Indexed OCR Text

Pages 21-40

الجهاد
وذاقوا حلاوتها، وعلموا أن من حق البشر إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْمُدَىُّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم
بَعْدَ الَّذِى جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا
نَصِيرٍ ٢﴾ [البقرة: ١٢٠].
عليهم أن يسعوا لإسعادهم بها، ولو کان
الناس يقبلون دعوة المسلمين إلى تحكيم
هذا الكتاب عليهم أن يكتفوا بالدعوة إلى
ذلك لأنه يحقق الهدف، ولكن أكثر الناس
لا یکفیھم أن یرفضوا تحکیم کتاب الله، بل
إنهم يقفون محاربین من أراد تحکیمھم بکل
ما أوتوا من قوة، وهذا يحتم على أولياء الله
أن يجاهدوا أعداءه الذين يحاربونهم من
أجلە»(١).
بكل وسيلة أتيحت لهم، وعلى رأس
هذه الوسائل القوة العسكرية التي احتلوا
بها بعض بلدان المسلمين، وهددوا بها
بعضها الآخر، متذرعين بحقوق الإنسان
التي تحوي موادها حرية الاعتقاد الشاملة
للخروج من الدين الإسلامي، وهو الهدف
الأساسي عند اليهود والصلیبیین والوثنیین،
ولم نر هجومًا لهم سواء في الماضي أو
الحاضر أو ما سيفعلونه في المستقبل، على
أي دين وجد في الأرض مثل هجومهم
على دين الإسلام، فهو هدفهم الرئيس من
حملاتهم الظالمة.
وبیّن الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَآَنْ
تَرْضَى عَنكَ الْيَّهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَنَّعَ مِلَتْهُمْ قُلّ
(١) الجهاد في سبيل الله، عبد الله القادري ٢/
١٥٩.
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَائِلُونَكُمْ حَى
يُدُكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أُسْتَطَمُواْ وَمَن
يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ
فَأَوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةٌ
وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[البقرة: ٢١٧].
فلذلك أسمى أنواع الجهاد هو إعلاء
إنّ أعداء الإسلام حاربوا هذا الدين كلمة الله عز وجل وإقامة حكمه في الأرض،
فعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: جاء
رجلٌ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:
الرّجل يقاتل للمغنم، والرّجل يقاتل للذّكر،
والرّجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل
اللّه؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي
العلیا فهو في سبيل الله)(٢).
ثانيًا: انتصار الحق على الباطل:
إنّ مشهد انتصار الحق والإيمان في واقع
الحياة المشهود، يكون بعد انتصارهما في
عالم الفكر والعقيدة، وانتصار الإيمان في
القلوب على الرغب والرهب، والتهديد
والوعيد، والتاريخ القديم والحديث مليء
بالأحداث الدالة على أن العاقبة لأصحاب
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي
العليا، ٢٠/٤، رقم ٢٨١٠.
www. modoee.com
٢٢١

حرف الجيمى
الحق، وأن الدائرة عائدة على الواقفين الحقّ هو المنتصر في النهاية وهو الرابح
في جميع الجولات القادمة مهما تفشى كبر
وعلا(٢)، حيث قال الله سبحانه وتعالى:
﴿وَيُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].
إلی جانب الباطل، فنحن نری کیف ينتصر
الحق على الباطل والهدى على الضلال،
والإيمان على الطغيان في الواقع المشهود،
ودائمًا ما يكون النصر الأخير مرتبطًا
بالنصر الأول، فما يتحقق النصر في عالم
الواقع إلا بعد تمامه في عالم الضمير، وما
يستعلي أصحاب الحق في الظاهر إلا بعد
أن يستعلوا بالحق في الباطن، وإنّ للحق
والإيمان حقيقة متى تجسمت في المشاعر
أخذت طريقها فاستعلنت ليراها الناس
في صورتها الواقعية، فأما إذا ظل الإيمان
مظهرًا لم يتجسم في القلب، والحق شعارًا
لا ينبع من الضمير، فإن الطغيان والباطل قد
يغلبان، لأنهما يملكان قوة مادية حقيقية لا
مقابل لها ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان،
فواجب على المجاهدين أن يحققوا الإيمان
في النفس وفي القلب؛ لتصبح أقوى من
يقول ابن عاشور ((وإن المصارعة بين
الحق والباطل شأن قديم، وهي من النواميس
التي جبل عليها النظام البشري)) (٣).
وقال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ
اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَنصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ
وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة:
١٤].
لقد أراد الله عز وجل - وله الفضل
والمنة- أن تكون ملحمة لا غنيمة وأن
تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق
الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه، وأراد
أن يقطع دابر الكافرين، وتذل کبریاؤهم،
وتخضد شوكتهم، وتعلو راية الإسلام
حقيقة القوى المادية التي يستعلي بها الباطل وكلمة الله عز وجل، ويمكّن الله سبحانه
ويصول بها الطغيان، وبذلك ينتصر الحق وتعالى للعصبة المسلمة التي تعيش بمنهج
الله عز وجل، وتنطلق به لتقرير ألوهيته
على الباطل (١).
في الأرض، وتحطيم طاغوت الطواغيت،
إنّ الحرب سجال بين الحقّ والباطل،
ولئن ربح الباطل جولة وإن حقق انتصارات
هنا وهناك، فإنها انتصارات آنية واهية،
وليست بانتصارات حقيقية واقعية، فإن
وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا
عن جزاف -تعالى عنه علوًّا كبيرًا - وبالجهد
والجهاد، وبتكاليف الجهاد ومعاناتها في
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٤/
٢٣٤٤.
(٢) انظر: القرآن منهاج حياة، غازي صبحي، ص
١٨٢.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٢/ ١٩٢.
جَوَسُو ◌َرُ النَّهِبـ
القرآن الكريم
٢٢٢

الجهاد
عالم الواقع وفي ميدان القتال(١).
إِنَّ المتتبع لآيات القرآن الكريم لا يعجزه قائمة ومستمرة، وأن الله سبحانه وتعالى
أن يقف على حقيقة مفادها: أن الصراع بين
الحق والباطل هو سنة أقام الله عز وجل
عليها هذه الحياة، وأن الحياة لا يمكن أن
يسودها الخير المطلق، بحيث تخلو من
الشر، وبالمقابل لا يمكن أن تعاني من الشر
قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ يِلَلْنَّ عَلَى الْبَطِلِ
فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].
المطلق بحيث لا يكون فيها قائم بالحق،
والعاقبة للحق دائمًا، فالباطل وإن علا على
وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١].
الحق في بعض الأوقات والأحوال، فإن
الله عز وجل يمحقه ويبطله ويجعل العاقبة
للحق وأهله، كما قيل: للحق دولة وللباطل
صولة (٢).
والتاريخ خير شاهد الآن على كيفية
المقاومة والجهاد في سبيل الله عز وجل في
فلسطين وفي غزة بالتحديد، فقد نصر الله
عز وجل تلك المقاومة رغم القوة العسكرية
الهائلة التي کان يتمتع بها أعداؤه، وحققت
هذه المقاومة انتصارات لا يمكن أن تخضع
للتحليل العلمي، وتستعصي علیه، بيد أن
الله سبحانه وتعالى جعل النصر حليفها،
وذلك لكونها صاحبة حق تدافع عنه،
ولكون أعدائها أصحاب باطل ينافحون فيه،
ولاشك بأن التاريخ غني بالأمثلة والعبر التي
(١) انظر: في ظلال القرآن ٣/ ١٤٨١.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي، ٢٢٣/٢، لباب
التأويل، الخازن، ١٤/٣، روح البيان،
إسماعيل حقي، ٤ / ٣٦٠.
تؤكد على أن المعركة بين الحق والباطل
يختار للمدافع عن هذا الحق من كان أهلًا
للدفاع عنه، وأنه سبحانه وتعالى يجعل
العاقبة للحق ولنصرة دعوة الخير في نهاية
المطاف، والويل والخذلان والخزي لدعاة
السوء والباطل.
هذه الآية الكريمة تدل على أن المؤمنين
ما داموا مستمسكين بدينهم، متبعين لأمره
ونهيه، قائمين بعمل ما يستدعيه الدفاع
عن الدين من أخذ الأهبة وإعداد العدّة لن
يغلبهم الكافرون، ولن يكون لهم عليهم
سلطان، وما غلب المسلمون على أمرهم
إلا بتركهم هدى كتابهم، وتركهم أوامر
دینهم وراءهم (٣).
ثالثًا: دفع عدوان الكافرين:
إنّ من أسمى أهداف الجهاد في
سبيل الله عز وجل دفع عدوان الكافرين
والظالمين وهذا الجهاد لدفع العدوان يتمثل
بعدة أشكال منها:
١. ((رد اعتداء الكفار في ديار
(٣) انظر: تفسير المراغي ٥/ ١٨٥.
www. modoee.com
٢٢٣

حرف الجيمى
المسلمين))(١).
قال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:
﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا
تَفْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
١٩٠
وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ
أَخْجُوكُمْ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِّ وَلَا نُقَائِلُوهُمْ عِنْدَ
اَْسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَةٍ فَإِن قَلُوكُمْ
فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَفِرِينَ (١) فَإِ أَنْتَهُوَأَفَإِنَّاللّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ١٩٠ - ١٩٢].
فقد نص الفقهاء وعلماء الدین علی أنه
إذا اعتدى الكفار على المسلمين في قعر
دارهم، تعين عليهم الجهاد وذلك للدفاع
عن الديار؛ لأن العدو الكافر إذا احتل
دارًا للمسلمين سام فيها العذاب، ونفذ
فيها أحكامه الكافرة، وأجبروا أهلها على
الخضوع له، فتصبح دار کفر بعد أن كانت
(٢)
دار إسلام
.
قال بعض علماء الحنفية: ((وحاصله أن
کل موضع خیف هجوم العدو منه فرض
على الإمام أو على أهل ذلك الموضع
حفظه، وإن لم يقدروا فرض على الأقرب
إليهم إعانتهم إلى حصول الكفاية بمقاومة
العدو))(٣).
(١) المغول التتار بين الانتشار والانكسار، علي
الصلابي، ص ٢١٧.
(٢) انظر: السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل
أحداث، علي الصلابي ص ٣٦٠.
(٣) حاشية ابن عابدين رد المحتار، ٤/ ١٢٤.
قال ابن قدامة: ((ويتعين الجهاد في ثلاثة
مواضع ... الثاني، إذا نزل الكفار ببلد، تعین
على أهله قتالهم ودفعهم» (٤).
٢. أن يعتدي الكفار على فئة مؤمنة
مستضعفة في أرض الكفار.
لا سيما إذا لم تستطع هذه الفئة أن
تنتقل إلى بلاد تأمن فيها على دينها، فإن
الواجب على الدولة الإسلامية أن تعد العدة
المجاهدة الكفار الذين اعتدوا على تلك
الطائفة حتى يخلصوها من الظلم والاعتداء
الواقع عليها (٥).
قال تعالى: ﴿﴿ فَلْيُقَتِلَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِّ
وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ
فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَمَا لَكُمْ لَا نُقَدِلُونَ
فِى سَبِيلِ اللّهِ وَاَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآِ
وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ
الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن ◌َّدُنكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا
مِن لَّدُّنْكَ نَصِيًّا ﴾ [النساء: ٧٤ -٧٥].
قال القرطبي رحمه الله: ((حض على
الجهاد، وهو يتضمن تخليص المستضعفين
من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم
سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين، فأوجب
تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه
(٤) المغني، ٩/ ١٩٧.
(٥) انظر: الجهاد في سبيل الله، عبد الله القادري،
٢/ ١٦٢، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل
أحداث، علي الصلابي ص ٣٦٠.
مَوَسُوبَةُ الْبَعِيد
القرآن الكريمِ
٢٢٤

الجهاد
واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده،
وإن كان في ذلك تلف النفوس، وتخليص
الأساری واجب على جماعة المسلمين إما
بالقتال وإما بالأموال، وذلك أوجب لكونها
دون النفوس إذ هي أهون منها)»(١).
لقد جاهد الإسلام ليدفع عن المؤمنين
الأذى والفتنة التي كانوا يسامونها وتقع
عليهم من الكفار، وليكفل لهم الأمن على
أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم، وقرر ذلك
المبدأ العظيم فاعتبر الاعتداء على العقيدة
والإيذاء بسببها، وفتنة أهلها عنها أشد من
الاعتداء على الحياة ذاتها، فالعقيدة أعظم
قيمة من الحياة وفق هذا المبدأ العظيم،
وإذا كان المؤمن مأذونًا في القتال ليدفع عن
حیاته وعن ماله، فهو من باب أولى مأذون
في القتال ليدفع عن عقيدته ودينه(٢).
٣. أن ينشر العدو الظلم بین رعاياه، حتى
وإن کانوا کفارًا.
إنّ الله سبحانه وتعالى حرم على نفسه
الظلم وحرمه على عباده، حيث قال في
الحديث القدسي عن أبي ذر رضي الله عنه،
عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فيما روى
عن الله تبارك وتعالى أنّه قال: (يا عبادي
إنّي حرّمت الظّلم على نفسي، وجعلته بينكم
محرّمًا، فلا تظالموا)(٣).
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥/ ٢٧٩.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/ ٢٩٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والعدل في الأرض واجب لكل
الناس، وإذا لم يدفع المسلمون الظلم عن
المظلومين أثموا؛ لأنهم مأمورون بالجهاد
في الأرض لإحقاق الحق وإبطال الباطل،
ونشر العدل والقضاء على الظلم، ولا فلاح
لهم إلا بذلك، قال عزّ من قائل: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ
بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ سَنَثَانُ قَوْمٍ عَلَى
أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَتَّقُواْ
اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
٨
[المائدة: ٨](٤)، ولا فلاح لهم إلا بذلك وهو
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما
كانوا خير أمة أخرجت للناس إلا بذلك كما
قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَكَانُ
قَوْمٍ عَلَى أَلََّ تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَىّ
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
[المائدة: ٨].
ومن العدل كف الظلم عن المظلوم
الكافر الذي يبغضه المسلم لكفره(٥).
والآداب، باب تحريم الظلم، ٤ / ١٩٩٤،
رقم ٥٥.
(٤) انظر: السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل
أحداث، علي الصلابي ص ٣٦٠ - ٣٦١.
(٥) تبصير المؤمنين بفقه النصر والتمكين، علي
الصلابي ص ٥٩١.
www. modoee.com
٢٢٥

حرف الجيمى
قال السرخسي ((وإن كان طلب الذمة
علی أن یترك یحکم في أهل مملكته بما شاء
من قتل أو صلب أو غيره مما لا يصلح في
دار الإسلام لم يجب إلى ذلك؛ لأن التقرير
على الظلم مع إمكان المنع منه حرام»(١).
٤. الوقوف ضد الدعاة إلى الله عز وجل
ومنعهم من تبليغ دعوته سبحانه وتعالى.
إنّ المسلمين مفروض عليهم من قبل
المولى عز وجل أن يبلغوا رسالات الله
سبحانه وتعالی للناس كافة.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنَكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ
وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران:
١٠٤ ].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُوا إِلَى
اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِىّ وَسُبْحَنَ اَللَّهِ وَمَآ أَنَاْ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ [يوسف: ١٠٨].
وأعداء الله عز وجل يصدون أولياءه
وعباده عن تبليغ دعوته ولا يتركون لهم
سبيلا إلى الناس، كما لا يأذنون للدعاة أن
يسمعوا الدعوة إلى الله عز وجل للناس،
ويضعون العراقيل والعوائق والحواجز بين
الدعوة ودعاتها وبین الناس، ولذلك أوجب
الله عز وجل على عباده المؤمنين قتال كل
(٢)
من يصد عن سبيل الله سبحانه وتعالى"
(١) المبسوط، ١٠/ ٨٥.
(٢) انظر: السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل
أحداث، علي الصلابي ص ٣٦١.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ
(اللَّهِ أَضَْلَ أَعْمَلَهُمْ ل وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ لَلَىُّ مِن
تَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ ذَلِكَ بِأَنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبَعُواْ الْحَقَّ
فَإِذَا
مِن ◌َّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْتَلَهُمْ )
لَقِيتُهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ حَتَّى إِذَاَ اَلْخَتُمُومُ
فَشُدُواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ حَتَّى تَضَعَ الْرِّبُ
أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَأَنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِتَبْلُوَا
بَعْضَكُمْ بِبَعْضِ وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ فَلَن يُضِلَّ
أَعْمَلَمُ ﴾ [محمد: ١-٤].
الإسلام جاهد لتقرير حرية الدعوة-
بعد تقرير حرية العقيدة- فقد جاء الإسلام
بأكمل تصور وبأرقى نظام للوجود لتطوير
الحياة، جاء بهذا الخير ليهديه إلى البشرية
كلها ويبلغه إلى أسماعها وإلى قلوبها، فمن
شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء
فليكفر، ولا إكراه في الدين، ولكن ينبغي
قبل ذلك أن تزول العقبات من طريق إبلاغ
هذا الخير للناس كافة كما جاء من عند الله
عز وجل للناس كافة، وأن تزول الحواجز
التي تمنع الناس أن يسمعوا وأن يقتنعوا وأن
ينضموا إلى موكب الهدى إذا أرادوا ذلك،
ومن هذه الحواجز أن تكون هناك نظم
طاغية في الأرض تصد الناس عن الاستماع
إلى الهدى وتفتن المهتدين أيضًا، فالجاهد
في سبيل عز وجل يحطم هذه النظم الطاغية
٢٢٦
مَوَسُولَةُ النَّفْسِد
القرآن الكريم

الجهاد
ويقيم مكانها نظامًا عادلًا يكفل حرية الدعوة الذي قامت عليه السماوات والأرض،
وذلك عند القدرة والإمكان.
إلى الحق في كل مكان وحرية الدعاة، وما
يزال هذا الهدف قائمًا، وما يزال الجهاد
مفروضًا على المسلمين ليبلغوه إن كانوا
مسلمين!(١)
رابعًا: نصر المظلومين:
أمر الله عز وجل بالجهاد للتمكين
لأهل دينه ورد اعتداء المعتدين ونصرة
المستضعفين، ويتطلب الواجب السابق
بالدفاع عن الإسلام والمسلمين، ورد
العدوان عنهم الذي يستهدف أوطان
المسلمين وينتهك حرماتهم، وتحرير
الإنسان من الظلم والاضطهاد، وذلك
یکون بضرورة التعاون البنّاء بين جميع بلاد
الإسلام، كما كان عليه حال الأمة الإسلامية
في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وما
تلاه من عهود موحدة، وذلك في مختلف
المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية، إذ إن روابط الإخاء
والوحدة في عقيدة الإيمان يتمخض عنها
الحب والمساواة والتعاون على الخير في
السراء والضراء، ونصرة المظلوم فردًا أو
جماعة من المؤمنين، وإغاثة المستضعفين
المسلمين، أو حماية الأقليات في بلاد
أخرى من انتقاص الحقوق، وإقامة العدل
قال الله عز وجل: ﴿وَمَا لَكُمْلَا نُقَائِلُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَاَلْنِسَآءِ
وَأَلْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ
اَلَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥](٢).
قال الشعراوي رحمه الله: ((إن
القتال یکون في سبيل الله وفي خلاص
المستضعفين، وفي ذلك استثارة للهمم
الإنسانية حتى يقف المقاتل في سبيل رفع
العذاب عن المستضعفين، بل إننا نقاتل ولو
من باب الإنسانية لأجل الناس المستضعفين
في سبيل تخليصهم من العذاب؛ لأنهم ما
داموا صابرين على الإيمان مع هذا العذاب،
فهذا دليل على قوة الإيمان، وهم أولى أن
ندافع عنهم ونخلصهم من العذاب»(٣).
من أهم أسس الجهاد في سبيل الله عز
وجل، أن يستخدم المسلمون القوة التي
أمرهم الله سبحانه وتعالى بإعدادها للجهاد
في سبيله.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا
نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ
(٢) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي، ٨٪
٦٤٠٧.
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/ ٢٩٤. (٣) تفسير الشعراوي، ٤/ ٢٤١٧.
www. modoee.com
٢٢٧

حرف الجيمى
[الأنفال: ٦٠].
إخوانهم المستضعفين، فهذا أمر لا يحل
وتكون هذه العدة في سبيل نصرة لهم تركه، فإن نصرة المستضعفين أمر
المستضعفين من المؤمنين (١).
وخصّ الله عز وجل المستضعفين
بالذکر مع أن القتال في سبيل الله عز وجل
يشملهم، لمزيد العناية بشأنهم، وللتحريض
على القتال بحكم الشرف والمروءة، بعد
التحريض عليه بحكم الدين والتقرب إلى
الله سبحانه وتعالى، لأن مروءة الإنسان
الكريم تحمله على نصرة الضعيف، ومنع
الاعتداء عليه، وفي النص على هؤلاء
المستضعفين وخصوصًا النساء والولدان،
أقوى تحريض على الجهاد، وأعظم وسيلة
لإثارة الحماس والنخوة من أجل القتال،
لأنهم إذا تركوا هؤلاء المستضعفين أذلاء
في أيدي المشرکین، فإنهم سیعیرون بهم،
وهذا ما يأباه كل شريف كريم(٢).
يقول الزحيلي: ((اقتضت حكمة الله
ورحمته وعدله وفضله أن ينصر الضعفاء
والمستضعفين، وينتقم من الأقوياء
المتغطرسين والأشداء الظالمين، وميزان
العدل لا يتغير، والفضل الإلهي لا يختلف
بین جيل وجيل»(٣).
واجب المسلمين اليوم أن يهبوا لنصرة
(١) انظر: الاتجاهات الحديثة في تخطيط المناهج
الدراسية، محمود أحمد شوق ص ٣١٢.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣/ ٢١٩.
(٣) التفسير الوسيط، ١/ ٧١٦.
واجب على إخوانهم، ولا عذر لهم في
ترك الجهاد وقد بلغ حال المستضعفين ما
بلغ من الضعف والأذى، فالله عز وجل
جعل لكل شيء قدرًا، وأبى المستكبرون
إلا إهانة المستضعفين علوًّا في الأرض
واستكبارًا(٤).
والذين يتقاعسون عن نصرة
المستضعفين من المسلمين في كل مكان،
هل يظنوا أن يحميهم الله عز وجل من بطش
أعدائهم وهم الذين تركوا دينه وخانوا أمتهم
من أجل عرض الحياة الدنيا الفانية؟، وهل
سينصرهم الله سبحانه وتعالى بعد ذلك؟ !.
وجدير بالذكر أن الصلح مع إسرائيل
والاعتراف باستيلائها على فلسطين يتضمن
إنكارا لأحكام شرعية واجبة ومعلومة
من الدين بالضرورة، فهو يتضمن إنكار
وجوب نصرة المسلمين في فلسطين وهو
واجب عيني معلوم من الدين بالضرورة،
والمستضعفين اليوم يتمثلون بالأسرى
خلف القضبان، فواجب على الناس أن
يفدوا الأسارى بجميع أموالهم، ورسولنا
الكريم صلى الله عليه وسلم حثنا على
نصرته(٥).
(٤) انظر: لباب التأويل، ١/ ٣٩٨-٣٩٩.
(٥) انظر: مفهوم الولاء والبراء في القرآن والسنة،
علي الشحود، ص ٣٨٦.
مَوَسُوبَةُ التَّفِيد
القرآن الكريم
٢٢٨

الجهاد
فعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (فكّوا
العاني، يعني: الأسير، وأطعموا الجائع،
وعودوا المريض)(١).
[انظر: القتال: نتائج القتال وعواقبه]
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب فكاك الأسير، ٤ / ٦٨، رقم
٣٠٤٦.
صفات المجاهدين
فضل الله سبحانه وتعالى المجاهدين
في سبيله على القاعدين.
قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى
اُلْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥].
ولكن ليس كل من حمل السلاح وحارب
العدو نال بركة الجهاد، وحصل على آثاره
الطبيّة، فكثيرون هم الذين قاتلوا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عندما وافته
المنّة انقلبوا على أعقابهم خاسرين.
قال تعالى: ﴿يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ
الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلَا زَرْنَدُّواْ عَلَى
أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ ﴾ [المائدة: ٢١].
إِنّ هذا العمل الجهادي وتقدمه وتطوره
يعتمد بشكل أساسي على كفاءة القائمين
عليه وهم المجاهدون، يجب أن تتوافر
بعض الصفات كحد أدنى في المجاهد
المرابط في سبيل الله عز وجل، وبعض
هذه الصفات ذاتية تولد وتنشأ مع الإنسان،
وبعضها مكتسب بالعمل المتواصل والجد
واكتساب الخبرة، وسأكتفي بذكر بعض منها
فيما تدل على ما سواها من الصفات، وهي:
أولًا: التقوى.
من يخش الله سبحانه وتعالى ويتّقه
حق تقاته يجتنب ما حرّمه ونهى عنه، ويؤدّ
ما فرضه وأوجبه، هذا هو الإنسان المتقى
www. modoee.com
٢٢٩

حرف الجيمى
الذي يخاف الله عز وجل ويحرص على وخالية من المعاصي وآثارها الهدّامة التي
تحول دون نشوء جبهة قوية، وذلك لأنه
عدم معصيته ومخالفة أمره، فتكون بذلك
أعماله مورد قبول الحق ورضاه.
يجوز أن يكون الهوى موافقًا للحق، وإن
كان نادرًا(٣).
قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ
اللَّهَ وَ يَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِرُونَ ﴾ [النور:
٥٢].
فالتقوى تعدّ شرطًا أساسيًّا لأن الله عز
وجل لا يطاع من حيث يعصى، وإذا لم
يحافظ المجاهد في سبيل الله عز وجل على
حدود الله يخشى أن يسلب منه فضل الجهاد
والتوفيق إليه، ((وقال بعض الحكماء: العاقل
من يخاف على حسناته)) (١)، فالله تعالى
قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة:
٢٧].
لأن المجاهد إذا لم يكن مراعيًا لحدود
الله عز وجل وملتزمًا بشريعته فسيكون
عرضةً لفتن النفس الأمارة بالسوء والأهواء
المضلّة، ما سينعكس سلبًا على عمله
وجهاده حتمًا، وأن الطاعة لا تقبل إلّا
من مؤمن متقٍ يخاف الله في كل حركاته
وسكناته(٢).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَبَعَ هَوَنُهُ
بِغَيْرِ هُدَى مِنَ الَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].
فساحات الجهاد يجب أن تكون طاهرة
(١) تفسير السمر قندي، ١/ ٣٨٤.
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢/ ١٢٣.
ثانيًا: الإخلاص.
الإخلاص من الصفات المهمة التي
ينبغي للمجاهد التحلي بها؛ لأنها منشأ كل
هداية وتوفيق، فالله سبحانه وتعالى أمر
الناس بالعبادة: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوَاْ إِلَّ
إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣].
وجعلها شرطًا أساسيًّا للارتباط به
وتحقق العبودية والوصول إلى مقامها
الشامخ، ولكنه لم يأمر بأي عبادة، بل أمر
عز وجل بالعبادة الخالصة له التي لا يشاركه
فيها أحدٌ أبدًا: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الله
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
فالمخلص هو الذي لا يطلب من وراء
أي عمل يقوم به سوى الله سبحانه وتعالى،
والمجاهد في سبيل الله عند أدائه لواجباته
وتكاليفه الشرعيّة هو في حالة عبادة، وإذا
لم تكن النوايا خالصةً ولم يكن الدافع
الأساسي من وراء الجهاد رضا الله فلن
تكون أعماله مقبولة، وبالتالي لن ينال الأجر
والثواب الذي يستحقّه، فعن أبي أمامة
الباهليّ، قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلى الله
عليه وسلم، فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس
(٣) انظر: تفسير القرآن، السمعاني، ٤ / ١٤٦.
مَوَسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
٢٣٠

الجهاد
الأجر والذّكر، ماله؟ فقال رسول اللّه صلى والتعصب للذات وهو ينافي مبدأ التسليم
للحق والطاعة له، فإنّ التنازع والاختلاف
في الرأي يسبب الفشل، وهو الجبن والفشل
في الحرب(٣).
الله عليه وسلم: (لا شيء له) فأعادها ثلاث
مرّاتٍ، يقول له رسول الله صلی الله عليه
وسلم: (لا شيء له) ثمّ قال: (إنّ اللّه لا يقبل
من العمل إلّا ما كان له خالصًا، وابتغي به
وجهه)(١).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((العمل
بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ
جرابه رملا ينقله ولا ينفعه))(٢).
ثالثًا: طاعة القائد والتقييد بالأوامر.
الطاعة هي أساس التنظيم الجهادي
وهي أساس نجاح المجاهد المرابط، وذلك
لاختلاف وخطورة المهام الموكلة له،
وهي من الواجبات الشرعية التي أكد عليها
الإسلام بشدة، لأن حفظ النظام وديمومته
ونجاح الأعمال شرطها الأساسي طاعة
القائد فيما يرشدهم إليه.
وبينّ الله سبحانه وتعالى ذلك في كتابه
العزيز: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَتَزَعُواْ
فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
أما التمرّد على القيادة الشرعية وعدم
طاعتها فيدلّ في الواقع على عبادة النفس
(١) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الجهاد، باب
من غزا يلتمس الأجر والذكر، ٦/ ٢٥، رقم
٣١٤٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣٧٩/١، رقم ١٨٥٦.
(٢) نضرة النعيم، مجموعة باحثين، ٢ / ١٣٩.
رابعًا: الصبر.
الصبر من صفات المجاهد الأساسية
ومن دونه لن يتمكّن من مواجهة الصعاب
وتحمّل المشاكل التي تنتظره، لذا أمر الله
سبحانه وتعالى به عباده المؤمنين قائلًا:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِنُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ
إِنَّاللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ (٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
بالصبر على المكاره يدرك المجاهد
مرضاة الله عز وجل، وبالصلاة يصل
لحاجاته عنده، فإنه مع الصابرين على القيام
بأداء فرائضه وترك معاصيه، وينصرهم
ویرعاهم ويكلؤهم، حتى يظفروا بما طلبوا
وأمّلوا قبله (٤).
یتکرر ذکر الصبر في القرآن کثیرًا، فلا
بد من الصبر على الطاعات، والصبر عن
المعاصي، وعلى جهاد المشاقين لله سبحانه
وتعالى، والكيد بشتى صنوفه، وبطء النصر،
وانتفاش الباطل، وقلة الناصر، وطول
الطريق الشائك، والتواء النفوس، وضلال
القلوب، وثقلة العناد والإعراض، ويقرن
الصلاة إلى الصبر فهي المعين الذي لا
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ٣٥٩.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣/ ٢١٣.
www. modoee.com
٢٣١

حرف الجر
ينضب، والزاد الذي لا ينفد، وتجدد الطاقة،
والزاد الذي يزود القلب فيمتد حبل الصبر
ولا ينقطع، ثم يضيف إلى الصبر، الرضى
والطمأنينة، والثقة، واليقين(١).
وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَقَّ نَعْلَمَ
الْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكٌ ﴾
[محمد: ٣١].
وتاريخ العظماء يؤكد أن أحد أهم
عوامل انتصارهم هو صبرهم واستقامتهم،
أما الفاقدون لهذه الصفة فسرعان ما ينهارون
وينهزمون، ويكفي للدلالة على مدى أهمية
الصبر بالنسبة للمجاهد ما ذكره القرآن
الكريم حين أمر الله سبحانه وتعالى النبي
صلى الله عليه وسلم بالقتال وتحريض
المؤمنين عليه.
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِضِ
قال تعالى:
اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِّ إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ
صَيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاتَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُم
مِّأْتَةٌ يَغْلُواْ أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
﴾ [الأنفال: ٦٥].
٦٥
يَفْقَّهُونَ (
والسبب الرئيس الذي يقف وراء انتصار
المسلمين القلة فى مثل هذه المعارك هو
صبرهم وتجلدهم أمام عدو یفوقهم عددًا
وعدّة، وتمتّعهم بروحية الثبات والاستقامة
التي هي ثمرة شجرة الإيمان.
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/
١٤١-١٤٢.
خامسًا: السرية والكتمان.
من الأمور التي ينبغي أن ترافق أي
عمل عسكري أو أمني ناجح السرية
التامة، فالسرية في تهيئة الأمور تعطي
العمل الجهادي الفرصة لتسديد الضربات
المفاجئة والصادمة للعدو، ولضمان سرية
العمل ودقة المعلومات وخطورة النتائج
المترتبة من تسرب المعلومات، ومن ضمنها
عدم وصول المعلومات للعدو أو أي إيحاء
عن وجود أي مخطط ولو بشكل إجمالي
كي لا يتحرز فيفشل المخطط.
كما أن المجاهد قد يطلع على كثير من
أسرار الناس وتسريب بعض المعلومات قد
يؤدي بهم إلى ضرر كبير فيجب عليه عدم
التحدث بها حتى لأقرب الأقربين إليه،
فقد يبوح البعض بأسرار العمل لأهلهم، أو
عيالهم، أو لبعض الأصدقاء ممن يعتبرونهم
أمناء على معلومات العمل لحسن ظاهرهم.
وهذا خطأ كبير قد لا يمكن تداركه، وقد
يتسبب بإزهاق الأرواح البريئة، حيث إنّ
الإسلام حذّر من إذاعة الأسرار العسكرية،
كما طلب من المسلمين أن يثبتوا مما
يصلهم من أنباء قبل الركون إليها والعمل
بها.
قال تعالى: ﴿﴿ لَيْنِ لَّمْ يَنَنَهِ الْمُنَفِقُونَ
وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِىِ
الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا
٢٣٢
جَوَسُولَةُ النَّقسية
القرآن الكريم

الجهاد
إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٦٠].
ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ
اُلْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
الرَّسُولِ وَإلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣](١).
سادسًا: الإيثار والشجاعة.
لقد جعل الله سبحانه وتعالى الإيثار
صفة من صفات الأبرار التي ذكرها
سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حيث
قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ يِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ
اُلْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩].
فوجب على المجاهد إيثار الغير على
نفسه، حيث إن العمل الجهادي يمتاز
بالخطورة والمخاطرة بالمال والنفس،
كما يمتاز العمل بروح الجماعة المضحية
لبعضها البعض في حالة وقوع أحدهم سوى أن يعبد الله عز وجل فيما أمره وأن
في الخطر، وشد بعضهم البعض في حالة
حدوث مشكلة أو أزمة.
سابعًا: التمتع بالأخلاق العالية.
الأخلاق العالية والكريمة صفة
رحمة يتصف بها الإنسان المحب لأهله
والمسلمين، وهي صفة يتصف بها المجاهد
المرابط لشعوره العميق بالدور الذي يؤديه
ولإخلاصه في الواجب عليه، وهي أيضًا
(١) انظر: الرسول القائد، محمود شيت خطاب
ص ٥٢.
صفة تساعده على كسب ثقة المجتمع و
اكتساب عدد كبير من الأصدقاء ومحبة
الناس، كما أن التهذيب صفة أساسية
للمجاهد وذلك حتى يتمكن من عكس
الصورة الحسنة له، وإبراز الوجه المشرق
لعمله في الحفاظ على عمله والذي يقوم
بحمايتهم بجهاده، فالمجاهد يجب عليه
أن يتحلى بأسمى الصفات وأرفعها، وخير
قدوة له خير البرية صلى الله عليه وسلم.
ثامنًا: التوكل على الله عز وجل.
يجب أن يكون التوكل أقوى أسلحة
المجاهد في سبيل الله عز وجل، لأنه يؤمن
بأن الحول والقوة بيد الله سبحانه وتعالى،
وأنه المؤثر الحقيقي والوحيد في هذا
العالم، وأن الأمور كلّها في الحقيقة ترجع
إليه، وليس على الإنسان الصادق في إيمانه
يتوكّل عليه، فلا يعتمد على نفسه إطلاقًا
ولا يكون همّه نتائج أعماله، بل جلّ اهتمامه
يكون منصبًّا على طاعة ربه وأداء تكليفه
بصدق وإخلاص، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ.
فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ
اللَّهِ ﴾ [الأنفال: ١٠].
وهذا لا يعني ترك العمل والإعداد،
وتهيئة السلاح والمعدّات، وزيادة القوة
العسكرية وتطوير الكفاءات، والحرص
www. modoee.com
٢٣٣

حرف الجيمر
على التنظيم وغيرها من الأمور، بل كل في شيء من الأحوال(٢)، ومثل هذا التوجه
هذه الأمور ضرورية وأساسية ويجب إلى الله يقوّي من عزيمة المجاهد في ميدان
الاهتمام بها وتوفيرها بحسب القدرة القتال، ويشعره على الدوام بأنّ هناك سندًا
قويًّا يدعمه في ساحة المواجهة، لا تستطيع
أية قدرة في الوجود أن تتغلب عليه، فذكر
الله عز وجل يبعث على الاطمئنان والقوّة
والقدرة والثبات في نفس المجاهد، قال
تعالى: ﴿أَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
[الرعد: ٢٨].
والوسع، ووجوب إعداد القوة وهي في کل
زمان بحسبه، إن كانت في الماضي الرمح
والسيف ورباط الخيل، فهي اليوم النفاثة
المقاتلة والصاروخ، والدبابة والغواصة،
وإلى غير ذلك من آلات لمحاربة ودفع
العدو (١)، كما يقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ
لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:
٦٠].
تاسعًا: ذکر الله: عز وجل.
لقد أمر الله عز وجل المجاهدين أن
يذكروه عند لقائهم العدو: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
[الأنفال:
كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ ﴾﴾
٤٥].
وليس المراد بالذكر هنا الذكر اللفظي
فحسب، بل المقصود منه أيضًا الذكر
القلبي، بمعنی حضور الله سبحانه وتعالى
في قلوبنا، بحيث لا نغفل عن علمه وقدرته
غير المحدودة ورحمته الواسعة، وفيه تنبيه
على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن
ذكر الله، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد ويقبل
عليه فارغ البال، واثقًا بأن لطفه لا ينفك عنه
(١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ٢/ ٣٢٥.
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٣/ ٦٢،
مدارك التنزيل، النسفي ، ١ / ٦٤٩.
٢٣٤
القرآن الكريم

الجهاد
الشهادة في سبيل الله
الشهادة من أعظم الجهاد، لأنه لا شيء
أعزّ على الإنسان من الحياة، إلا من بلغ به
إیمانه إلی تعظیم الله تعالی وحده وحبه،
وبغض أعدائه، فعندئذ تأبى نفسه أن ترى
عدو الله على وجه الأرض منعمًا بالحياة،
متقلبًا في نعمة الله جل جلاله، ثم هو في
ذلك کله یکفر به ويجحده ویشرك به، ولهذا
تدعوه الحمية الدينية على أن يجاهده، فإما
أن یرده إلى الحق، أو أن یدفع الجزية عن يد
وهو صاغر - إن كان من أهل الكتاب- أو
يقتله أو يقتل، فيكتب عند الله من الشهداء،
ينال الفضل من الله، وسنتناول في هذا
المبحث بإذن الله تعالى فضل الشهادة في
سبيل الله، وشروطها.
أولًا: فضل الشهادة في سبيل الله:
الشهادة في سبيل الله شرف عظيم،
ومقام رفيع، لا يناله إلا المصطفون الأخيار،
ولا يهبها الله إلا لمن يستحقها؛ فهي اختيار
من العليّ الأعلى للصفوة من البشر؛ ليعيشوا
مع الملأ الأعلى.
قال عز وجل: ﴿وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَءَامَنُواْ
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
أي: يكرمكم بالشهادة(١).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٢١٨/٤.
قال السهيلي: ((وفيه فضل عظيم
للشهداء، وتنبيه على حب الله إياهم حيث
قال: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ﴾ [آل عمران:
١٤٠].
ولا يقال: اتخذت، ولا اتخذ إلا في
مصطفى محبوب.
قال سبحانه: ﴿مَا أَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَكِ﴾
[المؤمنون: ٩١].
وقال: ﴿مَا أَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَّا وَلَدًا﴾ [الجن:
٣].
فالاتخاذ إنما هو اقتناء واجتباء ... ))(٢).
فهي اصطفاء من البشر ليكونوا في
صحبة الأنبياء.
قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَمَن يُطِع
اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم
مِنَ النَّبِيِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ
﴾ [النساء: ٦٩].
وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا
والشهيد الذي غادر هذه الدنيا ليس
بميتٍ، ولا يحسب في عداد الأموات،
بل هو حيٌّ يعيش حياةً برزخيّة يعلمها الله
تعالى.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُّونَ (١)
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ
وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ ).
(٢) الروض الأنف، ٦/ ٤٢.
www. modoee.com
٢٣٥

حرف الجيمى
مِّنَ اَللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَبْرَ أَلْمُؤْمِنِينَ يرى من الكرامة) (٤).
(٧٨)﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١].
فهذه الآيات تبين المنازل العظيمة
والدرجات الرفيعة التي ينالها الشهيد، فهم
أحياء يتنعمون ويتلذذون بألوان النعم التي
أعدها لهم ربهم في جواره (١).
قال الشعراوي: «الله سبحانه يريد أن
يعطينا مواصفات تؤكد أن الشهيد حي،
ومن ضروريات الحياة أنه يُرزق أي ينتفع
باستبقاء الحياة، وعلينا أن نفهم أن العندية
عندك غير العندية عند الله، فالشهيد حي
عند ربه ويرزق عند ربه رزقًا يناسب الحياة
التي أرادها له ربه»(٢).
فالشهيد له مكانة عظيمة، قال القرطبي:
((سمي شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة وقيل:
سمي شهيدًا لأن أرواحهم احتضرت دار
السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح
غيرهم لا تصل إلى الجنة، فالشهید بمعنی
الشاهد، أي: الحاضر للجنة)) (٣).
وقد بين لنا هذه المكانة العظيمة
المصطفي عليه السلام حيث قال: (ما من
أحدٍ يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدّنيا،
وأنّ له ما على الأرض من شيءٍ، غير الشّهيد،
فإنّه يتمنّى أن يرجع، فيقتل عشر مرّاتٍ، لما
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٠١٦٠/٢
(٢) تفسير الشعراوي، ٣/ ١٨٧٠.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ٢١٨/٤.
ولو لم يكن للقتل والشهادة في سبيل
الله من الأجر الكبير لما تمنّی محمد صلى
الله عليه وسلم أن يقتل في سبيل الله ثلاث
مرّات، كما جاء عن أبي هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (انتدب اللّه
لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلّا إيمانٌ
پي وتصديقٌ برسلي، أن أرجعه بما نال من
أجرٍ أو غنيمةٍ، أو أدخله الجنّة، ولولا أن أشقّ
على أمتي ما قعدت خلف سريّةٍ، ولوددت
أني أقتل في سبيل الله ثمّ أحيا، ثمّ أقتل، ثمّ
أحيا، ثمّ أقتل)(٥).
وإليكم هذه الفضائل التي يحوزها
الشهيد؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (للشھید عند الله ست خصال: يغفر
له في أوّل دفعة، ويرى مقعده من الجنّة،
ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع
الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار،
الياقوتة منها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوّج
اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين،
ويشفع في سبعين من أقاربه)(٦).
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير،
باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا،
١٠٣٧/٣، رقم ٢٦٦٢، وأخرجه مسلم
في صحيحه، كتاب الجهاد، باب ما يعدل
الجهاد، ٣٥/٦، رقم ٤٩٠٢.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الجهاد من الإيمان، ١٦/١، رقم ٣٦.
(٦) أخرجه الترمذي في سننه، باب في ثواب
٢٣٦
مَوَسُو ◌َةُ النَّفِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الجهاد
ومن فضائل الشهادة في سبيل الله أن بشيء من جهاده؛ لأن الشرك يحبط العمل
ويبطله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨].
وقال تعالى: ﴿وَقَدِ مْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَنْشُورًا ﴾ [الفرقان: ٢٣].
الشهيد لا يحس بألم، فقد جاء عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ما يجد الشّهيد من مسّ القتل إلّا
كما يجد أحدكم من مسّ القرصة)(١).
وإذا قتل الشهيد لم ينقطع عمله الصالح،
بل يزيد ويتضاعف؛ فعند الترمذي عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(كلّ ميتٍ يختم على عمله إلا الذي مات
مرابطًا في سبيل الله؛ فإنّه ینمی له عمله إلى
يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر)(٢).
ثانيًا: شروط الشهادة في سبيل الله:
إن للشهادة في سبيل الله شروطًا، لا
بد من توافرها حتى يقبل صاحبها في مقام
الشهداء، عند الله عز وجل، وهي:
١. الإسلام.
فلا بد أن يكون الشهید مسلمًا، فلا تقبل
الشهادة من الكافر والمشرك، ولا ينتفع
الشهيد، ٢٣٩/٣، رقم ١٦٦٣.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٩٢٠،
رقم ٥١٨٢.
(١) أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء في
فضل الرباط، ٤ /١٩٠، رقم ١٦٦٨.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع،
١٠١٢/٢، رقم ٥٨١٣.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، باب فضل من مات
مرابطًا، ١٦٥/٤، رقم ١٦٢١.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٨٣٧/٢، رقم ٤٥٦٢.
وعن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه
وسلم أنها قالت: خرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة
أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة،
ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال الرسول
الله صلی الله عليه وسلم: جئت لأتبعك،
وأصيب معك، قال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (تؤمن بالله ورسوله؟) قال:
لا، قال: (فارجع، فلن أستعين بمشرك)،
قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه
الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له
النبي صلی الله علیه وسلم كما قال أول مرة،
قال: (فارجع، فلن أستعين بمشرك)، قال:
ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال
أول مرة: (تؤمن بالله ورسوله؟) قال: نعم،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(فانطلق)(٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب كراهة الاستعانة بالغزو بالكافر،
١٤٤٩/٣، رقم ١٨١٧.
www. modoee.com
٢٣٧

حرف الجيمى
٢. الإخلاص.
فهو أساس قبول العمل، فلا بد أن
تكون الشهادة في سبيل الله؛ خالصة
لوجهه الكريم، ابتغاء مرضاته، والفوز
بالأجر العظیم، لا يراد منها سمعة ولا ریاءً،
فالإخلاص شرط لكل عمل تعبدي، کما قال
تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرْحُو ◌ْلِقَآءَ رَبِّهِ،فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
عن أبي أمامة الباهلي قال: جاء رجلٌ
إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت
رجلًا غزا يلتمس الأجر والذّكر ما له؟ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء
له)، فأعادها ثلاث مرّاتٍ، یقول له رسول
الله: (لا شيء له)، ثم قال: (إنّ الله لا يقبل
من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به
وجهه) (١).
وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال
أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل
يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، ويقاتل
لیری مکانه، من في سبيل الله؟ فقال: (من
قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في
سبيل الله)(٢).
(١) أخرجه النسائي في سننه، باب من غزا يلتمس
الأجر والذكر، ٢٥/٥، رقم ٣١٤٠.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٣٧٩/١،
رقم ١٨٥٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الخمس، باب من قاتل للمغنم هل ينقص من
أجره١١٣٧/٣، رقم ٢٩٥٨.
٣. الثبات والصبر وعدم الفرار.
فمن يقتل وهو مدبر فار من الزحف،
حتی لو قتل في ساحات المعركة، فهو ليس
بشهید، بل له وعید شدید؛ لأنه قد مات
على كبيرة من كبائر الذنوب، وقد وضحت
الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة هذا
الشرط ونهت عن ضده من التولي يوم
الزحف والفرار من المعركة، كما جعلت
درجة الشهادة لمن تحلى بهذه الصفة.
قال عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاعْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا
لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: ٤٥].
((والثبات إنما يكون بقوة القلب وشدة
اليقين، ولا يكون ذلك إلا لنفاذ البصيرة،
والتحقق بالله، وشهود الحادثات کلها منه،
فعند ذلك يستسلم لله، ویرضی بحکمه،
ويتوقع منه حسن الإعانة، ولهذا أحالهم على
الذكر فقال: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾))(٣).
وأمر سبحانه وتعالى بالصبر والمصابرة
في وجه الأعداء.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
قال ابن عاشور: «فأمرهم بالصبر الذي
هو جماع الفضائل وخصال الكمال، ثم
بالمصابرة وهي الصبر في وجه الصابر،
(٣) لطائف الإشارات، القشيري، ٦٢٨/١.
مَوَسُو ◌َر النفسي
القرآن الكريم
٢٣٨

الجهاد
وهذا أشد الصبر ثباتًا في النفس وأقربه النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا،
وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف،
وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)(٣).
إلى التزلزل، ذلك أن الصبر في وجه صابر
آخر شدید علی نفس الصابر؛ لما یلاقیه من
مقاومة قرن له في الصبر قد یساویه أو یفوقه،
ثم إن هذا المصابر إن لم يثبت على صبره
حتی یمل قرنه فإنه لا یجتني من صبره شيئًا،
لأن نتيجة الصبر تكون لأطول الصابرين
صبرً))(١).
وقد توعد الله عز وجل الفارين من
القتال بالغضب والعذاب الشديد، قال
تعالى: ﴿وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِفًا
لِّقِثَالٍ أَوْ مُتَحَيْزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ
مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْصِيرُ
﴾ [الأنفال: ١٦].
واستثنى من كونه فرارًا حالتين:
الأولى: التحرف: وهو من باب مكايدة
العدو، أي الفر للكر، يوهمه أنه منهزم ليتبعه
العدو فيكر عليه ويتمكن منه، ونحو ذلك
من مكائد الحرب فإن الحرب خدعة.
الثانية: التحيز: وهو الانضمام لقتال فئة
أهم ممن يقاتلهم (٢).
فالفرار من المعركة اعتبره النبي صلى
الله علیه وسلم من الكبائر، فقد صح عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اجتنبوا
السبع الموبقات)، قالوا يا رسول الله وما
هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل
(١) التحرير والتنوير، ٤ /٢٠٨.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٢٢٦/٥،
فتح القدير، الشوكاني، ٣٣٦/٢.
فالإقبال وعدم الإدبار عند لقاء العدو
شرط لقبول الشهادة، فعن أبي قتادة، أنّ
النبي صلى الله عليه وسلم قام فيهم فذكر
لهم أنّ الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله
أفضل الأعمال، فقام رجلٌ، فقال: (یا رسول
الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله، تكفّر
عنّي خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (نعم، إن قتلت في سبيل الله،
وأنت صابرٌ محتسبٌ، مقبلٌ غیر مدیٍ)، ثمّ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف
قلت؟) قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله
أتكفّر عنّي خطاياي؟ فقال رسول الله صلى
الله علیه وسلم: (نعم، وأنت صابرٌ محتسبٌّ،
مقبلٌ غير مديرٍ، إلّا الدّين، فإنّ جبريل عليه
السّلام قال لي ذلك)(٤).
قال النووي: ((هذه الفضيلة العظيمة
للمجاهد، وهی تکفر خطاياه كلها إلا حقوق
الآدميين، وإنما يكون تكفيرها بهذه الشروط
المذكورة وهو أن يقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا
غير مدبر، وفيه: أن الأعمال لا تنفع إلا بالنية
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المحاربين من أهل الكفر والردة، باب رمي
المحصنات، ٢٥١٥/٦، رقم ٦٤٦٥.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا
الدين، ١٥٠١/٣، رقم ١٨٨٥.
www. modoee.com
٢٣٩

حرف الجيمى
والإخلاص لله تعالى))(١).
٤. أن يكون قتاله واستشهاده على
السّنّة.
فلا بد أن تتحقق فيه صفة المتابعة،
فيغلّب الانقياد والمتابعة للشريعة، على
حب التشفي والانتقام والإجرام في القتل،
فيراعي الحدود الشرعية، أما من يغلّب
الهوى وحب التشفي والانتقام على الحكم
الشرعي، فيضع السيف حيث ينبغي شرعًا أن
يرفعه، ويرفعه حيثما ينبغي شرعًا أن يضعه
فمن كان هذا منهجه في القتال ثم قتل علیه،
يفقد صفة وحکم الشهید في سبيل الله، وما
أعد الله تعالى للشهيد من مقام عظيم.
ومن أمثال هؤلاء: الغلاة الذين يقتلون
إخوانهم المسلمين بحجة مخالفتهم
المنهج، فيقتلون من صان الشرع حرماتهم،
كما جاء وصفهم في الحديث: (يقتلون
أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان، لئن
أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد)(٢).
فهم يستحلون دم إخوانهم المسلمين
الذین عظم الله عز وجل دماءهم، قال صلى
الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا أهون عند اللّه
من قتل رجلٍ مسلمٍ) (٣).
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم، ٢٩/١٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: (تعرج الملائكة والروح
إليه)، ٦/ ٢٧٠٢، حديث ٦٩٩٥.
(٣) أخرجه النسائي في سننه، باب تعظيم الدم،
جوي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
ومن الاستشهاد على السنّة: أن لا
وَلَا
يستشرف مواطن الهلكة والقتل:
نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
[النساء: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوَ بِأَيْدِيَّكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
[البقرة: ١٩٥].
و کالذي يستعجل في الاستشهاد دون أن
يعود بالنفع على المسلمین، فمن يفعل ذلك
فھو لیس بشھید.
٥. أن يكون الغرض الذي يستشهد
من أجله مشروعًا.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اُلَّغُوتِ
فَقَدِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطِنِّ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا
﴾ [النساء: ٧٦].
فقد أذن الله تعالى لعباده أن يجاهدوا،
لإعلاء كلمة الله عز وجل، ورفع راية الحق،
ودفاعًا عن الدين والمال والعرض، فمن
قتل دفاعًا عن هذه الأشياء فهو شهيد (٤)،
قال صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون
ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو
شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن
قتل دون أهله فهو شهيد)(٥).
٧/ ٨٢، حديث ٣٩٨٧، قال الألباني: حسن
صحیح.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٠/ ١٤٢.
(٥) أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء فيمن
قتل دون ماله فهو شهيد، ٣٠/٤، حديث
٢٤٠