Indexed OCR Text
Pages 1-20
الثَّاب
عناصر الموضوع
مفهوم الثواب
٢٧٨
الثواب في الاستعمال القرآني
٢٧٩
الألفاظ ذات الصلة
٢٨٠
الثواب من الله
٢٨٢
أنواع الثواب
٢٨٨
المستحقون للثواب
٢٩٣
٣٠٦
مقاصد الثواب
حرف الثاء
مفهوم الثواب
أولًا: المعنى اللغوي:
الثواب اسم للمصدر؛ لأنّ مصدر الثلاثي ثوبٌ وثوبانٌ، ومصدر الرباعي إثابة، وفعل
الثواب ثلاثي أجوف معتل العين، ولفظ الثواب في اللغة جاء على عدة معانٍ أبرزها: العود
والرجوع، والاجتماع، والجزاء(١).
المعنى الأول: العود والرجوع، قال ابن فارس: «الثاء والواو والباء قياسٌ صحيحٌ من
أصل واحد، وهو العود والرّجوع. يقال: ثاب الرّجل یثوب ثوبًا وثوبانًا، أي: رجع بعد ذهابه،
ويقالَّ: ثاب فلانٌ إلى اللّه، وتاب، بالثّاء والتّاء، أي: عاد ورجع إلى طاعته)).
المعنى الثاني: الاجتماع واللجوء، يقال: ثاب الناس، أي: اجتمعوا وجاءوا. وثاب ماله،
أي: كثر واجتمع. وثاب القوم: أتوا متواترين -أي: مجتمعين -. وكذلك الماء إذا اجتمع في
الحوض، يقال: ثاب الماء في الحوض، أي: اجتمع فيه.
المعنى الثالث: الثّواب والمثوبة يراد به أيضًا مطلق الجزاء في الخير والشّرّ لا جزاء الطّاعة
فقط، قال ابن الأثير: ((الثّواب، يكون في الخير والشّرّ، إلّا أنّه بالخير أخصّ وأكثر استعمالًا)».
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قيل: الثواب: هو إعطاء ما يلائم الطبع (٢).
أو القّواب: الجزاء كيف ما كان من الخير والشّر، إلّا أن استعماله في الخير أكثر(٣).
من خلال تلك التعريفات يتبين لنا أنّ الثواب هو النتيجة النهائية لعمل الإنسان وما تجنيه
علیه نفسه، فإن أساء في عمله سيكون ثوابه وجزاؤه شرًّا، وإن أحسن في عمله سيكون ثوابه
وجزاؤه خيرًا.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٩٣/١، مختار الصحاح، الرازي ص ٩٠، لسان العرب، ابن منظور
٢٤٣/١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٦٤، تاج العروس، الزبيدي ١٠٣/٢.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص ٧٢، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص٧٢
(٣) الكليات، الكفوي ص٣٢٨.
٢٧٨
جوبيـ
القرآن الكريم
الثواب
الثواب في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ثوب) في القرآن الكريم (٢٨) مرة، يخصّ موضوع البحث منها (١٩)
مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
فَأَتَبَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾
الفعل الماضي
٤
[المائدة: ٨٥]
المصدر
١٥
﴿وَاللَّهُ عِنْدَ هُ، حُسْنُ الثَّوَابِ
﴾ [آل عمران: ١٩٥]
وجاء الثّواب في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: ما يرجع إلى الإنسان من جزاء
أعماله(٢) سواء كان فتحًا، أو وعدًا، أو زيادة، أو منفعة (٣).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٦٢.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٣٣٧/٢.
(٣) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ١٤٧ - ١٤٨.
www. modoee.com
٢٧٩
حرف التاء
الألفاظ ذات الصلة
١
الأجر:
الأجر لغة:
يطلق الأجر في اللغة على عدة معانٍ، منها: الجزاء على العمل، والثواب.
والأجر: الجزاء على العمل. والأجر الثواب، تقول: أجره الله يأجره ويأجره أجرًا من
باب ضرب ونصر إذا (جزاه) وأثابه وأعطاه الأجر. فالفعل أجر يأجر أجرًا، والمفعول مأجورٌ.
والأجير: المستأجر. والإجارة ما أعطيت من أجرٍ في عملٍ(١).
الأجر اصطلاحًا:
الأجر والأجرة: ما يعود من ثواب العمل دنيويًّا كان أو أخرويًّا، نحو قوله تعالى: ﴿إِن
أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللّهِ﴾ [يونس: ٧٢].
﴿وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَهُ، فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧].
﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [يوسف: ٥٧].
وكلاهما - أي: الأجرة والأجر - يقال فيما كان من عقد وما يجرى مجرى العقد، ولا
يقال إلّ في النفع دون الضرّ، نحو ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿وَأَجْرُهُ, عَلَى الَّهِ﴾(٢).
الصلة بين الأجر والثواب:
الثواب والأجر يوجد بينهما ترادف، فكلاهما جزاء للعمل الذي يعمله الإنسان، غير أن
الأجر أخص من الثواب؛ لأن الأجر لا يكون إلا في مقابل العمل الذي فيه النفع والخير،
والثواب يكون في مقابل العمل الذي فيه النفع والخير، وكذلك العمل الذي فيه ضرر وشر.
إلا أنّ إطلاق الثواب - في مقابل العمل الذي فيه النفع والخير - أكثر، والأجر يقال غالبًا فيما
كان من عقد وما يجرى مجرى العقد(٣).
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٥٧٦/٢، مقاييس اللغة، ابن فارس ٦٣/١، المصباح المنير، الفيومي
١٣/١، تاج العروس، الزبيدي ١٠/ ٢٤.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ١/ ٦٤، بصائر ذوي التمييز، الفيوز آبادي ١٣١/١، الكليات، الكفوي
ص٤٨.
(٣) وبمعنى آخر أنّ الثواب يكون جزاءً لمطلق العمل إن خيرًا فيكون الثواب خيرًا، وإن شرًّا فيكون الثواب
شرًّا، إلا أنّ الثواب قد شهر في الجزاء على العمل الذي فيه الخير والنفع،، أما الأجر فلا يقال إلا جزاءً
للعمل النافع الذي فيه خیر.
٢٨٠
جَوْسُورُ
القرآن الكريم
الثواب
العقاب:
٢
العقاب لغة:
العقاب مأخوذ من (عقب): العين والقاف والباء أصلان صحيحان: أحدهما يدل على
تأخير شيء وإتيانه بعد غيره. والأصل الآخر يدل على ارتفاع وشدة وصعوبة (١).
العقاب اصطلاحًا:
العقاب: هو جزاء الشّرّ، والنكال أخص منه (٢)، أو هو ما يلحق الإنسان بعد الذّنب من
المحنة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معًا(٣).
الصلة بين العقاب والثواب:
إنّ العقاب يكون على فعل الشر، أما الثواب فيكون على فعل الشر والخير إلا أنه في
الخير أكثر، وعلى هذا فالثواب أعم والعقاب أخص منه.
الجزاء:
٣
الجزاء لغة:
المكافأة على الشيء (٤).
الجزاء اصطلاحًا:
هو الغناء والكفاية والمكافأة بالشيء وما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرًا فخير وإن
شرًّا فشر، ومنه قوله تعالى: ﴿لَّا يَجْزِى وَالِدُّعَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا
[لقمان: ٣٣] (٥).
الصلة بين الثواب والجزاء:
كلا اللفظين يكونان في الخير والشر، فالثواب يكون على عمل الخير والشر، وكذك
الجزاء، إلا أن الغالب استعمال الثواب في مقابلة الخير، واستعمال الجزاء في مقابلة الشر.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٧٧.
(٢) الكليات، الكفوي ص٦٥٤.
(٣) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون، التهاوني ١١٩٢/٢.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤٣/١٤، الكليات، الكفوي ص ٣٥٦، تاج العروس، الزبيدي
٣٥١/٣٧.
(٥) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٩٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٣٨٠/٢.
www. modoee.com
٢٨١
حرف التاء
الثواب من الله
إنّ الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان
في هذه الحياة الدنيا، وهيأ له من الأسباب
والوسائل ما يعينه على أداء مهمته في
الحياة الدنيا من عبادة لله، وتعمير للأرض،
وإصلاح للنفس وتهذيبها، كل ذلك طمعًا
في تفضّل الحق سبحانه وتعالى وإكرامه
بالمثوبة والمكافأة من عنده سبحانه، فهو
الخالق الرازق، الذي يعطي كل ذي حق
حقه، وهو بيده مقاليد السماوات والأرض،
وهو على كل شئ قدير.
فالإنسان المؤمن الحقيقي يسعي في
عبادته ومعاملاته وأخلاقه وكل شئونه في
نيل الثواب من الله، ولكن شغف بعض
الناس بالحياة الدنيا يجعله يلهث وراءها
وما تجلبه من سعادة خادعة وفرح مكذوب،
ويرجو أن يحصل على منافع الدنيا فقط،
فيعمل العمل يرجو فقط المثوبة الدنيوية من
أولاد أو مال أوجاه أو سلطان أو نحو ذلك.
فالحق سبحانه پھییء له ما يجعله يحصل
على مثوبة الدنيا كما أراد - وإن كان سيحرم
من الآخرة كما في حالة الكافر-؛ لأن
الثواب والمكافأة من الله في كل الأحوال
سواء طلب الإنسان ثواب الدنيا فقط أم
طلب ثواب الدنيا والآخرة.
وهذا المعنى أشارت إليه غير آية من
القرآن، فيقول جل جلاله: ﴿وَمَن يُرِدّ
ثَوَابَ الدُّنْيَا تُؤْقِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ
نُؤْتِهِ، مِنْهَاً وَسَنَجْرِى الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران:
١٤٥]
فالحق يقول لنا: من يرد منكم أيها
المؤمنون بعمله جزاء من الحق جل جلاله
يتمثل هذا الجزاء فقط في بعض أعراض
الدنيا دون ما عند الله من الكرامة والنعيم
في الآخرة.
﴿تُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ أي: يعطه الحق من الدنيا
ما قسم له فيها من رزق أيام حياته، ثم لا
نصيب له في كرامة الله التي أعدها لمن
أطاعه، وطلب ما عنده في الآخرة.
﴿وَمَن يُرِدْ تَوَابَ آلآخِرَةِ﴾ أي: ومن يرد
منکم بعمله جزاء من الحق جل جلاله يتمثل
في ثواب الآخرة، مما عند الله من نعيمه
وكرامته التي أعدها للعاملين له في الآخرة.
﴿تُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: يعطه من الآخرة؛
من كرامة الله التي خص بها أهل طاعته في
الآخرة(١).
فعند الله ثواب الدارين: الدنيا والآخرة،
فمن قصد الدنيا فقط، أعطاه الله من الدنيا
ما قدّر له، وكان له في الآخرة العذاب،
كالمجاهد الذي يريد بجهاده الغنيمة فقط
أو نصرة راية غير إسلامية، فيأخذ الغنيمة
ويحقق المطمع الدنيوي الرخيص، وليس
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٨/٦.
٢٨٢
جوبيه
القرآن الكريم
الثواب
له في عالم القيامة إلا النار، ﴿وَكَانَ اللَّهُ
سَمِيعًا﴾ لكل قول، ﴿بَصِيرًا ﴾ بكل قصد
وعمل، فعلى الإنسان أن يخلص في عمله
لله تعالى، ويكون قصده إرضاء الله عز
وجل، ولا مانع أن يقصد بعمله وجهاده
معًا ثواب الدنيا ومكافأتها، وثواب الآخرة
ونعيمها الخالد في الجنة(١).
وفي ذلك تعلیم للمؤمنین أن لا يصدهم
الإيمان عن طلب ثواب الدنيا، إذ الكل من
فضل الله، ويجوز أن تكون تذكيرًا للمؤمنين
بأن لا يلهيهم طلب خير الدنيا عن طلب
الآخرة؛ إذ الجمع بينهما أفضل، وكلاهما
من عند الله أو هي تعليم للمؤمنين أن لا
يطلبوا خير الدنيا من طرق الحرام، فإن في
الحلال سعة لهم ومندوحة، وليتطلبوه من
الحلال يسهّل لهم الله حصوله؛ إذ الخير
کله بيد الله، فیوشك أن يحرم من يتطلبه من
وجه لا يرضيه أو لا يبارك له فيه (٢).
وفي الآية ملمح لحقيقة هذا الدين مفاده
أنّ الدعوة للعمل الخيري الدنيا والآخرة
دلیل علی أن الإسلام کفل لأتباعه و کل من
سار على هديه سعادة الدنيا والآخرة، وهذا
المنهاج المتوازن والخط المعتدل هو قوام
الحياة الإسلامية القرآنية التي تعتمد الدنيا
وسيلة ومزرعة، والآخرة مقصدًا وغاية،
(١) التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٣٩٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٤/٥.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أعمالهم في
دنياهم، وينشدون ثواب الله في آخرتهم (٣).
وهذه الآية وإن نزلت في الجهاد خاصة
لكنها عامة في جميع الأعمال؛ ذلك لأن
الأصل في ذلك كله يرجع إلى نية العبد، فإن
کان یرید بعمله الدنیا فليس له جزاء إلّا فیھا،
وكذلك من أراد بعمله الدار الآخرة فجزاؤه
أيضًا فيها (٤).
﴾ دليل على أن
فالتعبير بقوله:
الإرادة للشخص هي التي تكيّف العمل،
فتارة يكون خيرًا، وتارة يكون شرًّا؛ ولذلك
روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما
لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى
الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن
كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة
ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)(٥).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت
نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه،
(٣) التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٣٩٣.
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٠٥/١، التفسير
الواضح، حجازي ١/ ٢٩١.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الوحي، باب کیف کان بدء الوحي، رقم ١،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب قول
النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال
بالنية) رقم ١٩٠٧.
www. modoee.com
٢٨٣
حرف التاء
وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة،
ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر
بين عينيه، وشتّت عليه أمره، ولا يأتيه منها
إلا ما كتب له)(١).
فالحق يقول: إن لنيل ثواب الدنيا سننًا
ولنيل ثواب الآخرة سنتًا، فمن سار على
سنن واحدة منهما وصل إليها، فإذا كان
المشركون قد استظهروا على المسلمين
-يعني: في غزوة أحد- في هذه المرة فلأنهم
طلبوا بعملهم الدنيا وأخذوا له أهبته من
حيث قد قصّر المسلمون في اتباع السنن في
ذلك بمخالفة الرسول.
كما أنه يقول لأولئك الذين ضعفوا
وفشلوا وانقلبوا على أعقابهم: ما الذي
تریدونه بعملکم هذا؟ إن كنتم تريدون ثواب
الدنیا فالله لا یمنعکم ذلك، وما علیکم إلا
أن تسلكوا طريقه، ولكن ليس هذا هو الذي
يدعو کم إلیه محمد صلی الله عليه وسلم،
وإنما يدعوكم إلى خير ترون حظًّا منه في
الدنيا، والمعوّل فيه على ما في الآخرة.
فالمسألة معكم بين أمرين: إرادة الدنيا
وإرادة الآخرة، كل يريد أمرًا، ولكل أمر سنن
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب القيامة، باب
رقم ١٤، ٧/ ١٦٥. وفيه يزيد الرقاشي وهو
ضعيف، وله شاهد عند ابن ماجه من حديث
زيد بن ثابت في الزهد، باب الهم في الدنيا،
رقم ٤١٠٥، ٢/ ١٣٧٥. قال البوصيري في
الزوائد: ((إسناده صحيح ورجاله ثقات)).
تتبع، ولكل دار طريق تسلك(٢).
وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنَ
النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَاَ ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا وَمَا
لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقِ { وَمِنْهُم مَّن
يَقُولُ رَبَّنَآ ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي
اُلْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
أَوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِعُ
اْصَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٠-٢٠٢].
وفيها بيان أن من يطلب الدنيا وحدها
ولا يعمل للآخرة عملها فليس له في الآخرة
من نصيب، وأن من هدي الإسلام أن يطلب
المرء خير الدنيا وخير الآخرة ويقول:
﴿رَبَّنَاْ ءَائِنَا فِىِ الدُّنْيَا حَسَنَةُ وَفِ الْآَخِرَةِ
فالإنسان يطلب ويريد بحسب
حَسَنَةً ﴾
سعة معرفته، وعلو همته، ودرجة إيمانه،
وله ما یرید کله أو بعضه، بحسب سنن الله
وتدبيره لنظام هذه الحياة (٣).
وعلى الإنسان أن يعلم أن له طورين:
طور عاجل قصير، وهو طور الحياة الدنيا،
وطور آجل أبدي، وهو طور الحياة الآخرة،
وسعادته في كل من الطورين مرتبطة
بإرادته وما توجهه إليه من العمل، فالناس
إنما يتفاضلون بالإرادات والمقاصد:
فقوم يحاربون حبًّا فى الربح والكسب، أو
ضراوة بالفتك والقتل، فإذا غلبوا أفسدوا
(٢) المنار، محمد رشيد رضا، ١٣٨/٤ .
(٣) المصدر السابق ٤ /١٣٨.
٢٨٤
القرآن الكريم
الثواب
فى الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، وقوم وحب المصلحة العامة (١).
يحاربون دفاعًا عن الحق وإقامة لقوانين
العدل، فإذا غلبوا عمروا الأرض وأمروا
بالمعروف ونهوا عن المنكر، فهل يستوى
الفريقان، وهما في المقصد مفترقان؟
كذلك يطلب الرجل الربح والكسب
أحيانًا بكل وسيلة مستطاعة طلبًا للذاته،
والحصول على شهواته، فيغلو في الطمع،
ويمعن في الحيل، ولا يبالي أمن الحرام
أكل أم من الحلال؟ يأكل الربا أضعافًا
مضاعفةً، فيجمع القناطير المقنطرة، وهو
مع ذلك يمنع الماعون، ﴿وَلَا يَخُضُّ عَلَى
طَعَامِ اَلْمِسْكِينِ﴾ [الماعو
ولو سئل البذل في المصالح العامة كان
أشد الناس بخلًا وأقبضهم كفّا، بينا يطلب
آخر الكسب طلبًا للتجمل وحبًّا للكرامة
في قومه وعشيرته، فيقتصد فى الطلب،
ويتحرى الربح الحلال، ويلتزم الصدق
والأمانة، ويبتعد عن الفسوق والخيانة، وهو
مع هذا ينفق مما أفاء الله به عليه، فيواسي
البائسين، ويساعد المعوزين، وتكون له
اليد الطّولى في الأعمال النافعة لأمته،
فيشيد لها المدارس والمعابد، والملاجيء
والمستشفيات، فهل ينظر الناس إلى هذين
نظرة متساوية، وهل هما فى القرب عند
الله بمنزلة واحدة، أو يفضل أحدهما الآخر
بحسن القصد والإرادة والميل إلى الخير
وقصارى القول إن أقدار الرجال تتفاوت
وتختلف باختلاف إرادتهم، فبينما تتسع
دائرة وجود الشخص بحسب كبر إرادته
وسعة مقصده، فتحيط بالكرة الأرضية، بل
فوق ذلك بما يكون له من الكرامة في العالم
العلوي - إذا بآخر تضيق دائرة وجوده إذا
هو أخلد إلى الشهوات، وركن إلى اللذات،
فيكون حظه من عمله كحظ الحشرات،
یأکل ویشرب ویبغي على الضعيف ويخاف
من القوي. والله قد جعل عطاءه للناس
معلقًا على إرادتهم، ولا يقدر مثل هذا إلا
(٢)
القليل منهم
فشتان بين حياة وحياة! وشتان بين
اهتمام واهتمام ! - مع اتحاد النتيجة بالقياس
إلى العمر والأجل- والذي يعيش لهذه
الأرض وحدها، ویرید ثواب الدنیا وحدها،
إنما يحيا حياة الديدان والدواب والأنعام!
ثم يموت في موعده المضروب بأجله
المكتوب. والذي يتطلع إلى الأفق الآخر،
إنما يحيا حياة الإنسان الذي كرّمه الله
واستخلفه وأفردہ بهذا المكان، ثم يموت
في موعده المضروب بأجله المكتوب، کما
قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِإذْنِ
اُللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥].
(١) تفسير المراغي ٤ / ٩١.
(٢) المصدر السابق ٩٢/٤.
www. modoee.com
٢٨٥
حرف التاء
﴿وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ﴾ الذين يدركون منّا عليه وتكريمًا له، ﴿وَمَن كَانَ﴾ منهم
نعمة التکریم الإلهي للإنسان، فیرتفعون عن ﴿يُريدُحَرْتَ الُّنيا﴾ ونوی نماء بذوره فيها
﴿تُؤَيِّهِ، مِنْهَا﴾ كمال مبتغاه ومتمناه فيها؛
مدارج الحيوان ويشكرون الله على تلك
النعمة، فينهضون بتبعات الإيمان.
إذ لكل امرئ ما نوى ولكن ﴿وَمَالَهُ فِی
اُلْآَخِرَةِ﴾ من اللذات الجسمانية والروحانية
الباقية ﴿من نصيب ﴾ لاختياره لذات الدنيا
وشهواتها الفانية على ما في الآخرة من
اللذات الروحانية الباقية؛ لذلك ليس له في
الآخرة نصيب من خيراتها الباقية، ونعيمها
الدائم.
وهكذا يقرر القرآن حقيقة الموت
والحياة، وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها
الأحياء، وفق ما يريدونه لأنفسهم، من
اهتمام قريب كاهتمام الدود، أو اهتمام
بعيد كاهتمام الإنسان! وبذلك ينقل النفس
من الانشغال بالخوف من الموت والجزع
من التكاليف -وهي لا تملك شيئًا في شأن
الموت والحياة- إلى الانشغال بما هو أنفع
للنفس، في الحقل الذي تملكه، وتملك فيه
الاختيار. فتختار الدنيا أو تختار الآخرة.
وتنال من جزاء الله ما تختار (١) !.
ولقد جاء هذا المعنى نفسه فى آية أخرى
في سورة الشورى فقال سبحانه أيضًا: ﴿مَن
كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ فَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِهِ، وَمَنْ
كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ
اُلْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٤٢ -٢٠].
فمن يزرع في النشأة الأولى بذور
الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة
ليحصد ما يترتب عليها من المثوبات
والكرامات في النشأة الأخرى ﴿نزِدُّ لَهُ فِی
حَرْثِ﴾ ونضاعف ثوابها لأجله ونعطه من
اللذات الروحانية ما لا مزيد عليه تفضلاً
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ٤٨٧.
جَوَسُوع
القرآن الكريم
ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه
المقسوم يصل إليه للاستهانة بذلك إلى
جنب ما هو بصدده من زکاء عمله وفوزه في
المآب(٢).
خلاصة القول: أنّ من أراد العمل لله
بما يرضيه، أعانه الله على عبادته، ومن أراد
الدّنيا مؤثرًا لها على الآخرة لأنه غير مؤمن
بالآخرة، يؤته منها، وهو الذي قسم له،
﴿ومَا لَهُ, فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ لأنه کافر بها
لم يعمل لها(٣).
فعن أبي بن کعب رضي الله عنه قال قال:
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشّر هذه
الأمة بالسنا والرفعة والتمكين في الأرض،
فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن
له في الآخرة نصیب)(٤).
(٢) مدارك التنزيل، النسفي ٢٥١/٣.
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٤/ ٦٣.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ١٤٥/٣٥،
٢٨٦
الثواب
إذًا من يعمل العمل يبتغي به وجه الحق في الدنيا لا يعدّ حسنًا بجوار ما أعده الله
سبحانه وتعالى، يثيبه الله تعالى على عمله تعالى للمحسنين من عباده، وما في الدنيا
من ثمرات الأعمال لا يعد شيئًا (٢).
حسن الثواب والأجر؛ لأنه الكريم المتفضل
فالحق جل جلاله يرزق العبد على قدر
نیته، ویمده على قدر همته، فمن كانت همته
في الحظوظ العاجلة والشهوات الفانية،
أمده الله فيها، ومتّعه بها ما شاء، على
حسب القسمة، ثم أعقبه الندم والحسرة،
ومن كانت همته الآخرة، أمدّه سبحانه في
الأعمال التي توصله إلى نعيمها، كصلاة
وصيام وصدقة وتدريس علم، وأذاقه من
حلاوتها ما يهون عليه مرارتها، ثم أعقبه
النعيم الدائم من القصور والحور، وأنواع
الطيبات، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
على العباده، المجازاي بما يليق بعظمته
وكرمه وإحسانه؛ لذا فإن الحق سبحانه
يبشّر المؤمنين الذين هجروا أوطانهم
فارين بدينهم، وألجأهم المشركون إلى
الخروج من الديار، وتحملوا الأذى من
أجل دين الله، وقاتلوا أعداء الله، وقتلوا في
سبيله، أنه سیمحو ذنوبهم بمغفرته ورحمته
وسيدخلهم جنات النعيم جزاءً من عند الله
على أعمالهم الصالحة فالله ﴿عِندَهُحُسْنُ
الثَّوَابِ﴾ والجزاء، وهي الجنة التي فيها ما
لا عینٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر
على قلب بشر ﴿وَاَللَّهُ عِندَهُحُسْنُ الثَّوَابِ}
[آل عمران: ١٩٥](١).
فقد ختم سبحانه وتعالى النص الکریم
بقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللّهُ عِنْدَهُ.
حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ لبيان اختصاصه سبحانه
بالثواب الحسن، كأن كل جزاء للأعمال
رقم ٢١٢٣٠، والحاكم في المستدرك،
٣١١/٤ . وصححه الحاكم على شرط
الشيخين، ولم يتعقبه الذهبي. وصححه
الألباني في صحيح الجامع ٥٤٥/١، رقم
٢٨٢٥.
(١) وتمام الآية: ﴿قَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأَخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ
وَأُوْذُواْ فِي سَبِيلٍ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ
وَلَّأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ ◌َّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ تَوَابًا مِنْ عِندِ
اٌللَّهُ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسّنُ الثَّوَابِ ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
ومن كانت همته الله -أي: الوصول
إلى حضرته دون شيء سواه- أمدّه الله
في الأعمال التي توصله إليه، وهي أعمال
القلوب من التخلية والتحلية، كالتخلية
من الرذائل، والتحلية بالفضائل، وكقطع
المقامات بأنواع المجاهدات .... (٣).
ومن خلال ما سبق نستطيع أن نعلم أن
على الإنسان أن يكون مخلصًا في عمله لله
تعالى، ویکون قصده إرضاء الله عز وجل
دون غيره، وأن من يطلب الدنيا وحدها ولا
يعمل للآخرة عملها فليس له في الآخرة من
(٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/ ١٥٥٧.
(٣) البحر المديد، ابن عجيبة ٣٥٨/٣.
www. modoee.com
٢٨٧
حرف التاء
نصيب ولاحظ. كما يتبين أن ثواب الآخرة
کله في غاية الحسن.
كما أنّ الذي يعيش لهذه الأرض
وحدها، ويريد ثواب الدنيا وحدها، إنما
يحيا حياة الديدان والدواب والأنعام! وهي
حالة من لا يؤمن بالآخرة ولايؤمن بالجناة
والنار والحساب، وكذلك حياة المسلمين
الذي استغرقتهم ملاذ الدنيا ومنافعها الزائلة
حياتهم، وغفلوا عن الآخرة وما أعده
الله من الثواب والجزاء الكبير فيها لعباده
المؤمنین، فلا ينبغي أن یلهیهم طلب خير
الدنيا عن طلب الآخرة؛ إذ الجمع بينهما
أفضل، وكلاهما من عند الله.
أنواع الثواب
قلنا عند الحديث عن المفهوم اللغوي
للثّواب والمثوبة أنهما يدلان على مطلق
الجزاء في الخير والشّ، وليس جزاء الطّاعة
والخير فقط، فالثّواب يكون في الخير
والشّرّ، إلّا أنّه يستعمل في الخير أكثر من
استعماله في الشر، والثواب دالًّا على الخير
والشر قد ورد في القرآن الكريم، وهذا ما
سنتاوله من خلال السطور القادمة:
أولًا: ثواب الخير:
ومنه قوله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَاً وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرُّ عِندَ
رَبِّكَ ثَّوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٦]
تشير الآية السابقة إلى أبرز لونين
وأزهاهما فى هذه الحياة الدنيا، التي يفتن
الناس بها، وينشغلون بها عن الله، وعن
الحياة الآخرة، وهما المال والبنون، وقدّم
الحق سبحانه المال على البنين، لأنه
المطلب الأول للإنسان، فكل إنسان طالب
للمال، وليس كل إنسان طالبًا للولد، فكثير
من الناس لا يطلبون الأولاد، بل يعيشون
بغير سكن إلى زوجة، ولكنهم جميعًا لا
يستغنون عن طلب المال، ومع هذا فإنه إذا
حصل الإنسان على الولد، تعلق قلبه به،
وكان الولد عنده مقدّمًا على المال! فالمال
والبنون، هما أشدّ مظاهر الحياة فتنة للناس،
٢٨٨
وضوي
جَوَسُوع
القرآن الكريم
الثواب
وأكثرها داعية لهم، وأقواها سلطانًا عليهم، الأمل، فإن ما ينال بهما من الآمال الدنيوية،
أمرها إلى الزوال، وما ينال بالباقيات
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاَللّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ .. ﴾
[التغابن: ١٥](١).
الصالحات من منازل القرب الربانيّ والنعيم
الأبديّ، لا يزول ولا يحول(٣).
وفي التعبير بقوله سبحانه زينة، بيان
بديع، وتعبير دقيق لحقيقتهما، فهما زينة
ولیسا قیمة، فلا يصح أن توزن بهما أقدار
الناس، وإنما توزن أقدار الناس بالإيمان
والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
يفتخرون بالأموال والأولاد، فأخبر الله
تعالی أن ذلك مما یتزیّن به في الدنيا، لا مما
ينفع في الآخرة، وإنما كان المال والبنون
زينة الحياة الدنيا لأن في المال جمالًا ونفعًا،
وفي البنين قوة ودفعًا(٢).
ثم بيّن الحق الأعمال التي تحقق ثواب
الخير في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَالْبَقِيَتُ
الصَِّحَتُ خَيْرٌ عِندَ رَيْكَ ثَّوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا
فالأعمال التي تبقى ثمراتها الأخروية،
من الاعتقادات والأخلاق والعبادات
الكاملات، خير عند ربك من المال والبنين،
في الجزاء والفائدة وخير مما يتعلق بهما من
(١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٨/ ٦٢٧.
(٢) انظر: زاد المسير ٨٧/٣، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٤١٣/١٠، الوسيط،
طنطاوي ٨/ ٥٢٧.
فالباقيات وصف لموصوف محذوف،
أي: والأعمال التي تبقى، ولا تفنی سريعًا،
وهي صالحة في ذاتها عامرة لما بين العبد
وربه أولًا، وبينه وبين الناس ويباركها الرب
ثانيًا، سواء أكانت من شأنها أن تكون ذات
أثر باق في الدنيا، من عمل طيب يبقى أثره
وهذا ردٌّ على المشركين الذين كانوا بعد الموت، أم كان يرجى خيره في الآخرة،
وفي الجملة الأعمال التي تكون كثيرة النفع
في ذاتها ويبقى أثرها بعدها، كما قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم
انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو
علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)(٤)، هذا
في الدنيا، أما في الآخرة فكل ما يحرثه العبد
للآخرة یکون باقيًا، يقول عليّ رضي اللهعنه:
«الحرث حرثان حرث الدنیا المال والبنون،
وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد
یجمعهن الله تعالی لأقوام)).
وقد حكم سبحانه بأن: ﴿وَالْبَقِيْتُ
الصَِّحَتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾، أي:
خیر فائدة وعائدة وعاقبة، وتفتح باب الأمل
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٣٩/٧.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية،
باب ما يلحق الإنسان من الثّواب بعد وفاته،
رقم ١٦٣١.
www. modoee.com
٢٨٩
حرف التاء
لخیر عمیم، ونعيم مقيم، و جنة خالدین فیها.
وكرر كلمة ﴿خيرٌ﴾، لاختلاف نوعهما،
فالأول عاجل في الدنيا، والثاني أمل ورجاء
في الآخرة (١).
والظاهر أن ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾ کل
عمل خير، فلا وجه لقصرها على الصلاة
كما قال بعض العلماء، ولا لقصرها على
نوع من أنواع الذکر کما قاله بعض آخر،
ولا على ما كان يفعله فقراء المهاجرين
باعتبار السبب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب، وبهذا فإن تفسير
الباقيات الصالحات في الأحاديث لا ينافي
إطلاق هذا اللفظ على ما هو عمل صالح من
غيرها(٢).
ومثلها قول الحق تبارك وتعالى:
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ هُدَى وَالْبَقِيتُ
الصَِّحَتُ خَيْرٌّ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾
[مريم: ٧٦].
فالطاعات التي بها تنشرح الصدور،
وتستنير القلوب، وتصل إلى القرب من الله،
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٩/ ٤٥٣٩.
(٢) قال الإمام ابن جرير رحمه الله: ((وأولى
الأقوال بالصواب قول من قال: هن جميع
أعمال الخير، لأن ذلك كله من الصالحات
التي تبقى لصاحبها في الآخرة، وعليها
يجازى ويثاب. وإن الله عز وجل لم يخصص
من قوله: ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيْرٌ﴾ بعضًا
دون بعض في كتاب، ولا بخبر عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم)). جامع البيان
٠١٦٧/١٥
ونيل رضوان خير عند ربك منفعة وعاقبة
مما متّع به أولئك الكفرة من النعم الفانية
التي يفخرون بها من مال وولد وجاه ومنافع
تحصل منها، فإن عاقبة الأولين السعادة
الأبدية، وعاقبة أولئك الحسرة الدائمة
والعذاب المقيم.
وخلاصة هذا أن الطاعات التي يبقى
ثوابها لأهلها خير عند ربهم جزاء، وخير
عاقبة من مقامات هؤلاء المشركين بالله
وأندیتهم التي بها یفخرون على أهل الإيمان
فى الدنيا(٣).
فإن قلت: كيف قيل: خير ثوابًا كأنّ
لمفاخراتهم ثوابًا، حتى يجعل ثواب
الصالحات خيرًا منه؟ قلت: كأنه قيل:
ثوابهم النار، ثم بنی علیه خير ثوابًا. وفيه
ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد
من أن يقال له: عقابك النار (٤).
فلا يجوز أن يقال: هذا خير إلا والمراد
أنه خير من غيره، فالمراد إذا: أنه خير مما
ظنه الكفار بقولهم: ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾
[مريم: ٧٣] (٥).
وهكذا فإنّ الأعمال الصالحة التي
يفعلها الإنسان من العبادات والمعاملات
والأخلاق هي التي يكون عليها خير المثوبة
(٣) تفسير المراغي ٧٩/١٦.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٣٨/٣.
(٥) اللباب في علوم الكتاب، لابن عادل
٠١٣١/١٣
٢٩٠
القرآن الكريم
الثواب
والجزاء من الله تعالى، وليس التفاخر الأودية والشعاب، فالإصعاد: الذهاب في
بالمال والبنين وغيرهما من الزينة التي قد صعيد الأرض، أو الإبعاد فيه، والصعيد:
تتحول إلى نقمة إذا كانت مبعثًا للتفاخر ما على وجه الأرض من تراب وحجر
ونحوهما، وقيل: هو من الصعود، وأنهم
والكبر والبطر، وأمثال ذلك مما لايرضي
الله تبارك وتعالى، فمآل المال والجاه
والثروة والسيادة إلى الحسرة والخسران
وأنواع الخيبة والخذلان، ومآل العبادة إلى
الجنة والغفران والرحمة والرضوان.
صعدوا هاربين في أحد ﴿وَلَا تَلْوُّونَ﴾
ولا تلتفتون والرّسول يناديكم وأنتم
منهزمون: (إليّ عباد الله، إليّ عباد الله)،
والمراد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم
كان يدعو المنهزمين إلى الثبات، وإلى ترك
ثانيًا: ثواب الشر:
الفرار من الأعداء، وإلى معاودة الهجوم
علیھم، وهو ثابت لم يتزعزع ومعه نفر من
أصحابه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ
تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْؤُونَ عَ أَحَدٍ
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَئِكُمْ
فَأَثَبَكُمْ عَمَّا بِغَمٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ
عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاَلَهُ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
لما شد المشركون على المسلمين بأحد
فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق
بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا
عليها، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم
يدعو الناس: (إليّ عباد الله، إليّ عباد الله).
فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فقال:
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ .. ﴾(١).
وكأنه يقول للمسلمين: تستبقون إلى
الهرب في مستوى الأرض، وفي بطون
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢٣/٤، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٣٧.
﴿فَأَتَبَكُمْ﴾ أي: جزاكم الحق
سبحانه وتعالى غمًّا، أي: هزيمة، بعمِّ
أي: مقابل غمكم للرسول -صلوات الله
تعالى وسلامه عليه-، ومخالفتكم أمره.
أو المعنی: غمکم بالهزيمة في أحد، مقابل
غم الكافرين وهزيمتهم ببدر، وهو كقوله
تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ تُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
[آل عمران: ١٤٠].
وأصل الإثابة إعطاء الثواب، وهو شيء
يكون جزاء على عطاء أو فعل، ولفظ الثواب
لا يستعمل في الأعم الأغلب إلا في الخير،
والمراد به هنا: العقوبة التي نزلت بهم.
وسميت العقوبة التي نزلت بهم ثوابًا على
سبيل الاستعارة التهكمية كما في قوله:
﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: ٢١].
www. modoee.com
٢٩١
حرف التاء
فالبشری لا تكون إلا علی الخیر.
ويجوز أن يكون اللفظ مستعملًا في
حقيقته؛ لأن لفظ الثواب في أصل اللغة
معناه ما يعود على الفاعل من جزاء فعله،
سواء أكان خيرًا أو شرًّا(١)؛ لأن الثواب يدل
على مطلق الجزاء كما سبق القول.
أخاف زيادًا أن يكون عطاؤه
أداهم سودا أو محدرجةً سمرا
فجعل العطاء مكان العقاب؛ لأن الآداهم
السود هي القيود الثقال، والمحدرجة هي
السياط))(٢).
وعلى كلِّ فالمقصود تذكير للمسلمين
بما كان منهم فى هذه المعركة -معركة
أحد- وغمزة عتاب لهم على أن فرّوا
صاعدين الجبل، لا يلوون على أحد، أي:
غير ملتفتين إلى من وراءهم، وإن وراءهم
إخوانًا لهم صمدوا للمشركين، واستقبلوا
الموت راضين، بل وراءهم، نبيّهم يواجه
العدوّ وحده في بضعة رجال من أصحابه
فكيف يفرّون؟ ثم إذا كانت منهم فرّة أفلا
كانت منهم لفتة إلى النبي وقد أحاط العدوّ
به؟ ثم ألا كانت منهم كرّة إلى العدوّ،
يدفعون يده الضاغطة على رسول الله ومن
معه؟ وهل شىء أحبّ إلى المسلم وأعزّ
عنده من النبي، ولو كانت نفسه التي بين
جنبیه؟!(٣).
قلت: ولا يفهم من ذلك أنّ هناك خيانة
وقعت من الصحابة لرسول الله صلى الله
يقول الإمام الخازن: ((فمتى حملنا
الثواب على أصل اللغة كان الكلام صحيحًا، عليه وسلم، فهذا توهم غير صحيح، وإنما
هو اجتهاد من الصحابة لم يصبهم التوفيق
ومتى حملناه على الأغلب كان على سبيل
المجاز، فهو كقول الشاعر:
فيه، كانت نتيجته عدم تحقيق النصر على
المشركين، وهو أمر كان ممكن تحقيقه لولا
مخالفة الرماة أمر النبي، وتركهم لأماكنهم
في المعركة بحثًا عن الغنائم.
إِذًا فكانت نتيجة مخالفتهم لأمر الرسول
وعدم الاستجابة لأمره ثواب الشر الذي
جنته أیدیهم و عملته جوارحهم، فثواب الشر
يكون جزاء كل عمل لا يرضي الله ورسوله،
ويخالف منهجه صلى الله عليه وسلم.
(١) الوسيط، طنطاوي ٣٠٠/٢.
(٢) لباب التأويل، الخازن ٣٠٨/١.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٦١٥/٢.
٢٩٢
فَضْو
جَوَسُور
القرآن الكَرِيْمِ
الثواب
المستحقون للثواب
تحدث القرآن عن المستحقين للثواب
في الدنيا والآخرة، وسوف نبين ذلك فيما
يأتي:
أولًا: المستحقون لثواب الدنيا:
أولًا: ثواب الخیر:
المؤمنون الصادقون الموفون بعهدهم.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَّحْتَ الشَّجَرَوْ فَعَلِمَ مَا
فِي قُلُوبِهِمْ فَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَنَبَهُمْ فَتْحًا
قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
يعني: لقد رضي الله يا محمد عن
المؤمنين ﴿إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوْ﴾
يعني: بيعة أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ورسول الله بالحديبية حين
بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى أن
لا يفرّوا، ولا يولوهم الدّبر تحت الشجرة،
وكانت بيعتهم إياه هنالك فيما ذكر تحت
شجرة.
وكان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول
الله صلی الله علیه وسلم کان أرسل عثمان
بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملأ
من قريش، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء،
فظنّ أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد
البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه
على ذلك، وهذه البيعة التي تسمى بيعة
الرضوان (١).
ثم يقول تعالى ذكره: فعلم ربك یا محمد
ما في قلوب المؤمنين من أصحابك إذ
يبايعونك تحت الشجرة، من صدق النية،
والوفاء بما يبايعونك عليه، والصبر معك
فأنزل الطمأنينة، والثبات على ما هم عليه
من دينهم وحسن بصيرتهم بالحقّ الذي
هداهم الله له، حتى بايعوا على أن يقاتلوا
ولا يفرّوا.
وَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ أي: وعوّضهم
ومنحهم -على الرّضى بقضائه- في العاجل
مما رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة
بقتالهم أهلها فتحًا قريبًا، وذلك فيما قيل:
فتح خيبر(٢).
فالحق أعطاهم ومنحهم فتحًا قريبًا، وهو
فتح خيبر، الذي كان بعد صلح الحديبية
بأقل من شهرین، وقيل: المراد به: فتح مكة،
والأول أرجح؛ لأن فتح خيبر لم يكن فتح
أقرب منه، ولأن المسلمين قد أصابوا من
فتح خيبر غنائم كثيرة(٣).
وتوسع الإمام ابن كثير في المراد
بـ﴿وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ حيث قال رحمه
الله: ((إن المراد: ما أجرى الله على أيديهم
من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل
(١) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٢٢٤.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢٢٨/٢٢.
(٣) الوسيط، طنطاوي ٢٧٦/١٣.
www. modoee.com
٢٩٣
حرف التاء
وهكذا كان ثواب المؤمنين المخلصين
بذلك من الخير العام المستمر المتصل
بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد الصادقين الموفين بعهودهم تجاه الله
والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز
والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة)) (١).
قال الآلوسى رحمه الله: ((والتعبير
بالمضارع لاستحضار صورة هذه
المبايعة))(٢). وقوله سبحانه: ﴿َحْتَ
الشَّجَرَوْ﴾ متعلق ﴿يَابِعُونَكَ﴾ ... وفي
التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك
المبايعة في النفوس. ولذا استوجبت رضا
الله تعالى الذي لا يعادله شيء، ويستتبع
مالا یکاد یخطر على البال.
ويكفي فيما ترتب على ذلك ما رواه
الإمام مسلم عن أم بشر، عنه، عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل
النار أحد ممن بايع تحت الشجرة)(٣).
وصح برواية الشيخين وغيرهما في
أولئك المؤمنین من حديث جابر، أنه صلى
الله عليه وسلم قال لهم: (أنتم خير أهل
الأرض .. ) (٤).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٣٤٠.
(٢) روح المعاني، الألوسي ١٠٨/٢٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل
الصّحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من
فضائل أصحاب الشّجرة أهل بيعة الرضوان
رضي الله عنهم رقم، ٢٤٩٦.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة
القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة
رقم، ١٨٥٦.
ورسوله، أنّ أعطاهم الله النصر على الأعداء
والطمأنية والسكينة، إضافة إلى -رضى الله
عنهم-، ورضا الله سبب كل الخير، وإثابة
ونجاح وفلاح.
* المجاهدون الصامدون الخاضعون لله.
قال تعالى: ﴿فَقَائِنْهُمُ اللَّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ
ثَوَابٍ اُلْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّالُْحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:
١٤٨]
يحكي لنا القرآن أنّ كثيرًا من الأنبياء
كانوا يقاتون من أجل إعلاء كلمة الله، وأنّ
هؤلاء الأنبياء قاتل معهم علماء ربانيون لم
يضعفوا لما أصابهم من القتل والجراح في
سبيل الله، ولم يذلوا ويخضعوا لعدوهم
أثناء القتال، إلا أنهم طلبوا المغفرة من الله
لخطايهم، وتثبيتهم في مواطن الحرب،
ونصرهم على أعدائهم ﴿فَانَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ
الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابٍ اَلْآَخِرَةِ﴾(٥).
فكانت الثمار التي ترتبت على هذا
الدعاء الخاشع والإيمان الصادق والعمل
(٥) وتمام الآيات قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّن نَّبِيٍ قَدَتَلَ
مَعَهُدرِبِيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَّا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
وَمَا ضَعَفُواْ وَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ ()
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَّا ذُنُوبَنَا
وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اَللَّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْرَ
فَاتَهُمُ أَنَّـ
الْكَفِرِينَ ١٧)
ثَوَبِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:
١٤٦-١٤٨].
٢٩٤
بوبو
القرآن الكريم
الثواب
فَانَهُمْ
الخالص لوجهه سبحانه فقال:
اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُ
اَلْمُحْسِنِينَ﴾. والفاء في قوله: ﴿فَانَهُمُ﴾
لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
فهؤلاء الذين آمنوا بالله حق الإيمان
وجاهدوا في سبيله حق الجهاد لم يخيّب
الله تعالی سعیھم، ولم یقفل بابه عن إجابة
دعائهم، وإنما أعطاهم الله تعالى ثواب
الدنيا من النصر والغنيمة وقهر الأعداء،
وصلاح الحال.
كما أعطاهم حسن ثواب الآخرة بأن
منحهم رضوانه ورحمته ومثوبته وجنته،
وإنما خص ثواب الآخرة بالحسن للتنبيه
على عظمته وفضله ومزيته، وأنه هو المعتدّ
به عنده تعالی لأنه غیر زائل، وغير مشوب
بتنغیص أو قلق.
وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين ما
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّالُْحْسِنِينَ﴾ تذييل مقرر يفعلون ويقولون عند لقاء العدوّ من الالتجاء
والخضوع والتذلل لله(٥).
لمضمون ما قبله، فإن محبة الله تعالى للعبد
مبدأ كل خير وسعادة (١).
فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم،
من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم،
وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة بالله
في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم
على ما أبلوا في سبيل الله ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾
يعني: جزاء في الدنيا، وذلك: النصر على
عدوهم وعدو الله، والظفر، والفتح عليهم،
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٨٩/٢.
والتمكين لهم في البلاد.
﴿وَحُسْنَ ثَوَابٍ آلآخِرَةِ﴾ يعني: وخير جزاء
الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم
الصالحة، وذلك: الجنة ونعيمها (٢).
فخص تعالى ثواب الآخرة بالحسن
تنبيهًا على جلالة ثوابهم؛ وذلك لأن ثواب
الآخرة كله في غاية الحسن، فما خصه
الله بأنه حسن من هذا الجنس فانظر كيف
یکون حسنه! ولم يصف ثواب الدنيا بذلك
لقلتها، وامتزاجها بالمضار، وكونها منقطعة
زائلة(٣).
وبمفهوم آخر: خص ثواب الآخرة
بالحسن دلالة على فضله وتقدّمه، وأنه هو
المعتدّ به عنده ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ
يُرِيدُ الْأَخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧](٤).
وبالجملة فإن الحق سبحانه تعالى يبين
لنا أنّه كلما كان العبد قريبًا من ربه متمسكًا
بمنهجه، سائرًا على منهج نبيه صلى الله
عليه وسلم كان له الثواب والمكأفاة من
الله في العاجل والآجل، في الحياة وبعد
الممات.
(٢) جامع البيان ٧/ ٢٧٥.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٢/٩.
(٤) الكشاف، الزمخشري ١/ ٤٢٥.
(٥) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٣٢/١.
www. modoee.com
٢٩٥
حرف الثاء
ثانيًا: ثواب الشر:
اليهود.
قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَّرٍ مِّن ذَلِكَ
مَتُوبَّةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ
مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَزِيَرَ وَعَبَدَ اُلَّغُوتَّ أُوْلَكَ
شَرَّ مَكَانًا وَأَضَلُ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:
٦٠].
يقول الإمام القرطبي في سبب نزول
الآية: «قال ابن عباس رضي الله عنه: جاء
نفر من اليهود -فيهم أبو ياسر بن أخطب
ورافع بن أبي رافع- إلى النبي صلى الله
علیه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل
عليهم السلام، فقال: نؤمن ﴿يَاَللَّهِ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ﴾ [البقرة:
١٣٦].
إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُمُسْلِمُونَ﴾، فلما ذكر
عيسى عليه السلام جحدوا نبوته وقالوا:
والله ما نعلم أهل دين أقل حظًّا في الدنيا
والآخرة منكم، ولا دينًا شرًّا من دينكم،
فنزلت هذه الآية وما بعدها))(١).
والمشار إليه بقوله: ﴿ ذلك﴾ يعود إلى ما
نقمه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله
وبالكتب السماوية. وقيل: يعود إلى الكثرة
الفاسقة من أهل الكتاب المعبّر عنها بقوله:
﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ﴾. وتوحيد اسم
الإشارة لكونه یشار به إلى الواحد وغيره، أو
(١) الجامع لأحكام القرآن ٢٣٣/٦.
لتأويله بالمذكور ونحوه. والخطاب لأهل
الكتاب المتقدم ذكرهم. وقيل: للكفار
مطلقًا. وقيل: للمؤمنين.
والمثوبة: مصدر ميمى بمعنى الثواب
الثابت على العمل، وأكثر استعمالها في
الخير. وقد استعملت هنا بمعنى: العقوبة
على طريقة التهكم بهم، كما في قوله تعالى:
﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ وهي منصوبة
على أنها تمييز لقوله: ﴿بِشَرِ﴾. وقوله: ﴿مَن
لَّعَنَهُ اللَّهُ ﴾ [المائدة: ٦٠].
خبر لمبتدأ محذوف أي: هو من لعنه
الله، والمراد اليهود؛ لأن الصفات التي
ذكرت في الآية لا تنطبق إلا عليهم(٢).
وشر اسم تفضيل، أصله أشر، وهو
للزيادة في الصفة، حذفت همزته تخفيفًا
لكثرة الاستعمال، والزيادة تقتضي
المشاركة في أصل الوصف فتقتضي أن
المسلمين لهم حظ من الشر، وإنما جرى
هذا تهكمًا باليهود لأنهم قالوا للمسلمين: لا
دین شر من دینکم، وهو مما عبّر عنه بفعل
(تنقمون). وهذا من مقابلة الغلظة بالغلظة
كما يقال: ((قلت فأوجبت))(٣).
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود
الذین عابوا على المؤمنین إیمانهم بالله وبما
أنزله من كتب سماوية والذين قالوا لكم: ما
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٣/ ٥٥، الوسيط، طنطاوي ٢٠٨/٤.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٥/٦.
٢٩٦
جوسى كمـ
القرآن الكريم