Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ التَّوَكُلْ عناصر الموضوع مفهوم التوكل ١٨٨ التوكل في الاستعمال القرآني ١٨٩ الألفاظ ذات الصلة ١٩٠ دلالة اقتران التوكل بالإيمان والعبادة ١٩٢ ١٩٣ التوكل في حقّ الله تعالى ١٩٨ الأنبياء عليهم السلام والتوكل ٢٠٣ دوافع التوكل على الله تعالى ٢٠٥ مواطن التوكل على الله تعالى ٢٢٢ ثمرات التوكل المُجَلَدَ العَاشِرْ حرف التاء مفهوم التوكل أولًا: المعنى اللغوي: من الجذر ((و ك ل)) وأصلها: اعتمادك على غيرك (١)، تقول: وكلته إليك أكله كلةً، أي: فوضته، ورجل وكلٌ ووكلٌ وهو المواكل يعتمد على غيره فيضيع أمره، وتقول: وكلت بالله، وتوكّلت على الله، ووكلت فلانًا إلى الله، أكله إليه، والوكيل: فعله التّوكّل، والتوّل إظهار العجز والاعتماد على غيرك، وكذلك يعني ((التكلان)) الذي انقلبت تاؤه عن واو، ومصدر التوكل الوكالة (٢)، قال ابن منظور: ((يقال: توكّل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلانٍ أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه، ووكّل فلانٌ فلانًا إذا استكفاه أمره؛ ثقةً بكفايته، أو عجزًا عن القيام بأمر نفسه)) (٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: غلب استخدام مصطلح التوكل في توكل العبد على ربه؛ لذا عرفه العلماء أنه: ((الثقة بما عند الله، واليأس عما في أيدي الناس)) (٤)، وقال الرازي: ((التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعول بقلبه عليها، بل يعول على عصمة الحق))(٥)، وأضاف النسفي أن التوكل هو ((قطع العلائق وترك التملق للخلائق))(٦)، وقال ابن عاشور: ((هو انفعال قلبي عقلي يتوجه به الفاعل إلى الله؛ راجيًا الإعانة، ومستعيذًا من الخيبة والعوائق))(٧). وقد نخلص من المعاني السابقة إلى أن التوكل على الله هو: ثقة العبد بالله تعالى، وتفويض الأمر إليه، والاعتماد عليه في جلب النفع أو دفع الضر. والمتأمل في التعريفين اللغوي والاصطلاحي يجد توافقًا واضحًا بينهما، فالتوكل لغةً هو تفويض الأمر والاعتماد على الآخر مع الثقة، والمعنى الاصطلاحي يتضمن تفويض الأمر لله تعالى، والاعتماد عليه وحده في تسيير الأمور؛ ثقةً بقدرته الكاملة عز وجل. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦/ ١٣٦. (٢) انظر: العين، الفراهيدي ٤٠٥/٥، مختار الصحاح، الرازي ١/ ٣٤٤. (٣) لسان العرب ٧٣٤/١١. (٤) التعريفات، الجرجاني ١ / ٧٠. (٥) مفاتيح الغيب ٩/ ٤١٠. (٦) مدارك التنزيل ٤٣٩/١. (٧) التحرير والتنوير ٤ /١٥١. موسى عبر التشيك لعضوية القرآن الكريم ١٨٨ التوكل التوكل في الاستعمال القرآني وردت مادة (وكل) في القرآن (٧٠) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ ٨٨ ١٣ [هود: ٨٨] اُلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الفعل المضارع ١٨ [النحل: ٤٢] فعل الأمر ١١ ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَهَا وَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنفال: ٦١] اسم الفاعل ٤ عمران: ١٥٩] الصفة المشبهة ٢٤ ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ٦٢ [الزمر: ٦٢] والتوكل هو: الاعتماد على الغير وتفويض الأمور له، ولم يخرج في الاستعمال القرآني عن هذا المعنى(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٦٢ - ٧٦٣، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص ١٤٢٥- ١٤٥٣. (٢) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٣٣٦/٤-٣٣٨، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٢٦٦/٥ - ٢٧٥، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٦٠٧- ٦٠٨. www. modoee.com ١٨٩ المثال الفعل الماضي [آل ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِينَ حرف التاء الألفاظ ذات الصلة ١ الثقة: الثقة لغة: الائتمان (١). الثقة اصطلاحًا: من يعتمد عليه في القول والفعل(٢). الصلة بين الثقة والتوكل: يوجد تكامل كبير في المفردتين، فلا يمكن أن يتوكل الإنسان إلا على من يثق به ويأتمنه على القيام بالأمر. الثقة: ١ الاعتماد لغة: اعتمد على الشيء اتكأ، واعتمد عليه في كذا اتكل، ويقال: اعتمد الشّيء: قصده وأمضاه، ويقال: اعتمد الرئيس الأمر: وافق عليه وأمر بإنفاذه(٣). الاعتماد اصطلاحًا: هو ((القصد إلى الشيء والاستناد إليه مع حسن الركون)) (٤). الصلة بين الاعتماد والتوكل: المفردتان متقاربتان؛ لأن في كلتيهما استنادًا إلى المعتمد عليه مع حسن الركون والاطمئنان. التواكل: ٣ التواكل لغة: ((تواكل القوم: اتكل بعضهم على بعض (٥). (١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢٦/ ٤٥٠. (٢) التوقيف، المناوي ١/ ١١٦. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٣٠٢/٣، مختار الصحاح، الرازي، ٢١٨/١، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢/ ٦٢٦. (٤) الكليات، الكفوي ١/ ١٥١. (٥) العين، الفراهيدي ٢٦٦/٢. جَوَسُولَةُ النَّ القرآن الكريم ١٩٠ التوكل التواكل اصطلاحًا: هو التخاذل وترك العمل بالأسباب، وانتظار الأماني(١). الصلة بين التواكل والتوكل: المفردتان متضادتان، فالتوكل هو عمل الجوارح مع توكل القلوب، أما الكسل عن الأخذ بالأسباب مع الادعاء بالتوكل هو حقيقة التواكل. التفويض: ٤ التفويض لغة: ((فوض إليه الأمر تفويضًا: رده إليه، وجعله الحاكم فيه))(٢). التفويض اصطلاحًا: هو ((ردّ الأمر إلى الله والتبرؤ من الحول والقوة))(٣). الصلة بين التفويض والتوكل: المفردتان متقاربتان، فالتفويض والتوكل يشتركان في رد الأمور إلى الآخر فيما لا تستطيعه قدرة الشخص. (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٤ /١٤٢. (٢) تاج العروس، الزبيدي ١٨/ ٤٩٦. (٣) التوقيف، المناوي ١/ ١٠٤. www. modoee.com ١٩١ حرف التاء دلالة اقتران التوكل بالإيمان والعبادة التوكل من أعظم العبادات المرتبطة بالإيمان؛ لذلك كثر اقترانه بمصطلحي ((العبادة)) و((الإيمان))، فالتوكل على الله هو أجمع أنواع العبادة، وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها؛ لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة؛ فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل ما سواه؛ صح إخلاصه ومعاملته مع الله، وكذلك لا يصح إيمان الإنسان إذا فسد توكله، فالتوكل شرط في الإيمان (١)، بدلالة قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. أي على الله وحده اعتمدوا وثقوا، فهو وكيلكم الأعلم بما يصلح لكم إن كنتم مؤمنين، وإن لم تكونوا متوكلين فلن ينطبق عليكم سمت المؤمنين (٢). وفي موضع آخر قال جل وعلا: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَقَوِّمْ إِن كُمْ ءَامَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَّكَلُواْ إِن كُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: ٨٤]. وهنا يظهر اشتراط التوكل للإسلام، فيجب أن يسلّم الإنسان أموره لله عز وجل خالصة دون تخليط؛ حتى ينال الرضا من (٣) الله تعالى (٣). (١) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، صالح الفوزان ١/ ٧٨. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٣/١٣. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٣٦٤. وقد قرن التوكل بالعبادة في أكثر من موضع، منها قول الله تعالى: ﴿فَأَعْبُدُهُ وَتَوَ كَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود: ١٢٣]. وقد بيّن الرازي أن أول درجات السير إلى الله تعالى هو عبودية الله، وآخرها التوكل على الله، وأن هذا هو السبب الذي أدى إلى ترتيب الآية هكذا: ﴿فَأَعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، بمعنى أن المخلص في العبادة المؤدي لها بيقين وتأمل وصفاء يصل به التدبر إلى عظم الخالق عز وجل وروعة إبداعه، وأنه لا يملك أمام تلك القدرة المطلقة سوى تفويض أموره كلها والاعتماد عليه تعالی في تسيير شؤون حياته كلها (٤). ولعل ترتيب الآية السابقة يؤكد على مبدأ العبادة والعمل، ومن ثمّ تفويض الأمور لله تعالى، وهذا هو التوكل الصحيح، خلافًا لما يفعله المتواكلون من القعود عن العمل، وترك الأمور بحجة التفويض، وإسناد الأمور الخالق عز وجل، فالله يحب العاملين ولا يحب المتخاذلين. (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/ ٤١٤. صَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ١٩٢ التوكل التوكل في حقّ الله تعالى من أسماء الله تعالى الوکیل، وقد حقّ لجلاله وعزته وحكمته هذا الاسم، فعليه یجب أن یتوكل المؤمنون، وعلى غيره لا يصح التوكل؛ لأن التوكل عبادة قلبية، لا تصرف إلا لله عز وجل(١)، وسيأتي بيان معنى اسم الله الوكيل واستحقاقه جل وعلا لهذا الاسم فيما يأتي: أولًا: الوكيل من أسماء الله الحسنى: أثبت الله تعالى لنفسه اسم الوكيل، يقول الحق عز وجل: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: ٦٢]. وقال في موضع آخر: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ اَلْوَكِيلُ (٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]. والو کیل هو المتكفل باحتياجات عباده، وقيل: المو کول إليه ذلك، فإن عباده و گّلوا إليه مصالحهم اعتمادًا على إحسانه عز وجل(٢). يقول الطوسي: الوكيل ((هو الموكول إليه الأمور، ولكن الموكول إليه ينقسم إلى من يوكل إليه بعض الأمور، وذلك ناقص، وإلى من يوكل إليه الكل، وليس ذلك إلا (١) انظر: الجواب الكافي، ابن القيم ١٣٧/١. (٢) انظر: المواقف، الإيجي ٣٢٢/٣. الله سبحانه وتعالى، والموكول إليه ينقسم إلى: من يستحق أن يكون موكولًا إليه لا بذاته ولكن بالتفويض والتوكيل، وهذا ناقص؛ لأنه فقير إلى التفويض والتولية، وإلى من يستحق بذاته أن تكون الأمور موكولة إليه، والقلوب متوكلة عليه لا بتولية وتفويضٍ من جهة غيره، وذلك هو الوكيل المطلق، والوكيل أيضًا ينقسم إلى: من يفي بما وكّل إليه وفاءً تامًا من غير قصور، وإلى: من لا يفي بالجميع، والوكيل المطلق: هو الذي الأمور موكولة إليه وهو مليٌّ بالقيام بها، وفيٌّ بإتمامها، وذلك هو الله تعالى))(٣). والفرق بين وكالة الله ووكالة العباد، أن الوكيل صفة الله التي تعني المتولي القائم بتدبير خلقه؛ لأنه مالك لهم رحیم بهم، أما تو کیل العباد إنما يعقد بالتوکیل، ولا يتضمن الرحمة (٤)، لذا حريٌّ بنا أن نتوجه إلى الله جل جلاله بالدعاء باسمه الوكيل، وبجميع أسمائه الحسنى، فالله تعالى حقيق بذلك، وقد أمرنا بهذا في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ اَلُْسْقَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُّلْحِدُونَ فِيّ أَسْمَّبِهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٨٠ [الأعراف: ١٨٠]. وعلى الإنسان أن يستحضر لحظة الدعاء عزة الربوبية وذلة العبودية، فبذلك يعظم (٣) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى ص١٢٩. (٤) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ١/ ٥٧٧. www. modoee.com ١٩٣ حرف التاء الدعاء ويحسن الذكر (١). ثانيًا: استحقاق الله تعالى للتوكل لاتصافه بصفات الكمال: لله تعالى من الصفات المطلقة ما يجعلنا نسارع إلى عبادته، ونجتهد في التوكل عليه، توقًا إلى رحمته، وحرصًا على استحقاق جنته، فمن أهم ما يجعل المؤمن يتوكل على ربه عز وجل: ١ . سعة علمه. الله عز وجل هو العلیم، فقد أثبت العلم المطلق لنفسه تبارك وتعالى: ﴿ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلِّ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَّكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنفال: ٦١]. وأثبتها له صفوة عباده المؤمنين، فقد وردت على لسان أنبياء الله الكرام، كقول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَئِعِيلُ رَبَّا نَقَبَّلْ مِنََّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ١٢٧) [البقرة: ١٢٧]. وأيضًا أثبت العلم المطلق لله تعالى يعقوب عليه السلام في قوله: ﴿قَالَ بَلّ سَوَلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِ بِهِمْ جِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: ٨٣]. وقال تعالى عن مريم ابنة عمران: إِذْ (١) انظر: مراح لبيد، محمد الجاوي ١/ ٤٠٩. قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبٍ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِىِ مُحَرَّدًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ [آل عمران: ٣٥]. والعليم يعني: أن الله تعالى يحيط بكل شيء علمًا، ظاهره وباطنه، دقيقه وجلیله، أوله وآخره، عاقبته وفاتحته، فمعلوماته تعالی لا نهاية لها، و کذلك وضوحها وكشفها على أتم ما يمكن فيه، بحيث لا يتصور مشاهدة وكشف أظهر منه، ثم لا يكون تعالى مستفيدًا من المعلومات، بل تكون المعلومات مستفادة منه، فهو تعالى الذي يمدّ بالعلم من يشاء (٢)، وهذا العلم الإلهي يجعلنا نسلّم أمورنا متوكلين على الله تعالى؛ فنحن الجاهلون وهو الأعلم بحالنا وبما يصلح لشؤون ديننا ودنيانا، وهو الراضي عنا بهذا التوکل، وهو کافینا ما أهمّنا. ٢. سعة رحمته. وصف الله عز وجل ذاته المقدسة بالرحمة الواسعة، فقد قال عز وجل: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وقال أيضًا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيِّنُواْ فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمَّ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: ١٦٠]. (٢) انظر: المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، الطوسي ص٨٦. ١٩٤ مُوسُو ◌َ النَِّ القرآن الكريم التوكل وتقررت الصفة مرة أخرى في موضع ليس ببعيد عن الموضع السابق في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: ١٦٣]. وقد أثبت صفة الرحمة لله تعالى أنبياء الله الكرام، فقد قال تعالى عن موسى: ﴿وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِخَاذِكُمُ الْمِعْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقَُّلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِيكُمْ فَثَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: ٥٤]. وعن سليمان ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [النمل: ٣٠]. وأثبتها لله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَقْتَرَّةٌ قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكَّةٍ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الأحقاف: ٨]. ورحمة الله تعالى هي تفضله وكرمه على المؤمنين، فقد أوجب تعالى الرحمة على نفسه تفضلاً وإحسانًا، ولم يوجبها عليه أحد(١) في قوله: ﴿كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]. فهو الممتنّ علیھم بعطائه الجزیل، وهو الذي یتوب على عباده، (١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، الهراس ص١٠٧. يقول الطبري: ((يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء العادلین بي الجاحدين نبوتك يا محمد، إن تابوا وأنابوا قبلت توبتهم، وإني قد قضيت في خلقي: أن رحمتي وسعت كل شيء))(٢)، ونحن نقول: إذا كانت هذه رحمته بالمعرضين عنه، فكيف تكون رحمته بالمقبلین علیه، الساجدین بین یدیه، المتوكلين عليه في تسيير أمورهم، وكيف لهم ألا يتوكلوا إذا ما علموا عطفه على عباده ورفقه بھم، ورحمته فیما یقدّر لهم من مقادير! ٣. عزته وقوته. عزاء المؤمن المظلوم والمقهور في هذه الدنيا يقينه أن الله تعالى هو القوي العزيز، الذي لا تضيع عنده الحقوق ولا يفلت من عقابه الظالمون. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَقْرُنَا نَجَتْنَا صَلِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ اَلْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ﴾ [هود: ٦٦]. وتتجلى قوة الله وعزته في الآية: كونه تعالى قد أوصل العذاب إلى الكفار بصالح عليه السلام، وصان أهل الإيمان عنه، وهذا لا يصحّ إلا من القادر الذي يقدر على قهر طبائع الأشياء، فيجعل الشّيء الواحد بالنّسبة إلى إنسان بلاء وعذابًا، وبالنسبة إلى (٢) جامع البيان ١/ ١٠٧. www. modoee.com ١٩٥ حرف التاء إنسان آخر راحة وريحانًا(١). وقال تعالى: ﴿اللّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ. يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ [الشورى: ١٩]. أي: أن رب العزة ذو لطف بعباده مؤمنهم وكافرهم، فهو الذي يطعمهم ويسقيهم، وحتى في خلوات المعصية يمرّر إليهم الهواء فيحييهم، وهو تعالى على كرمه معهم قادر على أخذهم بقوته التامة؛ فهو الذي لا يعجزه شيء، وهو العزيز في انتقامه إذا أراد الانتقام من أحد(٢). والذي یفهم بحق معنى عزة الله وقوته، ويدرك أن الله مقتص من الظالمين، ناصر للطائعین عاجلاً كان أم آجلا، سيفوّض أموره كلها لله واثقًا متوكلًا موقنًا أنه لن یضیع له حق. ٤ . حکمته. من أسماء الله تعالى: الحكيم، فهو سبحانه صاحب الحكمة المطلقة. (١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٠ / ٥١٧. (٢) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٦٠٥. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٥٠٥. يقول عز وجل: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ اَلْحَكِيمُ الْخَيرُ ﴾ [الأنعام: ١٨]. قال ابن القيم: ((الحكمة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي»(٤). وقال الطوسي: ((الحكمة: هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم .. ولا يعرف كنه معرفته غيره، فهو الحكيم الحق؛ لأنه يعلم أجلّ الأشياء بأجلّ العلوم، إذ أجلّ العلوم هو العلم الأزلي الدائم الذي لا يتصور زواله، المطابق للمعلوم مطابقةً لا يتطرق إليها خفاءٌ ولا شبهةٌ، ولا يتصف وقد ابتلى الله ابن آدم بالموت؛ ليرى الظالمين، القابل توبة التائبين(٣): ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَبُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلَاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]. نتيجة عمله، والله هو العزيز المنتقم من بذلك إلا علم الله سبحانه وتعالى، وقد یقال لمن یحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها حكيم، وكمال ذلك أيضًا ليس إلا لله تعالى، فهو الحكيم الحق))(٥). وقد أثبتت آيات القرآن الكريم هذه الصفة لله تعالى، قال جل وعلا على لسان ملائكته الكرام: ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَاَ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: ٣٢]. وقال على لسان يوسف عليه السلام: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَّةَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدٍ أَن ◌َّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفَ إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ, هُوَ (٤) مدارج السالكين ٢/ ٤٤٩. (٥) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى ص١٢٠. مُوسْو ◌َةُ النَِّي لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ١٩٦ التوكل اَلْعَلِيمُ لْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. وفي الآية الأخيرة تقرير لحكمة الله العليم، فقد مرت بيوسف عليه السلام ظروف صعبة، ابتداءً من إلقائه في الجب وانتهاءً بسجنه واتهامه ظلمًا، إلا أن نبي الله المعصوم یعلم أن ربه حكيم، يجري کل حدث بمراد دقيق، وبما تقتضيه مصلحة الإنسان (١)، فإذا تيقن المرء من وجود الحكمة في تقدير الله تعالى وتدبيره، فسيترك التفكير، ويقطع السعي فيما ليس للبشر قدرة عليه، وسيفوّض أموره كلها لخالقه الحكيم العالم بمراد البشر، المتوكل بمصالحهم. ثالثًا: نفي الإيمان عن غير المتوكل على الله تعالى: التوكل على الله واجب وشرط لحصول الإيمان، وانتفاؤه انتفاء للإيمان بمقتضى قول الله تعالى (٢): ﴿وَقَالَ مُوسَى يَوْمِ إِنَ كُمْ ءَامَنْتُمْ بِلَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَّكُلُواْ إِن كُم مُسِْمِينَ ٨٤) [يونس: ٨٤]. ولأن التو کل عبادة قلبية، فلا يصح صرفه لغير الله، فهذا من الشرك. وقد قسّم العلماء التوكل على غير الله إلى قسمين: الأول: التوكل على غير الله في الأمور (١) انظر: تفسير الشعراوي ١٢/ ٧٠٨٦. (٢) انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية ١٦/٧. التي لا يقدر عليها إلا الله؛ کالذين يتوكلون على الأموات، ويطوفون بالقبور استشفاءً أو طلبًا للنصر والرزق، فهذا شرك أكبر. الثاني: التوكل على غير الله في الأمور التي يقدر عليها العباد؛ کان یتو کل على وزير أو أمير في فيما جعله الله في يده من سلطة أو وظیفة، في جلب مصلحة أو دفع أذى، فهذا ینافي كمال الإيمان ويضعفه. والوكالة الجائزة: هي توكيل الإنسان في فعلٍ مقدور علیه، ولكن ليس له أن يتوكل علیه، وإِن و گله، بل یتوكل على الله ويعتمد عليه في تيسير ما وّل صاحبه فيه(٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وما رجا أحدٌ مخلوقًا أو توکل علیه إلا خاب ظنه فیه فإنه مشرك)) (٤). وقد قال رب العزة: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الْغَيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الْرِيحُ فِ مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. والمشرك المتوكل على غير الله يوقع الله في قلبه التعلق بالمخلوقين، فيخافهم ویرجوهم فیحصل له رعب، كما قال تعالى: ﴿َسَنُلْقِى فِ قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ بِمَا أَشْرَ كُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِسُلْطَنَّاً وَمَأْوَنهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) ﴾ [آل عمران: ١٥١]. (٣) انظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الوهاب ٤٢٨/١. (٤) الفتاوى الكبرى ٢٣٢/٥. www. modoee.com ١٩٧ حرف التاء والخالص من الشرك يحصل له الأمن واطمئنان النفس والتعفف عن سؤال الناس (١). قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ إِيَمْنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ تُهْتَدُونَ :[الأنعام: ٨٢]. ولعل من أهم قوادح التوكل التي نراها في هذه الأيام اعتماد الإنسان على الرقية بواسطة شخص معین، أو العلاج علی ید طبيب بعينه اعتقادًا بقدرته على الشفاء، وهذا الأمر منافٍ للتوكل الصحيح الذي يعتمد على رجاء الله أولًا، ثم عمل ما يلزم بواسطة البشر مع عدم تعليق الأمل على أشخاصهم ثانیًا. الأنبياء عليهم السلام والتوكل أنبياء الله الكرام هم صفوة خلقه، وقد أبرز القرآن الكريم الأسوة الحسنة من خلال قصصهم مع أقوامهم عليهم السلام، فكانوا خير المؤدّبين لأممهم والمخلّصين لها من أرذال الجاهلية، والمتحلّين بأجمل الخلال، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقد تحلى أنبياء الله عليهم السلام بالتوكل، وحثوا أقوامهم على ذلك، وسنبين ذلك فيما يأتي: أولًا: دعوة أقوامهم إلى التوكل على الله تعالى: دعا أنبياء الله الكرام أقوامهم إلى التوكل؛ لأنه من أجلّ العبادات. قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَ كَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَنَنَا سُبُلَنَا وَلَنَصَبِرَنَ عَلَى مَآَ مَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَّلِ الْمُتَوَّكِلُونَ ﴾ [إبراهيم: ١٢]. وهذه العبارة نقلها القرآن الكريم ليصور لنا حال أنبياء الله الكرام الذين اجتهدوا في دعوة أنبيائهم إلى التوكل، فقد علّموهم التوكل بالقدوة، وحضّوهم عليها بالقول، وبيّنوا لهم أن هداية الله ونصره وتأييده لا تأتي إلا بالتوكل، ولا ننسى دعوة يعقوب عليه السلام لأبنائه وقومه أن يتوكلوا، (١) انظر: المصدر السابق ٥/ ٢٣٢. مَوَسُ رُ التقنية العضوي القرآن الكريم ١٩٨ التوكل وأمرهم باتخاذ الأسباب التي تحميهم، ومن ثمّ تفويض الأمر لله عز وجل برعايتهم وحفظهم. قال تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: ﴿وَقَالَ يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبِ مُتَفَرِقَةٍ وَمَّا أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتٌّ وَعَلَيْهِ (٦٧) ﴾ [يوسف: ٦٧]. فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ قال ابن عاشور: ((أراد بهذا تعليمهم الاعتماد على توفيق الله ولطفه مع الأخذ بالأسباب المعتادة الظاهرة؛ تأدبًا مع واضع الأسباب ومقدر الألطاف في رعاية الحالین، لأنا لا نستطيع أن نطلع على مراد الله في الأعمال، فعلينا أن نتعرفها بعلاماتها، ولا یکون ذلك إلا بالسعي لها)»(١). وقد وردت في قصة موسى عليه السلام دعوة إلى التوكل، تأمل قول الله تعالى: وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِنَ كُمْ ءَامَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَلُواْ إِن كُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: ٨٤]. فالتوكل من أهم الأمور التي دعا إليها موسى عليه السلام وعلمها لقومه، ويظهر ذلك التأديب في قصة نقباء موسى الذين تربوا علی یدیه. قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ (١) التحرير والتنوير ٢٠/١٣. ٢٣ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣]. والقصة تحكي عن اثنين من النقباء الذين أرسلوا إلى الجبارين لاستكشاف قوتهم، وهؤلاء المذكورون في الآية من المؤمنين الذين رباهم موسى عليه السلام على التوکل، فحثوا قومهم علی ذلك، وبیّنوا لهم أن قوة الجبارين في أجسادهم فقط، وأنهم إذا غزوهم في عقر دارهم ذلّوهم وهزموهم، وهذه هي التربية المؤمنة التي تعلّم أبناءها بذل الجهد وعدم الانشغال بالنتائج؛ لأن الله ناصر عباده وكافيهم شر الأعداء إن صدقوا الإخلاص وأحسنوا التوكل(٢). ثانيًا: الأنبياء أسوة في التوكل على الله تعالى: التوكل سمة مشتركة لدى الأنبياء عليهم السلام، وقد ظهر التوكل في القصص القرآني بشكل واسع. قال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١]. ويظهر في الآية التأكيد على صفة التوكل والحث عليها بقوة، فقد بيّنت أن الرسل (٢) انظر: المصدر السابق. www. modoee.com ١٩٩ حرف التاء عليهم السلام أكدوا بشريتهم لأقوامهم وأن الله قد منّ عليهم بالتوحيد والدعوة، وأن الله ناصرٌ أنبياءه بقوته وجبروته تعالى، فقد تحدوا أقوامهم بأنهم متوكلون على الله، في دفع کیدهم ومکرهم، وأن الأنبياء کانوا جازمین بکفایته إیاهم، وقد کفاهم الله شرهم، على الرغم من حرص المكذبين من أقوامهم على إطفاء ما معهم من الحق، وقد كان توكل الرسل عليهم الصلاة والسلام في أعلى المطالب وأشرف المراتب؛ فهو التوكل على الله في إقامة دينه ونصره، وهداية عبيده وإزالة الضلال عنهم، وهذا أكمل ما يكون من التوكل. (١) وإمام المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الذي توكل على ربه في دعوته وربّى أصحابه الكرام على تلك الصفة، فقد تخفّى عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر رضي الله عنه في الغار فرارًا بدینه من بطش المشركين. قال تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذَا أَخْرَجَةُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ. بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةً (١) انظر: التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي ١٠٨/٤. الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّقْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ مِى الْعُلْيَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ ﴾ [التوبة: ٤٠]. عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنك يا أبا بكر في اثنین الله ثالثهما)(٢)، فرد علیه حبيبہ علیه السلام: (لا تحزن) حاثًا إياه على مجاهدة النفس وتوطينها على عدم الاستسلام، وقال له: (إنّ اللّه معنا) يعني بنصره وتأييده(٣). يقول الخازن: ((وفيه بيان عظيم على توكل النبي صلى الله عليه وسلم .. وفيه فضيلة لأبي بكر وهي من أجلّ مناقبه، والفضيلة من أوجه، منها: اللفظ الدال على أن الله ثالثهما، ومنها: بذله نفسه ومفارقته أهله وماله ورياسته في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وملازمته النبي صلى الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيها، ومنها: جعله نفسه وقاية عنه، وغير ذلك)) (٤). ولا يخفى ما أظهره أبو بكر الصديق وأصحابه من التوكل على الله عز وجل، فها (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، ٤/٥، رقم ٣٦٥٣. (٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢١٣/١٠. (٤) لباب التأويل ٣/ ٩٤-٩٥. ٢٠٠ جوبيى القرآن الكريم التوكل هو أبو بكر رضي الله عنه يتصدق بكل ماله اٌلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِىٌ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ () [إبراهيم: ٣٧]. في سبيل الله، ويجيب حبيبه صلى الله عليه وسلم عندما سأله: (ماذا أبقيت لأهلك؟) فيقول: أبقيت لهم الله ورسوله(١). ومنّا الآن من يستعظم صدقته إذا تجاوزت دخل یوم أو أقل، فلله درك يا أبا بكر ! وقد ظهر التوکل جليًا في قصة نوح عليه السلام عندما قال لقومه: ﴿يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبْرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اَللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجِْعُوا أَفْرَكُمْ وَشُرَّكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُرْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُوْا إِلَىَّ وَلَا تُنُظِرُونِ ﴾ [يونس: ٧١]. أي: إن کان الدين الذي أدعو إليه ثقيلًا علیکم ولا تتحملون مكوثي معكم ودعوتي لكم، فاجتمعوا أنتم وجميع شركائكم وافعلوا أقصى ما تستطيعون جهرًا لا خفية، ولا تمهلوني أو ترحموني أو تألوا في ذلك سبيلًا، فأنا متعلق بالله الذي سيكفيني أمركم وسينصرني بقوته وعزته، وهذه قمة التحدي المبني على التوكل على الله والاعتزاز بالله عز وجل. كما ظهر توكل سيد المتوكلين إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿رَبََّآَ إِنِّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ (١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب الرخصة في ذلك خروج الرجل من ماله، ١٢٩/٢، رقم ١٦٧٨. انظر كيف يترك إبراهيم عليه السلام لا يخاف على أهله الموت فقرًا وجوعًا، زوجه وابنه في صحراء مقفرة لا زرع فيها ولا مياه، يترك ابنه الذي رزقه الله إياه بعد سنين في مكان لا يتصور أحد أن يترك فلذة كبده فيه، وتسأله زوجه: الله أمرك بهذا؟ فيشير برأسه أن نعم، فتقول متوكلة على الله: إذًا لا يضيعنا الله أبدًا، هذه هي أسرة المتوكلين على الله حين علموا أن الله يريد أن يتم أمره الذي قدره(٢). ويذكر الإدريسي أن في فعل إبراهيم عليه السلام إشارة إلى تربية أهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم، ونعمت التربية تلك، فأعلمنا بسنته القائمة على الحنيفية السمحة السهلة: أن المؤمن الصادق ينبغي ألا یکون معوّلًا على الأسباب فحسب، بل يلزمه التوكل على الله في جميع أموره(٣). وعلينا ألا نستغرب هذا التوكل العظيم منه عليه السلام، فهو الذي تبرأ من قومه جھرًا وهو یتوقع أنهم سيلحقون به الضرر، ولم یکن يملك ما يدفع به مکرهم، لكنه لم يخش إلا الله، فقال عليه السلام داعيًا ربه عز وجل: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٦٨/٩. (٣) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٣٧٥/٣. www. modoee.com ٢٠١ حرف التاء الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]. ولما ألقوه في النار ظهرت نتيجة توكله المحض، فكل الأنبياء خصوا الله تعالى فكانت تلك الآية الرائعة، والمعجزة العظيمة في تحول النار عن صفة الاحتراق إلى صفة البرودة مع السلام. قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُنِي بَرْدًّاً وَسَلَمًا وَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ عَلَى إِزَهِيمَ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠]. ٧٠ الْأَخْسَِنَ فلما رأى النمرود تلك الآية ترك إبراهيم وكف أذاه عنه، فمن ذا الذي يخاف كيد الكافرين ومكرهم وهو في كنف المولى عز وجل، الغالب على أمره ولو كره الكافرون (١). وقد توکل هود عليه السلام على ربه، وتحدى قومه المكذبين أن يضروه، فهو المتوكل على الله ولا يخسر المتوكلون أبدًا، قال تعالى على لسان هود عليه السلام: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا نُظِرُونِ ) إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى الَّهِ رَبِ وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌبِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبٍِ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [هود: ٥٥ -٥٦]. وكذلك توكل شعيب عليه السلام على ربه، واعتز بهذا التوكل قائلًا: ﴿وَسِعَ رَبُّنَاكُلَّ شَىْءٍ عِلْمَاً عَلَى اَللّهِ تَوَكَلْنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. وقال أيضًا: ﴿وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]. (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٣٠/٣. ولا يخفى أن التوكل إشارة إلى التوحيد وحده بالتوكل، وأكدوا على ذلك في دعوتهم لأقوامهم، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على كونه عملًا عقديًّا مهمًّا ينبغي ألا يشوبه شوائب(٢). (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٩/١٨. ٢٠٢ مَوَسُ بَرُ الْبَّفِرُ القرآن الكريمِ التوكل دوافع التوكل على الله تعالى للتوكل على الله تعالى دافعان رئيسان، وهما: الإيمان بالله تعالى، والإيمان بالقدر، وبيان ذلك فيما يأتي: أولًا: الإيمان بالله تعالى: التوكل مبني على الإيمان، لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. قال ابن القيم: «فذكر اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء الإيمان للتوكل، وإن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفًا، فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد، والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والهداية)) (١). وانتفاء التوكل يعني انتفاء الإيمان، يقول المولى عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنَا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّثَلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ ﴾ [الأنفال: ٢-٣]. ٣ مُنْفِقُونَ (١) طريق الهجرتين وباب السعادتين ٢٥٥/١. هذا وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الآية تعني أن من اتصف بتلك الأوصاف هو المؤمن كامل الإيمان، بينما من لم يتصف بها هو المؤمن ناقص الإيمان، فلا ينتفي عنه الإيمان بالجملة (٢)، لكن المتأمل في الآية وفي معنى التوكل يعلم أن التوكل أمر عقدي، لذا يستبعد أن يكون المتوكل على غير الله مؤمنًا إيمانًا ناقصًا، بل يرجّح انتفاء الإيمان عنه، والله أعلى وأعلم. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٣٦٥، أنوار التنزيل، البيضاوي ٤٩/٣. www. modoee.com ٢٠٣ حرف التاء ثانيًا: الإيمان بالقدر: الإيمان بالقدر من أهم ما يدفع إلى التوكل على الله؛ فالذي يعلم يقينا أن الله تعالى قد قدّر حياته ومعاده ورزقه وذريته وزوجه وأمور معاشه كلها، لا يتوانى في تسليم أموره كلها لله، ولا يقلق ولا يجزع من المستقبل، فالذي خلقه هو من قدّر سير حياته، فيعيش مطمئن البال راضيًا بما كتب الله له، لا يلهث وراء الدنیا ولا یتکالب على المناصب والأرزاق، فالله تعالى قد كتب له مقدارًا من الخیر سیأتیه دون غيره. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَنَوَفَّنَكُمْ وَمِنكُ مَّن يُرَةُ إِلَى أَذَلِ الْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعْلَ بَعْدَ وَاللَّهُ فَضَّلَ عِلْمِ شَيْئًاْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْرِّزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُضِلُواْ بِرَّدِى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ وَاللَّهُ فِيهِ سَوَاءُ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٥) جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ الطَّيِبَتِ أَفَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَيِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ ﴾ [النحل: ٧٠-٧٢]. يَكْفُرُونَ ﴿ وعن محمد بن عمران قال: قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟ قال: ((أربع خلال: ١. علمت أن رزقي ليس يأكله غيري، فلست أشغل به. ٢. وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به. ٣. وعلمت أن الموت يأتيني بغتة، فأنا أبادره. ٤. وعلمت أني بِعَيْنِ الله في كل حال، فأنا مستحي منه»(١). والتوكل على الله تعالى لا يعني ترك الأسباب بحجة كون الأمور مقدرة عند الله، فترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلا عن جهل بالشرع أو فساد في العقل، فالتوكل محله القلب، والعمل بالأسباب محله الأعضاء والجوارح، ولا يكمل التوكل إلا بالعمل، فالمؤمن یعمل ویأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله تعالى في جلب المنفعة (٢). وقد أمر الله تعالى بأخذ الأسباب في كل الأحوال، تأمل قول الله تعالى: ﴿فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُواْ مِنْ رِّزْقِهِ ﴾ [الملك: ١٥]. فبالرغم من كون الرزق مقدرًا إلا أننا مأمورون بالسعي من أجله، وبالاجتهاد في استصلاح الأرض والحصول على ثرواتها (٣). وانظر قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُ واْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]. فالحذر عمل بأسباب النصر، وكذلك الاستعداد للمعركة من عوامل النصر، (١) الكشف والبيان، الثعلبي ٢/ ١٩٤، سير أعلام النبلاء، الذهبي ١١/ ٤٨٤. (٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤ / ١٧٠. (٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٣٨/٨. مُوسُوبَةُ النَّفِيد لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٠٤ التوكل ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وفي الآية: تنبيه إلى ضرورة الاستعداد وعدم الاتكال على حسن النوايا وطيب الهدف، فيجب ألا نقصر في إعدادنا للقوة التي تعيننا على ملاقاة الأعداء ونبذل في سبيل ذلك جهودنا وأموالنا؛ حتى نستحق نصر الله وتأييده (١)، وتدبر قول يعقوب عليه السلام لابنه يوسف: ﴿قَالَ يَبُّنَىَّ لَا نَقْصُصْ رُهِ يَاكَ عَلَى إِخْوَيِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]. فقد أمر يعقوب ابنه يوسف عليهما السلام أن يجتنب ذكر أمر الرؤيا أمام إخوته، على الرغم من فهمه ويقينه أن الله سيجعل ليوسف مستقبلًا عظيمًا، إلا أن هذا لا يمنع من صيانة الإنسان لنفسه وحفظه لأموره من الحسد والكيد(٢). (١) انظر: تفسير الشعراوي ٨/ ٤٧٧٥. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٥٢/٤. مواطن التوكل على الله تعالى يدخل التوكل في تفاصيل حياتنا كلها، فلا يخلو سلوك المؤمن من استحضار التوكل على الله عز وجل في جميع أموره، ومن تلك المواطن التي نتوكل فيها على الله تعالى: أولًا: تحقيق المصالح ودفع المضار: يمر الإنسان في حياته بلحظات يكون فیها بأمس الحاجة إلى توفيقٍ رباني وحفظٍ إلهي، فالدراسة للامتحان والاجتهاد وحده ليس كافيًا للحصول على درجة عالية، أو التنافس على وظيفة راقية، ووجود الزوجة ليس ضامنًا لإنجاب الذرية، ووجود الذرية ليس مؤشرًا على الراحة عند الكبر، واتباع وسائل الإنذار من الحرائق والسرقات لا يضمن عدم حصول كوارث في المنزل أو المؤسسة، وكل ما يفعله الإنسان من اجتهادات لا يغير شيئًا؛ لو لم يقترن بحفظ الله تعالی ونصره وتسديده. يقول المولى عز وجل: ﴿إِن يَنصُرّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُُكُمْ مِنْ بَعْدِهِهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [آل عمران: ١٦٠]. وفي الآية: خطاب للمؤمنين أنه إن ينصر كم الله ویثبتکم ویوفقکم فلن يستطيع أحد خذلانكم أو مضرتكم، وإن ترك الله www. modoee.com ٢٠٥ حرف التاء نصرتكم فلن يستطيع أحد نفعكم، فتوكلوا المؤخر، لا إله إلا أنت، أو: لا إله غيرك)(٣). فدعاؤه عليه السلام دليل على توكله على ربكم وثقوا بنصره، وفوضوا جميع أموركم إليه؛ حتى تنالوا إسناده وتوفيقه ونصرته (١). القولي، واجتهاده في التنبه ليلا والتوجه إلى الله بالصلاة والدعاء والرجاء على الرغم من کونه نبي هذه الأمة، وأول من يدخل قال الراغب الأصفهاني: ((إن حصل لكم النصرة فلا تعتدوا ما يعرض من العوارض الدنيوية في بعض الأحوال غلبة، وإن خذلكم في ذلك فلا تعتدّوا ما يحصل لكم من القهر في الدنيا نصرة، فالنصرة والخذلان معتبران بالمآل»(٢). الجنة على الإطلاق؛ دليل على أهمية العمل لأجل طاعة الله ولاستحقاق رحمته وجنته، هذا إلى جانب مواقفه صلی الله عليه وسلم التي يصعب عدّها والتي جسّد لنا فيها القدوة الرائعة للتوكل على الله تعالى. وفي السنة النبوية ما يدلل على دوام توكل النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا، من ذلك ما ورد عن ابن عباس: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبیون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت فعلى المؤمن أن يقتدي برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي علّمنا ألا ندع التوكل على الله في كل صغيرة وكبيرة؛ فهو راحة وطمأنينة واستقرار للرضا في قلب المؤمن، بالإضافة إلى أنه يعود على الإنسان بالعزة والاستغناء عن البشر. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ .. ﴾ [الطلاق: ٣]، أي: كافيه ومغنيه عمن سواه (٤). فيجب أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وينبغي أن نتوكل على الله وكأن الأسباب ليست بشيء، فكأن الطريق الصحیح عن یمینه واد سحیق، وعن يساره واد سحیق، إن أخذنا بالأسباب واعتمدنا (١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٢ / ١١٦٢. (٢) تفسير الراغب الأصفهاني ٣/ ٩٥٥. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه بالليل ٨/ ٧٠، رقم ٦٣١٧. (٤) انظر: تفسير السمر قندي، ٣/ ٤٦١. ٢٠٦ مَوَسُولَة النَ القرآن الكريم