ردّ الحق،
وتزييف الحقائق؛ لإعلاء كلمة الباطل
وأهله، وتحقيق المصالح الدنيوية الفانية.
قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَّدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقِّ وَأَتَّخَذُوَاْ ءَايَتِى وَمَا
أَنذِرُوا هزوا
٨٦ ﴾ [الكهف: ٥٦].
طرق ردّ الحق، وإضلال الخلق:
١. إخفاء أدلة الحق، ومظاهر الحقيقة،
عن الناس الذين لم تصلهم دعوة الحق
والخير، والعمل على منع الناس من
الوصول إليها؛ ليستمر الباطل، ويسود
أهل الفساد (١).
قال تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ مَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ
◌ِأَ حَقَّى إِذَا جَاءُ وَ يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا
إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْتَوْنَ
عَنٌْ وَإِنِ يُهْلِكُونَ إِلََّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾
[الأنعام: ٢٥-٢٦].
وقد أشار القرآن الكريم إلى الطريقين
السابقين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا
الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
(٢)﴾ [البقرة: ٤٢].
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَّآءِ الْآَخِرَةِ وَأَفْنَهُمْ فِي
اْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا
وَلَینْ
تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ )
أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ )
أَيَمِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُرْ
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
تُخْرَجُونَ ))
إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا
◌َحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ
كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [المؤمنون:
٣٣-٣٨].
٢. تشويش الدلائل، وتشويه الأدلة
والبراهين الصادقة، التي أوصلها دعاة
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٠/٣-٤١،
٢١ /١٢٠.
٥٨
مَوْفَقُوالَهُ النَّفِيَّة
جوب
القرآن الكريم
الجدال
الحق للناس؛ بسبب إلقاء الشبهات ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعضٍ، فمن
قضیت له بحقّ أخيه شيئًا بقوله فإنّما أُقطع له
قطعةً من النّار فلا يأخذها)(١).
الصارفة للناس من اتباع الحق، أو
السخرية من أهل الحق، والاستهزاء
بهم.
ومنهج التشويش منهج قديم استخدمه
مشرکو مکة ضد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ
لِمَذَا الْقُرْءَانِ وَالْفَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
[فصلت: ٢٦].
٣. تزیین الباطل.
حيث يسعى أهل الزيغ والفساد إلى
عرض فسادهم بصورة جميلة؛ ليقبل به
الدهماء من الناس، ويصفق له أهل الغوغاء؛
استخفافًا بعقولهم، واستعبادًا لأبدانهم،
فقد قصّ علينا القرآن الكريم مشهد عرض
فرعون باطله على قومه، وتزيينه لباطله.
قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ،
قَالَ يَقَوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ
تَجْرِى مِن تَحْتِى أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿ أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِنْ
هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أَلَّغِىَ
عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَهَ مَعَهُ اٌلْمَلَبِكَةُ
مُقْتَرِفِينَ ﴿ فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ
[الزخرف:
٥٤
إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ
٥١-٥٤].
ونظيره الحديث الصحيح عن أمّ سلمة
رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم قال: (إنّكم تختصمون إليّ
٤. رد الأدلة الصحيحة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا
اَلْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍّ وَلَيْن ◌ِجِئِّنَهُمْ بِتَايَةٍ لَيَقُولَنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ))
[الروم: ٥٨].
٤. خداع أهل الحق، واستمالة
قلوبهم؛ لإسقاطهم في شراك أهل
الزيغ والفساد.
يتخذ أهل الضلال والفساد من المجادلة
سبيلًا للوصول إلى قلوب بعض المسلمين؛
لاستمالتهم إلى منهجهم الفاسد،
واستعمالهم كأداة للطعن في الإسلام
وأهله، مستخدمین في ذلك شعارات عامة،
يتغنى بها الدّاعون من بني جلدة المسلمين
إلى التقارب مع المخالفين في الدّين من
النصارى واليهود؛ وهذه الشعارات من
قبيل: سماحة الإسلام، لا إكراه في الدّين،
العدل والإنصاف، إلى غير ذلك من
الشعارات التي يعتنى بظاهرها، دون إدراك
جوهرها ومضمونها.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب من أقام البيّنة بعد اليمين،
رقم ٢٦٨٠، ٣/ ١٨٠، ومسلم في صحيحه،
كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن
بالحجة رقم ٢،١٧١٣/ ٧١١.
www. modoee.com
٥٩
حرف الجمر
إنّ القرآن الكريم حذّر النبي صلى الله المؤمنين(١).
عليه وسلم من التجاوب مع أهل الباطل،
ومع اقتراحاتهم للتقارب، فقال تعالى:
﴿ وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ
وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ
إِلَيْكٌ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمَّ أَنَّمَا يُرِدُ اَللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضٍ
ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ
[المائدة: ٤٩].
كما بيّن القرآن الكريم حرص أهل الكفر
على التقارب المفضي إلى التنازل عن
مبادئ الإسلام، قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْنُدْمِنُ
فَيُدْهِنُونَ ﴾ [القلم: ٩].
كما أشار القرآن الكريم إلى مكر أهل
الكفر والضلال من سعيهم وراء المجادلة
الناعمة؛ وكشف عن هدفهم الخبيث من
الوصول إلى إخراج المسلمين من الإسلام.
﴿وَقَالَت ◌َّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ
قال تعالى:
اَلْكِتَبِ ءَامِتُواْبِلَّذِىَّ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ
النَّهَارِ وَأَكْفُرُوْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (﴾ [آل
عمران: ٧٢].
إنّ الآية السابقة تظهر مکر وخديعة أهل
الكفر؛ فرسموا لهم تلك الحيلة الرخيصة؛
ليسقطوا أهل الحق في باب خلط الحق
بالباطل؛ وذلك أنّ المؤمنين من العرب
كانوا أمیین، و كانوا يعلمون أنّ أهل الكتاب
على علم بمناهج السماء، فاستغل أهل
الكفر والضلال هذه المعطيات لخداع
((إنّ سماحة الإسلام مع أهل الكتاب
شيء، واتخاذهم أولياء شيء آخر، ولكنهما
يختلطان على بعض المسلمين، الذين لم
تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة
هذا الدين ووظيفته، بوصفه حركة منهجية
واقعية، تتجه إلى إنشاء واقع في الأرض،
وفق التصور الإسلامي الذي يختلف في
طبيعته عن سائر التصورات التي تعرفها
البشرية، ... وهؤلاء الذين تختلط عليهم
تلك الحقيقة ينقصهم الحس النقي بحقيقة
العقيدة، كما ينقصهم الوعي الذكي لطبيعة
المعركة، وطبيعة موقف أهل الكتاب فيها،
ويغفلون عن التوجيهات القرآنية الواضحة
الصريحة فيها، فيخلطون بين دعوة الإسلام
إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر
بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون
فيه مكفولي الحقوق، وبين الولاء الذي لا
يكون إلّا لله عز وجل، ورسوله صلى الله
عليه وسلم، وللجماعة المسلمة))(٢).
يهدف أهل الكفر من أهل الكتاب من
مجادلة الذين آمنوا، إلى تنصير المسلمين،
وطمس حضارتهم، واستعمارهم؛ بما
يضمن لهم استغلال ثروات المسلمين،
وقيادتهم بما يحقق مصالح الكفار،
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٣/ ١٥٣٨.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢ / ٩٠٩ -٩١٠.
٦٠
جوبي
الْعَشْرَآن الكَرِيْمِ
الجدال
وإضعاف شوكة المسلمين (١).
قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيَمَنِكُمْ
كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا
نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ
اللّهُ بِأَمْيِّهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ )﴾
[البقرة: ١٠٩].
٥. الإعجاب بالنفس واحتقار
الآخرين؛ بإظهار مزية النفس في العلم
والفضل، وذم نقص المخالفين.
يهدف بعض المجادلين إلى إبراز مكانته
العلمية، وقدرته على الإحاطة بقضية الجدال
من جميع جوانبها، دون الالتفات إلى الحق،
أو السعي لتقريره؛ فسعیه متوجه نحو إظهار
مزية النفس، والعمل لا تحقير الآخرين.
ولقد حذرنا القرآن الكريم من ذلك،
فقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَ كُمْنَ
اٌلْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ فَلَا
تُزَّكُواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢].
إنّ المتأمل في آيات القرآن الكريم ليجد
مشاهد عدة على إعجاب المجادلين من
أهل الكفر والضلال بأنفسهم، التي تدفعهم
إلى رفض الحق، والتمسك بالباطل، ومن
هذه المشاهد:
الأول: فرعون يتعالى بنفسه عند جداله
(١) انظر: الحوار مع أهل الكتاب، خالد القاسم،
ص ١٣٤.
لنبي الله موسى عليه السلام؛ حيث اتجه
فرعون إلى تصغير شأن نبي الله موسى عليه
السلام بأحوال ليست مؤثرة، مظهرًا في
الوقت نفسه مكانته(٢).
قال تعالى: ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِى هُوَ
مَهِينٌوَلَا يَكَادُ يُبِينٌ ﴾ [الزخرف: ٥٢].
الثاني: تبرير أهل مكة رفضهم الاستجابة
لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنّه یتیم،
وليست له المكانة التي تؤهله لهذه المكانة،
فقالوا تصغيرًا لشأن النبي صلى الله عليه
وسلم، واستعظامًا أن يكرمه الله عز وجل
بالوحي والرسالة، هلّ نزل القرآن على
رجل عظيم من قريش (٣).
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْمَىُّ قَالُواْ هَذَا
سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ هَذَا
اَلْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمِ ﴾ أَهُمْ
يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَخْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ
فِ اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
دَرَجَاتٍ ﴾ [الزخرف: ٣٠-٣٢].
الثالث: مشهد المجادلة بالسيف
والسنان؛ فنجد أنّ صنادید قریش بعد إفلات
عير أبي سفيان رضي الله عنه -وذلك قبل
إسلامه-رفضوا العودة إلى مكة والاحتفال
بنجاة أموالهم، بل أرادوا أكثر من ذلك؛
أرادوا الخروج بمظاهرة لنصرة الضلال
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ٢٣١.
(٣) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر ، ص٧٢٦.
www. modoee.com
٦١
حرف الجيمى
والانحلال، والمفاخرة والتكبر؛ ليثبتوا
للناس جميعًا أنّهم أهل السيادة والمكانة،
وأنّ غيرهم أهل الذلة والمهانة (١).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن
دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿ وَإِذْزَيَّنَ
لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ
اَلْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِى جَارٌ لَكُمْ﴾
[الأنفال: ٤٧ -٤٨].
الرابع: مشهد المجادلة بالمال
والاستعلاء به؛ فيتوجه جملة من أهل
الفساد والضلال إلى القول بصحة أفكارهم
كما أشارت الآيات القرآنية إلى أنّ
ومبادئهم؛ لأجل ما جمعوه من المال، وأنّ هذا المنهج مترسخ في عقول أهل الفساد
و قلوبهم.
ما حازوه من الفضل دليل على أنّهم الأفضل
عند الله عز وجل (٢).
فهذا صاحب الجنتين يزعم أنّه ملك
خير الدنيا، وسيملك أفضل منه في الآخرة:
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِدٍ وَهُوَ مُحَاوِرُهُ، أَنَاْ
أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا ، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ.
وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ، قَالَ مَّا أَُّنُّ أَنْ تِيَدَ هَذِهِهِ
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةٌ وَلَين
أَبَدًا
زُدِدتُّ إِلَى رَبٍ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ()﴾
[الكهف: ٣٤-٣٦].
كما قصّ علينا القرآن الكريم مشهد
قارون وجداله مع قومه.
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٨/ ٤٧٣٠-٤٧٣١.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١١/ ٢٩٧.
﴿ إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ
قال تعالى:
مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّ إِنَّ مَفَاتِحَهُ.
لَثَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا
وَأَبْتَغْ فِيمَاً
تَفْرَعٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٥)
ءَاتَّنِكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ
مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكٌ وَلَا
تَبْغِ الْفَسَادَ فِىِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
قَالَ إِنَّمَا أُوِيْتُهُ, عَلَى عِلْمٍ عِندِيَّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَّ
أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ مْعَاً وَلَا يُسْتَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ
﴾ [القصص: ٧٦-٧٨].
الْمُجْرِمُونَ ﴾
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن
تَّذِيرِ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّابِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ
وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ
بِمُعَذَّبِينَ (٥)﴾ [سبأ: ٣٤-٣٥].
ثالثًا: الصفات الشخصية الذاتية
للمجادل بالباطل:
إنّ المتدبر لآيات القرآن الكريم
ليستخلص صفات أهل الجدال بالباطل،
ويمكن حصرها في النقاط التالية:
١. قسوة القلب.
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا جَآءَهُم بَأْسُنَا
٦٢
مُوسُوبَةُ النَّفِيَة
جوبيبو
القرآن الكريم
الجدال
تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطِنُ
مَاكَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: ٤٣].
٢. عمى القلب والبصيرة.
قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَقَد تَبَيَّنَ
لَكُمْ مِن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ
مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ [العنكبوت: ٣٨].
٣. الترف في الحياة الدنيا.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ أَلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِي الْخَيَوَةِ
اُلُّنْيَامَا هَذَآ إِلََّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَ كُلُّ مِمَّاتَأْ كُلُونَ مِنْهُ
وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَيُونَ (٣)﴾
[المؤمنون: ٣٣].
٤. الکبر.
قال تعالى: ﴿إَِهُكُمْ إِلَهُ وَجِدُّ ◌َالَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنْكِرَةٌ وَهُم ◌ُسْتَكْرُونَ
٢٢
لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا
يُعْلِنُونَّ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِينَ
[النحل: ٢٢-٢٣].
موضوعات ذات صلة:
الإعراض، الإنصاف، الحوار، الدعوة،
النصيحة
www. modoee.com
٦٣