Indexed OCR Text
Pages 21-40
التقليد سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَتَبَّنِيّ إِسْرَّهِ يلَ أَعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ, مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ ، لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٢ -٧٣]. فهاتان الآيتان تظهران كفر من اعتقد هذه العقيدة. وفيهما تحذير لأهل مكة التي ضاهى مشركوها اليهود والنصارى، حين خرقوا لله بنين وبنات بغير علم، وجعلوا الملائكة -الذين هم عباد الرحمن- بنات الله، وكذلك فيهما تحذير للمسلمين من أن یغلو في نبيهم صلی الله عليه وسلم، مشابهة اليهود والنصارى في العزير وعيسى، والذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا حينما قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله)(١). ومع هذا التحذير والإرشاد، إلا أنه وجد في الأمة من أعطى النبي صلى الله عليه وسلم بعض صفات الألوهية، كالتضرع إليه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات ومغفرة الذنوب (٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب ﴿وَأَذْكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ أَنتَبَذَتْ مِنْ أهْلِهَا ﴾، ١٦٧/٤، رقم ٣٤٤٥. (٢) انظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان بن فمن أهل التصوف من أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس له وما هو بريء منه، فاعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الله المستوي على العرش، وأن السماوات والأرض والعرش والكرسي وكل الكائنات خلقت من نوره وإنه أول موجود؛ وهذه عقيدة ابن عربي(٣) . ونهى النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا رضي الله عنه حينما أراد السجود له، تقليدًا لنصارى الشام في السجود لأساقفتهم، وبین أن هذا لا ينبغي إلا لله وحده (٤). خامسًا: تعظيم الأولياء: بشر الله تعالى أولياءه الصالحين بألا يخافوا ولا يحزنوا فقال: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءُ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٦٣) [يونس: ٦٢ -٦٣]. و((أولياء الله هم المؤمنون الذين والوه بالطاعة والعبادة))(٥)، وهم الأقرب إلى الله تعالى، والأكثر طاعة له، وخشية منه. عبدالله، ص ٢٧٣، إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ١/ ٦٢. (٣) انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ١١٥٧/٢. (٤) انظر: أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة، ٥٩٥/١، رقم ١٨٥٣. (٥) المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٤٤/٣. www. modoee.com ٣٦١ حرف التاء والأولياء الصالحون وجدوا عبر التاريخ، فهم يتبعون الأنبياء والرسل عليهم السلام، وكانوا من الطاعة والعبادة لله ما ميزهم عن غيرهم، فأخذت الدهماء تنظر إليهم نظرة تقدير وإجلال وإكبار، فمنهم من ظن فيهم الشفاعة عند الله تعالى، ومنهم من أوصلهم إلى مرتبة الألوهية، فتوجهوا إليهم من أجل قضاء الحاجات، وتلبية الرغبات. والناظر إلى آيات القرآن الکریم یجد ما یدل على ذلك. فقوم نوح قال الله تعالی في حقهم: ﴿وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّءَالِهَنَّكُ وَلَا نَذَّرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾ [نوح: ٢٣]. هؤلاء رجال صالحون كان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا جعل أتباعهم لهم صورًا ليتذكروهم، فينشطوا في العبادة والطاعة كلما رأوها. واستمر الحال حتى نسخ العلم وانتشر الجهل، وزين لهم الشيطان، أن هؤلاء الرجال الصالحين كان يستمطر ويستنصر بهم، فزاد تعظيمهم في الأنفس حتى وصلوا إلى عبادتهم. وظاهرة تقديس الصالحين عادة سرت إلى أمة الإسلام ممن قبلنا وموجودة حتى يومنا هذا، فزمن ابن تيمية يقول عنهم: ((وهؤلاء الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون الذين يقصدون بعبادة المخلوق، ما يقصده العابدون لله منهم من قصده قضاء حاجته وإجابة سؤاله يقول هؤلاء أقرب إلى الله مني فأنا أتوسل بهم وهم يتوسطون لي في قضاء حاجتي ... ومنهم من يجعل لصاحب القبر نصيبًا من ماله أو بعض ماله، أو یجعل ولده له كما كان المشركون يفعلون بآلهتهم، ومنهم من يسيب لهم السوائب، فلا يذبح ولا یرکب، وما یسیب لهم من بقر وغيرها كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم)) (١). والناظر اليوم لعباد القبور، يرى الأعاجيب من سجود لأصحاب المقامات، واستشفاء بهم، وطلب رزق منهم، وغير ذلك مما لا ينبغي إلا لله وحده سبحانه. وها هم قوم إبراهيم عليه السلام يعكفون على أصنام لهم، تعظيمًا لها، وتقليدًا لآبائهم. فقد دار الحوار بين إبراهيم عليه السلام وبين قومه كما أخبرنا الله سبحانه عنهم في سورة الشعراء. فإبراهيم عليه السلام يسأل قومه عن معبوداتهم: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ ٧٠ ، فيجيبون بأنها أصنام يظلون لها عاكفون: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُ لَهَا عَلَكِفِينَ )). فأخبرهم بصيغة السؤال الاستنكاري أنها لا تضر ولا تنفع ﴿قَالَ مَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ قَدْعُونَ ﴿ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُونَ ٣)﴾. فکان ردهم الذي یکشف خبايا (١) الرد على الأخنائي، ابن تیمیة،ص ٥٩. مُوسُو ◌َةُ الَّخِ القرآن الكريمِ ٣٦٢ التقليد أنفسهم في التقليد: ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَاَ ءَابَُّنَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾. وكلمة ﴿بَلْ﴾ تظهر إضرابهم عن كلام إبراهيم عليه السلام، وعدم سماعهم له؛ لأن قضية تقليد الآباء أهم وأعظم عندهم. وهذا ينم عن تصميم، وقوة إرادة في أنفسهم لمسألة التقليد. فقوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فيه دلالة واضحة على تقليدهم آباءهم في الفعل، فالكاف للتشبيه. فهم يفعلون كما فعل آباؤهم، ومن تعظيمهم لهذه الأصنام أنهم ظلوا لها عاكفين. وعاكفون من ((عكف على الشيء يعكف ويعكف عكفًا عكوفًا: أقبل عليه مواظبًا لا يصرف عنه وجهه ... لزم المكان (١)، فالعكوف من ملازمة الشيء. وهذا من تعظيم الملازم للملازم. فهم عاكفون على عبادة الأصنام، منكبون على تعظيم من لا يستحق التعظيم، إظهارًا لما في أنفسهم من الابتهاج بهذه العبادة. وكما عكف قوم إبراهيم عليه السلام على أصنام وتماثيل؛ تقليدًا لأسلافهم واقتفاءً لآثارهم، فقد وجدنا هذا العكوف عند قوم موسى عليه السلام، لكن مع معبود آخر هو العجل، صنعه لهم السامري، وتكررت كلمة (العكوف)، فقال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونٌ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمِيِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَأَنَّبِعُونِيِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى ) قَالُواْلَنْ (١) لسان العرب، ابن منظور، ٢٥٥/٩. تَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴾ [طه: ٩٠- ٩١]. فكان الرد الذي فيه الغلظة وينم عن شدة التقليد: ﴿قَالُواْ لَن نَّْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجَعَ إلَيْنَا مُوسَى ﴾ [طه: ٩١]. وكلمة (لن) نفي فيه الشدة والتأبيد، وفيه دلالة على أنهم أشربوا حب العجل حتی أعماهم عن التأدب مع نبي الله تعالی، كما قال سبحانه: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ اُلْمِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]. وكلمة﴿في ﴾ الدالة على الظرفية، تبين مدى الحب لعبادة العجل، وتعمقه في قلوبهم. www. modoee.com ٣٦٣ حرف التاء مجالات التقليد أولًا: التقليد في العقيدة: العقائد مسائل ثابتة، یجب الإيمان بها، ولا مجال للتلاعب فيها. إلا أن الأقوام حينما جاءتهم رسلهم بالبينات، مبشرين ومنذرين، جابهوا أنبياءهم بالكفر والنكران، وحجتهم في ذلك: ﴿بَلّ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَزِهِم ◌ُهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: ٢٢]. والتقليد في العقيدة تكرر من الأمم في موقفها من رسلها، وإنكار البعث، والاحتجاج بالقدر. وولوج هذا الجانب من التقلید العقائدي سیکون في مسائل ثلاث: ١. التقليد في موقف الأمم من الرسل والدعاة. أرسل الله تعالى الرسل تترا إلى الناس مبشرين ومنذرين، فمنهم من آمن، ومنهم من صد عن سبيله. والذين صدوا عن سبيله هم الأكثرية، وكانت لهم مواقف تجاه الرسل متكررة على مر الأجيال، ومن هذه المواقف: شبهة بشرية الرسل، وموقف التكذيب والاستهزاء بهم وبالدعاة. وسیکون الحديث عن هذين الموقفين. الموقف الأول: شبهة بشرية الرسل. تكررت هذه الشبهة على لسان الأقوام المكذبة للرسل عليهم السلام، ظنًا منهم أن الرسالة لا تنبغي إلا لملك مقرب، والبشر أدنى من هذا المستوى، ولئن كانت هذه لبشر، فتنبغي أن تكون لرجل عظيم في المال والجاه. وجاءت هذه الشبهة على لسان الأقوام في أكثر من آية، منها قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بَنَّهُ كَانَتَ تَأْنِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبِتَتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ مَّدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَواْ وَاسْتَغْنَى اَللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حِيدٌ ﴾ [التغابن: ٦]. فهذه الآية ذكرت اتهام الأقوام للرسل عليهم السلام بأنهم بشر، وهذا الكلام لمجموع الرسل (رسلهم)، وفيه بيان أن الأقوام توارثت هذه الشبهة، وتفوه بها اللاحقون تقليدًا للسابقين. فقد كانت حكاية هذه الشبهة على لسان الملأ من قوم نوح عليه السلام حين دعاهم: ﴿أَنْ لَّ نَعْبُدُوْاْ إِلَّ اللَّهَ ﴾ [هود: ٢٦]. فكان ردهم كما قال الله سبحانه: ﴿فَقَالَ الْمَلُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِ، مَا هَذَّا إِلَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ سَآءَ اللّهُ لَأَنزَلَ مَلَئِكَةُ مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَا بَآَيْنَا الْأَوَّلِينَ [المؤمنون: ٢٤]. والأمر نفسه يتبعه قوم عاد وثمود، فقال الله سبحانه مقولتهم: ﴿إِذَّ جَآءَتُهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّا اللّهُ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَتِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أَرْسِلْتُم بِ. ٣٦٤ القرآن الكريم التقليد كَيَفُرُونَ ﴾ [فصلت: ١٤]. وتتوالى الأمم في إنكارها البشرية الرسل عليهم السلام، حتى يصل الأمر لقوم فرعون فيخبر الله تعالى عنهم استنكارهم البشرية موسى وهارون عليهما السلام: ﴿فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَبِدُونَ )﴾ [المؤمنون: ٤٧]. كذلك قوم شعيب عليه السلام يتابعون غیرهم في هذه الشبهة، فيقول الله عنهم: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لْقَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٨٦]. وكذلك يقولها أهل أنطاكية لرسلهم الثلاثة الذين أرسلهم إليهم عيسى عليه السلام: ﴿قَالُواْ مَآ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس: ١٥]. وتستمر البشرية في التواصي على هذه الشبهة، حتى يأتي أهل مكة فيكرروها لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَيْهِمُ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ مُبِينُ ))﴾ [يونس: ٢]. في بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم سبقهم إلیه قوم نوح إذ قال الله تعالى عن ذلك: ﴿أَوَ عَمْتُمْ أَنْ جَاءَ كُمْ ذِكْرٌ مِّن رَبِّكُمْ عَ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣]. وكذلك جاء هذا العجب من قوم عاد وبنص الآية السابقة نفسها (١)، ((فإنكار رسالة البشر عام في كل الأمم)) (٢). الموقف الثاني: التكذيب والاستهزاء والطرد. المجتمعات البشرية تكون على نمط معين من الحياة، فيها كبراء يقودون رعية هي لهم تبع، فإذا كانت هذه المجتمعات ظالمة منحرفة عن عقيدة التوحيد، أرسل الله إليها الرسل مبشرين ومنذرين، وتكون هذه الرسالة تحريرًا للضعفاء من التبعية العمياء للكبراء، وهداية الجميع لله وحده. وهذه الرسالة الجديدة تجد الاستجابة من الضعفاء، والصد والعنت -عادة- من الكبراء، وحجتهم أن الرسل وأتباعهم ليسوا من علية القوم وملئهم، بل هم من الضعفاء. وعند توالي تبعية المستضعفين للرسل والدعاة، يستشعر الكبراء الخطر في ضياع نفوذهم، وذهاب طاعة المستضعفين لهم، فيبدأ هؤلاء الكبراء بإثارة الشبهات حول الرسالة الجديدة لهدمها، فیکذبونها ويستهزؤون بها. وحينما لا تفلح حجتهم والبطش وطرد الرسل والدعاة. وهذا الأمر وهذا العجب الذي حصل من أهل مكة أمام حجة دين الله تعالى يلجئون إلى القوة (١) الأعراف: ٦٩. (٢) أيسر التفاسير، الجزائري، ٤٠/٢. www. modoee.com ٣٦٥ حرف التاء ديدن الكافرين قديمًا وحديثًا، كما أخبرنا إِلَيْكُمْلَمَجْنُونٌ ﴾ [الشعراء: ٢٧]. القرآن العظيم. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ، وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ [الحجر: ١٠-١١]. يقول ابن عاشور: ((﴿كَانُواْ پِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ ﴾يدل على تكرر ذلك منهم، وأنه سنته، (فكان) دلت على أنه سجية لهم، والمضارع دل علی تکرره منهم))(١). وكذلك بین الله تعالى أن اتهام الرسل عليهم السلام بالسحر أو الجنون ديدن الأقوام الكافرة، فقال الله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَقَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِّ أَوْ مَجُنُ ( أَتَوَاصَوْ بِّ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ )﴾ [الذاريات: ٥٢ -٥٣]. والآية تتحدث عن عموم الأقوام الذین جاءتهم رسلهم بالبينات، فما کان قولهم لرسلهم إلا أن قالوا: ساحر أو مجنون. وهذا ما قالته قریش لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقوم نوح عليه السلام يتهمونه بالجنون: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥]. والتهمة نفسها وجهت إلى سيدنا موسى عليه السلام من فرعون، حيث قال الله تعالى مقولته: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ (١) التحرير والتنوير. ابن عاشور ٢٣/١٤. وانظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٢٩٥. و کذلك فعل کفار مکة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوصفوه بالكذب والجنون في أكثر من موطن، فقال الله سبحانه عنهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا أَمَ بِهِه ◌ِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]. وكما كانت الأقوام تتوالى في الاستهزاء بالرسل عليهم السلام، كذلك كان الحال بأتباع الرسل المؤمنين. فقوم نوح عليه السلام اتهموا من آمن به بأنهم ليسوا من أهل العقل، وليس لهم رأي سديد، فقال الله سبحانه: ﴿وَمَا نَرَئِكَ اتَبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا بَادِىَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَذِينَ ﴾ [هود: ٢٧]. وشابه ملأ قریش ملأ قوم نوح في ازدراء المؤمنين أتباع الرسل، فكان أغنياء مكة وكبراؤها، إذا مروا على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا ضعفاء المسلمين کعمار وخباب وصهيب رضي الله عنهم، استهزؤوا بهم وقالوا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى، لو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقونا إليه، وما خصهم الله به دوننا(٢). ومن مسلمي اليوم من يستهزىء بالملتزمين بشرع الله تعالى في أفلام فضائيات هابطة وجوالات محمولة. وهؤلاء (٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ٢٣٧/٢. مُوسُوبَةُ النَّفِي القرآن الكريمِ ٣٦٦ التقليد يشبهون المنافقين في أخلاقھم وصفاتهم الذين قالوا في غزوة تبوك عن الصحابة: ((ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء)»، يعني: رسول الله صلی الله عليه وسلم وأصحابه، فأنزل الله فيهم: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُننَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ) لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥- ٦٦] (١) . ولما لم يجد التكذيب والاستهزاء نفعًا أمام المستمسكين بدينهم، الثابتين عليه، رفع أهل الكفر سقف المحاربة إلى التهديد والوعيد لرسل الله وأتباعهم بالإخراج من أوطانهم. فقال الله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُدُنَ فِى مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: ١٣]. فهذه الآية جاءت بعد الحديث عن أقوام موسى ونوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا یعلمهم إلا الله(٢)، والآية تكلمت بلسان الجمع ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ﴾، وهذا يعني أن النفي والطرد من سنة الكافرين، فقلد اللاحقون السابقين. وهذا النفي والإخراج كان تهديدًا من (١) انظر: أسباب النزول، الواحدي، ص١٦٩. (٢) انظر: سورة إبراهيم: ٩. قوم شعيب الشعيب عليه السلام ومن آمن قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِ. معه: لَنُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]. وكذلك من قوم لوط: ﴿﴿ فَمَاكَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُواْ عَلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: ٥٦] إلى أن جاء زمن النبي صلى الله عليه وسلم فكانت المؤامرة التي أخبر الله تعالى عنها: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ اُلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦]. وتستمر المؤامرة ضد أتباع الرسل عليهم السلام، وضد الدعاة الصادقين المنادين بتطبيق شرع الله تعالى، والواقفين في وجه الظلم والاحتلال والاستعباد. فترى السجون في طول البلاد وعرضها للدعاة المخلصين الذين نادوا بتطبيق دستور الإسلام، حتى إنه من شدة البطش والتنكيل كانت الهجرة القصرية إلى بلاد الكفر، هروبًا من بطش الظلمة في ديار المسلمين، إذ إنهم وجدوا بلاد الكفر أكثر أمنا من بلادهم. ٢. التقليد في إنكار البعث. اليوم الآخر يوم أخبرت به الرسل جميعًا وهو يدرك عقلًا، إن أحسن العقل التفكير. إلا أن من الناس من عطل عقله وأسلمه لغيره انقيادًا له وتبعية؛ وبات يتذرع بأن ما جاءت به الرسل، إن هو إلا أساطير الأولين. www. modoee.com ٣٦٧ حرف التاء فقال الله تعالى عنهم: ﴿ بَلَ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالُواْ أَهِذَا مِنْنَا وَكُنَّا قَالَ الْأَوَّلُونَ ) لَقَدْ وُعِدْنَا تُرَابًا وَعِظَمَا أَوْنَا لَمَبْعُوتُونَ نَحْنُ وَءَابَآؤْنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [المؤمنون: ٨١-٨٣]. فأهل مكة قالوا مثل ما قال أسلافهم: أنه لا بعث بعد رمیم العظام. ومتكأ القوم في تكذيبهم للبعث، أنه وعد متكرر لآبائهم الأقدمين، فهم قالوا مثل ما قال أسلافهم، و کذبوا مثل ما كذب الأولون. والملاحظ أن (سورة المؤمنون) ذکرت قوم نوح، فقوم ثمود، فقرونًا آخرین، فقوم موسى ثم ذكرت حكاية أهل مكة في إنكار البعث كما في الآيات السابقة. ویبین الله تعالى أن قوم عاد ردوا على هود عليه السلام دعوته بالإيمان بالبعث، منكرين التعذيب لهم بعد الموت، عذرهم كما وصفهم الله تعالى بأن هذا خلق الأولين، فقال الله سبحانه: ﴿كَتَّبَتْ عَادُ [الشعراء: ١٢٣]. الْمُرْسَلِينَ إلى أن يقول عنهم: ﴿قَالُواْ سَوَهُ عَلَيْنَاً أَوَعَفْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ اُلْوَعِظِينَ (٥) إِنْ هَذَا (١٣٨) إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِنَ [الشعراء: ١٣٦ -١٣٨]. فقوم عاد یقتدون بمن سبقهم في إنكار البعث. وأشار القرآن الكريم إلى إنكار قوم موسى عليه السلام للآخرة، حین نهاه الله عن اتباع من صد عنها كفرًا بها، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَُّهُ فَتَرْدَى )) [طه: ١٥- ١٦]. ويستبعد الكافر البعث؛ لأنه بزعمه مخالف للمعهود عنده. ويعبر عن ذلك بسؤال استنكاري، كما أخبر الله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ آلْإِنسَنُ أَمِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ١)﴾ [مريم: ٦٦]. وكذلك يستعظمه؛ لأن الله في ظنه المزعوم غير قادر عليه. يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَِّذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَنَّا أَمِنَّا لَمَبْعُوْنُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ [الإسراء: ٤٩]. وهم يتعجبون منه، إذ يقول الله تعالى: ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُمْ أَهِذَا كُنَّا تُرَبًا أَنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَتِهِمْ﴾ [الرعد: ٥]. ولك أن تتصور شدة العناد في إنكار البعث من أهل الكفر، حينما تعلم أن القرآن الكريم أورد آيات كثيرة إثباتًا لهذه العقيدة، أمام صلف الكفار، بل إن سورًا كسورة الکھف ومريم وسبا یکاد یکون موضوعها الأساس إثبات البعث (١). (١) انظر: في ظلال القرآن. سيد قطب. ٢٢٩٩/٤، و٢٨٨٨/٥. مُوسُوبَةُ النَّفِيه القرآن الكريم ٣٦٨ التقليد شيوعي إلحادي لا يؤمن إلا بالمادة. فكل ما هو محسوس ومشاهد فهو موجود، أما غير ذلك من غیب غیر مشاهد فلا إیمان به ألبتة. وبناءً على ذلك فليس للكون نهاية ولا حدود، ولا یوم آخر! وهؤلاء القوم امتداد للماديين قديمًا أعداء الرسل الذين تطاولوا بالمادة وأنكروا البعث. والذي يتولى كبر إنكار البعث هم المترفون، كما يقول الله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَابِمَاً أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴾ وَقَالُواْ فَحْنُ أَكْثَرُ أَقْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَلَّبِينَ ﴾ [سبأ: ٣٤-٣٥]. فذكرت أنه ما من قرية أرسل الله إليها رسولًا، إلا كان من ضمن ما أنكره مترفوها: البعث ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾. وهذا يتابع فيه المترفون اللاحقون إخوانهم المترفين السابقين أيضًا، ویحاکونھم في ذلك. وقد ذكر الله سبحانه إنکار عموم المترفين للبعث حينما تحدث عن أصحاب الشمال، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ وَكَانُواْ يُصِرُونَ عَلَى الْجِنِثِ الْعَظِيمِ ﴾ وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَيِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَ عِظَامًا أَوِنَّا لَمَبْعُونُونَ (١) ة [الواقعة: ٤٥ -٤٧]. ومن غرور المنكرين للبعث ظنهم وفي العصر الحديث أطل علينا مكر أن الله أعطاهم في الدنيا أموالًا وأولادًا، اعتقادًا منهم أن ذلك كرامة لهم من الله، فلئن رجعوا إلى يوم القيامة- على تقدير حصوله عندهم حسب اعتقادهم الفاسد- فسوف يكون لهم الحسنى، فهم يعتقدون أن الله سيؤتيهم يوم القيامة خيرًا مما آتاهم في الدنيا - إن وجد حسب ظنهم -. وتكرر هذا الغرور في سورتي الكهف ومريم المتتاليتين في المصحف ترتيبًا. فقال الله سبحانه عن رجل من بني اسرائيل (١): ﴿ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ وَلَيِّن رُدِدتُّ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ٣٦ [الكهف: ٣٦]. وتحدثت سورة مريم عن العاص بن وائل(٢): ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِتَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾﴾ [مريم: ٧٧]. فكلاهما أنكر اليوم الآخر، وزعم أنه لو جاء يوم القيامة ليكونن لكل منهما خير مما أوتي في الدنيا. وانظر للتوكيدات في الآيتين: ﴿لَأَجِدَنَ﴾ و﴿لَأُوْتَيْنَ﴾، وهذا يدل على شدة الغرور والجهل. ٣. التقليد في الاحتجاج بالقدر. الإيمان بالقدر رکن من أركان الإيمان، وهذا من الأرکان التي يساء فهمها، ويحمل (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣/ ٥٤٠. (٢) انظر: صحيح مسلم، لمسلم، كتاب التوبة، باب في نزول ﴿أَفَرَءَيْتُ الَّذِى كَفَرَ بِشَايَتِنَا﴾، رقم ٧١٦٤، ١٢٩/٨. www. modoee.com ٣٦٩ حرف التاء من التفسيرات ما لا يحتمل. وإساءة الفهم هذه قديمة جديدة، عايشها القدماء، وسایرها المحدثون. ولقد بین الله عز وجل في كتابه الكريم فهم الأقوام الخاطئ لهذا الركن حينما كانوا يتعذرون بالقدر على فعل المنكر، بعبادة غير الله تعالى، وتحريم ما أحل الله من الحرث والأنعام، وكذلك التلاعب في كيفية اللباس عند الطواف. فقال الله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَآءَ اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ أَحْنُ وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِ مِنْ شَىَّْ كَذَلِكَ فَعَلَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٥]. يقول المشركون: ما نعبد هذه الأصنام، ولا نحرم ما حرمنا من السوائب والبحائر، إلا بمشيئة الله ورضاه، ولولا ذلك لعاقبنا على ذلك. وهذا كما فعلت الأمم المشركة الذين استن هؤلاء سنتهم، فقالوا مثل قولهم، وسلکوا سبیلھم في تكذيب رسل الله، واتباع أفعال آبائهم الضلال. وهذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم(١). كذلك بين الله تعالى احتجاج الأقوام المتعاقبة على فعل المعاصي بالقدر في سورة الأنعام حيث قال الله سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْتَكُواْلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَهٍْ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَقَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]. يقول ابن عاشور: ((﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: كذب الذين من قبلهم أنبياءهم مثل ما كذبك هؤلاء. وهذا يدل على أن الذين أشركوا قصدوا بقولهم: ﴿لَوَ شَآءَ اللهُ مَآ أَشْرَكْنَا ﴾تكذيب النبي- صلى الله عليه وسلم إذ دعاهم إلى الإقلاع عما يعتقدون، بحجة أن الله رضيه لهم وشاءه منهم مشيئة رضى، فكذلك الأمم قبلهم كذبوا رسلهم مستندين إلى هذه الشبهة»(٢). فهم حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم كما فعل آباؤهم، وأرادوا بذلك أنهم على الحق المشروع المرضي من عند الله !. وكانت قبيلة من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة، فإذا عذلوا على ما أتوا من قبيح فعلهم وعوتبوا عليه، قالوا: وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا، فنحن نقتدي بهم ونستن بسنتهم، والله أمرنا به(٣)، فأنكر الله عليهم ذلك وقال: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَنَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ﴾ [الأعراف: ٢٨]. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٢٠٠، مفاتيح الغيب، الرازي ١٨٤/١٣- ١٨٥. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٤٨/٨. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٨/١٢-٣٧٩. ٣٧٠ مَوَسُوبَةُ النَِّي القرآن الكريم التقليد وجدوا آباءهم عليها، وأنها طاعات أمر الله بها، فنحن نستن بسنة الآباء، ونتبع أوامر الله بزعمهم. فهم يحتجون على فعل الفواحش بأنهم بمنزلة حركات الجماد لا قدرة له عليها، ولا اختيار، وكل ما خلقه الله فقد رضيه وأحبه، وهؤلاء أعرضوا عن الأمر والنهي والوعد والوعيد، وتركوا الأعمال الصالحة والأخذ بالأسباب المنجية من عذاب الله تعالى، فصاروا من جنس المشركين الذين قالوا ما ذكره الله عنهم: ﴿لَوَ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَّ ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَخْرِ﴾ [الأنعام: ١٤٨](٥). وقدوة هؤلاء الكفرة إبليس حینما احتج بالقدر على معصيته في عدم السجود لآدم متوعدًا بني آدم بالإغواء والإضلال؛ لأن الله أراد له الغواية - بزعمه-، فقال الله سبحانه: قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦]. والباء سببية، كما يقول الزمخشري(١). ومن الفرق التي احتجت بالقدر على المعاصي: فرقة المباحية (٢) التي أسقطت الشريعة مطلقًا، وأسقطوا الأوامر والنواهي الربانية، واحتجوا على ذلك بالقدر قائلين: إن الحبيب رفع عنه التكليف(٣). ومن الفرق كذلك الجبرية (٤) الذين سلبوا العبد قدرته واختياره، وجعلوا حر کاته (١) انظر: الكشاف، ٢/ ٨٧. (٢) هم قوم يحفظون طاعات لا أصل لها، وتلبيسات في الحقيقة، وهم يدعون محبة الله، ويخالفون الشريعة، ويقولون: إن الحبيب رفع عنه التكليف. انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، الرازي، ص٧٤. (٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٧٩/٨. (٤) الجبرية: يزعمون أن العبد ليس قادرًا على فعله. ومن ضلالاتهم: أن الجنة والنار تفنيان. انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، الرازي ص٦٨. ومن المسلمين من شاكل هؤلاء المحتجين بالقدر على المعاصي وترك الفرائض، فإن قلت لمسلم تارك الفريضة الصلاة: لم لا تصلي؟ رد مجيبًا: الله قدر لي ذلك، وعندما يهديني سأصلي، فيا سبحان الله: ﴿أَطَلَعَ الْغَيْبَ﴾. [مريم: ٧٨]. فعلم ما كتب الله له، أم هو مكلف بمعرفة ذلك !! أم إنه لا يدري الفرق بين علم الله تعالى بكل شيء قبل حصوله، ووقوعه كما قدر وعلم، وبين أنه مكلف بالعمل والترك كما أمر الله تعالى ونهى! وكذلك احتج بالقدر ذرية من ذرية آدم في تبريرهم شركهم أنهم وجدوا آباءهم مشركين فتبعوهم على شركهم، فقال الله سبحانه: حانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَلَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ (٥) انظر: أقسام الناس في الإيمان بالقضاء والقدر، عبدالله الغفيلي، مجلة البحوث الإسلامية، عدد ٧٩، ص٩٠٣. www. modoee.com ٣٧١ حرف التاء بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَىُّ شَهِدْنَاْ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَوْ نَقُولُواْ إِنْآَ ١٧٢) إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ()). [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. ومن وراء الاحتجاج الخاطئ بالقدر، تضيع الحقوق. ففي حالات القتل مثلًا، یأتي أهل الإصلاح لأولياء المقتول من باب القدر، وأن هذا الأمر مكتوب على قتیلکم، وذلك من أجل التخفيف عن المجرم أو العفو عنه. وبهذا تضيع الحقوق، فيزداد أهل الحق یأسا، ويزداد المجرم إجرامًا. ثانيًا: التقليد في الأحكام الشرعية: خلق الله الكون، وهو يعلم ما يصلحه وما يفسده، ومن حقه وحده أن يضع له التشريع الذي يناسبه؛ فهو الأعلم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. فالحلال ما أحل والحرام ما حرم. إلا أن من الناس من يأبى إلا أن يأتي بتشريع من لدن نفسه، فمنهم من يتلاعب في العبادات والشعائر، فيغير فيها زيادةً أو نقصًا، ومنهم من يرى لنفسه حق التشريع، فيأتي بشرع غير شرع الله تعالى. ١. التقليد في الشعائر. الله تعالى خلقنا لعبادته، ﴿وَمَا خَلَقْتُ [الذاريات: اَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦]. وحتى تكون العبادة صحيحة ومقبولة فلا بد لها من شرطين: أن تكون خالصة لوجهه الكريم، وموافقة للشرع، يقول الله تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرْحُو ◌ْلِقَاءَ رَبِّهِ،فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. إلا أن من الناس من يزين له الشيطان أن یعبد الله وفق هواه، فيأتي بعبادة لم يأذن بها الله. وهذا الصنف أمرنا الله تعالى بمخالفته في عبادات منها: أولًا: الصلاة. بالنسبة لشعيرة الصلاة، فقد ورد في السنة المطهرة ما فيه الأمر بمخالفة المشركين، فقد روى مسلم عن جابر: (اشتكى رسول الله صلی الله عیله وسلم فصلینا وراءه، وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلینا فرآنا قیامًا، فأشار إلینا فقعدنا فصلینا بصلاته قعودًا، فلما سلم قال: إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملو کهم وهم قعود. فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا) (١). ففي هذا الحديث نهى عن التشبه بفارس والروم حتى في مجرد الصورة، وإن كانت نيتنا غير نيتهم. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، رقم ٩٥٥، ١٩/٢. ٣٧٢ مَوَسُو ◌َرُ النَّفِيَّة القرآن الكريم التقليد ثانيًا: الحج. وبالنسبة لبعض مناسك الحج، فقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه مخالفة للمشركين في الوقوف بعرفة والمزدلفة والدفع منهما، امتثالاً لقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْعَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ وَإِن كُنتُممِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]. فقد ورد أنها نزلت في قریش، وكانوا يسمون أنفسهم بالحمس(١). لا يخرجون من الحرم وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفات. ومن وقف بعرفة أفاض قبل غروب الشمس، ومن وقف بالمزدلفة أفاض إذا طلعت الشمس. فأمر الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بمخالفة القوم في الدفعتين. وذلك بأن يفيض من عرفات بعد المغرب، ومن مزدلفة قبل طلوع الشمس، فبينت السنة المراد من الآية الكريمة(٢). (٣) والحديث قصد فيه مخالفة المشركين (١) الحمس: جمع أحمس وهو المشدد على نفسه في الدين. انظر: عمدة القاري، العيني، ٣/١٠. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢/ ٢٨٣، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٢٢/٣. (٣) انظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال، وقد دفع القرآن الكريم حرج الصحابة في السعي بين الصفا والمروة حينما ظنوا أن السعي بينهما من فعل الجاهلية. روى البخاري عن هاشم بن عروة أنه قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول ﴿﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآَيْرِ الله تعالى: اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَعَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. فما أرى علی أحد شيئًا أن لا یطوف بهما. فقالت عائشة: (کلا، لو کانت کما تقول، كانوا لا يقفون في عرفات، بحجة أنهم كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَابِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرٌ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾﴾(٤). فمن باب حرص الصحابة رضي الله . ٣٦٧/٢، واقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، ص١١٩. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةُ تَرْضَنْهَا﴾، رقم ٤٤٩٥، ١٥٣/٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، رقم ٠٦٩/٤،٣١٤٠ www. modoee.com ٣٧٣ حرف التاء عنهم على مخالفة أفعال المشركين في الجاهلية، وألا يتشبهوا بهم في عباداتهم، تحرج بعضهم من السعي بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى ما يدفع هذا الحرج. وكان بالصفا والمروة صنمان إساف ونائلة، وقيل: إنهما رجل وامرأة زانيان، مسخهما الله تعالى فنصبا على الصفا والمروة ليتعظ بهما الناس، ثم نحر قصي بن كلاب عندهما وأمر بعبادتهما، فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة كسرهما كراهية لذينك الصنمين، والسعي بينهما، وكان ذلك سنة (١) في آبائهم(١). ثالثًا: الصيام. وفي باب الصيام، وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح لنا مخالفة اليهود والنصارى في صيامهم. ففي مجال الترغيب في تعجيل الفطر، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر، إن اليهود والنصارى يؤخرون)(٢). قال الطيبي: ((في هذا التعليل دليل على أن قوام الدين الحنيفي على (١) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي، ٤٦/١-٤٧، تحفة الأحوذي، المباركفوري، ٨/ ٢٤٢. (٢) أخرجه أحمد في مسنده،، رقم ٩٨١٠، ٥٠٣/١٥، وأبو داود في سننه، كتاب الصوم، باب ما يستحب من تعجيل الفطر، ٣٠٥/٢، رقم ٢٣٥٣، والحاكم في المستدرك، رقم ٠٠٥٩٦/١،١٥٧٣ وصححه الحاكم على شرط مسلم. مخالفة الأعداء من أهل الكتاب وأن في موافقتهم تلفًا للدين))(٣). وفي مجال مخالفة اليهود والنصارى في كيفية صيام يوم عاشوراء: روى مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول حین صام رسول الله صلى الله عليه وسلم یوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال: (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)(٤). فحينما أخبر صلى الله عليه وسلم بتعظیم أهل الكتاب ليوم عاشوراء، أضاف لصيامه التاسع؛ وذلك تركًا لمشابهتهم، وأمرًا بمخالفتهم. ٢. التقليد في الشرائع. أمر الله تعالی کل رسول بتشریع یناسب قومه وحالهم، موصيًا إياهم بإقامته، فقال * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِّينِ مَا وَضَّى الله سبحانه: بِهِ نُوحًا وَالَّذِىٌ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ» إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىٌّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ [الشورى: ١٣]. إلا أن المشركين ردوا شرع الله تعالى، زاعمين أنهم أهل للتشريع والتحليل والتحريم؛ فضلوا وأضلوا. (٣) انظر: عون المعبود، العظيم آبادي، ٦/ ٣٤٤. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، رقم ١٥١/٣،٢٦٣٦. ٣٧٤ مُوَسُولَةُ التَّقِين جوببو القرآن الكريم التقليد قال الله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا والحام (٤) (٥). نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]. ولقد ذكر الله تعالى قضية التحليل والتحريم في سور كثيرة - كانت الأنعام المكية والمائدة المدنية في مقدمتها- وربطها بالعقيدة، ليبين لنا أنه لا يمكن أن تكتمل دائرة الإيمان إلا بالعقيدة والشريعة معًا. فأهل الجاهلية إن قيل لهم: اتبعوا شرع الله في الأنعام، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه الآباء. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ تَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِ ءَ ابَاءَنَآَ﴾ [البقرة: ١٧٠] نزلت في قبائل عربية حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة(١) والسائبة(٢) والوصيلة(٣) (١) البحيرة: ما كان العرب يجعلونه بالناقة إذا ولدت عشرة أبطن شقوا أذنها، فيسيبوها فلا تركب ولا يحمل عليها. انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٣٧ (٢) السائبة: التي كانت العرب تسيبها في المرعى فلا ترد عن حوض ولا علف، وذلك إذا ولدت خمسة أبطن. انظر: المصدر السابق. ٢٤٦ (٣) الوصيلة: هي الشاة إذا ولدت ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلا يذبحون أخاها من أجلها. انظر: المصدر السابق. ٥٢٥. والآية السابقة جاءت بعد نداء الله للناس بأكل الحلال الطيب من الأرض والنهي عن اتباع خطوات الشيطان (٦). وجاء السياق بعدها يأمر المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم الله، ويبين لهم المحرمات الأربعة من المأكولات (٧). ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ ◌َهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَّا أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَّاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَبْتَدُونَ [المائدة: ١٠٤ ]. فهذه الآية جاءت بعد آية (٨) تنفي تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة التي كانت الجاهلية تصنع منها جزءًا من تشريعها. فإذا دعي الكفار لاتباع ما أحل الله، واجتناب ما حرم قالوا مستكبرين: بل نتبع شرع آبائنا، فنحل ما أحلوا، ونحرم ما حرموا، فهم لنا سلف في التشريع، ونحن لهم خلف في التقليد. وهذا يظهر تغلغل (٤) الحام: الفحل إذا ركب ولد ولده، ويقال: إذا أنتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلاً ولا ماء. انظر: غريب القرآن، السجستاني، ص ١٢٠. (٥) انظر: أسباب النزول، الواحدي، ص٤٨. (٦) انظر: سورة البقرة: ١٦٨-١٦٩. (٧) انظر: سورة البقرة: ١٧٢- ١٧٣ . والمحرمات الأربعة هي: الدم، ولحم الخنزير، والميتة، وما أهل لغير الله به. (٨) انظر: سورة المائدة: ١٠٣. www. modoee.com ٣٧٥ حرف التاء التبعية للآباء في صدور المدعوين للإسلام، بمجادلتنا في شرع ربنا شركًا، فقال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ، لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْتَرِكُونَ ﴾ [الأنعام: ١٢١]. فحتى لو لم يكن الآباء يعقلون من أمر التحليل والتحريم شيئًا، وليس عندهم علم بما أحلوا وما حرموا، ولا عندهم كتاب اهتدوا من خلاله للتحريم والتحليل، فهم يتبعونهم في ذلك. وهذا عناد شديد وغلظة وجفوة وشدة في الصد عن دين الله تعالی. وأراد قوم من الصحابة رضي الله عنهم أن يوجدوا تشريعًا لهم من عند أنفسهم، تشبهًا بالنصارى وذلك بتحريم بعض الطيبات من النساء والطعام كما يفعل القسيسون والرهبان، واتفقوا على صيام النهار، وقيام الليل، ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب، وأن يلبسوا المسوح، ویترهبوا، فبلغ ذلك رسول الله صلی الله علیه وسلم، فنهاهم عن ذلك، ونهاهم عن التشبه بالقسيسين والرهبان. وبین أن تشددهم کان سببًا لهلاکھم، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَّمْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا ﴾ [المائدة: ٨٧] (١). ٨٧ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ فالصحابة أرادوا تحريم طيبات أحلت لهم؛ فكان النهي عن ذلك، وسماه الله اعتداءً، فهذا ليس لهم ولا للبشر. وقد عد الله تعالى طاعة الجاهليات التي تتواصى (١) انظر: أسباب نزول القرآن، الواحدي، ص٢٠٦. والاعتداء على التشريع، لا يقتصر على تحريم طيبات أحلت، وتحليل خبائث حرمت. فالقضية قضية مبدأ، ولمن يكون التشريع في الأمور كلها، هل يكون لله وحده سبحانه؟ أم يكون للبشر؟ وبناءً عليه وجدنا الأحبار والرهبان نصبوا من أنفسهم آلهة لها الحق في التشريع بما تهوى أنفسهم، فكان لهم أتباع اتخذوهم أربابًا من دون الله. يقول الله تعالى: ﴿أَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَّهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]. روى الترمذي عن عدي ابن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: (يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ ﴾ قال: أما إنهم لم یکونوا یعبدونھم، ولکنھم کانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه) (٢). (٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، سورة التوبة، رقم ٣٠٩٥. وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن ٣٧٦ القرآن الكريم التقليد وكان على شاكلة هؤلاء، العرب الذين جاءهم عمرو بن لحي بتشريع جدید، غیر فيه دین إبراهيم عليه السلام، فاتبعه جهلة العرب يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي یجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب)(١). فهناك المشرعون في الأرض من دون الله، ولهم أتباع يأخذون بتشريعهم. فحق الحاكمية المطلقة-كما يبين سيد قطب- لله وحده، والبشر مجردون من مزاولة هذا المبدأ في أي صورة من الصور. وحينها تکون الصغيرة کالکبیرة، ولا یھم أن یکون الأمر أمر ذبيحة، أو أمر دولة، فهذه كتلك من ناحية المبدأ (٢). ولقد أخبرنا القرآن العظيم عن تشريعات أهل الكتاب وأهل الجاهلية المخالفة لشريعة الله تعالى، من رفض لحكم الله تعالى سواءٌ في النظام الاجتماعي، أم النظام الاقتصادي، أم نظام العقوبات، أم غيرها من النظم. وتوالت الجاهليات في ذلك مستبدلة تشریع الله تعالی بتشريعها، تار کة کتاب ربها وراءها ظھریًا، وشرعت ما لم يأذن به الله. الترمذي، ٢٤٧/٣. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب قصة خزاعة، ٤ / ١٦٠. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ١١٩٢/٣- ١١٩٣. فقد روى مسلم عن البراء بن عازب قال: (مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك تشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَتَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسرِعُونَ فِى الْكُفْرِ ﴾الى قوله ﴿إن أُوِّتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ﴾ [المائدة: ٤١]. يقول: ائتوا محمدًا صلی الله عليه وسلم فإن أمر کم بالتحمیم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا (٣). فاليهود شرعوا التحميم والجلد على (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب يقول الله تعالى: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)، رقم ٣٦٣٥، ١٨٦/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا، رقم ٤٥٣٦، ١٢٢/٥. www. modoee.com ٣٧٧ حرف التاء الزاني المحصن بدل الرجم مخالفين بذلك تعاليم التوراة. والحديث يبين لنا أن اليهود کثر في أشرافهم الزنا، وعز عليهم أن يقيموا عليهم الحد، فغير الأحبار شرع الله تعالى من الرجم إلى الجلد والفضيحة والتحميم. ولقد حاول بعض الصحابة رضي الله عنهم أن يفعلوا فعل اليهود بتغيير حد السرقة في المرأة المخزومية التي سرقت، لأنها من قبيلة لها اعتبارها وشأنها، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، مبينًا لهم أن عدم إقامة الحد على الشرفاء وعلية القوم، وإقامته على الضعفاء فقط، ديدن الأمم السابقة، وكان هذا سببًا في هلاکھم. فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ علیه إلا أسامة ابن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشفع في حد من حدود الله). ثم قام فاختطب، ثم قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأیم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)(١). وهذا التحاكم المذموم حسب الأهواء صفة المنافقين إخوة اليهود في الأخلاق، فقد أخبر الله تعالى عنهم فقال: ﴿ وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِقٌ مِّنْهُم مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَبْكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) وَإِذَا دُهُوّاْ إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمْ بَيَنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُعْرِضُونَ ﴾ [النور: ٤٧-٤٨]. وهذا ينطبق على ساسة الأمة اليوم في عدم قبول حكم الله تعالى واستبدالهم إياه بحكم الطاغوت. فقانون البشر الوضعي هو المطبق في حياة الأمة الإسلامية، بدل الشريعة الإسلامية. ففى الناحية الاجتماعية، تجد خروج المرأة كاشفة عن مفاتن جسمها، أمر يحفظه القانون! واتخاذ الخليلات حرية شخصية لا يجوز التعرض لها، فالقانون یکفله! ولم نر حالة رجم أو جلد لزانٍ- وما أكثرهم- بل هي حرية شخصية لا يعاقب عليها القانون، بل يحميها !. وفي المجال الاقتصادي تجد التعامل بالربا عنوان غالبية البنوك في طول بلاد المسلمين وعرضها. وفي مجال العقوبات لم نر أي قطع يد للسارق- وما أكثرهم-، بل یسجنون شهورًا أو قليلًا من السنين، ثم يخرجون محترفين أکثر، هذا إن كان من العامة، أما علية القوم، فمعفو عنهم، مبرر لهم. ولم تكن هناك حالة (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، رقم ٤،٦٧٨٨ / ١٥٠. ٣٧٨ مَؤُوابَرُ الْتَفِيكِ الوضوء القرآن الكريم التقليد قصاص لقاتل عمدًا، بل يقتل من لا ناقة له ولا جملًا من أقربائه. وهكذا نجد أن حياتنا يحكمها الحكم الذي قلد الطاغوت العلماني الغربي، لا بحكم الله تعالى. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: ٥٠]. ثالثًا: التقليد في الأخلاق: بعث الله نبيه صلی الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، ووصف الله عز وجل خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: ٤]. ومكارم الأخلاق جاءت الأنبياء عليهم السلام لتبثها في الناس، ناهية في الوقت ذاته عن سيئها. وجاء القرآن الكريم ليحذر المؤمنين من التشبه بأخلاق أهل الكتاب والمنافقين والمشركين. ومن هنا سيكون تحت هذا المسألة العناوين الآتية: ١. تقليد أخلاق أهل الكتاب. تحدث القرآن الكريم كثيرًا عن أهل الکتاب، مبينًا للمسلمین صفاتهم وأخلاقهم السيئة، ليكونوا على بينة من دينهم، وليحذروا هذه الصفات؛ حتى لا يصيبهم ما أصابهم. ومن صفات أهل الكتاب التي حذر القرآن المؤمنين منها: قسوة القلب، وقلة الأدب مع الرسل عليهم السلام، وإيذاء الأنبياء عليهم السلام، والتفرق والاختلاف. فقسوة القلب نتيجة طبيعية لاقتراف المعاصي، والقلوب القاسية توعدها الله تعالى بالويل، فقال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. ولقد اتصف أهل الكتاب بهذه الصفة- وخاصة اليهود- حينما طال عليهم الأمد؛ فلما كان الأمر كذلك نهى الله تعالى المؤمنين عن مشابهتهم في هذه الصفة الذميمة، وأمرهم بطاعته والخشوع لذكره، أَلَمَّ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فقال الله سبحانه: أَنْ تَّخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَّلَ مِنَ الِْيِّ وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ اْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ ١٦ [الحديد: ١٦]. وسبب نزولها: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا قد أصابوا من العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم القحط والجهد، ففتروا عن بعض ما كانوا عليهم من الطاعة. أو أنهم أخذوا رضي الله عنهم في المزاح فنزلت(١). والآية تنهى المؤمنين أن يسلكوا طريق أهل الكتاب في الانغماس في الشهوات ومتابعة الملذات؛ فتكون النتيجة قسوة قلوبهم، كما قست قلوب أهل الكتاب. والناظر اليوم لأمة الإسلام يجد هذه الصفة الذميمة موجودة في كثير من أبناء الأمة، لكثرة الذنوب، لا يعرفون معروفاً ولا (١) انظر: لباب النقول، السيوطي، ص٢٠٤ www. modoee.com ٣٧٩ حرف التاء ينكرون منكرًا. فشابهنا اليهود في حب الدنيا فالله تعالى نهى المؤمنين عن التشبه باليهود فكثرت الذنوب، فكانت النتيجة تشابها في قسوة القوب. ومن أخلاق اليهود التي نهانا الله تعالى عن التخلق بها، قلة الأدب مع الأنبياء وإيذاؤهم. فنهى الله تعالى المؤمنين عن التشبه باليهود في قلة التأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول الله سبحانه: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١﴾ [البقرة: ١٠٤]. وسبب نزولها- كما ذكر السيوطي - أنه: كان رجلان من اليهود: مالك بن الصيف، ورفاعة بن زيد إذا لقيا النبي صلى الله عليه وسلم قالا وهم يكلمانه: راعنا سمعك واسمع غير مسمع، فظن المسلمون أن هذا الشيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْقُرْنَا وَأَسْمَعُواْ﴾(١). وكلمة راعنا سب بلغة اليهود يورون عنها بالرعونة، وكان المسلمون يقولونها ظنًا منهم أن الأنبياء تفخم بها، فکره الله تعالی للمؤمنین أن یقولوہ لنبیھم ذلك؛ سدًا للذريعة، ونهيًا عن تقليد اليهود في قصدهم. (١) المصد السابق ص ٢٠. مُوسُوبة النفسية القرآن الكْرِيْمِ في أقوالهم وكيفية مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت اليهود لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه كلمة (راعنا) وهي (راعينا) ومعناها: اسمع لا سمعت، أو أنت راعي غنمنا، وكان المؤمنون يقولون للرسول صلى الله علیه وسلم إذا حدثهم بحدیث: راعنا یا رسول الله، أي: راقبنا وانظرنا حتى نفهم كلامك ونحفظه، فتلقفها اليهود لموافقتها الكلمة السيئة عندهم، وأخذوا یلوون بها ألسنتهم، إساءة للنبي صلى الله عليه وسلم موهمين أنهم يريدون الانتظار، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن هذه الكلمة، حتى لا يتخذها اليهود وسيلة الى إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، وكرهها لهم(٢). ولقد حاكى اليهود الذين عاصروا النبي صلی الله عليه وسلم، أسلافهم في إيذاء الأنبياء عليهم السلام. فقد آذوا الأنبياء بالقتل والتعنت والصلف، وعدم طاعتهم، وعلى رأس هؤلاء الأنبياء الذين تعرضوا لإيذاء اليهود سيدنا موسى عليه السلام، فقال الله سبحانه مخبرًا عن هذا الإيذاء: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَّ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الصف: ٥]. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢/ ٤٦٠، مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٥٣/٣. ٣٨٠