Indexed OCR Text

Pages 21-38

الخام
كل ما نهى الشرع عن قتله بعينه
کالهدهد والصّرد ونحوهما، فعن ابن
عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: (إنّ النّبيّ
صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربعٍ
من الدّواب: النّملة، والنّحلة، والهدهد،
والصّرد)(١).
· جميع أصناف الحشرات يحرم أكلها؛
لأنها مستخبئة كالخنافس، والجعلان،
والصراصير، والبراغيث، والقمل،
والذباب، والديدان، والبعوض
ونحوها (٢). فكل هذه الحشرات
مستخبئة مستقذرة، تعافها النفوس،
وينفر منها الطبع، فيحرم أكلها لخبثها
وضررها وقذارتها.
رابعًا: المحرم من المعاملات:
إن الأصل في المعاملات، وأنواع
التجارات والمكاسب، الحل والإباحة، فلا
يمنع منها إلا ما حرمه الله ورسوله.
فهذا أصل عظيم، يستند إليه في
المعاملات، وبهذا يعلم سماحة الشريعة
وسعتها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان،
الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب، ٣/
١٣، رقم ١٨٢٩.
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، أبواب الصيد، باب
ما ینهى عن قتله، ٤/ ٣٧٧، رقم ٣٢٢٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ١١٧٠، رقم ٦٩٦٨.
(٢) انظر: موسوعة الفقه الإسلامي، التويجري
٤/ ٣١٧.
وتطورها حسب مقتضيات البشر، ومصالح
الناس.
ولا تخرج المعاملة عن هذا الأصل
العظيم، من الإباحة و التحريم، إلا لما
يقترن بها من محذور، يرجع إلى ظلم أحد
الطرفين (٣).
والمعاملات المحرمة ترجع إلى ضوابط
محددة، وما حرمت إلا لمفاسدها وظلمها،
فإن الشارع الحكيم الرحيم، جاء بكل ما فيه
صلاح، وحذر عن كل ما فيه فساد، وهذه
الضوابط هي:
الأول: الربا بأنواعه الثلاثة:
٥
ربا الفضل.
ربا النسيئة.
ربا القرض.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ
اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبُواْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾]
البقرة: ٢٧٨]
الثانى: الجهالة والغرر.
الثالث: الخداع والتغرير (٤).
فکل معاملة اشتملت علی واحد من هذه
الثلاثة فالشرع قد حرمها، وما عدا ذلك فهو
حلال؛ لأن الأصل في المعاملات الحل
والإباحة.
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اَللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِيَوَأَ﴾
(٣) انظر: تيسير العلام، عبد الله البسام ٤٤٩/٢.
(٤) انظر: مختصر الفقه الإسلامي، التويجري
ص٧٢٥.
www. modoee.com
٤٨١

حرف الحاء
[ البقرة: ٢٧٥ ].
كانت نقصانًا في الصورة، إلا أنها زيادة في
إن الربا من كبائر الذنوب لما فيه من المعنى (٣).
الضرر العظيم:
فهو یسبب العداوة بين الناس.
ويؤدي إلى تضخّم المال على حساب
سلب مال الفقير.
وفيه ظلم للمحتاج، وتسلّط الغني
على الفقير، وإغلاق باب الصدقة
والإحسان، وقتل مشاعر الشفقة في
الإنسان، حيث ينطبع قلب المرابي
بالأثرة، والبخل، وضيق الصدر،
وقساوة القلب، والعبودية للمال(١).
ولأن الربا من أعظم الذنوب، فقد أعلن
الله عز وجل الحرب على آكل الربا وموكله
من بين سائر الذنوب (٢).
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ
اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبُواْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٣)
فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ تَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾[
البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
والمعاملة بالربا تمحق صاحبها، وتمحق
ماله، وإن تمتع به قليلا، فمآله إلی المحق
والقل، كما أن المتصدق يفتح الله له من
أبواب الرزق مالا يفتحه على غيره، وبين
عز وجل أن الربا وإن كان زيادة في الحال،
إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة وإن
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٨٠.
قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ أَلْرِّبَوَأْ وَيُرْبِىِ
[البقرة :
اُلْفَدَقَتِ وَاَللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كُغَارِ آَشِيمِ﴾
٢٧٦].
ومن المعاملات المحرّمة:
بيع المسكر المائع والكلب غير الصيود
والخنزير، وكذا الميتة النجسة.
بيع المال المغصوب.
بیع ما لا مالية له: کالسباع إذا لم تكن
لها منفعة محلّلة معتدّ بها.
بيع ما تنحصر منفعته المتعارفة في
الحرام: كآلات القمار واللهو المحرم.
٠
المعاملة الربوية.
* المعاملة المشتملة على الغش (٤).
وفي عصرنا المادي هذا يعيش عبيد
المال الذين يقدمون على المعاملات
المحرمة والمكاسب الخبيثة بدافع حب
المادة؛ كالذين يتعاملون بالربا مع البنوك
وغيرها، والذين يأخذون المال عن طريق
الرشوة والقمار، وعن طريق الغش في
المعاملات والفجور في المخاصمات،
وهم يعلمون أن هذه مكاسب محرمة لا
بركة فيها؛ لأنه محارب من رب الأرباب،
لكن حبهم للمال أعمى أبصارهم، وجعلهم
(٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٢٢٥.
(٤) انظر: مختصر الفقه الإسلامي، التويجري
ص٧٢٥.
٤٨٢
مَؤُوابَرُ الْبَقِيَة
جوبيبو
القرآن الكريم

المحامى
عبيدًا لها؛ فصاروا يطلبونها من أي طريق
متناسين قول الرسول صلى الله عليه وسلم
(إن الله أبی علي أن يدخل الجنة لحمًا نبت
من سحت، فالنار أولى به)(١).
خامسًا: المحرم من الأزمنة والأمكنة:
إذا نظرنا إلى التشريع في الإسلام تجاه
الزمان والمكان: فالله سبحانه وتعالى
فاضل بين الأزمنة كما فاضل بين الأمكنة
و کما فاضل بين الخلائق کلها.
١. المحرم من الأزمنة.
وعن ما حرمه الله عز وجل من الأزمنة
يقول جل جلاله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ
اَللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ
حُرُمٌ ذَلِكَ الِدِينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ
أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
تلك الأربعة الحرم حرم الله سبحانه
وتعالى الاعتداء فيها، بل وجعل النسيئة
زيادة في الكفر، وكان العرب حينما يمر
عليهم ثلاثة أشهر: ذو القعدة وذو الحجة
والمحرم يستطيلون تحريم ثلاثة أشهر لا
يقاتلون فیها ولا يسلبون ولا ينهبون(٢).
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك على
الصحيحين، كتاب الأطعمة ٤ / ١٤١، رقم
٧١٤٤.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٢٩.
عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (إن الزمان قد
استدار كهيئته يوم خلق الله السموات
والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة
حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو
الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين
جمادى وشعبان)(٣).
وأما الحكمة الإلهية الجليلة في تحريم
تلك الأشهر الحرم: أن العرب كانوا يعيشون
نظامًا قبليًّا، وكانوا يحجون إلى البيت وهم
على شركهم، وإذا أراد أن يحج فالقبائل
أمامه تعترضه، فالله جعل أشهر الحج ضمن
الأشهر الحرم التي يحرم الاعتداء فيها.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ
شَعََيْرَ اَللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَ اُلْهَدْىَ وَلَا
الْقَلَيْدَ وَلَآ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن
زَِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢].
فكانوا يحترمون الهدي إذا سيق إلى
البيت، والقلائد، وآمين البيت الحرام،
فإذا عرفوا أنهم عمّار أو حجاج كفوا عنهم
فجعل الله الحج متزامنًا مع الأشهر الحرم
ليأمن الحاج من أقصى الجزيرة إلى البيت
ذهابًا وإيابًا (٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: (إن عدة الشهور عند الله
اثنا عشر شهرًا في كتاب الله)، ٦/ ٦٦، رقم
٤٦٦٢.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١١ / ٢٨٠.
www. modoee.com
٤٨٣

حرف الحاء
فحرم الله عز وجل القتال في الأشهر ورجب، وكل ما يهدى لأهل الكعبة من
أنعام أو مواش، وعظّم الله ذوات القلائد
من الهدي، وهي الأنعام التي كانوا يضعون
القلادة على أعناقها إذا ساقوها هديًا مقدّمًا
لذبحه وتوزيعه على فقراء الحرم(٣).
الحرم، قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ
الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
خص الله جل جلاله الأربعة الأشهر
بالذكر، ونهى عن الظلم فيها تشريفًا لها،
وإن كان منهيًّا عنه في كل الزمان(١).
وقد فضل الله شهر رمضان عن باقي
الأشهر، وفضل يوم الجمعة ويومي الاثنين
والخميس، ومن الأوقات المفضلة أيضًا
العيدان الفطر والأضحى.
٢. من الأمكنة المحرمة.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حرم
مکة، فلم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد
بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، لا
يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر
صيدها، ولا تلتقط لقطتها، إلا لمعرف)(٢).
وللبيت الحرام، أي الكعبة المشرفة
مكانة عظيمة عند الله تعالى في شريعة
إبراهيم الخليل عليه السلام، وفي شريعة
الإسلام، لاعتبارات معنوية سامية، ولكونها
مقرًّا لتوحيد الله جل جلاله من قبل جميع
الناس، كما عظّم الله الشهر الحرام كالمحرّم
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٠/ ٢٠٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب جزاء
الصيد، باب لا ينفر صيد الحرم، ٣/ ١٤، رقم
١٨٣٣.
قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ أَلْبَيْتَ
الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ أَلْحَرَامَ وَالْهَدْىَ
وَالْقَلَبِدُ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ
وَمَا فِ اُلْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ﴾
[المائدة: ٩٧ ].
وكذلك المدينة المنورة من الأماكن
المقدسة والمحرمة، عن أنس رضي الله
عنه، عن النبي صلی الله عليه وسلم، قال:
(المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع
شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث
حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس
أجمعين) (٤).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن
أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا، فعليه لعنة
الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل
الله منه يوم القيامة صرفًا، ولا عدلًا، وذمة
المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم)(٥).
(٣) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٥٠٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب جزاء
الصيد، باب حرم المدينة، ٣/ ٢٠، رقم
١٨٦٧.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب
جَوَسُو ◌َهُ النَّهـ
لِلْعَشْرَآن الكَرِيْمِ
٤٨٤

الخاص
المحرومون من الجنّة
لقد أعد الله سبحانه وتعالى جنات عدن
للمؤمنين من عباده، وحرمها على البعض
الذين أمعنوا في عصیانه والکفر به جل
جلاله.
أولًا: المشرك.
حرم الله جل جلاله الجنة على من مات
مشركًا بمنعه الجنة وخلوده في النار، وأنه
لا يغفر له ولا يجد ناصرًا، بقوله: ﴿إِنَّهُ,مَن
يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ
النَّارِ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ﴾ [المائدة:
٧٢].
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(ليأخذن الرجل بيد أبيه يوم القيامة فليقطعنه
النار يريد أن يدخله الجنة، فينادى: إن الجنة
لا يدخلها مشرك، ألا إن الله قد حرم الجنة
على كل مشرك، فيقول: رب أبي، رب أبي،
رب أبي، قال: فيحول في صورة قبيحة وريح
منتنة فیتر که)(١).
فضل المدينة، ٢ / ٩٩٥، رقم ١٣٧٠.
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الإيمان،
ذكر الخبر الدال على أن الإسلام ضد الشرك
١/ ٤٨٧، رقم ٢٥٢، وأبو يعلى الموصلي
في مسنده، مسند أبي سعيد الخدري، ٢٪
٥٣٣، رقم ١٤٠٦.
وصححه الألباني في التعليقات الحسان،
٠٣١٣/١
ويخبر الله سبحانه وتعالى عن ذلة
أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم
وطعامهم يستطعمونهم ويستسقونهم
ولكنهم لا یجابون إلی ذلك؛ لأن الله حرم
طعام الجنة وشرابها على الكافرين (٢)، قال
تعالى: ﴿وَنَادَىَّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ
أَفِيضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِنَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا
إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾[ الأعراف:
٥٠ ].
ثانيًا: المنتحر.
وقد حرم الله جل جلاله قتل المرء
لنفسه لأي سبب كان لأن الموت والحياة
لله وحده ولا يجب أن يشاركه فيه أحد،
عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان
فیمن کان قبلکم رجلٌ به جرحٌ فجزع، فأخذ
سگّینًا فحزّ بها یده، فما رقا الدّم حتى مات،
قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرّمت
عليه الجنّة)(٣).
ثالثًا: الإمام الغاشّ لرعّيته.
عن معقل رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (ما من والٍ يلي
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/
٣٨٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ٤٪
١٧١، رقم ٣٤٦٣.
www. modoee.com
٤٨٥

حرف الحاء
رعيَّةً من المسلمين فيموت وهو غاشٍّ لهم كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: وإن
قضيبًا من أراكٍ) (٤).
إلا حرّم الله عليه الجنّة)(١).
رابعًا: من أخذ مال المسلم بغير حقّ.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم
بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ
فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٨٨].
ينهى المولى عز وجل عن أكل البعض
مال البعض بالوجه الذي لم يبحه اللّه
ولم يشرعه، وألا يلقوا أمرها إلى الحكام
بالتحاكم بشهادة الزور، أو باليمين الكاذبة،
أو بالصلح، مع العلم بأن المقضى له
ظالم (٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
اَلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: ١٠].
فالذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا وبغير
حق إنما يأكلون في بطونهم حرامًا، والحرام
يوجب النار(٣).
وعن أبي أمامة رضي الله عنه أنّ رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اقتطع
حقّ امرئٍ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له
النّار وحرّم عليه الجنّة، فقال له رجلٌ: وإن
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الأحكام، باب من استرعي رعية فلم ينصح،
٩/ ٦٤، رقم ٧١٥١.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ٢٣٣.
(٣) انظر: تفسير السمر قندي ١/ ٢٨٤.
خامسًا: قاطع الرحم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرحم شجنة
من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلته،
ومن قطعك قطعته)(٥).
سادسًا: من ادعى إلى غير أبيه.
قال تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطٌ
يِنْدَ اللَّهِّ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ
فِ الدِّينِ وَمَوَِّيَكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ
أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ
اَللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [ الأحزاب: ٥].
هذه الآية ناسخة لما كان في ابتداء
الإسلام، من جواز ادعاء الأبناء الأجانب
فأمر سبحانه وتعالى بردّ نسبهم إلى آبائهم
في الحقيقة؛ لأن هذا هو العدل والقسط
والبر، وليس على المؤمنين ذنبٌ أو إثم
فيمن نسبتموهم إلى غير آبائهم خطّاً، ولكنّ
الإثم فیما تقصدتم وتعمدتم نسبته إلى غير
أبيه(٦).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة
بالنار ١/ ١٢٢، رقم ١٣٧.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب من وصل وصله الله، ٦/٨، رقم ٥٩٨٨.
(٦) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٤٩/٨.
٤٨٦
مَوَسُوبَةُ النَّقية
القرآن الكْرِيْمِ

الخاص
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال
النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (من ادّعى إلى
غير أبيه وهو يعلم فالجنّة عليه حرامٌ)(١).
سابعًا: من قتل المعاهد.
الذي تعاهد عليه الناس والعقود التي
يتعاملون بها هم ملزمون بها ومسؤولون
عنها، فأمر الله عز وجل بالوفاء بالعهد؛
لكون الوفاء سببًا لعامة الصلاح والغدر سببًا
لعامة الفساد، وعظم الله أمرهما (٢).
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
والمعاهد بينه وبين المسلمين عهود
وعقود علينا الالتزام بها، عن أبي بكرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (من قتل معاهدًا في غير كنهه حرّم
الله عليه الجنّة)(٣).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة الطائف، ٥ / ١٥٦، رقم
٤٣٢٦.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٧٤.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، أول كتاب الجهاد،
باب في الوفاء للمعاهد وحرمة ذمته، ٤/
٣٨٩، رقم ٢٧٦٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ١١٠٢، رقم ٦٤٥٦.
طريقة القرآن في التحريم
حرم الله عز وجل بعض الأمور على
عباده إما لحكمة أدركوها وعرفوها، وإما
لحکم لا يعلمها إلا الله جل جلاله، وفي
كلتا الحالتين جاء التحريم في ثلاث طرق:
إما أن يكون التحريم بشكل قطعي ونهائي
دون جدل، وإما أن يكون بالتدريج مراعاة
لأحوال العباد، وإما أن يكون تحريمًا مؤقتًا
ینتهي وقت ما شاء الله سبحانه وتعالى.
أولًا: التحريم الفوري:
هناك من المحرمات ما كان تحريمها
مباشرًا وبشكل فوري و قطعي، من دون
حاجة للتدرج فيه؛ لخطورتها على الفرد
والمجتمع.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ
وَالَدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنِزِيرِ وَمَا أُمِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهٌِّ
فَمَنِ أَضْطُرَّ غَرَ بَاِعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥].
امتن الله سبحانه وتعالى على عباده
برزقه اياهم، وأرشدهم إلى الأكل من طيبه،
وبين أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة،
وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية،
سواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو
نطيحة، أو قد عدا عليها السبع، أو ما ذبح
على النصب.
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالدَّمُ
www. modoee.com
٤٨٧

حرف الحاء
وَمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ
وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ
السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُيِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ
تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَرَّ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة:
٣](١).
ومن المحرمات بطريقة كلية لخطورتها
الزنا لما له أثر هدام على المجتمع المسلم،
فجريمة الزنا يترتب عليها اختلاط الأنساب،
وضياع الأموال.
قال تعالى: ﴿اَلَِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّ زَانِيَةً أَوْ
مُشْرِكَةً وَالزَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلََّّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ
ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ النور: ٣].
فالزاني لخسّته وقبحه، لا يطأ سفاحًا إلا
زانية تماثله في فحشه و خبثه، أو امرأة مشرکة
لا ترى فيه ما يشينها، فكلتاهما تطاوعه
لفقد الوازع الديني والخلقي لديهما، أما
العفيفة المؤمنة فلا سبيل له إلى الفسق بها،
لحصانتها بعفتها ودينها المتين، والزانية
لخستها وفحشها لا يطؤها سفاحًا إلا زانٍ
يماثلها في فحشها، أو مشرك يحاكيها في
خبثها، وحرم ذلك على المؤمنين بشكل
قاطع، لأنه لا يليق بإيمانهم التلوث بمثله،
ولو کان لدی الزناة إيمان لبعدوا عنه (٢).
قال صلى الله عليه وسلم: (لا يزنى
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/
٤٨١.
الزاني حین یزنى وهو مؤمن)(٣).
ومن المحرمات: قتل النفس.
قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ
اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣].
لا تقتلوا نفسًا قد حرّم الله جل جلاله
قتلها إلا بحقها، وحقها هو أن تكفر بعد
إسلام، أو تزني بعد إحصان، أو قودا بنفس
أما غير ذلك فهو حرام، وقد بین الله عز
وجل له العذاب الشديد (٤).
ومن المحرمات: الربا.
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اَللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّيَوْا﴾
[البقرة: ٢٧٥] .
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ
اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبُواْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[البقرة: ٢٧٨].
وقال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَأْكُلُواْ الْرِّبَواْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُوا اللَّهَ
لَمَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].
وغير ذلك من النصوص المحرمة للرباء
وقد نقل الأئمة الإجماع على تحريم الربا
إذا تقرر هذا التحريم القطعي للرباء فيجب
أن يعلم أنه يحرم على المسلم أن يكون
طرفًا في أي عملية ربوية، ويحرم عليه أن
يسهم في العملية الربوية بأي شكل بسبب
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود،
باب إثم الزناة، ٨/ ١٦٤، رقم ٦٨١٠.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ (٤) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
٠١٦٧
طالب ٦ / ٤١٩٢.
٤٨٨
جُوسُوبَة النفسية
القرآن الكريم

الخام
أضرارها البالغة الخطورة (١).
من الأسباب - إلا بالحق وقد سبق الحديث
وهذه الآية جامعة لما حرمه الله عز وجل عن حقها (٢).
والبعد عن هذه المحرمات بشکل صریح،
ويتضمن الالتزام بالسلوك الحلال.
قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًاً
وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ
إِمْلَقٍّ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌّ وَلَا تَقْرَبُواْ
اٌلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌَّ وَلَا
تَقْتُّلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِأَلْحَِّ ذَلِكُمْ
وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١ ].
وبدأ بالنهي عن أكبر المحرمات وهي
الشرك: كالرياء، وعدم صدق النية في
العمل.
ثم رضا الوالدين وتحريم عقوقهما من
الأمور التي طلبها الشارع، وحث عليها، بعد
الأمر بالتوحيد والإخلاص لله وحده.
بعد أن قرر الله سبحانه وتعالى حق
الوالدين على الولد، عقبه بالنهى عن قتل
الأبناء بسبب الفقر.
ونهى عن الاقتراب من المحرمات كلها
على وجه العموم، فضلًا عن الوقوع فيها ما
يفعل منها علانية، وما يفعل منها سرًّا.
ثم نهى عن قتل النفس التي عصمها الله
من القتل: بالإسلام، أو بالعهد - لأى سبب
(١) انظر: المجموع شرح المهذب، النووي
٣٩١/٩.
ثانيًا: التحريم التدريجي:
جاء الإسلام والعرب كانوا في إباحة
واسعة یکرهون کل ما یقید حریتهم أو يحد
من شهواتهم، وقد تمكنت من نفوسهم
عادات كثيرة لا يستطيعون التحول عنها
دفعة، فاقتضت الحكمة الإلهية ألا يفاجئوا
بالأحكام جملة فتثقل بها كواهلهم وتنفر
منها نفوسهم؛ ولذلك وردت الأحكام
التكليفية شيئًا فشيئًا؛ ليكون السابق من
الأحكام معدًا للنفوس ومهيئًا لها لقبول
اللاحق، وبذلك تكون أوقع في النفس
وأقرب للانقياد.
من ذلك: تحريم الخمر، فإنها كانت
متمكنة من نفوس العرب تمكنًا اقتضت
معه الحكمة الإلهية أن يتدرج القرآن في
تشريع أحکامھا، فلم یصرح لهم بتحريمها
من أول الأمر، بل قال في جواب عنها وعن
المیسر عندما سئل عنها: إن فیها منافع ولکن
ضررها أكبر(٣).
قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ
وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
وبعد أن أشار القرآن الكريم إلى أنه ينبغي
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٢٢٩.
(٣) انظر: لبّاب التأويل، الخازن ١/ ١٤٨.
www. modoee.com
٤٨٩

حرف الحاء
تركها لغلبة إثمها نهى الناس عن الصلاة في وتصرفهم عن ذكر الله وعن الصلاة، فشربها
مفسدة خلقية واجتماعية ودينية (١).
حالة السكر.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا
نَقُولُونَ ﴾ [النساء: ٤٣].
عامًا مؤكدًا فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّمَا ◌ٌلْخَتَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ
إِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَّةَ
وَالْبَعْضَآءُ فِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِاللَّهِوَعَنِ
الصَّلَوَّةَ فَهَلْ أَنْتُ مُنْتَهُونَ ﴾[ المائدة: ٩٠ - ٩١].
والمتأمل في الآيات الكريمة التي نزلت
في تحريم الخمر يرى أنه أشارت في إيجاز
إلى المفاسد الرئيسية للخمر.
فآية النساء التي منعت من اقتراب الصلاة
في حالة السكر بينت علة المنع، وهي: ألا
يعلم المصلي ما يقول، وفي هذا إشارة إلى
أن الخمر تخرج الإنسان عن وعيه، وتفقده
إدراكه، وفي ذلك امتهان للعقل الذي كرم
الله سبحانه وتعالى به الإنسان وفضله على
سائر المخلوقات، فالخمر مفسدة للفرد في
عقله وآدمیته.
وبينت آية المائدة التي جاء فيها التحريم
النهائي للخمر، سبب هذا التحريم وهو أن
الخمر والميسر رجس من عمل الشيطان
توقع العداوة والبغضاء بين المسلمين
جاء التشريع الإسلامي متدرجًا في
مخاطبة الأمة بشأن الخمر والميسر، فمهد
أولًا ببيان اشتمالهما على الإثم الكبير،
ثم صرح سبحانه وتعالى بالنهي عنهانهيًا وأنه غالب على النفع الموجود فيهما،
فكشف لهم الحال على حقيقتها ولم يحتم
عليهم في طلب الترك، ففهم قوم طلب
الكف فكفوا وغلب آخرون جانب الرخصة
فترخصوا، بقي الأمر محتملًا عند آخرين
فطلبوا زيادة البيان، ثم فطموا عن شرب
الخمر وقتًا طويلًا من ساعات الليل والنهار،
ثم جاء التحريم القطعي الذي لا مساغ
للتأويل فيه (٢).
نزل التحريم القطعي؛ لأنهم بهذا التدريج
يتكيفون؛ لأنهم أشربت قلوبهم حب
الخمر، فالعرب يحبون الخمر، ويشربونها
ويزاولونها بكثرة، فمن رحمة الله عز وجل
أن نزل تحريمها تدريجيًّا فجاء في آخر الأمر
قوله جل جلاله: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفِّرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
الاجتناب هو الابتعاد، والمقصود
أبعدوه واجعلوه في ناحية، وقد أمر عز وجل
(١) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٣/
١١٥٥.
(٢) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٧/
٥٦.
٤٩٠
القرآن الكريم

الخاص
باجتناب هذه الأمور المحرمة، واقترنت
بصيغة الأمر، فكان ذلك على جهة التحريم
القطعي(١).
عن أنس رضي الله عنه، (كنت ساقي
القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم
يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم مناديًا ينادي: (ألا إن الخمر قد
حرمت)، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج،
فأهرتها، فخرجت فهرقتها، فجرت في
سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل
قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ
عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا
طَعِمُواْ ﴾ [المائدة: ٩٣].
الآية)(٢).
ثالثًا: التحريم المؤقت:
أما التحريم المؤقت، فإنه يمنع من
التزوج بالمرأة، ما دامت على حالة خاصة،
فإن تغيرت تلك الحال زال التحريم، صارت
حلالًا، ومن المحرم على المسلم حرمة
مؤقتة:
١. الجمع بين الأختين لقوله سبحانه
﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ
وتعالى
اَلْأَخْتَيْنِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَُ إِنَّ اللّهَ
(١) انظر: روائع البيان، الصابوني ١ / ٥٦٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم
والغصب، باب صب الخمر في الطريق، ٣٪
١٣٢، رقم ٢٤٦٤.
كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾[ النساء: ٢٣].
بالإضافة إلى أن الجمع بينهما يولد
الشقاق بين الأقارب، ويعكر صفو
الأخوة والمودة، ويمزق ما بين الأرحام
من صلات (٣).
٢. الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة
وخالتها، وقد سبق الحديث عن ذلك.
٣. زوجة الغير، وذلك رعاية لحق الزوج،
لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَنتُ مِنَ النِّسَاءِ
إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]،
أي: وحرمت عليكم المحصنات من
النساء، وهن ذوات الأزواج (٤).
فهذه تحرم خطبتها إلا أن تكون تلميحًا
فقط.
قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا
عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيَّ
أَنْفُسِكُمَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَّا
تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا إِلَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلًا مَّعْرُوفًاً وَلَا
تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اَلْكِنَبُ
أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
ومن التحريم المؤقت: خطاب الله عز
وجل للمؤمنين الذين يرغبون في مناجاة
الرسول والتحدث إليه في شؤونهم الخاصة
أن يتقربوا إلى الله قبل لقاء الرسول، بتقديم
الصدقات إلى الفقراء المسلمين، ثم يأتوا
(٣) انظر: تفسير المراغي، ٤/ ٢٢٢.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/ ١٥١.
www. modoee.com
٤٩١

حرف الحاء
إليه وقد ازدادوا طهرًا وصفاء، أما الذين يقوموا بين يدي نجواهم صدقة، وشق ذلك
لا يملكون ما يتصدقون به على الفقراء،
لكونهم من نفس الفقراء، فلا حرج عليهم
في لقائه ومناجاته دون تقديم أية صدقة.
وإلى هذا المعنى يقول سبحانه وتعالى:
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ
يَدَى ◌َّجْوَنَكُمْ صَدَقَّةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَظْهَرُّ فَإِن لَّوْ
تَجِدُواْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢](١).
عن مقاتل: أن الأغنياء كانوا يأتون النبي
صلی الله عليه وسلم فیکثرون مناجاته،
ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى
كره صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم
ومناجاتهم، فنزلت(٢).
قال الألوسي تعليقًا على نزول هذه الآية:
وفي هذا الأمر تعظيم للرسول صلى
الله عليه وسلم وإكبار شأن مناجاته.
التخفيف عن النبي صلّى الله عليه
وسلّم بالتقليل من المناجاة ودفع
للتكاثر عليه من غير حاجة مهمة.
نفع بالصدقات والتهوين عليهم.
تمییز بین المخلص والمنافق، ومحب
الآخرة ومحب الدنيا؛ فإنّ المال محكّ
الدواعي(٣).
وقال زيد بن أسلم: لما نزلت هذه الآية
انتهى أهل الباطل عن النجوى؛ لأنهم لم
(١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٧/ ٣٤٧.
(٢) انظر: أسباب النزول، الواحدي ٤٧٦.
(٣) انظر: روح المعاني ١٤ / ٢٢٥.
على أهل الإيمان وامتنعوا عن النجوى،
لضعف كثير منهم عن الصدقة، فخفف الله
عنهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ
تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَتٍ فَإِذْ لَوْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ
اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُوا
اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة:
١٣].
فنسخت فرضية الزكاة هذه تخفيفًا على
الناس حيث إنهم تثاقلوا منها (٤).
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/
٣٠٣.
جَوَسُوعَة النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٤٩٢

الخاص
مقاصد التحريم
القرآن الكريم والسنة الشريفة أتيا
للتعريف بمصالح الدارين جلبًا لها،
والتعريف بمفاسدهما دفعًا لها، وهذه
المصالح لها ثلاثة أقسام: الضروريات،
والحاجيات، والتحسینیّات.
الضروريات خمس: حفظ الدين،
وحفظ النفس، وحفظ العرض، وحفظ
المال، وحفظ العقل.
الحاجيات تدور على التوسعة،
والتيسير، ورفع الحرج، والرفق في
هذه المقاصد.
التحسينيّات ترجع إلى العمل بمكارم
الأخلاق وما يحسن في مجاري
العادات في هذه المقاصد الخمس (١).
وقد ذكر وبين من هذه المقاصد العامة:
حفظ النظام، وجلب المصالح، ودرء
المفاسد، وإقامة المساواة بين الناس،
وجعل الشريعة مهابة مطاعة نافذة، وجعل
الأمة قوية مرهوبة الجانب مطمئنة البال.(٢)
ويقرر علال الفاسي أن ((المقصد العام
للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض،
وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار
صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم
(١) انظر: الموافقات، الشاطبي ص ٥.
(٢) انظر: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي،
أحمد الريسوني ص٦.
بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن
صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في
الأرض، واستنباط لخيراتها، وتدبير لمنافع
الجمیع»(٣).
إن من مقاصد الشريعة الإسلامية جلب
النفع ودفع الضرر، فمن جلب المنافع إباحة
جميع ما في الأرض، وتسخير كل القوى
لخدمة الإنسان قال تعالى: ﴿هُوَالَّذِى خَلَقَ
لَكُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [ البقرة: ٢٩].
والقاعدة في ذلك عند فقهاء الإسلام
أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي
الحظر أما دفع المضار فإن الإسلام قد
شرع من الأحكام ما يهدف به إلى الحماية
والمحافظة على ما يعرف بالضروريات لكل
مجتمع من المجتمعات، وهذه الضروريات
جاءت جميع الشرائع السماوية بحمايتها
والمحافظة عليها، لأنه لا حياة للناس بدونها
ولا استقرار ولا أمن ولا طمأنينة إلا بصونها
عن عبث العابثین (٤).
لذا كان من أسباب التحريم كما جاء في
القرآن الكريم:
١. المحرم رجس قذر ونجس.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
(٣) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها
ص٣.
(٤) انظر: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية،
أبو الحارث الغزي ١٩١.
www. modoee.com
٤٩٣

حرف الحاء
فَأَجْتَغِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجسًا
فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل
فو جب أن یکون کل نجس یحرم أکله(١).
٢. أنه فسقٌ وخروجٌ عن طاعة الله.
قال تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِىَ إِلَّ
مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً
أَوْ دَمَا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُرِجْسُ أَوْ
فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
٣. أنه ذبح لغير الله.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ
الْمَيْنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَآ أُمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ
بِهٌِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيِّرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥].
ومن الحكمة كذلك من تحريم بعض
الأطعمة والأشربة:
الحفاظ على العقل الذي به تتم عبادة
الله وعمارة الأرض، بتحريم كل ما
يعطل العقل كالخمر والمخدرات،
فالعقل نعمة من نعم الله الجليلة
فهو الذي يميز به المرء بين الهدى
والضلال، والخير والشر، والطيب
والخبيث. والعقل هو مناط التكليف
وبه فضل الله الإنسان على بقية
أنواع الحيوان؛ لذا حرصت الشريعة
الإسلامية على تحريم كل ما يضر
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٣ / ١٦٨.
بالعقل، فحرمت الخمر و كل مسكر.
الحفاظ على النفس بتحريم كل ما
يحدث الضرر بها أو يشكل خطرًا على
حياة الإنسان.
حفظ المال بعدم إضاعته فيما لا
نفع فيه، خاصة إذا أثبت ضرره على
صحة الإنسان، وأصبح محرمًا شرعًا
كالتدخين والمخدرات مثلًا(٢).
الوقاية من الأمراض الناتجة عن
الأطعمة المحرمة، كالدم المسفوح
الذي يعد أنسب مكان لانتشار الجراثيم
ونموها.
المحافظة على الأنساب فقد حرم
الإسلام الزنا ووضع له العقوبة الرادعة
جلدًا أو رجمًا. قال تعالى: ﴿الزَّانِيَّةُ
وَلَِّ فَلَمْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَةً جَلْدَةِ﴾
[النور: ٢]. وجاءت السنة برجم الزاني
المحصن.
المحافظة على الأعراض فحرم
الإسلام القذف وشرع لذلك عقوبة
رادعة. قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَرَّمُونَ
اَلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّلَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَلَهُ فَأَجْلِدُوهُرْ
ثَمَنِينَ جَلْدَةٌ وَلَا نَقْبَلُوْ لَمُمْ شَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ
هُمُ الْفَسِقُونَ﴾[ النور: ٤].
المحافظة على الأموال نهى الإسلام
(٢) انظر: المسكرات والمخدرات، أحمد الأزرق
ص ٣٠.
٤٩٤
مُوسُوبَة المَسيده
جوبيى
القرآن الكريم

الحلم
عن أكل أموال الناس بالباطل وشرع
لذلك حد السرقة، قال تعالى:
﴿وَاُلْسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَمُوْا أَيْدِيَهُمَا
جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللّهِ وَاللهُ عَزِيزٌّ
حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
عقوبة ارتكاب المحرمات
الأوامر الشرعية أنزلها الله عز وجل إلى
عباده لصالحهم العام والخاص فإذا تطابقت
الأعمال البشرية مع الأوامر الإلهية سعد
الإنسان في الدنيا والآخرة، وإذا خالفت
أعمال العباد أوامر الله الشرعية شقي
الإنسان في الدنيا والآخرة، والله يحب
أن يطاع وتمتثل أوامره ونواهيه في جميع
الأحوال من جميع العباد.
فما بين الحق جل جلاله الحرام والحرام
إلا لحكمة بالغة سواء أعرفها المرء وأدركها
أم لا، والعبد ليس له عمل إلا طاعة سيده
ومولاه، الذي أفاض عليه من نعمه بما لا
يحصى، ووعده إن أطاعه بالدار الحسنى،
وإن عصاه بنار تلظى، فلا سعادة ولا فلاح
ولا نجاة في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان
والأعمال الصالحة.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ, مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِهَا فَإِنَّ لَهُ
جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْنَى ) وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا
قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الَّرَحْتُ الْعُلَىِ
◌َّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيَاأَ وَذَلِكَ
جَزَآءُ مَن تَزَكَى﴾ [طه: ٧٤ - ٧٦].
أولًا: العقوبة في الدنيا:
والناس في الدنيا نوعان:
مسلم لله جل جلاله منفذ لأوامره
يتحرى الحلال ويبتعد عن الحرام
www. modoee.com
٤٩٥

حرف الحاء
طامعًا في رضاه وجنته.
کافر به وبأوامره، ضاربًا بعرض الحائط
ما شرع الله به من حلال وحرام.
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ
فَاسِقَاً لَّا يَسْتَوُنَ ا أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَيِلُوا
الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ جَنَّتُ الْمَأْوَى نُزْلٌ بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ () وَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَأْوَنَّهُمُ النَّارُ كُلَّمَاً
أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُ واْفِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ
عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
[السجدة: ١٨ - ٢٠].
وثواب الله عز وجل على الطاعات،
وجزاؤه على السيئات، حاصل لكل عبد،
وذلك في الدنيا والآخرة.
المعاصي هي:
الوحشة من الله والإعراض عنه
والاشتغال بما يبعده عنه ومحبة
ما يسخطه وما يبغضه من الأقوال
والأعمال وعدم الرضا بقضائه وضيق
المعيشة والضلالة ونسیان ذکره والنكد
الشاق من العيش، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ
أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ, مَعِيشَةً
ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤](١).
بعد الملائكة عنه واقتران الشیاطین به،
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمِنِ
نُقَيِّضَّ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾[ الزخرف:
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٦٨.
٣٦].
# عقاب دنيوي أليم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
جَزَاؤُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ
أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ
اُلْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنِّيّاً
وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[المائدة: ٣٣].
والمقصود من محاربتهم الله ورسوله،
قطعهم الطريق على الناس، وإفسادهم في
الأرض، وترويع الآمنين، وجعل عملهم
هذا حربًا لله ورسوله؛ إنما هو لتمردهم على
وأما عقوبة الله العاجلة في الدنيا على ما شرعه الله سبحانه وتعالى، من وجوب
الكف عن إيذاء الناس وإخافتهم، وتوفير
أسباب الأمن والسلام لهم فلا يسلبونهم
أموالهم أو أعراضهم، أو يقتلونهم، قال
ابن جزي: هو بیان للحرابة، وهي درجات
فأدناها: إخافة الطريق، ثم أخذ الأموال، ثم
قتل النفس(٢).
فجزاؤهم أن يقتلوا أو يصلبوا، يقتل
ثم يصلب، إرهابًا لغيره، أو تقطع أيديهم
وأرجلهم من خلاف، فيقطع يده اليمنى
ورجله الیسری، وإن عاد قطعت يده اليسرى
ورجله اليمنى، وقطع اليد من الرسغ،
والرجل من المفصل كالسرقة، أو ينفوا من
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٢/ ٣٥.
مُوسوبر التفسير
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٤٩٦

الخاص
بلد إلى بلد، ويسجنوا فيه حتى تظهر توبتهم،
ولهم خزي في الدنيا وذل وفضيحة (١).
اللعنة في الدنيا والآخرة، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ
الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَهُمْ
الذين
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]
يقذفون العفائف الغافلات بالفواحش
عذبوا في الدنيا بالحد، والحد الذي
قرره الشارع الحكيم يتمثل في قوله عز
وجل: ﴿وَلَّذِينَ يَُّونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ
بِأَرْبَعَةِ شُهَلَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ
لَمْ شَهْدَةً أَبَدَّا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾[
النور: ٤]. حيث بينت الآية الكريمة حد
القاذف بجلده ثمانين جلدة وعدم قبول
شهادتهم(٢).
الحرب والهلاك، وفي هذه الآية
الحدیث عن الربا ومستحله، وما يجده
من عقاب دنيوي لقاء هذه الجريمة،
قال تعالى: ﴿فَإِنِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأُذَنُواْ بِحَرْبٍ
مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾ [البقرة: ٢٧٩ ]. حيث
خوفهم إن لم يتركوه بإهلاك من الله
تعالى ورسوله(٣).
الجلد مئة جلدة، قال تعالى: ﴿الزَِّيَةُ
وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَةً جَْدَةٍ وَلَا
تَأْخُذُكُم بِمَا رَأَفَةٌ فِ دِ الَّهِ إِنْ كُمْ تُؤْمِنُونَ يَاللّهِ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٢٧٦.
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣/ ٢٨٩.
(٣) انظر: تفسير السمر قندي ١/ ١٨٤.
وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ
اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾[ النور: ٢]. مائة جلدة هذا
حد الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك
الزانية البالغة البكر الحرة وثبت بالسنة
تغريب عام والرجم بالحجارة حتى
الموت للمحصن (٤).
قطع يد السارق، ويقول تعالى حاكمًا
وآمرًا بقطع يد السارق والسارقة في
الدنيا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَّا
أَيَدِيَهُمَا جَزَّآءٌ بِمَا كَسَبَا تَكَلًا مِّنَ اَللَّهِ
وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/
١٥٩.
www. modoee.com
٤٩٧

حرف الحاء
العقوبة في الآخرة
أمّا عقوبة الله الآجلة على المعاصي وما
اقترف من المحرمات في الآخرة فأنواع:
أحدها: العذاب الجسدي في نار جهنم
بألوان العذاب من الإحراق بالنار، وأكل
الزقوم، وشرب الماء الحميم، وضرب
المقامع، وقيد السلاسل وغير ذلك من
ألوان العذاب.
الثاني: العذاب الروحاني بالطرد
والإهانة، واللعن والإعراض عنه.
الثالث: غضب الله عليه، ومنعه من
رؤيته، وهما أشد أنواع العذاب كما قال
سبحانه وتعالى، عن الكفار: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن
تَّيْهِمْ يَوْمَيِذٍ أََّحْجُوبُونَ (٥ ) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِمِ﴾
[المطففين: ١٥ - ١٦](١).
فمن العقوبات الأخروية التي قررها الله
عز وجل جزاء من قتل مؤمنًا عامدًا قتله،
مريدًا إتلاف نفسه فقد حدد الله له جزاء
عظيمًا.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِّدًا فِيهَا
وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ، وَأَعَدَّ لَّهُ عَذَابًا
عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٩٣ ].
له عذاب جهنم خالدًا فيها.
غضب الله عليه بقتله إياه متعمدًا.
(١) انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري ١/
٤٢٢.
أبعده من رحمته وأخزاه(٢).
وبالإضافة إلى الجزاء الدنيوي لمن
يقطع الطريق على الناس ويرهبونهم حدد
الله سبحانه وتعالى لهم عقاب أخروي
حيث قال جل جلاله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[ المائدة: ٣٣].
لهم في الآخرة عذاب عظيم لعظم
ذنوبهم وظاهره أن العقوبة في الدنيا لا تكون
كفارة للمحاربين بخلاف سائر الحدود من
سرقة وزنا.
وكذلك من يرمي المحصنات فله
جزاءين في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْفَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَمْعَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: ٢٣
.[
وفي يوم الآخرة بالنار، كما ولهم عذاب
عظيم (٣).
موضوعات ذات صلة:
الحلال، الذنب، الزنا، السؤال، الشرب،
الطعام، الفواحش
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٥٧.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣/ ٢٨٩.
٤٩٨
جَوَسُولَة التَّقَبـ
القرآن الكَرِيْمِ