Indexed OCR Text

Pages 21-40

التوكل
عليها فقد وقعنا في وادي الشرك، وإن لم سلك النبي صلى الله عليه وسلم مسلك
الثقة واتخاذ الأسباب في شؤون الجهاد
والهجرة.
تأخذ بها وقعنا في وادي المعصية والتواكل،
لكن الموقف الأعقل والأكمل أن نأخذ
بالأسباب؛ لأنها طريق الأهداف، ثم نتوكل
على الله؛ لأن الله جل جلاله لا يمكن أن
يعطي لهذه الأسباب فاعليةً إلا بمشيئته
وقدرته.
ثانيًا: الجهاد في سبيل الله:
التوکل في ميدان الجهاد في سبيل الله من
أهم الأمور التي تعود على المؤمنين بالنصر
والتوفيق، وقدوتنا في ذلك نبينا محمد صلى
الله عليه وسلم صاحب السيرة الزاخرة
بالتوكل على الله تعالى، وجهاده منذ نزول
الوحي عليه وبدئه الدعوة السرية، ثم انتقاله
الدعوة الجهرية، فالهجرة والحروب كلها
تجسيد لهذا الأدب العظيم الذي لا بد أن
نحتذيه في جهادنا ضد أعداء الإسلام.
قال تعالى: ﴿فَمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ
لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ
حَوْلِكٌ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
إِن يَنصُرّكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ
١٥٩
الْمُتَوَّكِّلِينَ {
لَكُمّ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا أَلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنْ
بَعْدِهِهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
[آل
عمران: ١٥٩ - ١٦٠].
وانطلاقًا من الأمر الإلهي بالتوكل
فقد رتب أمور الهجرة بشكل دقیق حتی
یتجنب اللحاق به من قبل المشركين، وقد
حرص على عدم إلحاق الأذى بالمسلمين
فجعلهم يهاجرون قبله، وأبقى معه أبا
بکر رضي الله عنه، وأمره بتجهيز الدواب
للسفر، ثم خرج خروج الواثق بربه المستند
إلى الحق، فمر من بين المشركين وهم
ينتظرون رؤيته ليقتلوه، فأراد الله لعبده
المتوكل النصر، فأعمى أبصارهم وحفّه
برعايته تعالى.
ثم التقى عليه السلام بخليله الصديق
رضي الله عنه، فانطلقا تحفهما رعاية
الرحمن، واتخذ صلى الله عليه وسلم
دليلًا خبيرًا ليدله على الطريق، كما استعان
بمن يمسح آثار خيله أثناء الرحلة حتى لا
يكتشف المشركون أمره.
وقد أطال الرحلة التي تحتاج ثلاثة أيام
إلى أسبوع؛ تحقيقًا للأمن، وتمويهًا للعدو،
فأدلج إلى غار ثور حتى يهدأ الطلب وتفتر
الهمم في اقتفاء أثره، فيتمكن من السير وهو
آمن، وطلب في هذه الفترة من ابن أبي بكر
موافاته بأخبار المشرکین أولًا بأول، واختار
أسماء بنت أبي بكر لتزويدهم بالغذاء؛ فقد
كانت تستعد للمخاض ولم تكن تحركاتها
www. modoee.com
٢٠٧

حرف التاء
لتثیر شكوك قریش.
ورغم بذله عليه السلام للجهد في
التخفي إلا أن قریشًا وصلت إلى الغار! لكن
لا يخشى من وثق بالله وبذل في سبيل ذلك
كل الأسباب، فلا يضيع الله عمل المتوكل
العامل، فكان مطمئنًا ومثبتًا لقلب أبي بكر
رضي الله عنه (١).
قال تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ
نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعْنَا
فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ.
بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّقْلٌَ وَكَلِمَةُ
اللَّهِ مِى الْقُلْيَأْ وَاَللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ ))
[التوبة: ٤٠].
هذا هو نبینا القدوة الذي لم یرکن إلى أنه
رسول من رب العالمین بعثه ليبلغ دینه، ولم
ينتظر النصرة وهو قاعد في بيته، فالإنسان
-وإن سمت رسالته وتعلقت بالله تعالی-
عليه أن يبذل من أجلها الأسباب؛ حتى
تتحقق الغاية منها.
وفي حروبه صلى الله عليه وسلم مع
المشرکین نماذج كثيرة من التوكل، أهمها
غزوة بدر، أولى الغزوات التي خرج فيها
(١) انظر: الهجرة النبوية، محمد السيد الوكيل
١٧٩/١.
المسلون للقاء من يفوقهم عدة وعتادًا،
خرجوا واثقين بنصر الله مصطحبين ما
استطاعوا جمعه من عتاد، وقد لا نتصور
اطمئنان هذه الفئة وهم أمام جمع غفير من
الجنود المدججين الذين أرادوا استئصال
الإسلام، لكنه التوكل على الله والثقة بنصره
التي لا يوازيها شيء.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
قال تعالى:
فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ
الْمَلَتَبِكَةِ مُرْدِفِينَ ®
إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَيْنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ
إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ )
إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ
مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَّكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُ
رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِتَ
بِهِ الْأَقْدَامَ ﴿ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلِكَةِ
أَنِى مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِِّى فِى
قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ
اُلْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ
١٢
[الأنفال: ٩- ١٢].
قال الزجاج: ((أمر بدر كان من أعظم
الآيات؛ لأن عدد المسلمين كان قليلًا جدًا،
وکانوا رجّالةً، فأيدهم الله، وكان المشركون
أضعافهم، وأمدّهم اللّه بالملائكة))(٢).
وقد اجتهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الاستعداد لغزوة الأحزاب،
(٢) معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٠٤.
٢٠٨
القرآن الكريم

التوكل
التي تكالب فيها المشركون واليهود على سمة المؤمنين؛ لأن الرزق مكفول بربوبية
المسلمين، وكانت أعدادهم ثلاثة أضعاف الله تعالى للمؤمن والكافر إن عمل الاثنان
بالأسباب.
عدد المسلمين، لكن هذا لم يفتّ في عضد
المؤمنین الصادقین، فحفر رسول الله صلى
الله عليه وسلم مع الصحابة الكرام الخندق
في جو من البرد والجوع، لا يؤازرهم سوى
انتصارهم لدین الله تعالی.
وقد مَنَّ الله عليهم بأن أرعب الأحزاب
وشردهم(١).
قال تعالى: ﴿وَرَّاللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيظِهِمْ
لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ
اَللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ، وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ
الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَيمًا (٥)
وَأَوْرَفَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ
تَطَفُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرًا ﴾
[الأحزاب: ٢٥-٢٧].
فالله تعالى هو ناصر المؤمنين
المتو کلین.
قال السعدي: ((لا يغالبه أحد إلا غلب،
ولا يستنصره أحد إلا غلب، ولا يعجزه أمر
أراده، ولا ينفع أهل القوة والعزة، قوتهم
وعزتهم، إن لم يعنهم بقوته وعزته))(٢).
ثالثًا: طلب الرزق:
التوكل على الله تعالى في طلب الرزق
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٦٧/٢١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ١/ ٦٦٠.
يقول المولى عز وجل: ﴿وَكَأَِّنْ مِّن
دَابَةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ
وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ
اللهُ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ
٦١
اُللَّهُ فَأَنَّ يُؤْفَكُونَ
مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِّرُ لَهُّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[العنكبوت: ٦٠- ٦٢].
فالله تعالى يرزق بفضله جميع عباده،
ولا أدلّ على كرمه تعالى من امتنانه بكنوز
قارون التي بسطها له بسطًا، فلله خزائن
السماوات والأرض، وهو الممتن علينا
بالطعام والشراب والذرية وكل ما نملك،
وهو المتكفل بأرزاق المستقبل.
قال تعالى: ﴿وَفِ اُلَّمَلِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ
تَنْطِقُونَ ﴾ [الذاريات: ٢٢-٢٣].
والآية الكريمة تلفت انتباه الإنسان
إلى السبب الأهم للرزق، فالسبب الظاهر
للرزق هو رعاية الأرض التي تخرج النبات
والثروات، لكن المؤمن العاقل عليه أن يرفع
بصره نحو السماء؛ فالسبب الحقيقي للرزق
هو الله تعالى، الذي يرزق عباده بفضله
لا بجهدهم، فالأصل أن يتوكل الإنسان
على الله تعالى جازمًا أنه وحده هو المانح
www. modoee.com
٢٠٩

حرف التاء
للأرزاق، وأن يعمل بأسباب تلك الأرزاق عجيبة الأسباب من حيث الأخذ والترك إلى
ثلاثة أسباب:
حتى ينال رحمة الله تعالى وفضله.
يقول سيد قطب في تعليقه على الآية:
((والقلب المؤمن يدرك هذه اللفتة على
أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض
وأسبابها، فهو مكلف بالخلافة فيها
وتعميرها، إنما المقصود هو ألا يعلق نفسه
بها، وألا يغفل عن الله في عمارتها، ليعمل
في الأرض وهو يتطلع إلى السماء، وليأخذ
بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي
ترزقه، فرزقه مقدر في السماء، وما وعده
الله لا بد أن يكون))(١).
وقد وعد الله عز وجل المتوكل عليه
بكفايته ورزقه، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجً ا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
بسعر ٠٠ور٤
وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ؟ إِنَّ اللَّهَ بَئِلِغُ
أَمْرِهِ،َّ قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا ﴾
[الطلاق: ٢- ٣].
وفي الآيات بيانٌ لضرورة تقوى الله
في أمور الطلاق أو الإمساك، وحضّ على
التوكل على الله؛ لأنه الرزاق، ولأن الله
تعالى بالغ أمره، توكل الإنسان عليه أو
لم يتوكل عليه، غير أن المتوكل يكفر عنه
سيئاته، ويعظم له أجرًا (٢)، وقد قسّم ابن
(١) في ظلال القرآن ٣٣٨١/٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٧/٢٣.
أولها سبب معلوم قطعًا قد أجراه الله،
وهو سنة من سنن الدنيا، فهذا لا يجوز تركه،
حقيقتها، ويفهمها على وضعها ويعرف كالأكل لرفع الجوع واللباس لرفع البرد،
والثاني: سبب مظنون، كالتجارة وطلب
المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدح فعله
في التوكل، فإن التوكل من أعمال القلوب
لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن
قوي عليه، لكنه أخذ بأسباب الرزق وفعله
محمود، والثالث: سبب موهوم بعید، فهذا
يقدح فعله في التو کل، ثم بیّن أن الثالث مثل
طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر،
وشبه ذلك(٣).
قال الزحيلي: ((ومن شروط التوكل
الصحيح: تنفيذ الأحكام الشرعية،
ومراعاة السنن المطلوبة في الحياة، من
اتخاذ الأسباب ثم تفويض الأمر إلى الله
تعالی»(٤).
وقد حثت السنة النبوية على التوكل في
طلب الرزق، فعن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه أن النبي صلی الله عليه وسلم قال:
(لو أنكم كنتم توكّلون على اللّه حقٌ توكّله
لرزقتم كما يرزق الطّير، تغدو خماصًا،
وتروح بطاًا)(٥).
(٣) انظر: البحر المديد ٤٢٨/١
(٤) التفسير المنير ٨/٩.
(٥) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب
٢١٠
مَوَسُولَةُ النَّتِيَّة
القرآن الكريمِ

التوكل
وفي الآن نفسه أمر المؤمن بالأخذ عظمت خبرته.
بأسباب الرزق اقتداءً بأنبياء الله الكرام، فعن
المقدام رضي الله عنه، عن رسول الله صلی
الله عليه وسلم، قال: (ما أكل أحد طعامًا
قط، خیرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي
الله داود عليه السلام، كان يأكل من عمل
يده)(١).
أما ترك الكسب والاعتماد على الخوارق
والجوائز الربانية فهذا سمت المتقاعسين
الذي ذمّه الله عز وجل؛ لأن فيه إبطالًا
لقانون الأسباب والمسببات الذي وضعه
الله في الكون، ودعوةً إلى التكاسل والقعود
ومخالفةً لأمر الله تعالى بإعمار الأرض
بالعمل.
رابعًا: الدعوة إلى الله تعالى:
الدعوة مضمار مهم يخوضه المسلم
بجدّ وحب وإخلاص مقرون بالعلم، ولا
يتأتى لنا جني ثمرات الدعوة إلا بعد التوكل
على الله عز وجل والثقة بأنه تعالى إن شاء
أجرى الحجة على لسان الداعية وقلمه،
فجعل القلوب تنجذب إليه وتنقاد إلى ما
يدعو إليه، وإن لم يشأ فلن يُكتب للدعوة
نجاح، مهما بلغت حجة الداعية، ومهما
في التوكل على الله ٥٧٣/٤، رقم ٢٣٤٤.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب كسب الرجل وعمله بيده ٥٧/٣، رقم
٢٠٧٢.
وقد خلّد التاريخ نماذج عديدة من الدعاة
المتوكلين الذين لم يعتمدوا على سمو
الهدف وربانية مصدر الرسالة، بل اجتهدوا
وأخذوا بأسباب النجاح حتى تسمو دعوتهم
وتنتصر فكرتهم، ومثالنا على أولئك الدعاة
مؤمن یاسین الذي بذل في سبیل دعوته کل
جهد.
قال تعالى: ﴿وَجَّةَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ
يَسْعَى قَالَ يَنَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ
٢٠
أَتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسََّلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ
وَمَا لِىَ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ وَإِلَيْهِ
٢١
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن
تُرْجَعُونَ
يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّ لَّا تُغْنِ عَنِى شَفَعَتُهُمْ
شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ﴿ إِّ إِذَا لَّفِي ضَلَلٍ مُبِينٍ
إِّ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَأَسْمَعُونِ
٢٥
٢٤
قِيلَ أَدْخُلِ الْجَنَّةٌ قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ
٢٦
بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ
٢٧
[يس: ٢٠ - ٢٧].
ولعل المتأمل في الأسباب التي اتخذها
هذا الداعية المخلص المتوكل على الله
تعالى في دعوته لقومه المكذبين يعلم
أنه استحق دخول الجنة بحق، ومن هذه
الأسباب ما يأتي (٢):
* السرعة وعدم التباطؤ في الدعوة،
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١٦٣/٧ -١٦٤، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٣٦٥/٢٢.
www. modoee.com
٢١١

حرف التاء
فحينما استشعر حقيقة الإيمان،
تحركت هذه الحقيقة في ضميره، فلم
يتوان في الإسراع من أجل الدعوة
إليها.
قال القرطبي: ((وفي هذه الآية تنبيه
عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ،
حضوره من أقصى المدينة، وهو مكان والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من
بعيد، وهذا يؤكد إخلاصه في الدعوة ما أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي،
والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه،
جعله يحتمل مشاق الطريق من أجل
إنجاح دعوته.
والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء
عليه))(١).
سعيه، والكلمة دالة على إسراعه مع
بذله الجهد في المجيء للدعوة؛ إنقاذًا
لهم من ظلمات الكفر.
رفقه ولينه مع قومه، واستعطافه لهم
بقوله ((یا قوم)).
لفته أنظارهم إلى ميزات الأنبياء من
حيث الاهتداء وعدم طلب المال.
مخاطبته لنفسه من منطلق إشعارهم
أنه يخشى عليهم ما يخشى على نفسه
ويحب لهم ما يحب لنفسه، واجتهاده
في تغيير الأساليب لفتًا لانتباههم.
تنبيههم إلى أن الله فاطر النفوس
وإليه المعاد، وهو الخالق الذي بيده
النفع والضر، وعنده الجزاء بالثواب
والعقاب دون سواه.
تكرار الدعوة وطلبه أن يهتموا بسماعه
وفهم ما يقوله.
تحمل تعذيبهم له مقابل إيصال الحق
ونشر دين الله، وحرصه على إعلامهم
بثواب المؤمن على الرغم من إيذائهم
له.
ولعل التوكل على الله تعالى هو المسهل
الرئيس للدعوة الإسلامية، فلو استحضر
الإنسان عند دعوته ما قد يعود عليه من
هموم وغموم، وانتقادات وإعراض، فإنه
سيترك أمر الدعوة، لكنه مع التوكل على
الله تعالى يشعر بقوة وعزة ومناصرة من الله
تعالی، فیهون علیه أمر الدعوة، ومن الأمور
التي تبعث الداعية على التوكل:
٤ رسوخ التوحيد في قلبه، وإدراكه
لمعاني أسماء الله وصفاته العلا،
والثقة به عز وجل.
معرفة الداعية إمكانات نفسه، وإدراكه
لضعفه وعجزه إن حرم التوفيق من الله.
المعرفة بفضل التوكل وأحوال
المتوكلين من السلف والخلف.
وفي سيرة أنبياء الله الكرام جميعًا، وهم
أوائل الدعاة إلى الله تعالى، نماذج عظيمة
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ١٧.
٢١٢
مَوَ سُ ولـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

التوكل
من التوكل على الله في الدعوة، وعلى
رأسهم إمام المتوکلین محمد صلی الله
عليه وسلم.
تأمل قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنْتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٨) فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِىَ
اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَهُوَ رَبُّ
الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١)﴾ [التوبة: ١٢٨-١٢٩].
وقد بيّن الله تعالى فضل النبي صلى الله
عليه وسلم، وأنه جاء العرب من جنسهم
ومن نسبهم، فهو عربي قرشي مثلهم،
يخاف عليهم سوء العاقبة والوقوع في
العذاب، حریص ألا تفلت منه أي نفس
إلى النار، وهو رؤوف رحيم بحالهم، قيل:
لم يجمع الله اسمین من أسمائه لأحد غیر
رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:
﴿رءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ثم يواسي الله تعالی نبيه
الكريم قائلًا: فإن أعرضوا عن الإيمان بك
وناصبوك فاستعن و فوّض أمرك إليه، فهو
کافیك معرّتهم ولا يضرونك، وهو ناصرك
علیهم، وهکذا کان فعله علیه السلام دومًا،
فهو الصبور على أذاهم، الحريص على
دعوتهم، المتوكل على الله في كل حال(١).
خامسًا: مواجهة الظالمين والمجرمين:
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٢٥/٢.
يلزم على المؤمن استحضار قوة الله
تعالى ومساندته عند مواجهة الظالمين
والمجرمين، والتوكل عليه تعالی في ذلك،
فالطاقة البشرية قاصرة، سيما وإن كانت تتجه
لمحاربة الظالمين، فالظالم لا يخشى الله،
ولا يردعه شيء، وهو مستعد لبذل أرخص
الوسائل وأردلها للحصول علی غرضه، وقد
مرّت قصص عبر التاريخ تجسد أدب التوكل
على الله في محاربة الظلمة، من ذلك قصة
موسى عليه السلام مع الطاغية فرعون.
تأمل قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم
◌ُوسَى بِثَّايَئِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِ، فَظَلَمُواْ بِهَا فَأَنْظُرْ
وَقَالَ
كَيْفَ كَانَ عَثِقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
﴿﴿ حَقِيقُّ عَلَى أَن لَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلَّا الْحَقَّ
قَدْ جِئْتُكُمْ بِيِّنَةٍ مِّنِ زَّيَّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَقِّ
قَالَ إِن كُنْتَ جِئْتَ بِثَايَتِ فَأْتِ بِهَا
١٠٥
إِسْرَوِيلَ
إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (٦ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا
٢٠﴾ [الأعراف: ١٠٣ - ١٠٧].
هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ
إلى قوله تعالى: ﴿قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
﴾ قَالَ فِرْعَوْنُ ءَا مَنْتُم
(١٢٢
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
(١٢١
بِه قَبْلَ أَنْ مَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ
فِي الْمَدِينَةِ لِثُخْرِجُواْ مِنْهَاَ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
لَأُقَطِّمَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَفٍ ثُمَّ
قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَيِّنَا
لَأُصَلِيَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٢)
وَمَا تَنِعِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا
١٢٥)
مُنْقَلِبُونَ
◌ِئَايَتِ رَيْنَا لَمَّا جَتْنَاْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا
www. modoee.com
٢١٣

حرف التاء
وَتَوَقَنَا مُسْلِمِينَ (١٦) وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ
أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ
وَءَالِهَتَكَّ قَالَ سَنُقَيِّلُ أَبَهُمْ وَنَسْتَجِ نِسَآءَ هُمْ
قَالَ مُوسَى
وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ (١)
لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ
لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِهُ وَالْعَقِبَةُ
﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٨].
١٢٨
لِلْمُتَّقِينَ
وفي الآيات الكريمة تصوير دقيق لتفكير
وسلوك الطغاة، فهم يخشون الدين؛ لعلمهم
أن الأمة إن التزمت به ووحدت خالقها
فستنصرف عن تقديس الظالمين ورجائهم
في أمور حياتهم، وستخرج من ظلمات
التبعية إلى نور التحرر من القيود البشرية
والانقياد لله تعالى وحده دون شرکاء، وهذا
ما حصل عندما طلب موسى من فرعون أن
يترك بني إسرائيل ليعبدوا الله وحده، فأدرك
فرعون وملؤه أن هذا يعني سلب السلطة
منهم، فأرادوا إحراجه بتقديم الحجة على
صدقه أمام الناس.
وقد أظهر الله على يديه معجزاته
التي أبهرت سحرة فرعون كلهم، فآمنوا،
وواجهوا ذلك الطاغية المستبد الذي أراد
استئصال هذا الدين وأتباعه، وعلى الرغم
من تهديده ووعيده إلا أن المؤمنين أيقنوا
أن مردهم إلى الله تعالى طال عمرهم أم
قصر، وأنهم اختاروا الموت في سبيل الله
على الموت كفارًا، وواساهم نبيهم الكريم
وذكّرهم بصفة المؤمن، وهي الاستعانة بالله
الكريم، السند المتين لعباده، الذي يكفيهم
ما أهمّھم، فليس لهم غیر الله تعالی، فهو
الملاذ الحصين، وعليهم أن يصبروا حتى
يأذن الولي بالنصرة في الوقت الذي يقدره
بحكمته وعلمه، وإن الأرض لله، وما
فرعون وقومه إلا نزلاء فيها، فيجب ألا
ينظر إلى الطاغوت أنه مكين في الأرض غير
مزحزح عنها، فصاحب الأرض ومالكها هو
الذي يقرر متى يطردهم منها، وإن العاقبة
للمتقين حتمًا، فلا يخالج قلوب الداعين
إلى رب العالمين قلق على المصير (١).
هذا هو نبى الله الذي قال عنه جل وعلا:
وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِن كُمْ ءَامَنْتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَلُوا
[يونس: ٨٤].
٨٤
إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ
فهو الذي يذكر قومه دومًا بحقيقة
الإيمان واستلزامه للتوكل على الله وحده
دون سواه.
وقد واجه إبراهيم عليه السلام أعتى
الظالمين، فقد جسد النمرود مثالًا للطغيان.
يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجّ
إِنَهِثَمَ فِى رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ
إَِهِمُ رَبِىَ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُمِىء
وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَهِعُمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِلشَّمْسِ
مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى
(٢٥٨
كَفَرَّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣٥٥/٣.
٢١٤
القرآن الكريم

التوكل
[البقرة: ٢٥٨].
فالنمرود بن کنعان هو أول من تجبر في
الأرض وادّعى الربوبية، وكان إبراهيم عليه
السلام قد دخل بلدته، فأرسل إليه النمرود،
وقال: من ربك؟ ويظهر أنه لم يسأل إبراهيم
لیعرف الجواب، بل سأله استهزاءً، فهو يعلم
أنه نبي الله تعالى، وأنه يدعو إلى توحيد
الله وعدم الإشراك به، فرد عليه إبراهيم
واثقًا متوكلًا متسلحًا بالإيمان والحجة التي
أجراها الله على لسانه عليه السلام: ﴿رََّ
الَّذِى يُحْيِ،وَيُمِيتُ﴾.
فما كان من تفكيره القاصر، وغروره
المتغلغل في أعماق نفسه إلا أن يعمد إلى
سجنائه، فيقتل من صدر بحقه التخلية،
ويخلي من صدر بحقه القتل، واعتقد أنه
بذلك قد أبطل حجة نبي الله إبراهيم، فسأله
إبراهيم حينها ما إن كان يستطيع الإتيان
بالشمس من المغرب؛ فالله يأتي بها من
المشرق.
وقد ذكر الماوردي أن لتحول إبراهيم
للحجة الثانية دون البقاء لنصرة الحجة
الأولى احتمالين:
أحدهما: أنه قد ظهر من فساد قول
النمرود ما لم یحتج معه إبراهيم عليه السلام
إلى النصرة، ثم أتبع ذلك بغيرها تأكيدًا عليه
في الحجة.
والاحتمال الثاني: أنه لمّا كان في تلك
الحجة من تحايل النمرود بما عارضها به من
الشبهة، أحب أنه يحتج عليه بما لا تحايل
فيه؛ قطعًا له واستظهارًا(١).
هذا هو نبينا إبراهيم عليه السلام الذي ما
ترك التوكل على الله تعالى في دعوته.
يقول الحق تعالى داعيًا إلى التأسي به
عليه السلام: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِيَّ
إَِّهِيمَ وَلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِ إِنَّا بُرَهَ ؤُّأْ مِنْكُمْ
وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَاوَبَيْنَكُمْ
اَلْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَحْدَهُ: إِلَّا
قَوْلَ إِبَهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَ سْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَّكَ مِنَ اللَّهِ
مِن شَىْءٍ زَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
٤
﴾ [الممتحنة: ٤].
وقد واجه ذو القرنين ظلم يأجوج
ومأجوج بالتوكل على الله مع الأخذ بأسباب
التوكل واتخاذ عوامل الحيطة منهم.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ
مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً
٩٣
قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْحًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَا وَبْنَهُمْ سَدًّا
قَالَ مَا مَكَّنِى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِينُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ
٩٤
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ◌َ ءَاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَقََّ إِذَا
سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنفُخُواْ حَقَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ
فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ
ءَاتُونيّ ◌ُفْرِغْ عَلَيْهِ قِظْرًا ))
يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَعُواْ لَهُ نَقْبَّا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ
مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبٍِّ جَعَلَهُ ذَكَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا
(١) انظر: النكت والعيون ٣٢٩/١ -٣٣٠.
www. modoee.com
٢١٥

حرف التاء
[الكهف: ٩٣-٩٨].
وقد ورد في تفسير الآيات أن ذي القرنين
ملكٌ حکم الدنيا بأسرها، فاستغاث به قومٌ
ليحميهم من يأجوج ومأجوج، وهم جماعة
عظيمة من نسل ولديّ يافث بن نوح،
اشتهروا بالكثرة وقد هابهم أولئك القوم
وخشوا ظلمهم، فسألوا ذا القرنين أن يبني
لهم سدًّا منيعًا يحميهم من أذى قوم يأجوج
ومأجوج مقابل خرج من المال، فما كان منه
إلا أن تواضع لله ولم یغترّ بقوته، بل اعترف
بفضل الله عليه أن آتاه الصحة والعافية التي
هي خير من أموالهم التي سيجمعونها له(١).
ووافق أن يبني السد متوكلا على الله
وحده، وقد أخذ بأسباب إنجاح مشروعه
فطلب منهم إعانته بالرجال وعمل الأبدان
والآلة التي يبني بها السد، وهذا بداية النجاح
في العمل، فإن القوم لو جمعوا له خرجًا،
لم يعنه أحد، ولتركوه يبني، فكان عونهم
أسرع في إنجاز العمل وإنجاح المشروع،
واستخدم المواد المناسبة لتقوية السد،
من حديد وحرارة ونحاس، وهنا يتجلّى
ظهور العمل المخلص، وهو أهم مقومات
التوكل، ثم أقرّ ذو القرنين مرة أخرى بفضل
الله عليه، وأن بقاء السد مرهون بإرادة الله،
وأن المولى سيشاء أن يجعله دكاء في وقت
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ١٩٦/٥،
فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٤٣٠.
العضو
مَوَسُوبَةُ النَّهِ
القرآن الكريم
يعلمه ويقدره سبحانه(٢).
سادسًا: مواجهة الشيطان وأعوانه:
يتوجب على المؤمن إخلاص التوكل
على الله تعالى في مواجهة الشيطان
وأعوانه، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ شَيْئًا
إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠].
فلولا التوكل على الله لن يكون للإنسان
قدرة في مجابهة قوى الشر العظيمة التي
يستخدمها الشيطان في إغواء العباد، ففي
الآية الكريمة على لسان إبليس لعنه الله:
قَالَ فَبِعِزَِّكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (١ إِلَّا عِبَادَكَ
مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ص: ٨٢-٨٣].
أي لأحسننّ لهم معاصيك، ولأحبينها
إلى قلوبهم حتى يرتكبوها، ولأضلّنهم
عن سبيل الرشاد إلا من أخلصته بتوفيقك
فهديته، فإن ذلك ممن لا سلطان لي عليه
ولا طاقة لي به (٣).
وكان الرد الإلهي المتحدي: ﴿ قَالَ
أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ
وَأَسْتَغْرِزْ مَنِ أُسْتَطَعْتَ
٦٣
جَزَآءُ مَّوْفُورًا
مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ
وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا
يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ◌ِ إِنَّ عِبَادِى
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَى بِرَبِّكَ
وَكِيلًا
﴾ [الإسراء: ٦٣ - ٦٥].
٦٥
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٣٢/١٦.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ١٠٣.
٢١٦

التوكل
فقد أمره الله تعالى أمر إهانة أن يبذل كل وأعانه على ذلك استعانته بالله تعالى وتوكله
عليه حق التوكل.
جهده وأن يقطع من يشاء عن الحق، وأن
يستخدم كل صوت له ولأعوانه في الوسوسة
والإبعاد عن الدين، وأمره أن اجمع في سبيل
إغوائهم خيولك ورجالك التي تمشي في
الإفساد، وشاركهم في أموالهم بأن تجعلهم
ينفقونها على المعاصي واجعل من أولادهم
بالزنا لك نصيب، أو سيطر على عقولهم
فاجعلهم يهوّدون أبناءهم وينصّرونهم،
ومنّهم بالأماني الكاذبة أن لا جنة ولا نار،
وأنهم غیر محاسبين على ما يفعلون، فعباد
الله المؤمنون لن يغتروا بكذبك، فهم
المخلصون في عبادتهم، والله كافيهم
وعاصمهم من سيطرة إبليس عليهم وهو
الحافظ لهم من كل سوء(١).
وعلى قدر هذا التحدي الكبير يجب
أن يعمل المؤمن لحماية نفسه من سيطرة
الشيطان وأعوانه، فهم لا يألون جهداً في
إسقاطنا في المعصية مهما صغرت أو
کېرت.
ولنا في قصة نبي الله يوسف عليه السلام
نموذج رائع في تحدي الشيطان وأعوانه،
فبالرغم من تعرضه عليه السلام لضغوط
شديدة من أجل الوقوع في الرذيلة، إلا أنه
واجهها بقوة نابعة من إيمانه بالله تعالى،
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٨٨/١٠.
قال تعالى مصورًا لنا تفاصيل القصة:
﴿وَرَوَدَتْهُ أَلَّتِى هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ.
وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ قَالَ
مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَنْوَىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَالَوْلاً
أَنْ زَّهَا بُرْهَنَ رَبِّهِ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
الشُّوَّهَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ
وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَّذَّتْ قَمِيصَهُ, مِن دُبُرٍ
٢٤
وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابَّ قَالَتْ مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ
بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَّ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمُ (٢)﴾
[يوسف: ٢٣ -٢٥].
حتى قوله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ
أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا يَدْعُونَفِىّ إِلَيْهٌ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِى
كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنُ مِّنَ الْجَهِلِينَ
فَأَسْتَجَابَ لَّهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَّ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: ٣٣ -٣٤].
فقد عاش يوسف عليه السلام في كنف
عزيز مصر، ويوسف معترف بفضله وفضل
زوجه عليه، وقد تعرض لفتنة امرأة العزيز
وهو في مرحلة النضج والشباب، ومن
طلبت منه الفاحشة هي صاحبة الفضل
عليه وهي متزينة متأهبة له، وقد أوصدت
الأبواب وأخلت الأجواء لوقوع الجريمة،
ورغم كل هذه العوامل التي اجتمعت على
نبي الله المعصوم إلا أنه واجه تلك المحنة
www. modoee.com
٢١٧

حرف التاء
بالتعفف الشديد عن الرذيلة (١).
ومن الأسباب التي أخذ بها يوسف عليه
السلام في توكله على الله واستعانته به
وحده على مواجهة الشيطان:
استعادته بالله تعالی عندما غلقت عليه
الأبواب.
# استحضاره وتذكيره إياها بأن الإحسان ومن ذلك:
لا یرد إلا بمثله.
بذل الجهد واستباق الباب، وعدم
القعود وانتظار إجباره على ارتكاب
المعصية.
الرضا بالمكوث في السجن ظلمًا على
السقوط في الرذيلة، وهذا قمة الاجتهاد
في البعد عن المعصية.
اللجوء إلى الله تعالى والتوكل عليه
والافتقار إليه وطلب العون والسند في
مجابهة المحنة.
ولنا في هذه القصة القدوة الحسنة،
فشبابنا وبناتنا الآن يتعرضون لمحن كثيرة
تتعلق بالعفة، فنجدهم يستسلمون للشيطان
ويسمحون له بأن يتحكم في عقولهم
ويزين لهم المنكر، على أنه علاقة اعتيادية
أو علاقة مبدئية لحصول الزواج، وكذلك
يتدخل الشيطان في كل أمور حياتنا، فهو
الذي یوسوس للسارق أن يستكثر من ماله،
وللموظف ألا يؤدى ما عليه بأمانة، وللأبناء
أن يتركوا بر آبائهم، وللآباء أن يقصروا في
حق أبنائهم.
وليس للمؤمن للخروج من هذه
الابتلاءات إلا أن يتوكل على الله تعالى،
ويثق به في تصريف أموره، مع الأخذ
بالأسباب المعينة على مواجهة الشيطان،
إخلاص العمل لله تعالى، واستحضار
عظمته ومراقبته عز وجل في كل
الأوقات.
· الاستكثار من أعمال الخير واستغلال
الوقت في ذلك؛ فهي معينة على سد
مداخل الشيطان.
الاستعاذة والدعاء والتزام الذكر وقراءة
القرآن لتحصين النفس من الشيطان
وأعوانه.
الابتعاد عن أعوان الشيطان من السحرة
والكهان والعرافين والقائلين بالأبراج
الفلكية وما إلى ذلك.
الاستعانة بالصحبة الصالحة المعينة
٥
علی تقوى الله تعالی.
سابعًا: الإصلاح:
بذل أنبياء الله الكرام طاقاتهم القصوى
من أجل إصلاح شؤون أقوامهم، وقد
اعتمدوا في جهودهم الإصلاحية على
توفيق الله تعالى ووكلوه أمورهم.
(١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١٠٨/٢.
٢١٨
موسوعة البشير
جوية
القرآن الكريم

التوكل
قال تعالى مصوّرًا قصة سيدنا شعيب
عليه السلام مع قومه: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ
أَصَلَوْتُكَ تَأْمُكَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا
أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤَّا إِنَّكَ لَأَنْتَ
قَالَ يَقَوْمِ أَرَهَيْتُمْ إِن
الْحَلِيمُ الرَّسِيدُ )
كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَّاً
وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَّآ أَنْهَمُكُمْ عَنْهُ إِنْ
أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلََّ بِلهِ
عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ ﴾ وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ
شِقَافِى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوجِ أَوْ
قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم
وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْه
◌ِبَعِيدٍ (٥)
إِنَّ رَبِّ رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴿ قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ
كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَتَرَئِكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلًا
رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ ) قَالَ
يَقَوْمِ أَرَ هْطِىَّ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَأَّخَذْ تُمُوهُ
وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِّ عَمِلَّ
سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ مُخْزِيهِ
وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِ مَعَكُمْ
رَقِيبٌ ﴾ [هود:٨٧- ٩٣].
وقد كان من أهم الأمور التي دعا شعيب
عليه السلام قومه إليها بجانب توحيد الله
هو ترك التطفيف في الكيل والميزان، فقد
اشتهر عنهم هذا السلوك المخالف لمبدإ
العدل الذي دعا إليه الله تعالى على لسان
جميع أنبيائه، ولا يخفى ما يتبع سلوك الظلم
من فساد اجتماعي واقتصادي في المجتمع،
واستنكر القوم على شعيب أن يدعوهم إلى
ترك ما کان یعبده آباؤهم من أوثان، و کذلك
ترك التطفيف في البيع والشراء، ولم يعجبهم
ذلك، بل استهزؤا به عليه السلام وبصلاته
التي جعلته يقتنع بأفكار مخالفة لأفكارهم.
لكنه خاطبهم باللين والرفق، وبيّن لهم
أن الله تعالى قد امتنّ عليه بالرسالة والهداية
فأراد أن يهديهم إلى الحق كما هداه الله،
وأنه لا يصح أن يخون الوحي، ويترك النهي
عن الشرك والظلم، وأنه يريد أن ينصحهم
بما نصح نفسه، وأنه لن ينهاهم عن الشيء
ويأتيه، بل سيكون القدوة لهم، ووضّح أن
غرضه في كل ما يفعل هو إصلاح عقيدتهم
وشريعتهم وأمور مجتمعهم، ثم أعلن أن
التوفيق الذي ينتظره هو من عند الله وحده
وأنه عليه السلام متوكل على الله معتمد
على قوته وحكمته وقدرته عز وجل في
تيسير أمور دعوته، فالله تعالى هو خالقنا
وإليه نعود (١).
وقد بيّن الله تعالى أثناء سرد القصة
الأسباب التي اتخذها شعيب عليه السلام
في تو کله على الله، فلم يكتف عليه السلام
على التوكل القلبي والإعلان القوليّ عن
توكله، بل عمل من أجل الإصلاح الذي
(١) انظر: تفسير السمر قندي، ١٦٥/٢- ١٦٦،
محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ١٢٥.
www. modoee.com
٢١٩

حرف التاء
أخبر قومه به، ومن اجتهاداته الإصلاحية ما
يلي:
تكرار الدعوة لقومه، والصبر على
استهزائهم به وتهديدهم له بالرجم
والقتل.
كان قدوة حسنة لهم، ووعدهم ألا
ینهاهم عن شيء ویأتیه.
بيّن لهم حسن نيته وإرادته إصلاح
شؤونهم الدنيوية والأخروية.
حذّرهم أن يحملهم بغضه إلى الكفر
بالله، وإيثاره إحقاق حق الله بغض
النظر عن حقه.
ذكّرهم بما حل بالأقوام السابقة
وبالعذاب الذي أصابهم.
جذبهم إلى التوبة باللين والرفق،
وأمّلهم برحمة الله تعالى وودّه.
أعلمهم بعظمة الله تعالى، وأنه الأحق
بالخشية؛ فهو العالم بالظواهر والخفايا.
توعّدهم بالعذاب المرتقب إن لم
یؤمنوا بالله ویترکوا ما هم عليه.
هذا نبي الله الكريم الذي لم يقصّر في
بذل الجهد لإصلاح عقيدة قومه وسلوكهم،
وهكذا لا بد أن نكون، فنبذل ما نستطيع
من أجل إعلاء كلمة الله تعالى، لا يمنعنا
من ذلك خوفٌ من أي شيء؛ فالله تعالى
وکیلنا، علیه نعتمد في کل أمر، وهو الذي
وعد عباده المتوكلين المصلحين بالثواب.
قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِنَبِ
وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ الُْصْلِينَ
[الأعراف: ١٧٠].
ثامنًا: إبرام العقود والمعاهدات:
أمر الله سبحانه وتعالی نبينا محمداً صلى
الله علیه وسلم أن یتوكل عليه عز وجل في
عهوده، لا سيما مع غير المؤمنين، فالله
تعالى الخبير بصدقهم وكذبهم، وهو كافيه
شرّهم وهو الذي لا يضر عباده المتوكلين
مهما مکر بهم الماکرون.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ،
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا
نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ
٦٠
﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَلْ عَلَى اللّهِ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ ﴾ [الأنفال: ٦٠-٦١].
وفي الآية أمر للمسلمين بالاستعداد
لقتال الأعداء، واتخاذ ما من شأنه تقويتهم
على الأعداء، من أدوات الرمي والسيوف
والنبال والخيول وغيرها، حتى يخاف
الكفار، والمنافقون وأهل الكتاب الذين
لا یعرف المسلمين أشخاصهم، لكن الله
هو العليم الخبير الذي يعرفهم، ثم أمر
الله تعالى نبيه الكريم أن يجنح للسّلم إن
هم جنحوا له ولجأوا إليه، وأن يعاهدهم
٢٢٠
مُوسُوبَةُ النَّطِّ
بوبيَ
القرآن الكريم

التوكل
ويبرم معهم العقود على عدم التعدي على رب العزة أن هناك من المنافقين وضعاف
المسلمين أو المساس بهم.
عليه وسلم أن يتوكل عليه في إبرام هذه
المعاهدات وألا يخاف من إبطانهم الخداع
والمكر، فإن الله هو العاصم لرسوله
والمؤمنين من مكرهم، وهو الذي يحيقه
بهم إن قصدوه، فجاء الأمر له عليه السلام
بتفويض أمره إلى الله فيما عقده مع العدو
لیکون عونًا له في جميع أحواله، فهو
السميع لأقوالهم العليم بما في صدورهم
من نيّات(١).
القلوب من يعاهد رسول الله صلى الله عليه
وقد أمر رب العزة الرسول صلى الله وسلم على السمع والطاعة والقتال معه، ثم
ما إن يخرجوا من عنده حتى يتسارّوا فيما
بينهم على خلاف ذلك، والله تعالى يعلم
ما يضمرونه من مكر لرسوله الكريم، ويقول
لمحمد صلى الله عليه وسلم: اصفح عنهم
واحلم عليهم ولا تؤاخذهم، ولا تكشف
أمورهم للناس، ولا تخف منهم ومن
مکرهم، وکفی بالله وليًّا وناصرًا ومعينًا لمن
توكل عليه وأناب إليه، فالتوكل هو أساس
الاطمئنان، وهو سمة الأنبياء الذين لطالما
عاهدوا أقوامهم، ولم يقلقوا من كيد الأعداء
فالله تعالى وكيلهم وسندهم وحاميهم
وکافیهم شرور الكائدين(٢).
وفي موضع آخر، يقول الحق عز وجل:
﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهُ وَمَن تَوَلَّى
فَمَّا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَيَقُولُونَ
طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ
غَيْرَ الَّذِى تَقُولٌ وَاَللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَّ فَأَعْرِضْ
عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)
[النساء: ٨٠-٨١].
فقد بيّن الله تعالى أن طاعة الرسول
صلی الله عليه وسلم هي طاعة الله عز وجل
وذلك لأنه عليه السلام ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَى
إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْىٌ يُوحَى(١)﴾ [النجم: ٣-٤].
وأن من تولی عنك یا محمد فاتركه، فلا
عليك منه، إن عليك إلا البلاغ، ثم يذكر
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٣/ ٦٥، لباب
التأويل، الخازن ٣٢٤/٢.
(٢) انظر: مختصر تفسير ابن كثير، الصابوني
٤١٥/١.
www. modoee.com
٢٢١

حرف التاء
ثمرات التوكل
للآداب الربانية آثار يشاء الله تعالى
أن تظهر عاجلًا، فيرى المؤمن المتحلي
بها أثرها في حياته وفي نظرة الناس إليه،
ثم يكرمه الله بها في الآخرة فيعطيه جزاءه
الأمثل، وللتوكل على الله تعالى ثمرات
عاجلة وآجلة، نبيّتها كما يلي:
أولًا: ثمرات التوكل في الدنيا:
١. محبة الله للمتو کلین.
تأكد في القرآن الكريم حب الله عز وجل
للمتوكلين، تأمل قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمِّي فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فقد دعا رب العزة نبيه الكريم صلى الله
عليه وسلم إلى مشاورة المؤمنين في أموره،
ثم قال له: إذا اطمأنّ قلبك لما اخترت
ففوّض أمرك إلى الله واعتمد عليه، وامض
بجوارحك، فالله يحب المتوكلين، ومحبته
تعالى هي أعظم محبة وهي التي تجلب
النصرة والهداية والتوفيق (١).
يمتنّ الله تعالى على من يحب من عباده
بأن يجعل له حبًّا في قلوب الناس.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّا (٦)﴾
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٢٣/٢، السراج
المنير، الخطيب الشربيني ١/ ٢٦٠.
[مريم: ٩٦].
والمعنى: إن الذين صدقوا الله ورسوله،
وعملوا بما أمرهم من آداب وشیم- ومن
أجلّ تلك الآداب التوكل- سيوقع الله
محبتهم وألفتهم في صدور عباده (٢).
وذكر أن الله تعالى سيحدث لهم في
القلوب مودة من غير تودد منهم، يحبهم
الناس، ويتحابون فيما بينهم، ويحبهم اللّه
تعالى ويرضى عنهم
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله
عنه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدًا نادى
جبريل: إن الله قد أحبّ فلانًا فأحبّه، فيحبه
جبريل ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله
قد أحبّ فلانًا فأحبّوه، فيحبه أهل السماء
ويوضع له القبول في أهل الأرض) (٤).
٢. كفاية الله للمتوكلين.
وعد الله عز وجل عباده المتوكلين عليه
بالكفاية.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ
حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: ٣].
فقد قضى الله عز وجل على نفسه كفاية
(٢) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب ٧/ ٤٦٠٠.
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٦٩/١٦.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكة
٩/ ١٤٢، رقم ٧٤٨٥.
مَوَسُولَةُ التَّشيد
القرآن الكريم
٢٢٢

التوكل
المتوكلين، فهو سبحانه الذي يكفيهم ما لَكُمّ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنصُرُكُمْ مِّنْ
بَعْدِمِهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [آلـ
عمران: ١٦٠].
أهمّهم في دينهم ودنياهم، وهو الضامن لهم
الرزق، الحافظ له من كل ما يخشون(١).
قال الربيع بن خثيم يبيّن معنى ﴿فَهُوَ
حَسْبُهُ﴾: ((من كل ما ضاق على الناس))(٢).
وقد دعا المؤمنون الله تعالى باسمه
الوكيل كي يحميهم ويمنع عنهم کید
الكائدين.
عن ابن عباس رضي الله عنه: (حسبنا
الله ونعم الو کیل، قالها إبراهيم عليه السلام
حین ألقي في النار، وقالها محمد صلی الله
عليه وسلم حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا
لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣])(٣).
أي: الله ربنا، وهو کافینا كل ما أهمنا
وهو المفوض إليه تدبير عباده، والقائم
بمصالحهم (٤).
٣. النجاة من الخذلان.
النصر والنجاة من الخذلان هي مكافأة
الله تعالى للمتوكلين عليه.
قال تعالى: ﴿إِن يَنصُرَّكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ
(١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٩/ ٣٣٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا، كتاب
الرقاق، باب (ومن يتوكل على الله فهو
حسبه)، ٨/ ٩٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (إن الناس قد جمعوا لكم
فاخشوهم)، ٣٩/٦، رقم ٤٥٦٣.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص١٥٧.
فنصر الله تعالى هو النصر الحقيقي،
وخذلانه للعبد بتر که نصرته ومساندته هو
الخذلان الحقيقي، فمهما بلغت مناصرة
البشر فهي ليست بشيء أمام مناصرة رب
البشر، ومن ناصره الله فلن يضره خذلان
الخاذلين، ولن يضيره تقاعس المتقاعسين،
قال ابن القيم: ((هو حسب من توكل عليه،
وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمّن
الخائف ويجير المستجير، فمن تولاه
واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليّته إليه؛
تولاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه
واتقاه أمّنه مما يخاف ويحذر، وجلب إليه
ما یحتاج إلیه من المنافع»(٥).
٤. النجاة من كيد الشيطان.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ
مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَحِلِكَ
وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا
يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ◌ِ إِنَّ عِبَادِى
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَى بِرَبِّكَ
وَكِيلًا ﴾﴾ [الإسراء: ٦٤ -٦٥].
فقد تحدى الله تعالى الشيطان أن يبذل
كل جهده وأن يقطع من يشاء عن الحق،
وأن يستخدم كل صوت له ولأعوانه في
(٥) بدائع الفوائد ٢/ ٢٣٧.
www. modoee.com
٢٢٣

حرف التاء
الوسوسة والإبعاد عن الدين، وأن يبذل في
سبيل ذلك كل الوسائل المادية المتاحة له،
ووعد عز وجل عباده ألا يجعل للشيطان
سلطانًا عليهم، وأنه تعالى سيكفيهم
ویعصمهم من إغوائه وكيده(١)، وهو تعالى
القائل في محكم كتابه: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ
شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَّوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
[المجادلة: ١٠].
فالمؤمن لا يضره التآمر من أي كائن
كان؛ لأن الله تعالی حافظه، يقول سید
قطب: ((فهو الحارس الحامي، وهو القوي
العزيز، وهو العليم الخبير، وهو الشاهد
الحاضر الذي لا یغیب، ولا یکون في الكون
إلا ما یرید، وقد وعد بحراسة المؤمنين، فأي
طمأنينة بعد هذا وأي يقين ؟))(٢)
٥. النجاة من الكربات.
ومن النماذج التي تبيّن نجاة المؤمنين
المتوكلين بفضل الله تعالى قصة أصحاب
الكهف، فقد فرّوا من ملكهم وقومهم
الكافرین ولجأوا إلى حماية الله تعالی.
قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ
فَقَالُواْ رَبَّنَاَ ءَائِنَا مِن لَّدُنَكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا
رَشَدًا ، فَضَرَيْنَا عَ ءَذَانِهِمْ فِ الْكَهْفِ
سِنِينَ عَدَدًا (١﴾ [الكهف: ١٠- ١١].
فقد أوى أولئك الفتية إلى الكهف
خائفين لعلّهم يستترون عن الأنظار فلا
يراهم أحد من قومهم، وهذا أخذٌّ بالأسباب،
فلم يكتفوا بالدعاء والمكوث بين الظلمة،
بل تركوا المكان، وذادوا بدینهم إلى مكان
أمین، ثم فوّضوا أمرهم إلى ربهم، فضرب
الله على آذانهم حجابًا يمنعهم من سماع
الأصوات والحركات، فناموا في كهفهم
ثلاثمائة وتسع سنين، وكانوا يتقلبون بلطف
الله وتدبیرہ من جنب إلی جنب، حتی بعثھم
من نومهم وكانت قريتهم وقتئذٍ قد آمنت
ولم يعد فيها ملكٌ ظالم، وهذا تفريج الله
تعالى لكربتهم واستجابته لتضرعهم (٣).
وقد بيّن سيد قطب أن قلوب هؤلاء الفتية
مؤمنة ثابتة راسخة، متوكلة مطمئنة إلى الحق
الذي عرفت، معتزة بالإيمان الذي اختارت،
(٤)
وقد استحقت بذلك رحمة الله تعالى"
.
ومن أروع الأمثلة على تفريج الكربات،
ما حدث أثناء هجرة محمد صلى الله عليه
وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه.
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ
نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا
فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ، عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ.
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٨٨/١٠.
(٢) في ظلال القرآن ٦/ ٣٥١٠.
(٣) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٢٣٨/٣.
(٤) انظر: في ظلال القرآن ٢٢٦١/٤.
٢٢٤
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

التوكل
بِجُنُورٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةً
الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّقْلَى وَكَلِمَةُ
اللّهِ مِى الْقُلْيَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ )﴾
[التوبة: ٤٠].
فقد خرج رسولنا صلی الله عليه وسلم
إلى المدينة بعد إيذاء المشركين وتآمرهم
على قتله، وليس لديه قوة تكفي لمقاومتهم
ومدافعتهم، والعرب كلهم ضده، وكان معه
صاحبه أبو بكرٍ رضي الله عنه، فكان المقام
مقام أدب التوكل الكامل(١).
وقد لجآً إلى الغار، فأقاما فيه ثلاثة أيام
ليسكن الطلب عنهما، وذلك لأن المشركين
حين فقدوهما ذهبوا في طلبهما كل مذهب
من سائر الجهات، وجعلوا لمن ردهما أو
أحدهما مائة من الإبل، واقتصوا آثارهما
حتى اختلط عليهم، واحتاروا في مكانهما،
فصعدوا الجبل الذي هما فيه، وجعلوا
يمرون على باب الغار، فتحاذي أرجلهم
باب الغار ولا يرونهما، حفظًا من الله لهما (٢).
وقد كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم متأدبًا بالثقة في نصر الله، فنصره الله
وأعلى قدره، ومكّن دينه في سائر أنحاء
الأرض، والله عزيزٌ في انتقامه وانتصاره،
منيع الجناب، لا يضام من لاذ بيابه
واحتمى بالتمسك بخطابه، حكيمٌ في أقواله
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤ / ١٧٥.
(٢) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٢٢٣/٣.
وأفعاله(٣).
ثانيًا: ثمرات التوكل في الآخرة:
١. النجاة من العذاب.
النجاة من العذاب هي مطلب كل
مؤمن، وهي الحق الذي وعد الله به عباده
المخلصين.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ تُنَجِ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُجِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[يونس: ١٠٣].
فالمؤمن المتّبع لرسل الله عليهم
السلام، المخلص المتقي الشاكر المتوكل
يستحق الرحمة من العذاب (٤).
ويذكر السعدي أن تلك النجاة تثبت
للمؤمنين في الدنيا والآخرة على السواء،
وهذا من قبيل دفاع الله تعالى عن المؤمنين
الذي ورد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ
عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الحج: ٣٨].
وأوضح أنه على قدر ما يتحلى المرء
بالآداب، تحصل له النجاة من المكاره(٥).
ومن نماذج نجاة المؤمنين من العذاب،
نجاة سيدنا هود ومن آمن معه.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَّةَ أَمْرُنَا غَيْنَا هُودًا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَدُ بِرَحْمَةٍمِنَّا وَنََّتْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ
غَلِيظٍ ﴾ [هود: ٥٨].
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٥/٤.
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢١٤/٣.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن ٤٨٨/١.
www. modoee.com
٢٢٥

حرف التاء
الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ
وذكر ابن عجيبة أن ذكر النجاة تكرر نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ )
﴾ [العنكبوت: ٥٨-٥٩].
يَتَوَكَّلُونَ ®
في هذه الآية مرتين؛ لأن الله تعالى عنى
بالأولى تنجيتهم من عذاب ربح السموم
الذي أصاب قومهم، والتنجية الأخرى من
العذاب الغليظ، قصد بها نجاتهم من النار
يوم القيامة(١).
وذكر الله تعالى نجاة قوم صالح عليه
السلام في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَفْرُنَا
نَجَيْنَا صَلِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ
مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ
اَلْعَزِيزُ ﴾ [هود: ٦٦].
وذکر القشيري أن رب العزة قد أجرى
على المكذبين ما توعدهم به من عذاب
غير مكذوب، ونجّى نبيّهم المتوكل عليه
السلام، ونجّى من اتّبعه من كل عقوبة في
الدنيا والآخرة، سنّةً منه سبحانه في تنجية
أوليائه أمضاها، وعادةً في تلطفه ورحمته
بالمستحقين أجراها(٢).
٢. دخول الجنة.
الجنة هي أسمی غایات المؤمن، وأرجی
آماله، و غاية عمله وعبادته.
قال تعالى واعدًا عباده المتوكلين
الصابرين بالخلود في النعيم المقيم:
وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَنْبَوِّتَنَّهُمِ
مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِىٍ مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا
(١) انظر: البحر المديد ٣٠٤/٣.
(٢) انظر: لطائف الإشارات ١٤٥/٢.
فهذا وعد الله تعالى للمؤمنين المتوكلين
بإسكانهم منازل عالية في الجنة، تجري
من تحت أشجارها الأنهار، على اختلاف
أصنافها، من ماء وخمر وعسل ولبن، ماكثين
فيها أبدًا، لا يبغون عنها حولًا، جزاءً لهم
على أعمالهم، وأنعم به من جزاء!(٣).
قال تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦].
حیث یکون ثواب الله نعيمًا لا يفنى،
ورزقًا لا ينفد، وهذا الجزاء للذين آمنوا،
وتوكلوا على ربهم، وأسلموا أمرهم له،
فثواب الله خيرٌ في طبيعته، أبقى في مدته
من أي ثواب(٤).
وفي الحديث عن ابن عباس: أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الجنة
من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب؛ هم الذين
لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم
يتوكلون)(٥).
موضوعات ذات صلة:
الألوهية، الإيمان، التوحيد، العبادة
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٥/٢١.
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧٠٥/٥.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)،
١٠٠/٨، رقم ٦٤٧٢.
٢٢٦
القرآن الكريم