Indexed OCR Text

Pages 21-30

الجن
وتحدى الله الجن والإنس أن يأتوا وينسلون، ويموتون.
بمثل هذا القرآن، فقال: ﴿ قُل لَّيْنِ أَجْتَمَعَتِ
اُلْإِنسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا
يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾
[الإسراء: ٨٨].
واستنكر القرآن المزاعم التي تقول بأن
الجن يعلمون الغيب، فقال في معرض
الحديث عن موت سليمان عليه السلام:
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَُّمْ عَلَى مَوْتِ إِلَّا
دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلُمَّا خَرَّتَيْتَنْتِ
اَلِنُّأَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواِْى الْعَذَابِ
الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤].
وغير ذلك من الآيات التى تحدثت عن
أحوال هذا المخلوق.
ومعلوم أن القرآن الکریم قد ثبتت صحته؛
لأنه منقول إلينا بالتواتر، فعلى هذا الأساس
لا مجال لإنكار هذا النوع من المخلوقات
-متی کان الخبر صادقًا-، وإنکارهم يكون
تکذیبًا لخبر الله عنهم دون حجة أو برهان،
وذلك لا یکون إلا من سمات الجاهلين أو
الکافرین، ووجودهم بشكل قاطع لا يحتمل
التأويل بأي شكل من الأشكال(١).
قال ابن حزم رحمه الله: ((وأن الجن
حق، وهم خلق من خلق الله عز وجل، فيهم
الکافر والمؤمن، یروننا ولا نراهم، یأکلون،
(١) انظر: العقيدة الإسلامية وأسسها، عبدالرحمن
حبنكة الميداني ٢/ ٢٣.
قال الله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ الجِنِّ وَالْإِنسِ﴾
[الأنعام: ١٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَاَلْجَنَّ خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ مِن نَارِ
السَّمُومِ ﴾ [الحجر: ٢٧].
وقال تعالى حاكيًا عنهم أنهم قالوا:
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَ فَمَنْ
أَسْلَمَ فَأُوْلَيْكَ تَحَزَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَسِطُونَ
فَكَانُواْلِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٤- ١٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ،مِنْ
حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وقال تعالى: ﴿أَفَنَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ,
أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ﴾ [الكهف: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ﴾ [الرحمن:
٢٦ ].
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْوِّثِ﴾
[آل عمران: ١٨٥](٢).
٢. المنكرون لوجود الجن.
انقسم الناس قديمًا وحديثًا في أمر
الجن إلى مذاهب شتى، فما بين مثبت
لوجودهم، أو منكر، أو مؤوّل لهم بشتى
التأويلات الفاسدة، أو مغالٍ في قدرتهم
وسلطانهم في الأرض، إلى غير ذلك من
المذاهب والتصريفات المختلفة في شأن
هذا المخلوق.
ويمكن إجمال هذه المذاهب في ما يلي:
(٢) انظر: المحلى، ابن حزم ١/ ٣٣.
www. modoee.com
١٢٩

حرف الجمر
أولًا: المثبتون لوجود الجن:
١. أهل السنة والجماعة.
الذي عليه أهل السنة والجماعة من
المسلمین هو إثبات وجود مخلوقات غائبة
عن حواسنا، تسمى الجن، وأنها لا تظهر إلا
إذا تشكّلت في صور غير صورها في بعض
الأحوال ولبعض الناس، وأنها مخلوقات
عاقلة مكلفة بالتكاليف الشرعية على نحو
ما عليه البشر، وأنهم يأكلون، ويشربون،
ويتناکحون، ولهم ذرية، قال ابن حزم:
(لكن لما أخبرت الرسل الذين شهد الله
عز وجل بصدقهم بما أبدى على أيديهم من
المعجزات المحيلة للطبائع بنص الله عز
وجل، وعلى وجود الجن في العالم؛ وجب
ضرورة العلم بخلقهم ووجودهم، وقد جاء
النص بذلك وبأنهم أمة عاقلة مميزة، متعبدة،
موعودة متوعدة، متناسلة، يموتون، وأجمع
المسلمون كلهم على ذلك))(١).
ويقول ابن تيمية: ((لم يخالف أحد من
طوائف المسلمين في وجود الجن، ولا في
أن الله أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم
إلیھم، وجمهور طوائف الكفار على إثبات
الجن، أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى
فهم مقرون بهم كإقرار المسلمين، وإن
وجد فيهم من ینکر ذلك، وکما يوجد في
(١) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل،
٠١٢/٥
المسلمين من ينكر ذلك، كما يوجد في
طوائف المسلمين الغالطون والمعتزلة من
ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها
مقرين بذلك؛ وهذا لأن وجود الجن تواترت
به أخبار الأنبياء تواترًا معلومًا بالاضطرار،
ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء،
فاعلون بالإرادة، بل مأمورون منهيون،
ليسوا صفات وأعراضًا قائمة بالإنسان أو
غيره، كما يزعمه بعض الملاحدة)»(٢).
وقد تقدم کثیر من الأدلة التي يستند إليها
أهل السنة والجماعة في إثبات وجود الجن،
سواء كانت هذه الأدلة مأخوذة من القرآن
أو السنة، بالإضافة إلى دلالة الإجماع على
ذلك.
٢. جمهور الكفار.
كعامة أهل الكتاب، والمجوس،
وجمهور الكنعانيين، واليونانيين، والرومان،
والهنود القدماء، وعامة مشركي العرب:
الإقرار بوجود الجن، مع انحراف في
تصورهم عن هذا المخلوق.
هذه الطوائف المختلفة أقرت بوجود
الجن، ولكن إقرارهم هذا صاحبه تصورات
فاسدة ومنحرفة، فمنهم من اعتبر أن الجن
شركاء لله في الخلق والتدبير، ومنهم من
اعتبر أن للجن سلطانًا في الأرض، وأنهم
يعلمون الغيب، ومنهم من أثبت أخوة بین
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١٩ / ٩.
١٣٠
القرآن الكريم

الجن
الله وإبليس، -تعالى الله عن ذلك-، إلى مع اعتراف متقدميهم بذلك، قال أبو بكر
غير ذلك من التصورات المنحرفة (١).
ثانيًا: المنكرون لوجود الجن:
مذهب أكثر الفلاسفة والأطباء،
وجماعة من القدرية والمعتزلة والجهمية،
وكافة الزنادقة قديمًا وحديثًا: إنكار الجن،
بالإضافة إلى نفر قد أولوا النصوص الدالة
على وجود الجن تأويلا يدل على إنكارهم.
قال القرطبي: ((وقد أنكر جماعة من
كفرة الأطباء والفلاسفة الجن، وقالوا: إنهم
بسائط، ولا يصح طعامهم، اجتراء على الله
وافتراء، والقرآن والسنة ترد عليهم)) (٢).
وقال ابن تيمية: ((وجمهور طوائف
الكفار على إثبات الجن، أما أهل الكتاب
من اليهود والنصارى فهم مقرون بهم کإقرار
المسلمين، وإن وجد فيهم من ينكر ذلك،
وكما يوجد في المسلمین من ینکر ذلك
كما يوجد في طوائف المسلمين الغالطون
والمعتزلة من ینکر ذلك، وإن كان جمهور
الطائفة وأئمتها مقرين بذلك»(٣).
وأما الزنادقة قديمًا وحديثًا كالدهرية
١. المتأخرون من القدرية.
ينكر متأخرو القدرية وجود الجن، والملحدين من الشيوعيين وغيرهم، فإنهم
(١) انظر: عالم الجن، عبد الكريم عبيدات ص
٩٠.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠٦/١٩
(٣) انظر: إيضاح الدلالة في عموم الرسالة، ابن
تيمية ٤.
الباقلانى: وكثير من القدرية يثبتون وجود
الجن قديمًا، وينفون وجودهم الآن، ومنهم
من يزعم أنهم لا يرون؛ لرقة أجسامهم،
ونفوذ الشعاع فيها، ومنهم من قال: إنما لا
یرون لأنهم لا ألوان لهم.
والمعتزلة قدرية، فهم ينكرون وجود
الجن.
يقول الجويني: ((وقد أنكرهم معظم
المعتزلة، ودل إنكارهم إياهم على قلة
مبالاتهم، وركاكة ديانتهم، فليس في إثباتهم
مستحیل عقلي، وقد نصت نصوص الكتاب
والسنة على إثباتهم، وحقّ على اللبيب
المعتصم بحبل الدين أن يثبت ما قضى
العقل بجوازه، ونص الشرع على ثبوته))(٤).
وقال ابن حجر الهيتمي: ((وإنكار
المعتزلة لوجودهم فيه مخالفة للكتاب
والسنة والإجماع، بل ألزموا به كفرًا؛ لأن فيه
تكذيب النصوص القطعية بوجودهم»(٥).
٢. الزنادقة.
ينكرون الغيبيات بشكل عام، ويعتبرون
أن الكون وجد هكذا صدفة؛ وعلى هذا
(٤) انظر: الإرشاد إلى قواطع الأدلة، الجويني
٣٢٣.
(٥) انظر: الفتاوى الحديثية، ابن حجر الهيتمي
ص ١٢٣.
www. modoee.com
١٣١

حرف الجيمى
فهم يحاربون الأديان، ويعتبرونها أفيون
الشعوب، وذلك كما تفعل الشيوعية في
الوقت الحاضر.
وليس لهؤلاء حجة في إنكار الغيبيات
-والجن من بينهم- إلا عدم الإيمان بما
لا يقع عليه الحس، ولا يعرف بالتجربة
والمشاهدة، وهي حجة ساقطة من أساسها،
لا تقوى على الوقوف أمام الأدلة الكثيرة
الناطقة بوجودهم.
ثانيًا: موقف الإنسان من الجن:
يجب على الإنسان المسلم بأن يؤمن
بأن الجن مخلوق من مخلوقات الله تعالى
مأمور بطاعة الله، ومنهي عن معصية الله
تعالى ، وأن الجن فيهم المسلم والكافر.
والكفار من الجن يوسوسون للإنسان،
ويزيّنون له المعاصي، ويشكّكون المسلم
في الله عز وجل.
قال تعالى حاکیًا عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ
بِمَّ أَغْوَيْنَنِ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأَغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَّ مُسْتَقِيمُ (١) إِنَّ
عِبَادِى لَيَّسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ إِلَّ مَنِ أَتَّبَعَكَ مِنَ
اَلْفَاوِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٢]
ويجب على المسلم أن يعلم أنه ليس
للجن الكافر - الشيطان- من القدرة التي
يستطيع بها أن يجبر الإنسان على ترك
الطاعات وفعل المعاصي، ومن ثمّ يتصور أنه
لا ذنب على الإنسان إذا قصّر في طاعة الله،
أو فعل معصية من المعاصي، وهذا التصور
إنما سببه الجهل بالقرآن الذي بيّن حقيقة
الشيطان، وأنه ليس له سلطان بقهر الإنسان
على فعل المعصية، أو يثبّطه عن القيام
بالطاعة؛ لأنه في هذا التصور يكون مشاركًا
لله في القدرة على قهر العباد وجبرهم على
ما يشاء، وهذا هو عين الشرك في الربوبية،
ولو كان للشيطان مثل هذه السلطة، لكان
في ذلك مناقضة لتكليف الله للبشر، وفي
ذلك مناقضة صريحة لما في القرآن الكريم؛
لأن التكليف مبني على قدرة الإنسان في
اختيار الخير أو الشر، وإذا انتفى الاختيار
عند الإنسان -بسبب إجبار الشيطان له على
فعل المعاصي وترك الواجبات-، لكان في
ذلك بطلان التکلیف من قبل الله للإنسان،
وهذا الكلام لا يقول به إلا کافر أو جاهل؛
لأن الرسل بعثهم الله على مدار التاريخ إنما
جاء لاختبار هذه الإرادة عند الإنسان، فإما
أن يستجيب هذا الإنسان لداعي الله، وإما
أن يستجيب لداعى الشيطان الذي يوسوس
للإنسان، ویزیّن له المعاصي، وعلى أساس
هذه الاستجابة أو عدمها يكون جزاء الإنسان
بالجنة أو النار.
يقول الله عز وجل في هذا الشأن حاكيًا
عن الشيطان: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ
١٣٢
القرآن الكريم

الجن
اْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ أَلْقِّ وَوَعَدَّكُمْ
فَأَخْلَفْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّنِ سُلْطَانٍ إِلَّ
أَنْ دَعْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلاَ تَلُومُونِ وَلُومُواْ
أَنفُسَكُمْ مَّ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَّا أَنتُم
بِمُصْرِخٌِّ إِ كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَ كْتُمُونِ
مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[إبراهيم: ٢٢].
فهذا هو الشيطان في الآخرة يعلن في
صغار وانكسار تخليه عن أتباعه الذين
أطاعوه فيما زيّن لهم من المعاصي، ويوضّح
لهم أنه لم يكن له سلطان يجبر هؤلاء
علی ما كان سببًا في دخولهم جهنم، قال
الشوكاني في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ
مِن سُلْطَانٍ﴾ الآية: ((ما كان ليتسلط عليكم
بإظهار حجة على ما وعدتكم به وزينته
لكم ﴿إِلَّ أَنْ دَعَوْتُمْ فَاسْتَجْتُمْ لی﴾ أي: إلا
مجرد دعائي لكم إلى الغواية والضلال بلا
حجة ولا برهان .. ، وقيل: المراد بالسلطان
هنا: القهر، أي: ما كان لي عليكم من قهر
يضطركم إلى إجابتي، وقيل: هذا الاستثناء
هو من باب: تحیة بینهم ضرب»
والمسلم يعلم أن الجنّ لا تقدر على
شيء إلا بإرادة الله، كما أنها لا تعلم من
غیب الله شيئًا.
قال تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَ
غَيْبِهِ: أَحَدًا (٦) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ فَإِنَّهُ.
يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا﴾ [الجن:
٢٦ - ٢٧].
وقال تعالى عن وفاة النبي سليمان عليه
السلام: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَُّمْ عَلَى
مَوْنِ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا
خَرَّتَيْتَتِ الْجِنُّ أَنْ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ
فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤].
فعلى المسلم أن يكون دائم الصلة بالله
عز وجل، فمن كان في کنف الله عز وجل
حماه الله من شياطين الإنس والجن، فهو
نعم المولى ونعم النصير.
والمسلم يؤمن بأن الله سبحانه يحفظه
من مسّ الجن وإيذائه -مما لم يقدره الله-
بالتزام الطاعات.
قال تعالى: ﴿لَهُ، مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١١].
فللإنسان ﴿مُعَقِّبَتٌ﴾ من الملائكة
يتعاقبون في الليل والنهار ﴿مِّنُ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ﴾ يحفظون بدنه
وروحه من كل من يريده بسوء، ويحفظون
علیه أعماله، وهم ملازمون له دائمًا، فكما
أن علم الله محيط به، فالله قد أرسل
هؤلاء الحفظة على العباد، بحيث لا تخفى
أحوالهم ولا أعمالهم، ولا ينسى منها شيء.
أما الذين يبتعدون عن طريق الله، فمن
السهل على الجن أن يؤذوهم بالصرع
والجنون.
ويجب على المسلم أن يعلم أنه في
www. modoee.com
١٣٣

حرف الجيمى
معركة مستمرةٍ مع الشياطين وأعوانهم من
شياطين الإنس والجن، الذين يفسدون في
الأرض ولا يصلحون.
والمسلم يعلم أن إبليس تكبّر على أمر
الله عز وجل عندما أمره بالسجود لآدم؛
تكريمًا له، وقال: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ
أَمْتُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ، مِن
◌ِطِينٍ﴾ [الأعرف: ١٢]؛ فغضب الله عليه،
وأنزله من السماء، وأخرجه من رحمته:
قَالَ أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْهُومَا مَّدْحُورًاً لَّمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨].
إيمان الجن
تحدث القرآن عن استجابة فريق منهم
لدعوات الرسل، وهذا ما سنوضّحه فيما
يأتي:
أولًا: موقف الجن من الرسالات:
في إخبار القرآن عن النفر من الجن الذين
استمعوا للرسول بمكة ما يدل على أنهم
كانوا عالمین بموسى عليه السلام ورسالته.
قال تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبَا أُنزِلَ مِنْ
بَعْدٍ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ
وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠].
والنص يوحي أن هذا النفر كان من
قوم عنده صلاح واستقامة، ومطالبة الجن
بالإيمان غالبًا ما ينشأ عنه استجابة لذلك
الرسول من قبل بعضهم، أو رفضًا لدعوته
من قبل البعض الآخر، وفي النهاية يدل على
أنهم فرق شتی.
فعند النظر في تلك الآية الكريمة نجد أن
الجن قد وصفوا القرآن بأوصاف.
الأول: كونه ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾
مصدّقًا لكتب الأنبياء، والمعنى أن كتب
جميع الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة
إلى التوحيد والنبوّة والمعاد والأمر بتطهير
الأخلاق، فكذلك هذا الكتاب مشتمل على
هذه المعاني.
الثاني: قوله: ﴿يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى
١٣٤
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الجن
طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فالوصف الأول يفيد أن بعد إيمانهم؛ لأنهم لا يدعون غيرهم إلى
سماع القرآن، والتصديق به، إلا وقد آمنوا.
هذا الكتاب يماثل سائر الكتب الإلهية في
الدعوة إلى هذه المطالب العالية الشريفة،
وهذا مما يدل على أن الجن كان عندهم
إيمان مسبق بالرسل السابقة، بل حتى قيل:
إنهم كانوا على اليهودية.
وعند ذلك ﴿قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا
كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ
يديهِ﴾ أي: لکتب الأنبياء، وذلك أن کتب
سائر الأنبياء كانت مشتملةً على الدعوة إلى
التوحيد والدعوة إلى النبوة والمعاد، وتطهير
الأخلاق، وكذلك هذا الكتاب مشتمل على
هذه المعاني، وهو معنى قوله: ﴿يَهْدِىّ إِلَى
اَلْحَقِّ وَ إِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
والوصف الثاني يفيد أن هذه المطالب
التي اشتمل القرآن عليها مطالب حق
وصدق في أنفسها، يعلم كل أحد بصريح
عقله کونها كذلك، سواء وردت الكتب
الإلهية قبل ذلك بها أو لم ترد.
ووصف الكتاب بأنه ﴿أُنزِلَ مِنْ بَعْدٍ
مُوسَى﴾ دون: أنزل على محمد صلى الله
عليه وسلم ؛ لأن التوراة آخر كتاب من كتب
الشرائع نزل قبل القرآن، وأما ما جاء بعده؛
فکتب مكمّلة للتوراة، ومبيّنة لها مثل زبور
داود، وإنجيل عيسى، فكأنه لم ينزل شيء
جديد بعد التوراة، فلما أنزل القرآن؛ جاء
بهدي مستقل غير مقصود منه بيان التوراة،
ولکنه مصدّق للتوراة، وهادٍ إلی أزيد مما
هدت إليه التوراة (١).
ثم إنهم لما استمعوا القرآن حتى فرغ من
تلاوته ﴿وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم﴾ انصرفوا إليهم
﴿ُذِرِينَ﴾ مخوّفین داعين بأمر رسول الله
صلی الله عليه وسلم ؛ وذلك لا يكون إلا
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٠/٢٦-
٥١.
ثانيًا: إرسال الرسل إلى الجن:
ومما يوضّح أيضًا موقف الجن من
الرسالات السابقة هي الآيات التي تتضمن
التصريح بإرسال رسل إليهم.
مثل قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنْ وَالْإِنسِ
أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَِى
وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠].
ففي هذه الآية خطاب للجن والإنس
يوم القيامة، وهذا الخطاب فيه تقرير من
الله أنه قد بعث رسلًا إلى الجن والإنس
حيث يسألهم وهو أعلم: هل بلّغتهم الرسل
رسالاته؟(٢)، وبذلك يزول العذر، وتنقطع
الحجة لأي واحد من الجن والإنس؛ إذ
بعث الله رسلًا يوضّحون الطريق، ويأمرون
بعبادة الله، وينهون عن معصيته، ولا شك أن
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦١٩/١.
www. modoee.com
١٣٥

حرف الجيمى
أمر الرسل ونهیهم للجن والإنس هو محض
التكليف، قال ابن القيم: ((وهذه الآية تدل
علی أن الجن كانوا متعبدین بشرائع الرسل
قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، لكن
دعوة أولئك الرسل كانت مقصورة على
بعض الإنس والجن، أما رسالة نبينا عليه
الصلاة والسلام فهي عامة لجميع الجن
والإنس))(١).
ثالثًا: موقف الجن من رسالة محمد
صلی الله عليه وسلم:
لقد بيّن لنا القرآن موقف الجن من رسالة
محمد صلی الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرِّيِّنَ
اِنّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرَءَانًا عَجَبً ا يَهْدِىّ إِلَى
الرُّشْدِ فَامَنَّا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًّا وَأَنَّهُ تَعَلَى
جَدُّ رَيِّنَا مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَّا وَلَدًا وَأَنَّهُ كَانَ
يَقُولُ سَفِيُهُنَا عَلَى اَللَّهِ شَطَطًا ( ) وَأَنَّا ظَنَا أَنْ أَّن
نَقُولَ آلْإِسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِّبَان وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ
الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقَّا وَأَنَّهُمْ
ظَنُواْ كُمَا ظَنُمْ أَنْ لَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: ١ -
٧].
فالجن كما يصفون أنفسهم هنا: ﴿وَأَنَّا
مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَّبِقَ قِدَدًا﴾،
ومنهم الضالون المضلون، ومنهم السّذّج
الأبرياء الذين ينخدعون: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ
سَفِيُهُنَا عَلَى اَللَّهِ شَطَطَا ، وَأَنَّا ◌َنَّا أَنْ أَّنْ نَقُولَ
اُلْإِسُ وَالْمِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا﴾ [الجن: ٣ -٤].
وهم قابلون للهداية من الضلال،
مستعدون لإدراك رسالة محمد صلى الله
عليه وسلم فهمًا وتأثرًا: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَى أَنَّهُ
أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبًا
يَهْدِىّ إلَى الرُّشْدِ فَتَامَنَا بِهِ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِنَآَ
أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢].
وأنهم قابلون بخلقتهم لتوقيع الجزاء
عليهم وتحقيق نتائج الإيمان والكفر فيهم:
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىّ ءَامَنَّا بِهُ فَمَن يُؤْمِنُ
بِرَبِّهِ، فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًّا ﴿ وَأَنَّا مِنَّا
الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَّ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَّهِكَ
تَحَرَّوْاْ رَشَدًا وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ
حَطَبًا﴾ [الجن: ١٣ - ١٥].
وأنهم لا ينفعون الإنس حين يلوذون
بهم، بل يرهقونهم: ﴿وَأَنَُّ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ
يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].
رابعًا: موقف الجن من القرآن:
لقد بيّن لنا القرآن موقف الجن من
سماعهم للقرآن، وأنهم لم يتوانوا، ولم
یتقاعسوا في تبليغ القرآن، الذي سمعوه من
النبي صلى الله عليه وسلم ، وعملوا على
الدعوة إليه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَقْنّ إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ
اَلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ
(١) انظر: طريق الهجرتين، ابن القيم ص ٤٢٢.
صَوَسوبر التقنية الوضوء
القرآن الكريم
١٣٦

الجن
أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ (١)
قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ
مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى
طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿ يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللهِ وَءَامِنُواْ
◌ِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّنِ ذُنُوبِكُمْ وَنُجِزَّكُم مِنْ عَذَاپٍ
أَلِمٍ ﴿ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ الَّهِفَلْسَ بِمُعجِزٍ فِی
اْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ, مِن دُونِهِ، أَوِْيَاءُ أُوْلَكَ فِ ضَلَالِ
تُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢].
واذكر -أيها الرسول- حين بعثنا إليك
طائفة من الجن، فلما حضروا ورسول الله
صلى الله عليه وسلم يقرأ، قال بعضهم
لبعض: أنصتوا؛ لنستمع القرآن، فلما فرغ
الرسول من تلاوة القرآن، وقد وعوه، وأثّر
فیھم، رجعوا إلی قومهم منذرین، ومحذّرین
لهم بأس الله -إن لم يؤمنوا به-، فقالوا
لقومهم لما رجعوا إليهم: سمعنا كلامًا مثيرًا
للعجب في فصاحته وبلاغته، ومواعظه
وبركاته، والإيحاء: إلقاء المعنى إلى النفس
في خفاء، کالإلهام وإنزال الملك، ويكون
ذلك في سرعة (١).
قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتابًا أنزل من
بعد موسى، مصدّقًا لما قبله من كتب الله
التي أنزلها على رسله، يهدي إلى الحق
والصواب، وإلى طريق صحيح مستقيم.
یا قومنا أجیبوا رسول الله محمدًا إلی ما
يدعو كم إليه، وصدّقوه، واعملوا بما جاءكم
(١) التفسير المنير، الزحيلي ٢٩/ ١٦١.
به، يغفر الله لكم من ذنوبکم، وینقذکم من
عذاب مؤلم موجع.
ومن لا يجب رسول الله إلى ما دعا
إليه؛ فليس بمعجز الله في الأرض، إذا
أراد عقوبته، وليس له من دون الله أنصار
یمنعونه من عذابه، أولئك في ذهاب واضح
عن الحق (٢).
خامسًا: إقرار الجن بالنعم:
وذلك في سورة الرحمن في قوله تعالى
بعد الحديث عن نعمه على عباده:
فَبِأَتِيّ
ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَّذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣].
حيث ورد هذا الخطاب في واحد
وثلاثين موضعًا من سورة الرحمن، وفيه
خطاب للجن والإنس معًا، وفي هذه
المواضع امتنان من الله على عباده بهذه
النعم التي لا يجحدها إلا کافر.
وأخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله
رضي الله عنهما قال: (خرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة الرحمن من
أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال: لقد قرأتها
على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودًا
منكم، كلما أتيت على قوله: ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ
رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك
ربنا نكذب فلك الحمد)(٣).
(٢) انظر: التفسير الميسر ص٥٠٦.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب ومن سورة الرحمن، ٥/ ٣٩٩،
www. modoee.com
١٣٧

حرف الجيمر
قال ابن القيم: ((وقد دلت سورة الرحمن
على تكليفهم بالشرائع كما كلّف الإنس،
ولهذا يقول في إثر كل آية: ﴿فَأَقِّ ءَ الَآءِ
رَيِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ﴾؛ فدلّ ذلك على أن السورة
خطاب للثقلين معًا؛ ولهذا قرأها رسول
الله صلى الله عليه وسلم على الجن قراءة
تبليغ، وأخبر أصحابه أنهم كانوا أحسن ردًّا
منهم؛ فإنهم جعلوا يقولون كلما قرأ عليهم:
﴿فَأَتِّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ لا نكذّبُ
بشيء من آلائك ربنا، فلك الحمد)»(١).
موضوعات ذات صلة:
سليمان عليه السلام، الشيطان، الناس
رقم ٣٢٩١.
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة،
١٨٣/٥، رقم ٢١٥٠.
(١) انظر: طريق الهجرتين ص ٤٢٢.
١٣٨
مَوَسُولَةُ النَّقِ
القرآن الكريم