Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ بَر النفسية الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
6
التقليد
عناصر الموضوع
مفهوم التقليد
٣٤٢
الألفاظ ذات الصلة
٣٤٤
أسباب التقليد
٣٤٦
مجالات التقليد
٣٦٤
آثار التقليد والتبعية
٣٩٠
٤٠٢
مواجهة التقليد والتبعية
المُجَلَدَ التَّاشِعْ
حرف التاء
مفهوم التقليد
أولًا: المعنى اللغوي:
التقليد مصدر للفعل الرباعي ((قلد» بتضعيف اللام المفتوحة. ويأتي في اللغة على معان
كثيرة، منها:
١. الإحاطة: أي ما يحيط بالشيء. ومنه القلادة، وهي ((اسم لما يشتمل على الشيء ويحيط
به كاللفافة والعمامة)»(١). فكأن المقلد يجعل ما اكتسبه ممن قلده، قلادة في عنقه، تحيط
به، كما تحيط القلادة بالعنق.
٢. الإلزام: يقال: ((قلده الأمر ألزمه إياه))(٢) فالمقلد ألزم المقلد فكرته وحمله إياها.
٣. التناوب: قال الزمخشري: ((وهم يتقالدون الماء: يتناوبونه))(٣). فالعادات والأفكار التي
هي محل التقليد، تتناوب بين الأجيال، وتنتقل من جيل إلى جيل.
٤. المحاكاة والاتباع من غير تفكير (٤). فالمقلد يحاكي من يقلده، ويفعل مثل فعله من غير
تفکیر ولا نظر ولا تأمل.
٥. السبق: ((المقلد من الخيل السابق يقلد شيئًا ليعرف أنه قد سبق))(٥)، فيكون المقلد قد
سبق بفكرته وعمله من يقلده، فالمقلد سابقٌ، والمقلد مسبوق.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
التقليد يتناوله أهل الفقه وأهل الاجتماع والذي يهمنا في هذه الدراسة، ما تناوله أهل
الاجتماع من عادات وتقاليد وسلوكات سلبية توارثها الناس فرادى وجماعات. وقد ورد
لكلمة التقليد في الاصطلاح عدة تعريفات، منها:
قال الجرجاني: ((التقليد عبارة عن اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل، معتقدًا للحقيقة
فيه من غير نظر وتأمل في الدليل، كأن هذا المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه،
وعبارة عن قبول قول الغير بلا حجة ولا دليل»(٦).
(١) تاج العروس، الزبيدي، ٩/ ٦٧.
(٢) العين للفراهيدي ١١٧/٥، لسان العرب، ابن منظور ٣٦٧/٣.
(٣) أساس البلاغة، الزمخشري، ٣٧٥.
(٤) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٥٢٦.
(٥) لسان العرب، ابن منظور ٣٦٧/٣.
(٦) التعريفات، الجرجاني ص ٩٠.
٣٤٢
مُوسُو ◌َرَ النَّفسيد
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
التقليد
((والمقصود بالتقليد الأعمى بالنسبة للمسلم: ما سلكه بعض المسلمين -من غير إدراك
ولا وعي ولا تمحيص- من اتباع الكفار، والأخذ منهم، والتشبه بهم، في شتى ألوان الحياة
وأنماط السلوك والأخلاق، وأشكال الإنتاج، في الاعتقاد والتصور والفكر والفلسفة
والسياسة والاقتصاد والأدب والفن والثقافة والنظم والتشريع، من غير اعتبار للعقيدة
والشريعة الإسلامية والأخلاق الفاضلة، ومن غير إلزام للمنهج الإسلامي الأصيل))(١).
ومن هذه التعريفات، يمكن بيان الآتي:
١. المقلد أقل علمًا من المقلد في المسألة التي اعتمد المقلد فيها على رأي من قلده.
٢. الواجب قبول قول صاحب الاختصاص، فخرج من ذلك القبول بقول من ليس من أهل
الاختصاص.
٣. إن التقليد هو الأخذ بقول الغير، أما الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع وأصحاب العلم
والمذاهب فلا يسمى تقليدًا وإنما هو اتباع، فيكون المراد من قول الغير: رأيه واجتهاده.
٤. التقليد لا يكون إلا مع عدم معرفة الدليل، وهذا إنما يتأتى من العامي المقلد الذي لا
نظر له في الأدلة.
٥. التقليد يجب أن يكون لمن يتصف بالعلم والعدالة، فتقليد من لا يوصف بعلم ولا
عدالة، فيه تضييع للشخصية وإذابة لها في شخص من يقلده من الناحية السلبية.
فالمعنى الاصطلاحي للتقليد لا يخرج عن معنى الإحاطة والمحاكاة، وهما من المعاني
اللغوية للكلمة.
(١) التقليد والتبعية وأثرهما في كيان الأمة الإسلامية، ناصر العقل ص٥٦.
www. modoee.com
٣٤٣
حرف التاء
الألفاظ ذات الصلة
١
الاتباع:
الاتباع لغة:
التاء والباء والعين: أصل واحدٌ لا يشذ عنه من الباب شيء، وهو التلو والقفو، يقال:
تبعت فلانًا، إذا تلوته واتبعته، وأتبعته إذا لحقته(١).
والمعنى اللغوي يدور حول الاقتفاء والاقتداء، واللحاق بشيء أو شخص والسير خلفه.
الاتباع اصطلاحًا:
قال الشرباصي: ((والمعنى الأخلاقي للاتباع هو: أن يميز الإنسان الخبيث من الطيب،
وأن يتبين طريقه على بصيرة، وأن يعرف من تقدمه على طريق الحق والصدق، فيتخذه أسوة
وقدوة، فيمضي اللاحق على سنن السابق، فتوجد عند الإنسان روح الاتباع، وينأى بنفسه
عن ضلال الابتداع ... وخير اتباع ينبغي أن يتحلى به المرء ويلتزمه ويحرص عليه، اتباع
هدي الله، والتزام صراطه المستقيم؛ لأن ذلك طريق الأمان والاطمئنان، يقول الله تبارك
وتعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]))(٢).
الصلة بين الاتباع والتقليد:
في الاتباع يميز الإنسان الخبيث من الطيب، ويتبين طريقه على بصيرة، بخلاف التقليد
الذي يحصل من غير إدراك ولا وعي ولا تمحيص، وينبه إلى أنه ورد في نصوص القرآن
الكريم الاتباع بمعنى التقليد في مجموعة من الآيات.
التشبه:
٢
التشبه لغة:
ترد هذه الكلمة بمعنى: ((المماثلة والمحاكاة والتقليد))(٣). قال ابن منظور: ((وأشبه
الشيء الشيء: ماثله ... وتشابه الشيئان واشتبها: أشبه كل واحد منهما صاحبه))(٤). يقول الله
سبحانه: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾ أي: ((تشاكل علينا في أسنانها وألوانها))(٥).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٦٢/١.
(٢) موسوعة أخلاق القرآن، الشرباصي ١٣٨/٥.
(٣) من تشبه بقوم فهو منهم، ناصر العقل، ص ٧.
(٤) لسان العرب، ابن منظور، ٥٠٣/١٣.
(٥) تفسير السمر قندي، ١/ ٦٣.
٣٤٤
مَوَسُولَةُ الَّمـ
القرآن الكريمِ
التقليد
والتشبه اصطلاحًا:
هو عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به وعلى هيئته وحليته ونعته وصفته،
أو هو عبارة عن تكلف ذلك وتقصده وتعلمه، وقد يعبر عن التشبه بالتشكل والتمثل والتزبي
والتحلي والتخلق (١).
الصلة بين التشبه والتقليد:
التقليد صفة نقص لا تقع إلا من الجانب الضعيف، وفيه معاني الانقياد، والتفويض،
والاستسلام، والطاعة العمياء من غير نظر وتمييز بين ما يضر وما ينفع، وأما التشبه فقريب
من التقليد إلا أن فيه تكلفًا وتعلمًا وتقصدًا.
وغلب استعمال التقليد في الأقوال، وأما التشبه فقد غلب استعماله في الأفعال.
(١) انظر: التدابير الواقية من التشبه بالكفار، عثمان أحمد دوكلي ص٣٤.
www. modoee.com
٣٤٥
حرف التاء
أسباب التقليد
أسباب التقليد يمكن إجمالها في مطالب
أربعة، على النحو الآتي:
أولًا: الجهل:
عندما ينتشر الجهل، ينتشر التقليد؛
فيستقبل الجاهل ما يلقى إليه من عقائد
فاسدة، وتشریعات ضالة. وقد حدثنا القرآن
الكريم بأمور يكون الجهل فيها سببًا للتقليد،
وهي:
١. الجهل بحقيقة التوحيد.
تحدث القرآن الكريم عن أناس جهلوا
حقيقة الألوهية والربوبية، وحقيقة المنعم
عليهم؛ فعبدوا غيره. فهاهم بنو إسرائيل
يطلبون من موسى عليه السلام -وهم
حديثو عهد بمعجزة فلق البحر، وإغراق
فرعون وقومه على مرأى من أبصارهم - أن
يجعل لهم إلها صنمًا، تقليدًا لعبدة الأصنام.
فقال الله سبحانه مبينا سبب تقليدهم الذي
هو الجهل: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىَّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ
فَأَتَوَّأْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ
يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ
[الأعراف: ١٣٨] فوصفهم
قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
الله بالجهل على أتم وجه، لأنهم جهلوا
حقيقة التوحيد (١).
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٤١/٩،
المنار، محمد رشيد رضا، ٩ / ١١٠-٠١١١
وشبية بذلك ما طلبه جهال الأعراب من
الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم
ذات أنواط كما للكفار. فقد روى الإمام
أحمد عن أبي واقد الليثي أنهم خرجوا عن
مکة مع رسول الله صلی الله عليه وسلم إلى
حنين. قال: (وكان للكفار سدرة يعكفون
عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها:
ذات أنواط. قال: فمررنا بسدرة خضراء
عظيمة. قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا
ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم
موسى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا
لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ إنها لسننٌّ، لتركبن سنن من كان
قبلكم سنة سنة)(٢).
كذلك وجدنا كفار مكة يطلبون من نبي
الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم،
التي هرعوا في عبادتها مستنین بآبائهم دون
علم، فكان الأمر الإلهي للنبي صلى الله
عليه وسلم أن يرد على المشركين ردًا فيه
الشدة والوصف بالجهل.
قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ
فقال الله سبحانه:
٤﴾ [الزمر: ٦٤].
تَأْمُرُوّنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ
فكان جهلهم بالله تعالى، وفساد جهلهم
بعبادة الأصنام يضاهي جهل بني إسرائيل.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٢٥/٣٦، رقم
٢١٨٩٧.
وصححه الألباني في ظلال الجنة، ٣١/١،
رقم ٧٦.
٣٤٦
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
القرآن الكريم
التقليد
وها نحن نرى اليوم عبادة المادة من دون
الله تعالى من قبل بعض أبناء الأمة استجابة
لطلب الغرب الذي صارت المادة في حياة
غالبية أهله كل شيء.
بحقيقة العبادة ومدلولها ومستحقها، فافتتن
بالقبور والأضرحة فعبدها تقليدًا لآبائه.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
((صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح
في العرب بعد، أما ود کانت لکلب بدومة
الجندل، وأما سواع كانت لهذيل، وأما
يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف
عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما
نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء
رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا
أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى
مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا،
وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى
إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت))(١).
فهي لم تعبد إلا بعد هلاك الصالحين
ونسخ العلم وانتشار الجهل.
والأمم والشعوب عندما يغشاها
الجهل ويندس بين صفوفها المشعوذون
والمبطلون؛ فإن التقاليد الباطلة والأخلاق
الفاحشة تتسلل اليهم، ويبتعدون عن ضياء
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب قوله تعالى: ﴿وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ
وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾، ٦/ ٧٣، رقم ٤٩٢٠.
(٢). واليوم نرى من سرى إليه تقليد
الحق (١).
السابقين في التمسح بالقبور وتقديسها من
جهلة الأمة.
وبلغ من جهل الكفار أن اختلقوا لله
ووجد في البشرية من صفته الجهل تعالى بنين وبنات بغير علم منهم، فنسبوا
إليه الولد، فكان من جهلهم أن نسبت اليهود
عزيرًا إلى الله، وكان مثلهم النصارى في
قولهم المسيح ابن الله، ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ
عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ
أَبْنُّ اَللَّهِّ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ﴾
[التوبة: ٣٠].
ويشبههم الكفار في قولهم: الملائكة
بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا،
فقال الله فيهم وفي أمثالهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ
شُرَّكَآءَ لَلْمِنَّ وَخَلَقَهُمَّ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتِمِ يِغَيْرِ
عِلَّمَّ سُبْحَنَّهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ ))
[الأنعام: ١٠٠].
ولقد وجد في البشرية قديمًا وحديثًا من
علية القوم من يستخف بعقول الدهماء،
طالبًا منهم عبادته من دون الله، وهذا من
جهله بحقيقة ربه عز وجل، بل ومن جهله
بحقيقة نفسه.
فقد قال الله تعالى عن فرعون وقومه:
﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَاً
فَسِقِينَ ﴾ [الزخرف: ٥٤].
فالطغاة يعزلون الجماهير عن كل
(٢) انظر: فقه السيرة النبوية، البوطي، ٤٧-٤٨.
www. modoee.com
٣٤٧
حرف التاء
يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم
بهذه المؤثرات المصطنعة؛ وبهذا يسهل
استخفافهم، ویلین قیادهم، فيقودونهم ذات
اليمين وذات الشمال وهم مطمئنون (١).
إنالذي لا یستقیم علی طریق، ولا يمسك
بحبل الله، ولا يزن بميزان الله، هو الجاهل
بهذا الطريق، فجهله كان سببًا في سهولة
انقياده لمن استجهله. والناظر في زماننا
اليوم، يرى الأمر جليًا في سلوك الكثيرين.
فلقد جهلت الأمة حقائق كثيرة عن الله عز
وجل، منها حقيقة أن الرزق بيد الله وحده،
فصاروا طوعًا في يد المستكبرين؛ فذلوا
أنفسهم بطاعة من أقرضهم من الغرب الذي
في غالبيته كفر، وأذلوا شعوبهم بأن مارسوا
عليهم عقيدة غير المسلمين وثقافتهم، ظنًا
منهم أنه من خلالهم یکون الرزق، وأنهم لو
تركوا طاعتهم ما طعموا وما شربوا !!.
٢. الجهل بحقيقة النبوة.
إن الأقوام الكافرة جهلت رسالة النبي
المبعوث بها، وأنه مكلف بالبلاغ وليس
الإتيان بالعذاب، فأخذت الأقوام تطلب من
أنبيائها أن تأتیها بالعذاب والمعجزات، ولم
یکن هذا من أجل الاهتداء، بل عنادًا. وهذا
الأمر تكرر على مر القرون، بسبب جهل
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب،
٣١٩٤/٥.
سبل المعرفة، ويلقون في روعهم ما الأقوام بحقيقة النبوة فوصف الله جهلهم
بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا
اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمُ قَدْ بَيَّنَا
[البقرة :
الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٧)﴾
١١٨].
فبنو إسرائيل اشترطوا -لجهلهم - على
موسى عليه السلام أن يروا الله جهرة كي
يؤمنوا، فقال سبحانه عنهم: ﴿وَ إِذْ قُلْتُمْ
يَمُوسَى لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّ نَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾
[البقرة: ٥٥].
ومثلهم كان مشركو مكة في الجهل
وطلب الخوارق، فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
لَا يَرْجُونَ لِقَآءَ نَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى
رَبًِّا﴾ [الفرقان: ٢١].
ولما جهلت علية الأقوام ميزان الله
تعالی في التفاضل بين الناس وهو التقوی؛
أنفت أنفسهم الجلوس مع ضعفاء المؤمنين
كبرًا، فطلبوا من الأنبياء عليهم السلام
الانفصال في المجلس عنهم. فقال الله
سبحانه عن قوم نوح عليه السلام: ﴿وَيَقَوْمٍ
لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
وَمَآ أَنْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُمْ تُلَقُواْ رَبِهِمْ
وَلَكِنِّي أَرَنَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ [هود:
٢٩].
وتبع قوم نوح صناديد مكة حينما
طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن
٣٤٨
جَوَسُولَهُ النَّة
القرآن الكريم
التقليد
الداعین ربهم غدوًا وعشيًا. فجاء التوجيه
الرباني للرسول صلى الله عليه وسلم في
رفض الطلب: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ مَا عَلَيْكَ مِنْ
حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن
شَىْءٍ فَتَظُرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اُلَّالِمِينَ ﴾
[الأنعام: ٥٢].
٣. الجهل بحقيقة التشريع.
والقرآن الكريم لا يصم المقلد بالجهل
فقط، بل ويصم المتبوع كذلك. فمن حيث
التشريع وجدنا القرآن الكريم ينعى على
المقلد الذي يتبع آباءه الذین شرعوا له مالم
یأذن به الله، هؤلاء الآباء الذين لا يعقلون
شیئا ولا يهتدون.
فقال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُوا
مَا أَنْزَّلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَاً
أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا
يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [البقرة: ١٧٠].
وهذه الآية سبقتها آیتان تتحدثان عن حق
الله في التشريع الذي يجب أن يطبق لا أن
ينازع.
إن الله تعالى هو الخالق المالك الرازق؛
ومن حقه وهو يعلم من خلق، ويعلم ما
يصلح الخلق ويفسده أن يضع التشريع الذي
يصلح خلقه ولا يفسدهم. ولما جهل الكفار
حقيقة علم الله، وجهلوا حقيقة أنفسهم
يجعل لهم مجلسًا سوى مجلس الضعفاء وقلة علمهم وجهلوا حقيقة الكون، ذهبوا
ينازعون الله هذا الحق وأخذوا يشرعون
مالم يأذن به الله. فالنزاع بين الرسل والدعاة
من جهة، وأقوامهم من جهة أخرى، لم یکن
-في الأغلب الأعم- حول قضية الربوبية،
فأهل الكفر يعترفون لله بالربوبية.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَّهُم مَّنْ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ
اُلْعَلِيمُ ﴾ [الزخرف: ٩].
ولكنه كان حول من تكون له السلطة
والحاكمية. فوجدنا حكم الطاغوت
وتشريعاته، ینازع حکم الله تعالی دائمًا.
وأراد بعض الصحابة رضي الله عنه
أن يحرموا على أنفسهم بعض ما أحل الله
من نساء وطعام ونوم(١)، تقليدًا لرهبانية
النصارى، ظنا منهم أن ذلك فيه زيادة قربى
إلی الله تعالی، فکان قول الله تعالی ناهيًا
إياهم عن ذلك: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحَرِّمُواْ
طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَلَا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ {
﴾ [المائدة: ٨٧].
٨٧
فسمى الله تعالى تحريم ما أحل اعتداء،
فهو اعتداء من حيث جعل النفس هي
المشرعة من دون الله، وتحرم ما يصلحها،
وتحل ما يفسدها، وهذا لا يكون إلا من
جاهل.
واليوم جهل كثير من المسلمين من له
(١) انظر: أسباب النزول، الواحدي، ص٢٠٦.
www. modoee.com
٣٤٩
حرف التاء
الحق في التشريع؛ فقصروا فهمهم للإسلام الوضعي الضار.
على عبادات تقام، ويستفتونه في لباس
أو شراب أو نكاح، أما النظم العامة، فلم
يعد الاستفتاء فيها للإسلام، بل للدساتير
الوضعية.
والجهل من أسباب الارتماء في أحضان
الحضارة الغربية، فمن فسد تصوره عن
الإسلام وأحكامه، وتاريخه ومدنيته
وحضارته، لا بد أن يتأثر بكل غزو فكري،
وينقاد لكل فكرة لا أخلاقية لأنه فارغ
العقيدة والعلم (١).
وهذا ماثل في حياة المسلمين اليوم،
ففي تقليد الحياة الاجتماعية حينما سفهت
المرأة أمر دينها خرجت عارية متبرجة تبرج
الجاهلية الأولى، الذي ینهى الله عنه بقوله:
﴿وَلَا تَبَّجْنَ تَبُّجَ الْجَِهِيَّةِ الْأُوْلَى﴾
[الأحزاب: ٣٣].
وفي جاهلية المجال الاقتصادي،
نجد الكثير من المسلمين يتعاملون بالرباء
والاستغلال تقليدًا للفكر الرأسمالي
الغربي. وفي مجال الحكم، قلد من بيده
مقاليد المسلمين الغرب في تطبيق التشريع
العلماني، متخذين تشريع الله وراءهم
ظهريًا. وهذا كله لجهلهم بحقيقة تشريع الله
النافع الصالح، ولجهلهم بحقيقة التشريع
(١) انظر: الشباب المسلم في مواجهة التحديات،
عبد الله علوان، ص ١٩٥، التقليد والتبعية،
ناصر العقل، ص١١١- ١١٣.
ثانيًا: اتباع الهوى:
اتباع الهوى مذموم في كتاب الله تعالى،
ویکون في أمور أهمها:
١. اتباع الهوى في الشبهات.
اتباع الهوى يكون في شبهات كثيرة منها:
شبهة الغلو والشرك، والحكم بغير ما أنزل
الله، واستبدال التشريع الرباني بالتشريع
الوضعي.
أما اتباع الهوى في شبهة الغلو، فقد نھی
الله تعالى أهل الكتاب عن اتباع أسلافهم
في الغلو في عيسى عليه السلام.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ
لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَِّمُوا
أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ
كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ
٧٧
[المائدة: ٧٧].
وجاءت الشبهة من أن الذين عبدوا مع
الله غيره، كانوا يرون أن الحق في اتخاذ آلهة
مع الله تعالى(٢).
وقريب من غلو النصارى في عيسى عليه
السلام تبعًا لأهواء من ضل قبلهم وأضل،
وجدنا كذلك متبعي الأهواء من كفار مكة
قلدوا آباءهم في عبادة الأصنام.
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَّهَ يْتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي. ٢٣/ ٩٧.
٣٥٠
مَوَسُو ◌َر النفسيةِ الوَضيق
القرآن الكريم
التقليد
أَلَكُمُ الذَّكَرُ
وَمَنَوَّةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى
١٩
وَلَهُ الْأُنْفِ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَىٌ ) إِنْ هِىَ
إِلَّ أَسْمَةُ سَمَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤَّكُم مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ
◌ِهَا مِن سُلْطَنَّ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظََّنَّ وَمَا تَهْوَى
اَلْأَنفُسُ﴾ [النجم: ١٩-٢٣].
وصاحب الهوى متقلب في عبادته،
واختيار معبوده، فيتنقل بين معبوداته حسب
هواه. يروي الطبري عن سعيد قال: ((كانت
قريش تعبد العزى، وهو حجر أبيض،
حينا من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن
منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر، فأنزل
الله ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إلَهَهُ هَوَنُ﴾ [الجاثية:
٢٣])»(١).
واتباع الهوى سبب في الصد عن اتباع
الحق، فالله عز وجل خاطب موسى عليه
السلام بقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُأُخْفِيهَا
فَلَا يَصُدَّنَّكَ
لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (٥
عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى ◌ُ
١٦
[طه: ١٥ - ١٦].
وخاطب نبينا محمدًا صلى الله عليه
وسلم مبينًا تشابه كفار مكة مع قوم موسى
عليه السلام في ترك الحق اتباعًا لأهوائهم
فقال الله سبحانه: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ
فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ أَتَّبَعَ
هَوَنُهُ﴾ [القصص: ٥٠].
يقول صاحب التفسير الوسيط: ((ما يتبع
(١) جامع البيان، الطبري، ٢٢/ ٧٦.
هؤلاء الجاهلون في عبادتهم لتلك الآلهة
الباطلة، إلا الظنون الكاذبة، وإلا ما تشتهيه
أنفسهم الأمارة بالسوء، وتقلید للآباء بدون
تفكر أو تدبر))(٢).
ووجد في المسلمين فرق غالت في
الرجال والعقائد اتباعًا لهواها -مضاهاة
اليهود والنصارى- ومنها بعض الشيعة
الذين غلوا في آل البيت والحسن والحسين
والأئمة، حتی رفعوهم إلى درجة النبوة، بل
ومنهم من رفع الأئمة فوق مرتبة النبوة.
وكما كان اتباع الهوى في شبهة العقائد،
كذلك كان في شبهة التشريع.
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا
تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَّكُمْ
مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهٌ وَإِنَّ كَثِيرًاً
لَُّضِلُونَ بِأَهْوَآبِهِم بِغَيْرِ عِلْهُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُعْتَدِينَ ﴾ [الأنعام: ١١٩].
وشبهة الكفار في تحليل الميتة أن ما ذبح
الإنسان فحلال، وما قتل الله فحرام، فهل
الإنسان أحسن من الله؟! فلا بد من تحليل
ما قتل الله (الميتة) بزعمهم(٣).
وكان من تشريع كفار مكة تلاعبهم في
الأشهر الحرم، كما أخبرنا الله تعالى عنهم:
﴿إِنَّمَا النَُِّّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِّ يُضَلُ بِهِ
الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَزِمُونَدُ عَامًا
(٢) الوسيط، طنطاوي، ١٤ / ٧٠.
(٣) جامع البيان، الطبري، ١٢/ ٨٠.
www. modoee.com
٣٥١
حرف التاء
لْيُوَاِقُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُواْ مَا حَزَّمَ
اللَّهُ﴾﴾ [التوبة: ٣٧](١).
وكانت العرب تمتنع من الغارات في
هذه الأشهر. فلما كان ترك القتال يطول هذه
المدة- ثلاثة أشهر متتالية- أخذوا يحلون
هذه الأشهر ويحرمون بدلًا منها غيرها.
وهذا التحليل والتحریم کان تبعًا لأهوائهم.
وهذا الفعل لكفار مكة، وتكذيبهم الرسول
صلى الله عليه وسلم، يشابه فعل اليهود من
قبل في التبديل والتحريف.
ـعر
الكَلِمَ مِنْ
وَّنَ
فقد قال الله عنهم:
بَعْدِ مَوَاضِعِةِ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا
فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾ [المائدة: ٤١].
فقد غيروا حكم الزاني المحصن من
الرجم إلى الجلد والتحميم، وهذا تبعًا
لهوى أنفسهم التي كبر عليها رجم علية
القوم إذا زنوا.
ولقد خاطب الله تعالى نبيه صلى الله
عليه وسلم محذرًا إياه من اتباع أهواء اليهود
وأن يحكم لأشرافهم على خصومهم بغير
حق: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنْزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَنَّبِعْ
أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ
أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [المائدة: ٤٩].
والتحذير الرباني للنبي صلى الله عليه
وسلم، تحذير لأمته. واليوم نرى تبديل
(١) والأشهر الحرم التي حرمها الله تعالى أربعة:
ثلاث سرد، وهي: ذو القعدة وذو الحجة
ومحرم، وواحد فرد؛ وهو رجب.
حكم الله تعالى في عالمنا الإسلامي،
فتشابه حكام المسلمين باليهود والغرب
العلماني في تعطيل حكم الله تعالى،
واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛
کی لا یتھموا بالرجعية. فالحدود معطلة،
إذ السارق من ضعفاء القوم له السجن بدل
قطع اليد. والزانيان بالرضا لا عقوبة عليهما.
وشارب الخمر لا جلد عليه. والقصاص
معطل، فالقاتل عمدًا يسجن، ويقتل غيره
من أقربائه ثأرًا، كما هو الحال في الجاهلية
الأولى. والقانون يحكم به على الضعيف
دون الشريف.
٢. اتباع الهوى في الشهوات.
بين الله تعالى في كتابه العزيز حب
زُيِّنَ
الناس للشهوات، فقال سبحانه:
لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَأَلْبَنِينَ
وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَاَلْفِضَةِ
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل
عمران: ١٤].
ومن الناس من يحبها حبًا جمًا، ويتبع
هواه في حبها لدرجة هلاكه من حيث لا
یشعر، فیعمیه حبها عن اتباع الحق، وتكون
له إلها یعبد.
يقول ابن تيمية: ((فهذا الاتباع والتقليد
الذي ذمه الله هو اتباع الهوى إما للعادة
والنسب كاتباع الآباء، وإما للرئاسة كاتباع
الأكابر والسادة والمتكبرين، فهذا مثل تقليد
٣٥٢
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
التقليد
الرجل لأبيه أو سيده أو ذي سلطانه)»(١).
ووجدنا آيات كثيرة تتحدث عن اتباع
الھوی في کثیر من الشهوات منها:
اتباع الهوى بسبب الكبرياء.
إن خلق الکبریاء، خلق یعمي عن اتباع
الصراط المستقيم ومن اتبع هواه في هذا
الخلق واستكبر، وجد نفسه معاندًا للحق،
صادًا عن سبيل الله تعالى. ولقد وجد هذا
الأمر في الأمم والأفراد، فقال الله سبحانه
عن بني إسرائيل: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْرَسُولٌ بِمَا
لَا تَهْوَ أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا
تَقْتُلُونَ (٧)﴾ [البقرة: ٨٧].
فبنوا إسرائيل استكبروا عن سماع الحق
واتباع الرسل، فقتلوا فريقًا منهم وكذبوا
فريقًا. وفعلهم هذا مثل فعل فرعون وقومه
حينما أنكروا الحق ظلمًا وعلوًا.
ـدُوا بِهَا
إذ قال الله تعالى عنهم:
وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].
فأنفسهم أيقنت الحق، ولكنهم رفضوه
تکبرًا، ففرعون استکبر عن الحق تبعًا لهوی
نفسه في جعلها إلهًا من دون الله، وقومه
اتبعوه عبادة له من دون الله تعالی.
فصدق قول الله عز وجل فيهم:
﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ
اَلْحَقِّ﴾ [القصص: ٣٩].
فكانت صفة الاستكبار ماثلة في بني
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٦/٢٠.
إسرائيل وفي فرعون وجنوده. والأمر ذاته
نجده ماثلا في أبي جهل، الذي نزل فيه
قول الله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُّ هَوَنُهُ﴾
[الجاثية: ٢٣].
وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه
الوليد بن المغيرة، فتحدث في شأن النبي
صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل: والله
إني لأعلم أنه لصادق! فقال له: مه! وما دلك
على ذلك؟ قال: يا أبا عبد شمس، كنا نسميه
في صباه الصادق الأمين؛ فلما تم عقله
وكمل رشده، نسميه الكاذب الخائن !! والله
إني لأعلم أنه لصادق! قال: فما يمنعك أن
تصدقه وتؤمن به! قال: تتحدث عني بنات
قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من
أجل كسرة، واللات والعزى إن اتبعته أبدًا.
فنزلت ﴿وَخَتَمْ عَلَى مَّمْعِهِ، وَقَلْبِهِ﴾(٢).
فأبو جهل أيقن أن محمدًا صلى الله عليه
وسلم على الحق، إلا أنه كذبه اتباعًا لهواه،
وصدا عن سبيل الله تعالی کبریاء من نفسه،
وبقي بهذا مقلدًا لدين آبائه. واليوم نرى
هذا الأمر ماثلًا في كثير من أهل الكبرياء
استنكافًا عن الحق، واتباعًا لما سبق.
# اتباع الهوى في العمل بخلاف ما یعلم.
علم الله تعالى الإنسان مالم يعلم،
والأصل في الإنسان أن يشكر الله تعالى
على هذه النعمة بأن يؤدي حق الله فيها، إلا
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٣/١٦.
www. modoee.com
٣٥٣
حرف التاء
أن هناك ممن تعلم حتى إذا صار عالمًا اتبع
هواه، فعندها قال أو عمل خلاف ما یعلم.
ولقد ذكر الله تعالى هذا الصنف في
كتابه العزيز فقال: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ
ءَاتَّيْنَهُ ءَايَتِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ
فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ (٥)
◌ِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ
فَثَلُهُ، كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ
يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكُهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ (١٠)﴾﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
وهذه الآية كانت في يهودي آتاه الله
علمًا، فذهب إلى من أغدق عليه العطاء
فتبعه وترك دين موسى عليه السلام(١).
وعلماء السلاطين موجودون في كل
حين، تتعاقب وتتشابه فعالهم في إرضاء
سلاطينهم تبعًا لأهوائهم.
يقول سيد قطب: ((وكم من عالم
دین رأيناه یعلم حقیقة دین الله، ثم يزيغ
عنها، ويعلن غيرها، ويستخدم علمه في
التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة
لسلطان الأرض الزائل! يحاول أن يثبت
بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله
وحرماته في الأرض جميعًا))(٢).
والآية تبين أن هذا الصنف من العلماء:
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٢٣١/٢.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١٣٩٨/٣.
﴿أَخْلَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتََّعَ هَوَنُهُ ﴾ أي: اطمأن
إليها وسكن حيث ملذاته وشهواته واتبع
الهوى في حبها، والأصل أن يرفعه علمه
إذا عمل به، إلا أنه آثر الحياة الدنيا، فنزل
من العلو إلى السفل، واستبدل الذي هو
أدنى بالذي هو خير، وكان من الذين قال
الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ
الْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّواْ
السَّبِيلَ
[النساء: ٤٤].
٤٤
وابتلي بعض علماء أمة الإسلام بمثل
ذلك، فباعوا آيات الله تعالى بمنصب
رخیص، ورضی حاكم جائر، تثبيتًا لعرشه،
واتباعًا للهوى، فبئس ما يشترون. وهذا
الصنف من العلماء أخطر على الأمة من
ملأ الحاكم الجائر وجنده؛ لأن الحاكم
الظالم يستند في شريعة أفعاله إليهم، ويعد
نفسه على الحق؛ وبهذا يزداد السلطان عتوًا
وإفسادًا.
# اتباع الهوى في قلب الحقائق.
يقول تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوِيٌ أَقْتُلٌ
مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّدٌ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ
أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ ﴾ [غافر:
٢٦ ].
ففرعون ينظر إلى موسى على أنه المفسد
ویری نفسه مصلحًا، فأصبح المعتدي على
الألوهية الحقة -طمعًا في إبقاء ألوهيته
الزائفة المتبعة للهوى - هو الحق، ومن أراد
مَوَسُولَةُ النَِّيـ
القرآن الكريمِ
٣٥٤
التقليد
إرشاد العباد لخالقهم هو المفسد! بل وعد الحالة المكرورة من قلب للحقيقة، فيصبح:
نفسه أنه الهادي قومه إلى الرشاد، الآتي لهم الأمين خائنًا، والخائن أمينًا، والمصلح
بشرع رشید.
قال الله سبحانه عنه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ
مَآ أُرِيكُمْ إِلَّ مَّآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيَكُمْ إِلَّا سَبِلَ
الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩].
وتكرر الأمر من قوم لوط، حينما نظروا
إلى من ترفع عن الفاحشة وتنزه عنها، بأنه لا
يستحق مجاورة ولا مساكنة، فهم الجدیرون
للأرض والوطن، وغيرهم ممن لا يفعل
فعلهم ليس له إلا الطرد والنفي!
فَمَا كَانَ
فقال سبحانه عنهم:
جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِهُوَاْ ءَالَ لُوطٍ مِّن
قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أَنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل:
٥٦].
كذلك نجده هذا الأمر من أهل مكة
الذين شاركوا فرعون وقوم لوط في قلب
الحقائق تلبية لرغباتهم وشهواتهم، حينما
حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم لأنه
عاب آلهتهم، وسفه أحلامهم، واتهموه
بالسحر والكذب والكهانة، وأنه أفسد بين
الولد ووالده، وفرق بين المرء وزوجه، فلا
بد من سجنه أو قتله أو طرده، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ
بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولَهٌ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
[الأنفال: ٣٠].
(٣٠
وتتوالى السنون والأيام، وتمشي معها
مفسدًا، والمفسد مصلحًا، والمجاهد إرهابيًا
لا يستحق الحياة، ولا بد من محاصرته
ومطاردته ونفیه من الأرض. فتصنف الناس
حسب الأهواء والأمزجة. تشابهت القلوب،
فحاكت الأفعال بعضها بعضًا.
ثالثًا: الخوف والاستضعاف:
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم،
وكرمه بالعقل والإرادة. وحينما يتنازل عن
هذا التکریم الإلهي، فإنه يصبح موبوءًا بوباء
التبعية، ويسلم قياد نفسه لغيره، ويعطل
عقله، ويسيطر الخوف والضعف عليه. ومن
هنا نجده يمتثل أمر سيده، ويجتنب نهيه،
تاركًا كتاب ربه وراءه ظهريًا، ومعرضًا عن
سنة نبيه صلی الله عليه وسلم، حجته في
ذلك: ﴿فَخْشَوَ أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ﴾، أو ﴿كُنَّا
مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.
ومن خلال ذلك سيكون تحت هذا
المطلب أمران هما:
١. الخوف.
یعرف الخوف بأنه «توقع حلول مكروه،
أو فوات محبوب)»(١) .
والخوف جبلي-وهو ماكان مفطورًا
عليه المرء- لا مؤاخذة فيه، وأما النفعي،
(١) التعريفات، الجرجاني، ص١٣٧.
www. modoee.com
٣٥٥
حرف التاء
فهو الذي يجلبه المرء لنفسه نتيجة ضعفها.
والخوف النفعي قد يكون خوفًا من قوة ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل
عمران: ١٣٣].
متوقعة، وخوفًا على المال أو المنصب.
وهذا کان سببًا في تقليد الكافرين ومتابعتهم،
والإعراض عن سبيل المؤمنين.
يقول الله عز وجل: ﴿فَتَرَى أَلَّذِينَ فِى
قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ غَخْشَى أَن
تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ ﴾ [المائدة: ٥٢].
رأسهم ابن سلول - الذین والوا اليهود(١)،
وعملوا بأعمالهم مقلدين إياهم في الصد
عن دين الله. ويحملهم على ذلك؛ خوفهم
أن يهزم المسلمون، فتكون لهم يد عند من
یوالونهم، يحفظون بها أنفسهم ((ولكن حجة
ابن سلول، هي حجة كل ابن سلول على
مدار الزمان؛ وتصوره هو تصور كل منافق
مريض القلب لا يدرك حقيقة الإيمان)» (٢).
وتتكرر صورة ابن سلول وأعوانه اليوم
في خشيتهم من اليهود، ومسارعتهم في
المحافظة على كيانهم وأمنهم، قائلين:
﴿وَتَخْشَوَ أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ ﴾ فالمسارعة في خدمة
یهود، والبحث عن رضاهم، دیدن المنافقين
في هذه الأمة قديمًا وحديثًا، محتسبين أن
كل صيحة عليهم.
(١) انظر: أسباب النزول، الواحدي، ١٩٩.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب. ٢ /٩١٦.
بكلمة إلى كما في قوله الله تعالى:
دليل على أنهم غارقون في التقليد
والتبعية، وهذا ينم عن نفسية مريضة،
فهم يهرعون في نصرة العدو ونقل أخبار
المسلمين إليه. وفي هذا دليل على عميق
مرض أنفسهم، وعدم ثقتهم بوعد الله
نزلت هذه الآية في المنافقين - وعلى بالنصر. فلما كانت النفس بهذا السوء
والهزيمة؛ سهل انقيادها اليهود والنصارى
-وهي راضية- ما
وأشياعهم، وعملت
تطلبه يهود في مطاردة الإسلام وأهله،
ونشر الفساد والإلحاد، وحمايته بالأموال
والأنفس؛ فالأمر ماثل للعيان في هذا الزمان
مشابهة لابن سلول. وحيثما وجدت نفس
بهذا المرض، كانت مقلدة ذائبة في غيرها.
وهذا في کل زمان.
والمخاطب بالرؤية معروف وهو
الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من
يصلح للخطاب من أمته. والفعل (ترى)
مضارع يدل على الاستمرارية، وهذا يعني
أن المسألة تتكرر في کل زمان، ولم یکن
الحديث مع غائب، ولعل ذلك -والله
أعلم- من باب أهمية المؤمن المخاطب،
وتعدية المسارعة بكلمة (في) وليس وحظه عند الله تعالى، وتحذيره من أن
يصيبه ما أصاب المسارعين فيهم.
وكما أن الخوف من الدائرة، سبب
مَوَسُولَةُ الَّة
القرآن الكريم
٣٥٦
التقليد
تقليد، كان الخوف على المصالح المادية
أيضًا، فقال الله سبحانه: ﴿وَقَالُواْ إِن تَّنَّبِعِ
اُلْهُدَى مَعَكَ نُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآً﴾ [القصص:
٥٧]. وهذا كان من أهل مكة للرسول
صلی الله عليه وسلم، رغم أن الله جعل
لهم حرمًا آمنًا یجیی إليه ثمرات كل شيء.
وشابه ذلك أهل زماننا، فكم من دولة عربية
وإسلامية تتبع أوروبا وأمريكا، خوفًا على
مصالحها الاقتصادية، أو حبًا في تخفيف
الديون المتراكمة عليها، أو خوفًا من ضربة
عسکریة، رغم ما أنعم الله علیھم ما لم ينعم
به على غيرهم من طاقات بشرية وإمكانات
اقتصادية.
ولئن كان الخوف من التخطف - إن
اتبع الدين- هو شأن علية القوم، فقد
وجدنا العامة من الناس، تلوك ألسنتهم
الفكرة نفسها، فلكم تشنفت الآذان من
ثقافة المجتمع المستضعف الخائف من
البغي السلطاني، أو عدم الحصول على
وظیفة، إن عمل لدينه حق العمل بشموله،
أو جاهد نصرة له، محاربًا الظلم وأهله، ذابًا
عن شرع الله تعالی، ومطالبًا بتحكيمه كاملا
غير منقوص. فسبحانك ربي، ﴿تَشَبَهَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨].
فالحالة ذاتها على مر الأجيال.
ولئن سألتهم عن قناعتهم بهذه الفعال
لقالوا: لسنا على قناعة بذلك ولكنها
الوظيفة !! سبحان الله العظيم تشابهت
القلوب مع قلوب قريش، ﴿إِن نََّّبِعِ الْهُدَى﴾
فاعترف الفريقان بأن ما يدعو إليه النبي
صلى الله عليه وسلم والدعاة في كل زمان
هو الهدى، لكنهم أعرضوا عن اتباعه، وبقوا
على دين كبرائهم خوفًا، فحالهم كحال
فرعون وجنده: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ
أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَمُلْوًّا﴾ [النمل: ١٤].
ولقد برر القوم عدم تبعيتهم لشرع الله
بكلمة ﴿تُنَخَطَّفْ﴾ الدالة على الأخذ
بسرعة (١). دلالة على شدة الهلع والخوف
من الناس، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا
فَهُمْ عَى ◌َائِهِمْ يُهْرَعُونَ
٦٩
ءَابَآءَ هُمْ ضَآلِينَ
(٣)﴾ [الصافات: ٦٩-٧٠].
والإهراع: ((إسراع فيه شبه بالرعدة)).(٢)
فالإسراع الشديد في التقليد والتبعية ثمرة
الخوف الشديد. وهذه الحالة النفسية التي
يصفها القرآن العظيم للمقلدين، تدل على
ذوبان شخصية صاحبها في المتبوعين،
وخوفها منهم.
٢. الاستضعاف.
وصف الله سبحانه وتعالى حالة
الضعف كحالة تعتري النفس البشرية، تؤدي
إلى الانقياد والتبعية للآخر المستكبر، فقال:
﴿فَقَالَ الضُّعَفَوُاْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ١١٨/١.
(٢) المصدر السابق ٤ / ٤٧.
www. modoee.com
٣٥٧
حرف التاء
لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عليهم السلام كان الضعفاء جلادين لديهم،
منقادین للأمر دون تفکیر.
مِن شَىْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١].
والضعفاء هم الذين تنازلوا عن كرامتهم
وحريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد،
وجعلوا أنفسهم تبعًا للمستكبرين الطغاة.
والقوة المادية -مهما كانت- لا تملك إلا
تعذيب الجسد، أما العقل والروح فلا يملك
أحد حبسها إلا إذا أسلمها صاحبها للحبس
والإذلال، فحينما ضعفت الأرواح والعقول
سقطت همتهم، واتبعوا المستكبرين (١).
والضعاف هم الذين فقدوا صناعة
القرار الذاتي، فأصبحوا مصنوعين لا
صانعين، مقودين لا قادة. وهم الذين ذابت
شخصياتهم فذاب قرارها الخاص بها في
غيرها، ومن هان على نفسه، هان على
الناس. فالضعفاء يقولون للمستكبرين:
﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبْعًا﴾، ((أي: مهما أمرتمونا
ائتمرنا وفعلنا))(٢)، بل هم سادة في
التطبيق والامتثال من فرط ضعفهم وذلهم
وعبوديتهم، فهم: ((لشدة تبعيتهم كأنهم عين
التبعية)»(٣).
لقد قلد الضعفاء الكبراء في أنواع
الضلالات المختلفة، فلما كذب
المستكبرون الأنبياء، كذلك كان الضعفاء،
ولما كان المستكبرون معذبين للرسل
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٠٩٦/٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٤٥٤.
(٣) روح المعاني، الألوسي، ٢٤/ ٧٤.
والله تعالى لم يقبل عذر المستضعف،
إذا كان قادرًا على الانتفاضة على ضعفه
وذله، تاركًا تبعية کبیره، بل وحتى تکثیر
سواده - إذا لم يكن في الانتفاضة منكر أكبر
من منكر الضعف والذلة -. يقول المولى عز
وجل: ﴿ إِنَّالَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ
قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضَِّ قَالُواْ
أَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَاسِعَةٌ فَنْهَاجِرُواْ فِيهَاً فَأُوْلَكَ
٧﴾ [النساء: ٩٧].
مَأْوَهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيًّا
ولقد عبر القرآن الكريم عن المستضعفين
بصيغة الفعل المبني للمجهول (استضعفوا)،
لهوانهم على الله كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ
الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ
اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ تَّْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ
لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣].
وفي التعبير بصيغة المبني للمجهول
دلالة على شدة مهانتهم لأنفسهم وعدم
تقديرهم لكرامتها، فأذلوها مقلدين الذين
استكبروا. وفي المقابل كان التعبير عن
المستكبرين بصيغة المبني للمعلوم، لإظهار
تفننهم في قيادة المستضعفین بالليل والنهار.
فهم وجدوا قطیعًا ينفذ، فلماذا لا يأمرون؟!
ووجدوا ضعفًا سهل انقياده، فلماذا لا
يتكبرون! والكبر شعارهم، ((والسين والتاء
٣٥٨
جومبو
القرآن الكريم
التقليد
للمبالغة في الكبر))(١). وذلك أن المتكبر غلبه، لاعتقاد الكمال في الغالب، فتجده
یتشبه بالغالب في زيه ومركبه وسلاحه.(٣)
سعی في طلب الکبر.
ويبين يوسف العظم أن أعمق معاني
الهزيمة تلك التي تنبع من داخل الإنسان،
ولا يشعر بها، لأنه مخدر الذهن یحیا أجواء
الغرور، ولا يفسح لغيره حوارًا (٢).
وهذا ماثل تمامًا في حاضر أمة الإسلام
اليوم، فقد انهزمت من داخلها، ولم تعد
تعرف سر قوتها، وسر ضعف غيرها،
فانبهرت بحضارة غيرها واتبعتها.
وقريب من هذا -الهزيمة النفسية
التي كانت سببًا في التقليد- قول الله
تعالى: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ
إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ لَلِّْ وَوَعَدِلُّكُمْ
فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ
أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ
أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُم
بِمُصْرِخِىٌّ إِنِ كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَ كْتُمُونِ
مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
فبمجرد دعاء الشيطان استجابوا، وهذا
دليل الخواء الروحي، والضعف العقلي،
والفراغ الذاتي، أن لبوا نداء الشيطان في
الضلال والإغواء، بمجرد الدعوة، كما هو
شأن کل متبعي الشيطان في كل زمان.
والمغلوب مولع دائمًا بالاقتداء بمن
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢١٦/١٣.
(٢) انظر: المنهزمون دراسة للفكر المتخلف
والحضارة المنهارة، يوسف العظم، ص١٩.
والمتأمل في المجموعات الإنسانية،
يرى أن نسبةً عظمى منها تضعف إرادتها
وتنحني أمام إرادة ذوي السلطة السياسية
أو الاجتماعية أو الروحية، وحينها تتعطل
ملكاتهم فيكونوا إمعة. ويستغل القادة صفة
الطاعة العمياء هذه لبث أفكارهم وعقائدهم
التي فيها تمكين نفوذهم، وتسخيرهم
لتحقيق ما تشتهي أنفسهم الآثمة من سلطان
أو مال. (٤)
رابعًا: تعظيم الأنبياء والأولياء:
يخرج في کل أمة أشخاص بارزون لهم
بصمات في تاريخها، فمنهم من يبرز في
ميدان العبادة، ومنهم من يبرز في ميدان
المعارك، ومنهم من یبرز في میدان العلم،
ومنهم من يبرز في ميدان القيادة. وهذه
الفئة من كل أمة يكون لها وزنها في أنفس
الجماهير. ولما كان قول أهل النباهة له مكانة
في الأنفس، فإن العامة تقول بقولهم، وتعمل
عملهم. يقول القرطبي: ((وأقوال النبهاء أبدًا
مشهورة في الناس يحتج بها، فمن هنا صح
أن تقول الجماعة قول نبيهها)»(٥).
(٣) انظر: مقدمة ابن خلدون، ص ١٤٧.
(٤) انظر: العقيدة الإسلامية وأسسها، الميداني،
ص٦٩٩.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٨/ ٨٥.
www. modoee.com
٣٥٩
حرف التاء
فالنبيه تتبعه العامة، ويقلدونه في القول
والعمل. ويكون الناس معهم أصناف ثلاثة:
الصنف الأول: الغالي فيهم، المعظم لهم
لدرجة العبادة.
الصنف الثاني: الجافي عنهم، إما جاهلا
بهم، أو حاسدًا لهم.
الصنف الثالث: الوسط بين الصنفين
السابقين، ويتعامل مع هذه الفئة البارزة دون
إفراط ولا تفريط.
وهذا المطلب سيدور حول الصنف
الأول دون الثاني الذي لا يكون فيه تقليد،
بسبب جهلهم الذي لا يدفعه إلى التقليد،
أو حسده الذي يسبب معاداتهم والتي تمنع
التقليد من الناس، وذلك في أمرين:
١. المبالغة في تعظيم الأنبياء عليهم
السلام.
لقد بين الله تعالى أن اليهود زعموا أن
عزيرًا ابن الله، وكذلك بالنسبة للنصارى
في عيسى عليه السلام، فقال سبحانه عنهم:
وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ
النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُّ اَللَّهِّ ذَلِكَ
قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمَّ يُضَهِقُونَ قَوَّلَ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: ٣٠].
فعزیر، مختلف فيه أنبي هو أم عالم من
علماء بني اسرائيل؟ وأيا كان الأمر، فالذي
یهم هنا أنه قدس، بزعمهم أنه ابن الله زورًا
و کذبًا.
يقول محمد سيد الطنطاوي: ((وقد
قدسه اليهود من أجل نشره لكثير من علوم
الشريعة، وأطلقوا عليه لقب (ابن الله)»(١).
فعزیر عظم عند اليهود، لما له من شأن
في حفظ التوراة، في الوقت العصيب الذي
ذهبت منهم هذه التوراة.
أما بالنسبة لعيسى عليه السلام، فقد أخبر
الله تعالى عن فرية النصارى حين قالوا عنه
بأنه ابن الله، وذلك لأنهم رأوا علی یدیه من
المعجزات التي لا تصدر إلا عن إله، أو لأنه
ولد لغیر أب. فمن هنا، کان تعظیمهم له.
ولقد غالت النصارى في المسيح عليه
السلام، وأطروه إطراءً تجاوزوا به الحد،
فقال الله سبحانه وتعالى ناهيًا إياهم عن
الغلو فيه: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ
فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ إِلَّ الْحَقّ
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ
وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنَةٌ
فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَثَةٌ أَنْتَهُوا
خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اَللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَنَهُ أَنْ
يَكُونَ لَهُ، وَلَدٌ ﴾ [النساء: ١٧١].
والآية تنهى عن رفع عيسى عليه السلام
من مقام النبوة إلى مقام الألوهية، فسلفهم
ضل في هذه الفرية وأضل من بعده.
وبين الله تعالى كفر النصارى في عقيدة
التأليه والتثليث لعيسى عليه السلام فقال
(١) الوسيط، طنطاوي، ٦/ ٢٥٧.
٣٦٠
القرآن الكريم