Indexed OCR Text
Pages 1-20
صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الخير 3 1 0 عناصر الموضوع مفهوم الجن ١١٠ الجن في الاستعمال القرآني ١١٢ الألفاظ ذات الصلة ١١٣ خلق الجان وقدراتهم وأصنافهم ١١٥ ١٢٨ الإيمان بالجن ١٣٤ إيمان الجن المُجَلَّد الخَّادِىعَشِر حرف الجر مفهوم الجن أولًا: المعنى اللغوي: الجنّ بالکسر: اسم جنس جمعي، واحده جنّيّ، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستر والاستخفاء. وقد سمّوا بذلك لاجتنانهم من الناس فلا يرون، والجمع جنان، وهم الجنة. ومنه المجن بالكسر: وهو الترس؛ لأن المقاتل يستتر به من الرامي والطاعن وغير ذلك. وكل شيء وقيت به نفسك واستترت به، فهو جنّة. ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (والصيام جنّة)(١). أي: وقاية؛ لأنه يقي صاحبه من المعاصي. وعلى هذا فهم ضد الإنس؛ لأن الإنس سمي بذلك؛ لظهوره، وإدراك البصر إياه، فيقال: آنست الشيء: إذا أبصرته. ويقال: لا جنّ بهذا الأمر: أي: لا خفاء به، ولا ستر. قال الجوهري: الجنّ: خلاف الإنس، والواحد جنّيٌّ. يقال: سمّيت بذلك لأنّها تتّقى ولا ترى. وجنّ الرجل جنونًا، وأجّنّه الله، فهو مجنونٌ(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرّف مصطلح الجنّ خلق كثيرون، ومما ينبغي ذكره في هذا المقام هو ما ينسجم مع طبيعة الدراسة القرآنية، ومن هذه التعريفات: ما ذكره البيضاوي بأنه: ((أجسام عاقلة خفية، تغلب عليهم النارية أو الهوائية))(٣). وعرّفه الكفوي بأنه: ((حيوانات هوائية تتشكل بأشكال مختلفة)) (٤). وبالنظر إلى هذين التعريفين وغيرهما يمكن القول: إن مصطلح الجن هو: نوع من الأرواح العاقلة المريدة، المكلّفة على نحو ما عليه الإنسان، مجرّدون عن المادة، مستترون عن الحواس، لا يرون على طبيعتهم، ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل، يأكلون، ويشربون، ويتناكحون، ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب هل يقول: إني صائم إذا شتم، ٣/ ٢٦، رقم ١٩٠٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، ٢/ ٨٠٧، رقم ١١٥١. (٢) مختار الصحاح، الجوهري ٢٠٩٣/٥. وانظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٢١٣/٧، الكليات، الكفوي ٢/ ١٦٩. (٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٩٧/٥. (٤) الكليات، ص ٥٤٠ بتصرف. جَوَسُو ◌َرُ التفسير الموضوع القرآن الكريم ١١٠ الجن وهذا التعريف يعطي الصفات البارزة لهذا العالم الذي نجهل الكثير عن طبيعة حياته؛ لأنه غائب عن حواسنا، ومن ثمّ فإن الجن خلقٌ يغاير طبيعة البشر من حيث الشكل، وأصل المادة التي خلقوا منها؛ إذ إنهم مخلوقون من النار، بعكس الإنسان الذي خلق من الطين، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَّارِ ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجِ مِّن ◌َّارٍ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٥]. وكذلك فإن هذا المخلوق له حياته الخاصة من حيث الطعام والشراب، يختلف فيها عن الإنسان، وغير ذلك مما يختص به من الصفات (١). والمعنى الاصطلاحي مأخوذ من المعنى اللغوي إلا أن فيه زيادة تفصيل. (١) انظر: عالم الجن، عبد الكريم عبيدات ص٨. www. modoee.com ١١١ حرف الجمر الجن في الاستعمال القرآني ورد الجذر (ج ن ن) في القرآن (٢٠١) مرة، والذي يخص موضوع (الجن) منها (٣٤) مرة(١). والصيغ التي وردت هي: المثال الصيغة عدد المرات ﴿وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ الاسم الجنس ٢٢ [الأعراف: ١٧٩] وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اَلِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] الجمع ٧ ﴿وَخَلَقَ الْجَاَنَّ مِن مَّارِجِ مِّن نَّارٍ ﴾ [الرحمن: ١٥] اسم الفاعل وجاء الجن في الاستعمال القرآني بمعنى الأرواح المستترة عن الحواس(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٧٩- ١٨٢. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٢٠٣-٢٠٥. ١١٢ جوبيبو القرآن الكريمِ ٥ الجن الألفاظ ذات الصلة الشيطان: ١ الشيطان لغةً: اختلف في اشتقاقه، قيل: إن النون في لفظ الشيطان أصلية، وهو من شطن، الشين والطاء والنون أصل مطرد صحيح يدل على البعد (١)، وسمي الشيطان بذلك؛ لبعده عن أمر ربه. وذهب آخرون من أهل اللّغة: إلى النون في لفظ الشيطان زائدة، واشتقاقه من شاط يشيط وتشيّط، وشاط الشيء شيطًا وشياطة وشيطوطة: احترق (٢)، وهذا المعنى كذلك يتناسب مع الشيطان، فالشیطان یحترق ويهلك إذا سمع صوت الحق. الشيطان اصطلاحًا: هو الشديد البعد عن محل الخير من إنس، أو جن، أو دابّة (٣). الصلة بين الشيطان والجن: من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للشيطان تبين أن الجن أعم وأشمل منه باعتبار جنسه؛ فالشيطان هو ما تمرّد وبعد عن أيّ محل للخير منه ومن غيره، وإن كانت الأذهان تصرف من الوهلة الأولى إلى الجن إذا ذكرت الشياطين. الغاسق: ٢ الغاسق لغةً: الأسود من الحيّات، وهو إبليس (٤). الغاسق اصطلاحًا: هو رأس الشياطين إبليس، أو هو صنف من أصناف الجن، وهو الأسود من الحيّات. الصلة بين الغاسق والجن: من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للغاسق تبين أن الجن أعم وأشمل من الغاسق؛ إذ إنه يدل على رأس الشياطين الذين هم جزء من الجن أصلًا، وفي المعنى الآخر فإنه يدل على نوع من الأنواع وهو الأسود من الحيّات. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٨٤/٣، لسان العرب، ابن منظور، ٢٣٧/١٣. (٢) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد، ٨٦٧/٢، تهذيب اللغة، الأزهري، ٢١٤/١١. (٣) انظر: التوقيف، المناوي، ص٢١٠. (٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ٣٥٧/٤. www. modoee.com ١١٣ حرف الجيمى الملائكة : ٣ الملائكة لغةً: ((الملك: واحد الملائكة، قال ابن فارس: ((الهمزة واللام والكاف أصل واحد، وهو تحمّل الرسالة))(١)، ومنه الألوكة والمألكة والألوك (٢). الملائكة اصطلاحًا: هي أجسام نورانية خلقت من النور، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتزوجون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. الصلة بين الملائكة والجن: الملائكة معصومون عن الزلل، والجن كالإنس من حيث الشهوة وأصنافهم؛ ومن ثمّ فإن الملائكة - وإن كانت مثل الجن من حيث الخفاء-، إلا أنهم أرقى المخلوقات، من حيث فضلهم وطاعتهم. الإنس: ٤ الإنس لغةً: مادة (أن س) تدور في اللّغة حول معنيين رئيسين هما: الظّهور والنّسيان (٣). الإنس اصطلاحًا: هم كل حيوان ناطق يرى شكله، ولا يستطيع أن يرى الجن ولا الملائكة. وقال الجرجانيّ: الإنسان هو الحيوان النّاطق (٤). فالحي والحيوان لوجود الرّوح فيه، والنّطق بكلام مرتّبٍ لا بدّ له من آلة العقل، وهو من البدن وله تعلق بالروح. الصلة بين الإنس والجن: الإنس يراهم الجن، والجن لا يراه الإنس، وكلاهما عالم مختلف، في طبعه وشهواته، وطريقة أكله وشربه. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ١٣٢. (٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢٧ / ٤٨. (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٤٥/١، لسان العرب، ابن منظور ١٤٧/١. (٤) التعريفات، الجرجاني ص ٣٨. ١١٤ مُوسوبر النفسية القرآن الكريم الجن خلق الجان وقدراتهم وأصنافهم تحدث القرآن الكريم عن خلق الجن، وقدراتهم التي وهبهم الله إياها، وعن أصنافهم، وهذا ما سنبيّته فيما يأتي: أولًا: خلق الجان وصفاتهم: فلقد أخبرنا القرآن الكريم والسنة النبوية بذكر المادة التي خلق منها الجن، فقد ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿وَالْجَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]؛ فعطف جملة: ﴿وَلَجَنَّ خَلَقْنَهُ ﴾ فيه إدماج وتمهيد إلی بیان نشأة العداوة بین آدم و جند إبليس، وأكّدت جملة: ﴿وَاَلْجَنَّ خَلَقْنَهُ﴾ بصيغة الاشتغال، التي هي تقوية للفعل بتقدير نظير المحذوف، ولما فيها من الاهتمام بالإجمال، ثم التفصيل لمثل الغرض الذي أكّدت به جملة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾ .. إلخ. وفائدة قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ تعليم أن خلق الجان أسبق؛ لأنه مخلوق من عنصر الحرارة أسبق من الرطوبة و﴿السَّمُومِ﴾ بفتح السين: الريح الحارة. فالجن مخلوق من النارية والهوائية؛ ليحصل الاعتدال في الحرارة؛ فيقبل الحياة الخاصة اللائقة بخلقة الجن، فكما كوّن الله الحمأة الصلصال المسنون لخلق الإنسان، كوّن ريحًا حارة، وجعل منها الجن، فهو مكوّن من حرارة زائدة على مقدار حرارة الإنسان، ومن تهوية قوية، والحكمة كلها فى إتقان المزج والتركيب(١). هذا وقد ورد أيضًا ذكر المادة التي خلق منها الجان في مقابل الحديث عن خلق الإنسان من الطين، في قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَّارِ ن وَخَلَقَ الْجَاَنَّ مِن مَّارِجَ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٤- ١٥]. وغير ذلك من الآيات التي تتحدث عن إياء إبليس عن السجود لآدم عليه السلام ، كقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِ مِن ◌َّارٍ وَخَلَقْتَهُ، مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢](٢). ثانيًا: قدرات الجن: قد أخبر القرآن الكريم بأن الله عز وجل منح الجنّ قدرات خاصة، لم يمنحها للإنس جميعًا. ویمکن تقسیم قدرات الجن إلى: ١. قدرات خاصة قد منحها الله عز وجل لهم. ومن هذه القدرات سرعة التنقل الفائق، والقوة العظيمة التي تدل على عظمة الخالق سبحانه ، كما جاء في قصة سليمان عليه (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥/١٣. (٢) انظر: عالم الجن، عبد الكريم عبيدات ص١٣ . www. modoee.com ١١٥ حرف الجيمر السلام، عندما أراد أن يثبت لملكة سبأ عظم ما أعطاه الله عز وجل من نعم عظيمة، وآلاء جليلة، قال تعالى: ﴿قَالَ بَأَيُها الْمَلَوُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ ﴿ قَالَ عِفْرِيتُ مِنَ اَلْبِنْ أَنَاْ مَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَاِكَ وَإِّ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌّ ٦ قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَبِ أَنَا ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَغِرًّا عِنْدَهُ، قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبٍِ لِيَبْلُوَنِيِّ ءَأَشْكُرُأَمْ أَكْفُرْ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ [النمل: ٣٨ - ٤٠]. كَرِيمٌ﴾ سخّرهم الله له من الجن والإنس: آیکم يأتيني بسرير ملكها العظيم قبل أن يأتوني منقادين طائعين؟ قال مارد قويٌّ شدید من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك هذا، وإني لقويُّ علی حمله، أمین علی ما فيه، آتي به کما هو لا أنقص منه شيئًا ولا أبدله. قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك بهذا العرش قبل ارتداد أجفانك إذا تحرّكت للنظر في شيء، فأذن له سلیمان فدعا الله، فأتى بالعرش(١). ومن تلك القدرات أن الجن يستطيعون التحليق في الفضاء الخارجي. وكانوا يستمعون إلى السماء، وينقلون (١) انظر: الإيمان بالجن بين الحقيقة والتهويل، علي الشحود ص٦٤. أخبارها إلى الكهنة بعد إضافة كثير من الأكاذيب إليها، فلما بعث الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم حرست السماء بالشهب والملائكة، يقول الله عز وجل على لسان أحد الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِتَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَانَقْعُدُ مِنْهَا مَقَهِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ [الجن: ٨-٩]. وأنّا -معشر الجن- طلبنا بلوغ السماء؛ لاستماع كلام أهلها، فوجدناها ملئت قال سليمان عليه السلام مخاطبًا من بالملائكة الكثيرين الذين يحرسونها، وبالشهب المحرقة التي يرمى بها من يقترب منها. وأنّا كنا قبل ذلك نتخذ من السماء مواضع؛ لنستمع إلى أخبارها، فمن يحاول الآن استراق السمع، يجد له شهابًا بالمرصاد يحرقه ويهلكه. وعن عائشة رضي الله عنها زوج النّبيّ صلی الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ الملائكة تنزل في العنان - وهو السّحاب- فتذكر الأمر قضي في السّماء، فتسترق الشّياطين السّمع قتسمعه، فتوحیه إلی الکھان، فیکذبون معها مائة كذبةٍ من عند أنفسهم)(٢). ومن تلك القدرات أن الجن قد سخّرهم (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة ٤ /١١١، رقم ٣٢١٠. ١١٦ مُؤَسُولَةُ النَّسية جومبو القرآن الكريم الجن الله تعالى لسليمان عليه السلام يغوصون وقصاع كبيرة کالأحواض التي يجتمع فيها الماء، وقدور ثابتات لا تتحرك من أماكنها لعظمهن(٢). في البحر، ويستخرجون له من خيراته، ويبنون له القصور الشامخات، وقد جعلهم الله عز وجل من جنود سليمان عليه السلام ، قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ، مِنَ الْجِنِّ وَاْإِنِسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]. وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير في مسيرة لهم، فهم على كثرتهم لم یکونوا مهملین، بل کان علی کل جنس من يردّ أولهم على آخرهم؛ کي يقفوا جميعًا منتظمين(١). وقال تعالى: ﴿وَ مِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبٌّ وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ السَّعِيرِ ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ, مَا يَشَآءُ مِن تَّحَرِبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورِ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ: ١٢ -١٣]. وسخّرنا لسليمان الريح تجري من أول النهار إلى انتصافه مسيرة شهر، ومن منتصف النهار إلى الليل مسيرة شهر بالسير المعتاد، وأسلنا له النحاس كما يسيل الماء، يعمل به ما يشاء، وسخّرنا له من الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه، ومن يعدل منهم عن أمرنا الذي أمرناه به من طاعة سليمان نذقه من عذاب النار المستعرة. يعمل الجن لسليمان ما يشاء من مساجد للعبادة، وصور من نحاس وزجاج، (١) التفسير المیسر، مجمع الملك فهد ص٣٧٨. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ، وَيَعْمَلُونَ عَمَلَا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّالَهُمْ حَفِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢]. وسخّرنا لسليمان من الشياطين شياطين يستخدمهم فيما يعجز عنه غيرهم، فكانوا يغوصون في البحر يستخرجون له اللآلئ والجواهر، و کانوا یعملون کذلك في صناعة ما يريده منهم، لا يقدرون على الامتناع مما يريده منهم، حفظهم الله له بقوته وعزه سبحانه وتعالى . ٢. قدرات على التشكيل. وقد اختلف، هل الجن يتشكّلون بالصور المختلفة؟ فذهب قوم إلى أنه ليس للجن قدرة على تغيير خلقهم، وهو مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وبه قال القاضي أبو یعلی. وروي عن عمر أنه قال: إن أحدًا لا يستطيع أن يتغير عن صورته التي خلقه الله تعالى عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذّنوا(٣). (٢) المصدر السابق ص٤٢٩. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ١٠/ ٣٩٧، رقم ٣٠٣٦١. وصحح إسناده ابن حجر في الفتح ٣٤٤/٦. www. modoee.com ١١٧ حرف الجيمى هذا ومن خصائص الجن، أنهم يرون الإنس ولا يراهم الإنس، قال الله تعالی: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ، مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]. وقال القاضي أبو يعلى: لا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، وإنما يجوز أن يعلّمهم الله تعالى كلمات وضروبًا من الأفعال، إذا فعله وتكلم به، نقله الله تعالى من صورة إلى صورة. والقول الثاني: وهو قول الجمهور، وهو الصحيح أن للجن قدرة على التشكيل، وتغییر خلقتهم. قال ابن تيمية: ((والجن يتصوّرون في صور الإنس والبهائم، فيتصوّرون في صور الحيات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم))(١). ولا یمنع خلقهم من النار تشكّلهم في الصور المختلفة، وقد حكى ابن حجر الهيتمي عن الباقلاني أنه قال: «لسنا ننكر -مع کون أصلهم النار- أن الله تعالی یکثّف أجسامهم ويغلّظها، ویخلق لهم أغراضًا تزيد على ما في النار؛ فيخرجون عن كونهم نارًا، ويخلق لهم صورًا وأشكالا مختلفة))(٢). (١) انظر: إيضاح الدلالة في عموم الرسالة، ابن تيمية ص ٣٢. (٢) انظر: الفتاوى الحديثية، ابن حجر الهيتمي ص ٦٥. قال بدر الدين الشبلي: «للجن القدرة على التطور والتشكل في صور الإنس والبهائم، فيتصوّرون في صور الحيات والعقارب، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم، كما أتى الشيطان قريشًا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم؛ لما أرادوا الخروج إلى بدر))(٣). قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَّوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمٌّ فَلَمَا تَرَآءَتِ اَلْفِئْتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِ بَرِىٌّ مِنكُمْ إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِّ أَخَافُ اللَّهَ وَاَللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. وكما روي أنه تصوّر في صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة للتشاور في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم هل يقتلونه، أو يحبسونه، أو يخرجونه؟(٤)، وورد عن أبي سعيد الخدري يرفعه (أن بالمدينة نفرًا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئًا من هذه العوامر، فلیؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان)(٥). (٣) انظر: سيرة ابن هشام ١ / ٦١٢. (٤) انظر: المصدر السابق ١/ ٤٨٠ - ٤٨١. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب قتل الحيات وغيرها، ٤ / ١٧٥٧، رقم ٢٢٣٦. ١١٨ جوبين القرآن الكريمِ الجن الأدلة على تشكّل الجن ورؤيتهم: أما من القرآن فقوله تعالى: ﴿وَإِذْزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ اَلْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمٌّ فَلَمَا تَرَآءَتِ اَلْفِشَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِ بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنّ ◌َخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. عن ابن عباس قال: ((جاء إبلیس یوم بدر في جند من الشيطان، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]. فلما اصطف الناس، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرین، وأقبل جبریل إلی إبليس، فلما رآه -وكانت يده في يد رجل من المشركين- انتزع إبلیس یده، فولی مدبرًا هو وشیعته، فقال الرجل: يا سراقة: تزعم أنك جارٍ لنا؟ قال: ﴿إِّ أَرَىْ مَا لَا تَرَوْنَ إِّ أَخَافُ اَللَّهُ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. وذلك حين رأى الملائكة))(١). وقد ورد من السنة ما يدل على ذلك: ١. عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول (١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٣/ ٧ وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧١٥. الله صلى الله عليه وسلم: (إن عفريتا من الجن جعل يفتك عليّ البارحة؛ ليقطع عليّ الصلاة، وأن الله أمكنني منه فذعته(٢)، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد؛ حتی تنظرون إليه أجمعون -أو کلکم- ثم ذكرت قول أخي سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْلِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ [ص: ٣٥]، فردّه الله خاسًا)(٣). ٢. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم، قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخلّيت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا هريرة ما (٢) ذعته: خنقته، والذعت: أشد الخنق، وروي بالدال المهملة، أي: دفعته بعنف. انظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٢٠١/٣، فتح الباري، ابن رجب ٣٩٦/٦، فتح الباري، ابن حجر ٣/ ٨١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الأسير، أو الغريم، يربط في المسجد، ١/ ٩٩، رقم ٤٦١، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، والتعوذ منه وجواز العمل القليل في الصلاة، ٣٨٤/١، رقم ٥٤١. www. modoee.com ١١٩ حرف الجيمى فعل أسیرك البارحة؟) قال: قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته، فخلّيت سبيله، فقال: (أما إنه قد كذبك، وسيعود) فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه سيعود)، فرصدته؛ فجاء يحثو من الطعام؛ فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: دعني فإني محتاج، وعلي عيال، لا أعود، فرحمته، فخلّيت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟) قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا، فرحمته، فخلیت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك وسيعود)، فرصدته الثالثة؛ فجاء يحثو من الطعام؛ فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلی رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم لا تعود، ثم تعود قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هو ؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ اَلْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخلّیت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما فعل أسيرك البارحة؟) قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخلّیت سبيله، قال: (ما هي؟) قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأً آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية (اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح -وكانوا أحرص شيء على الخير-، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟) قال: لا، قال: (ذاك شيطان)(١). وقد يظهر الشيطان لبعض الناس في صورة بعض الأموات، وأكبر ما يقع ذلك من المشركين، يقول شيخ الإسلام ابن تیمیة: ((وقد وقع هذا کثیرًا، حتى إنه يتصور لمن يعظّم شخصًا في صورته، فإذا استغاث به فيظن ذلك الشخص أنه شیخه المیت)». ويقول أيضًا: ((وكذلك يأتي كثيرًا من الناس في مواضع ويقول إنه الخضر، وإنما كان جنيًّا من الجن))(٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوكالة، باب إذا وكل رجلا، فترك الوكيل شيئًا فأجازه الموكل فهو جائز، ١٠١/٣، رقم ٢٣١١. (٢) انظر: النبوات، ابن تيمية ص ٢٩٠. ١٢٠ القرآن الكريم الجن ثالثًا: تكليف الجن: قد وردت آيات كثيرة في القرآن تدل على تكليف الجن، منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]. فالآية صريحة في أن الله قد خلق الجن والإنس للعبادة، وعلى هذا وردت أقوال العلماء: قال ابن عباس: ((﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا ليقرّوا بعبادتي طوعًا أوكرهًا»، وهذا اختيار ابن جرير الطبري (١). وورد عن علي بن أبي طالب، وابن جريج، والربيع بن أنس أن معنى قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا لآمرهم بالعبادة، وهو اختيار الزجاج(٢). قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْبُنَّ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَانَانٌ لَِّ يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَيْكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلٌ أُوْلَكَ هُمُ الْفَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. أي: ولقد خلقنا للنار -التي یعذّب الله فيها من يستحق العذاب في الآخرة- كثيرًا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يعقلون (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧/ ٨. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ٥٥، فتح القدير، الشوكاني ٩٢/٥. بھا، فلا یرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا، ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، ولهم آذان لا يسمعون بها آيات كتاب الله فيتفكروا فيها، هؤلاء كالبهائم التي لا تفقه ما يقال لها، ولا تفهم ما تبصره، ولا تعقل بقلوبها الخير والشر؛ فتميز بينهما، بل هم أضل منها؛ لأن البهائم تبصر منافعها ومضارها، وتتبع راعيها، وهم بخلاف ذلك، أولئك هم الغافلون عن الإيمان بالله وطاعته (٣) قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَقْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ قَالُواْ يَنْقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبَّا أُنزِلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ تُسْتَقِيمٍ ، يَقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّنِ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرَّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ( [الأحقاف: ٢٩ - ٣١]. فقد أخبر القرآن الکریم أن الله قد صرف الجن إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ من أجل استماع القرآن منه. قال ابن القيم: ((وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَقْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، الآية تدل على تكليف الجن من وجوه كثيرة: (٣) انظر: التفسير الميسر ص١٧٤. www. modoee.com ١٢١ حرف الجيمى أحدها: أن الله سبحانه وتعالى صرفهم إلى رسوله؛ يستمعون القرآن؛ ليؤمنوا به، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه. الثاني: أنھم وّوا إلی قومهم منذرین، والإنذار: هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه، فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول. الثالث: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن، وعقلوه، وفهموه، وأنه يهدي إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى، وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مصدّق له، وأنه هادٍ إلى صراط مستقيم، وهذا يدل على تمكينهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه، والتكليف إنما يستلزم العقل والقدرة. الرابع: إنهم قالوا لقومهم: ﴿يَقَوْمَنَآَ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]. وهذا صريح في أنهم مكلفون مأمورون بإجابة الرسول، وهي تصديقه فیما أخبر، وطاعته فيما أمر(١). قوله تعالى في سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌّ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبَالْ يَهْدِىّ إِلَى الْرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ. وَلَن ◌َشْرِكَ بِرَبَنَا أَحَدًّا وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِنَامَا اَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطَا ، وَأَنَّا ظَنَا أَنْ لَّن تَقُولَ الْإِنْسُ وَالِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا ، وَأَنَّهُمْ ظَنُواْ كُمَا ظَنَُمْ أَنْ أَّنْ يَبْعَثَ اَللَّهُ أَحَدَّمَ ل وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِثَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُيً ا وَأَنَّا كُنَّاً نَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا وَّصَدًا ل وَأَنَّا لَا نَدْرِىَ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا" وَأَنَّا مِنَّا الصَّلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَّبِقَ قِدَدًا (١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن ◌َّن نُّعْجِزَ اَللَّهَ فِى اَلْأَرْضِ وَلَنْ تُعْجِزَهُ هَرَبًا وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا اْهُدَىَ ءَامَنَّا بِهُ فَمَن يُؤْمِنُ بِرَبِهِ، فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقَال ◌ْ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَّ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأَوْلَهُكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ، وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١ - ١٥]. وقد جاءت هذه الآيات إخبارًا للرسول عليه الصلاة والسلام باستماع نفر من الجن إليه وهو يقرأ القرآن بأصحابه، وذلك بعد أن منع الجن من استراق أخبار السماء، فعرفوا أن هذا المنع ما حصل إلا لشيء قد حدث في الأرض، فجابوا الأرض، فكان النفر الذين أخذوا نحو تهامة في بلاد الحجاز قد مروا على الرسول عليه السلام وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن، استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم منذرين، (١) انظر: طريق الهجرتين، ابن القيم ص ٤٢١. موسوبر التيقِ المصور القرآن الكريم ١٢٢ الجن فأنزل الله تعالى إلى نبيه: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرِّيْنَ الْجِنِ﴾ [الجن: ١](١) الآية، ولم يكن يعلم باستماعهم إليه على الراجح من الروايات في ذلك، وظاهر القرآن يدل عليه. وقد دلت هذه الآيات على إيمانهم بالقرآن، وأخذهم عهدًا على أنفسهم أن لا يشركوا بالله، وذلك في قوله تعالى عنهم: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرّ يِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَالِ يَهْدِىّ إِلَى الْرُّنْدِ فَمَنَابِهِ. وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِنَّا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢] وقوله عنهم: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىّ ءَامَنَا ﴾[الجن: ١٣]. ففي إيمانهم بالقرآن، ووصفهم له بأنه يهدي إلى الرشد، وعدم إشراكهم بالله دلالة على أنهم مكلفون، وكذلك مسارعتهم لاستماعه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَاً قَامَ عَبْدُ اللَّهِيَدْعُوُ كَادُ واْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِيَدًا﴾ [الجن: ١٩]. أي: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويقرأ القرآن اجتمع الجن علیه متلبدین متراکمین؛ حرصًا على ما جاء به من الھدی(٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر، ١ / ١٥٤، رقم ٧٧٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، ٣٣١/١، رقم ٤٤٩. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٩٩. فقد كانوا فرحین حریصین متأملین عند سماعهم للقرآن، وفي هذا دلالة على كمال عقولهم، وهو يقتضي التکلیف، وقد وردت آيات كثيرة تخاطب العقل كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وقوله: ﴿أَفَلَنَذَكَّرُونَ﴾، وقوله: ﴿فَأَعْتَبِرُواْ يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [الحشر: ٢]. وفي هذا دلالة على توجه الخطاب للعاقل، وقد تقدم أن الجن مخلوقات عاقلة مريدة مختارة، عندها القدرة على التمييز بين الحق والباطل. قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ الجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِنَكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَِّى وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءُ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾ [الأنعام: ١٣٠]. ففي تلك الآية ما يتضمن بالتصريح بإرسال رسل إليهم، وفي الآية خطاب الجن والإنس يوم القيامة، وهذا الخطاب فيه تقریر من الله في أنه قد بعث رسلا إلى الجن والإنس حيث يسألهم وهو أعلم: هل بلغتهم الرسل رسالاته؟(٣). وبذلك يزول العذر، وتنقطع الحجة لأي واحد من الجن والإنس؛ إذ بعث الله رسلاً يوضّحون الطريق، ويأمرون بعبادة الله، وینهون عن معصيته، ولا شك أن أمر الرسل (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦١٩. www. modoee.com ١٢٣ حرف الجيمر ونهيهم الجن والإنس هو محض التكليف. قال ابن القيم: ((وهذه الآية تدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، لكن دعوة أولئك الرسل كانت مقصورة على بعض الإنس والجن، أما رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام فهي عامة لجميع الجن والإنس» (١). وغير ذلك من الآيات التي تدل على تكليف الجن. هل في الجن أنبياء ورسل؟ ومما يتبع مسألة تكليف الجن هي مسألة هل بعث إلى الجن رسل منهم، أم أن الرسل المبعوثين إليهم من الإنس فقط؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، وسبب الخلاف بين أهل العلم في تلك المسألة هو راجع إلى اختلافهم في فهم بعض نصوص القرآن. القول الأول: أن رسل الجن هم من البشر، ولم يبعث إلى الجن رسول منهم، وهو رأي الجمهور من العلماء(٢). واستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَّ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَِ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا﴾ [الأنعام: (١) انظر: طريق الهجرتين، ابن القيم ص ٤٢١. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٣ / ١٩٥. جوسو القرآن الكريم ١٣٠ ]. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: «ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل قال: وإن كانت الرسل من الإنس، ﴿مِّـ وغلب الإنس في الخطاب، كما يغلب المذكر على المؤنث، وفي التنزيل: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا ◌َلُّؤْلُؤُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]. أي من أحدهما، وإنما يخرج من الملح دون العذاب، فكذلك الرسل من الإنس أي: من دون الجن، فمعنى: أحدکم، و کان هذا جائزًا؛ لأن ذكرها سبق. وقيل: إنما صير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع؛ لأن الثقلين قد ضمتهما عرصة القيامة، والحساب علیهم دون الخلق، فلما صاروا في تلك العرصة في حساب واحد، في شأن الثواب والعقاب؛ خوطبوا يومئذٍ بمخاطبة واحدة، كأنهم جماعة واحدة؛ لأن بدء خلقهم للعبودية، والثواب والعقاب على العبودية، ولأن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا، فمنهم مؤمن وكافر، وعدونا إبليس عدو لهم، يعادي مؤمنهم، ويوالي كافرهم، وفيهم أهواء: شيعة، وقدرية، ومرجثة))(٣). واستدل أيضًا الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِم (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨٦/٧. ١٢٤ الجن مِنْ أَهْلِ الْقُرَىّ﴾ [يوسف: ١٠٩] ((فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيًّا ولا امرأة ولا بدويًّا، وأما تسميته تعالى الجن رجالاً في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ اَلْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقَا﴾ [الجن: ٦]. فلم يطلق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ فهم رجال من الجن، ولا يستلزم دخولهم في الرجال عند الإطلاق، كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب ونحوه))(١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَاً إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوُبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وقوله تعالى: وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِ ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ اْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. فهذه الآيات قد أخبرت أن الله قد جعل النبوة في الرجال من البشر، ولو كان في الجن رسل وأنبياء، لأخبر القرآن بذلك، والآيات السالفة إخبار من الله عن إبراهيم عليه السلام أن الله قد جعل النبوة في ذريته من بعده. ((فلم يبعث الله نبيًّا بعد إبراهيم إلا من (١) انظر: طريق الهجرتين، ابن القيم ١ / ٤١٦. صلبه))(٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. فقد أخبر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن الرسل الذين بعثهم قبله كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، والمقصود بذلك أنھم بشر، وليس في الآية ما يدل على بعث الرسل من خلاف الإنس. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىْ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]. ((وأجمعوا على أن المراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء فقط))(٣). فليس في الجن رسل، ولکن منهم نذر عن الرسل (٤). القول الثاني: أنه قد بعث إلى الجن رسل منهم، وهو رأي مقاتل والضحاك، وابن حزم الأندلسي (٥). استدل هذا الفريق على ما ذهب إليه بقوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنْ وَالْإِنسِ أَلَوْـ (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤٠/١٣. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٣ /١٩٥. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٦/ ٣١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧ / ٨٦. (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٨٦، روح المعاني، الألوسي ٨/ ٢٨. www. modoee.com ١٢٥ حرف الجمر بَأَيِّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]. قال الشوكاني: «وظاهره أن الله بعث في الدنیا إلى الجن رسلًا منهم، كما بعث إلى الإنس رسلًا منهم))(١). وقال ابن حجر الهيتمي: ((وظاهر القرآن يشهد للضحاك، والأكثرون في خلافه»(٢). ووجه استدلال الضحاك بهذه الآية: أن الله خاطب الجن والإنس بأنه قد بعث إليهم رسلًا منهما؛ بدليل قوله تعالى: ﴿مِّنَكُمْ﴾ وهو يقتضي بعث الرسل إلى الجن منهم، وبعث الرسل إلى الإنس منهم كذلك. ويتبين مما تقدم من أدلة الفريقين أن قول الجمهور هو القول الراجح إن شاء الله تعالى؛ وذلك للأدلة التي اعتمدوا عليها (٣). رابعًا: أصناف الجن: إن الجن أصحاب ملل ونحل متباينة، وفيهم المؤمن والكافر، والعادل والظالم، فمنهم الكامل في الاستقامة وعمل الخير، ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم البله المغفلون، ومنهم الكفرة، وهم الكثرة الكاثرة. قال تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَّ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَزَّوْاْ رَشَدًا﴾ (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١٦٣/٢. (٢) انظر: الفتاوى الحديثية ص ٦٦. (٣) انظر: عالم الجن، عبد الكريم عبيدات ص ٢٠٩. [الجن: ١٤]. يقول ابن القيم تعليقًا على هذه الآية التي تبين أحوال الجن وأصنافهم، وأنهم كأحوال الإنس في الإيمان والكفر، والصلاح والفساد: ((وقد تضمنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين، ودون الصالحين، وكفار، وهذه الطبقات بإزاء طبقات بني آدم، فإنها ثلاثة: أبرار، ومقتصدون، وكفار، فالصالحون بإزاء الأبرار، ومن دونهم بإزاء المقتصدین، والقاسطون بإزاء الكفار، وهذا كما قسم سبحانه بني إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة في قوله: ﴿وَقَّعْنَهُ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّاً مِّنْهُمُ الصَّْلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌّ وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. فهؤلاء الناجون منهم، ثم ذكر الظالمين وهم خلف السوء الذين خلفوا بعدهم، ولما كان الإنس أكمل من الجن، وأتم عقولًا، ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر، ليس شيء منها للجن، وهم: الرسل، والأنبياء، والمقربون، فليس في الجن صنف من هؤلاء بل حيلتهم الصلاح» (٤). ويقول القرطبي في تفسير تلك الآية السابقة: ((هذا من قول الجن، أي قال بعضهم لبعض لما دعوا إلى الإيمان بمحمد صلى (٤) انظر: طريق الهجرتين، ابن القيم ١ / ٤١٦. ١٢٦ القرآن الكريم الجن الله عليه وسلم: وأنّا كنا قبل استماع القرآن الكافرون، والأول أحسن، يقصد أنهم كانوا مؤمنین و کافرین قبل استماعهم للقرآن، بعد منا الصالحون، ومنا الكافرون، وقيل: ومنا دون ذلك، أي ومن دون الصالحين في الصلاح)»(١). مبعث الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه کان في الجن من آمن بموسی وعیسی، وقد أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا وقوله تعالى: ﴿كُنَّاطَرَابِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]، أي: فرقًا شتى، قاله السدي. أُنْزِلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَ إِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠]. وقال الضحاك: أديانًا مختلفة. وقال قتادة: أهواء متباينة. كانوا مختلفين، منهم كفار، ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء، وقال مجاهد: یعنون: مسلمین وکافرین، وقال الحسن والسدي: في الجن أمثالكم، فمنهم قدریة، ومرجئة، ورافضة، وخوارج، وشيعة، وسنة، وقال سعيد بن جبير: ألوانًا شتی. وقال ابن کیسان: شيعًا وفرقًا، ومعنى الكلام: أصنافًا مختلفة، ومذاهب متفرقة، وقال سعيد بن المسيب: كنا مسلمين، ویھودًا، ونصارى، ومجوسًا(٢). وذهب بعض أهل العلم كالقرطبي إلى أن هذه المذاهب المختلفة في الجن إنما هي بعد مبعث الرسول عليه الصلاة والسلام واستماعهم للقرآن منه. يقول القرطبي: «وقال قوم: أي: وإنا بعد استماع القرآن مختلفون، منا المؤمنون، ومنا (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/ ١٥. (٢) انظر: طريق الهجرتين، ابن القيم ١ / ٤١٤. وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوراة، والمعنى: لم يكن كل الجن كفارًا، بل وكان هذا مبالغة منهم في دعاء من دعوهم إلى الإيمان. وقال السبكي: لا شك أنهم مكلّفون في الأمم الماضية كهذه الملة، إما بسماعهم من الرسول، أو من صادقٍ عنه، و کونه إنسيًّا، أو جنيًّا لا قاطع به)»(٣). والشاهد لكلام القرطبي أنهم قد عبروا عن حالتهم السابقة قبل استماع القرآن بلفظ الماضي. ولكن قد أخبر القرآن عن أحوالهم أيضًا بقوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأَوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا﴾ [الجز: ١٤]. فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَزَّوْاْ رَشَدًا﴾ توحي أيضًا أنه ليس كل الجن على الاستقامة والصلاح. قال ابن القيم: ((فالمسلمون: الذين آمنوا بالله ورسوله منهم، والقاسطون: الجائرون (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩ / ١٥. www. modoee.com ١٢٧ حرف الجيمى العادلون عن الحق، قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله أندادا، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل فهو مقسطٌ، ومنه: ﴿وَأَقْسِطُوَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. وقسط: إذا جار؛ فهو قاسط، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ خَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]»(١). الإيمان بالجن تحدث القرآن الكريم على أن الإيمان بالجن من صور الإيمان بالغيب؛ لأنهم يروننا ولا نراهم، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي: أولًا: الإيمان بالجن من الإيمان بالغيب: ١. الإيمان بالجن. أفاض القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عن الجن وأحوالهم في مواضع کثيرة، فقد ورد ذکرهم في القرآن في مواضع متعددة، تقرب من أربعين موضعًا، عدا الآيات التي تحدثت عن الشيطان،-وهي كثيرة-، وانفردت سورة كاملة للحديث عن أحوال النفر الذين استمعوا للقرآن من الرسول عليه الصلاة والسلام وهو بمكة، هي سورة الجن، إذ ورد في مطلعها إخبار الله لنبيه باستماع هذا النفر للقرآن. قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرِّيِّنَ الْجِنْ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَبًا يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢]. وقال في معرض الحديث عن نعيم الجنة: ﴿فِنَّ قَصِرَتُ الطَّرْفِ لَمْ يَعْطِمِنْهُنَّ إِنسْ قَبِّلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴾ [الرحمن: ٥٦]. (١) انظر: عالم الجن، عبد الكريم عبيدات ص ٦٧. ١٢٨ مَوَسُوعُ القرآن الكريم