Indexed OCR Text
Pages 21-40
التفكر أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِآلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَتَّىٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِقَآٍَ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ﴾ [الروم: ٨]. وهذه الآية وردت في غفلة الناس عن يوم القيامة، والانشغال بالدنيا، قال ابن عاشور: ((والاستفهام تعجيبي من غفلتهم وعدم تفكرهم، والتقدير: هم غافلون، وعجيب عدم تفكرهم، ومناسبة هذا الانتقال أن لإحالتهم رجوع الدالة إلى الروم بعد انکسارهم سببين: أحدهما: اعتيادهم قصر أفكارهم على الجولان في المألوفات دون دائرة الممكنات؛ وذلك من أسباب إنكارهم البعث، وهو أعظم ما أنكروه لهذا السبب، وثانيهما: تمردهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن شاهدوا معجزته، فانتقل الكلام إلى نقض آرائهم في هذين السببين))(١). ((وجاءت هذه الآية؛ للتدليل على قضية البعث، وهي من أهم قضايا العقيدة التي جاء القرآن يدعو للتفكر في مقدماتها الظاهرة في حياة الناس؛ وذلك بالتفكر في النفس البشرية وغاية وجودها ومحلها بعد نهاية أجلها، ومن بعدها النظر في السموات والأرض، أين سيدرك أن لكل شيء في هذا الوجود نهاية، ويتفطن بعدها إلى حقيقة اللقاء الأخروي والحساب والجزاء، هذه (١) المصدر السابق ٢١/ ٥١. الحقيقة التي يسعى الناس لإنكارها؛ لظنهم الخلود في دار الدنيا؛ لذا قال الألوسي: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ﴾ إنكار واستقباح لقصر نظرهم على ما ذكر من ظاهر الحياة الدنيا مع الغفلة عن الآخرة»(٢). وبهذا يظهر هدف استخدام أسلوب الاستفهام الانكاري كمحرض على التفكر کونه شدیدًا على أنفس الكافرين، ويحمل في طياته الإنذار بالوعيد، وبهذا يمنحهم فرصة للتفكر العميق، ثم الإجابة السليمة عن هذه الأسئلة الموجهة إليهم بعدها الاستجابة التلقائية لنداء الفطرة وداعي الحق. رابعًا: الثناء على المتفكرين: ((اعتمد القرآن أسلوب المدح في إثارة عملية التفكر؛ لأنه أسلوب محبب للنفوس، فالإنسان بطبيعته يحب المدح والثناء والظهور في مظهر حسن خلقًا وخلقًا؛ ليثير إعجاب من حوله، كما أن الإنسان لا يميل إلى الأسلوب المباشر في النصح والإرشاد؛ لأنه يحب دائمًا أن يشعر أنه عندما يأتي فعلًا طيبًا، فإنما يفعل ذلك بدافع داخلي لا بناء على أوامر ونواه)(٣). والله تعالى يخاطب (٢) روح المعاني، الألوسي ٢١/ ٢٢. (٣) منهج القرآن الكريم في تربية الإنسان، مصطفى حوامدة، مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والإنسانية، أكتوبر ٢٠٠٦م، المجلد ٣، العدد ٣ ص ٣٢. www. modoee.com ٢٩٩ حرف التاء النفس على ما جبلت عليه؛ فذلك أدعى للاستجابة؛ لهذا جاء الثناء على المتفكرين من أولي الألباب، هذه الفئة التي استحقت الثناء بجدارة؛ لأنها عملت بوصايا ربها، فوصلت إلى أعلى منازل السالكين إليه، فکانت بحق قدوة و جب التأسي بها. وقد نالوا هذه المرتبة حين مدحهم الله سبحانه وتعالى في أواخر سورة آل عمران بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَتٍ لِأُوْلِ اٌلْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: ٠٩١-١٩١]. و(أولو الألباب) هم أصحاب العقول الصافية، والقلوب النيرة، والألباب جمع (لب) ويذكر اللب في مقابل القشر، يقول ابن عاشور: ((واللب في الأصل خلاصة الشيء وقلبه، وأطلق هنا على عقل الإنسان؛ لأنه أنفع شيء فیه))(١). القلوب وفاض على الألسنة، وكان مرافقًا لهم في كل حركاتهم وسكناتهم، ما يدل على استحضارهم للمعية الربانية في كل وقت، وعلى كل حال. فهم قیام في نهارهم يعملون ویجاهدون ويذكرون الله، وهم قعود وقت الراحة لا ینسون ذكره، بل حتى وهم نيام على جنوبهم یذکرونه. هذه الحالة الربانية والخوف الشديد من الله جعلھم یرون كل شيء في هذا الكون دليلًا على وجود الله، وبديع خلقه، وعظيم حکمته. فانطلقوا بأبصارهم يتفكرون ما بين السموات والأرض، فزادهم الانفتاح على كتاب الله المنظور معرفة لأسرار الوجود، وفقهًا لسننه ونظامه الدقيق، فامتلأت قلوبهم بنور الله، وفاضت خشوعًا وإنابة لرب الكون ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَالنَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. لتتفجر ينابيع التسبيح والإقرار بتلك العظمة والقدرة من قلوبهم على ألسنتهم وقد وردت لفظة (أولي الألباب) في القرآن ست عشرة مرة، كلها على سبيل المدح والثناء. فتلهج بالدعاء، راجين النجاة من عذاب النار، فبعملية التفكر هذه يغذون القلب بالإيمان، ويزيدون فيه نفحة اليقين، كما وحاز أولو الألباب هذه المكانة المرموقة في رحاب الله؛ لأنهم تمسكوا يصبغونه بصبغة الجمال النابع من جمال بحبلي الذكر والفكر، هذا الذكر الذي ملأ الكون وسحره، فتنطبع أقوالهم وأفعالهم ذوقًا وإحسانًا مع الناس، وإبداعًا وإتقانًا في (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٤/٣. مُوسوبر التفسير القرآن الكريم ٣٠٠ التفكر الحياة. وهو يقرأ هذه الآية، بيانٌ لأسمى نموذج وقد جاء في صحيح ابن حبان عن عطاء للمتفكرين في ملكوت الله سبحانه وتعالى، وفي هذه صورة لما ينتج عن التفكر من زيادة في العبادة، وسمو في الإيمان. قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة -رضي الله عنها- فقالت لعبيد بن عمير: والظاهر أن الذكر الوارد في الآية على العموم، ويشمل الصلاة، وهو ذكر باللسان، وحضور القلب، فهم ((الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم باطمئنان قلوبهم بذكره واستغراق سرائرهم في مراقبته»(٢). قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أمه، کما قال الأول: (زر غبًا تزدد حبًا). قال: فقالت: دعونا من رطانتکم هذه، قال ابن عمير: أخبرینا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلی الله عليه وسلم، قال: فسكتت، ثم قالت: لما کان ليلة من الليالي قال: (یا ولما وصفهم تعالى بالذكر، ثنى بعدها بالفكر؛ لأن الذکر لا یکمل إلا مع الفكر. عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي) قلت: والله وفي هذا يقول الألوسي: ((قدم الذكر على الدوام على التفكر للتنبيه على أن العقل لا يفي بالهداية ما لم يتنور بنور ذكر الله تعالى وهدايته، فلا بد للمتفكر من الرجوع إلى الله تعالى ورعاية ما شرع له))(٣). إني لأحب قربك، وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل پیکي حتی بل حجره، قالت: ثم بکی فلم یزل ییکي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه يقول الرازي في تفسيره: «في هذه الآية جمع لأصناف العبودية الثلاث، وتحقيق لمعنى الإيمان الذي هو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، فقوله تعالى: ﴿أَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٩١]. بالصلاة، فلما رآه بیکي قال: يا رسول الله لم تبك وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدا شكورًا، لقد نزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ اَلسَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠])(١). وفي وصف السيدة عائشة رضي الله عنها لحالة الرسول صلى الله عليه وسلم (١) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ٣٨٦/٢، رقم ٦٢٠. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٦٨. إشارة إلى عبودية اللسان، وقوله: ﴿قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إشارة إلى عبودية الجوارح والأعضاء، وقوله: (٢) روح المعاني، الألوسي ٤/ ١٥٨. (٣) المصدر السابق ٤ / ١٥٤. www. modoee.com ٣٠١ حرف التاء ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إشارة إلى عبودية القلب والفكر والروح، والإنسان ليس إلا هذا المجموع)»(١). ولنا في قصص السلف الصالح عبرة ومثل، فقد قال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة، أو لي فيه عبرة(٢). وأخرج ابن المنذر(٣) عن عون قال: سألت أم الدرداء: ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكر والاعتبار. فـ (أولو الألباب) ناس ارتقوا بقلوبهم وعقولهم عن براثن الأرض، فلم تعد تلامسها، وحلقوا ما بين السموات والأرض في رحلة فكرية قلبية، وصلوا من خلالها إلى عمق الأشياء، وانقلبت عقولهم من حالھا إلی حال اللب، وهو أكمل وأخلص الأحوال، رأوا من خلالها غاية الوجود وحكمه العجيبة، وأسراره العظيمة، فنادوا ربنا ما خلقت هذا باطلا، فكانت نتيجة هذا التواصل اعترافًا بالربوبية وتنزيها عن العبثية، منبعها الذكر الكثير والفكر الرصين؛ لينتهوا من هذه الرحلة الإيمانية بإدراك عظم ذنوبهم وتقصیرهم أمام نعم الله فاختاروا الآخرة، وطمعوا فى الوقاية من عذاب النار. (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٩ / ٤٥٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٨٤. (٣) أخرجه ابن المنذر في تفسيره، ٢/ ٥٣٤. مجالات التفكر القرآن في تعددت مجالات التفكر وسوف نتناولها فیما یأتي بالبيان: أولًا: التفكر في الآفاق: يعتبر الكون مجالًا واسعًا ورحبًا تدور فيه أنظار الناس، ويعملون فيه عقولهم، ما جعل ميدان الآفاق أوسع مجالات في موضوع التفكر حتى غلب عليه، وأصبح إذا أطلق مصطلح التفكر أريد به آيات الله المنظورة المنتشرة في الكون، فكان مجالًا تنوعت فيه الصور والمظاهر، وتعددت حوله الآيات والدلائل، وكثرت داخله الأسرار والحكم. والتفكر في الكون يكون تفكرًا في خلق الله من جهة دلالته على خالقه؛ لهذا استعمل لفظ (خلق) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللَّهَ قِيمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. فالتفكر ليس مقصودًا لذاته، بل الهدف منه بيان سر الإعجاز والقدرة، ومعرفة عظمة الخلق والخالق، والتفكر في خلق السموات يكون من جهة ارتفاعها بغير عمد ورحابة آفاقها، وإحكام صنعها، وشدة إتقانها، ودقة نظامها، وثبات نواميسها بما يوافق حياة الإنسان، وما حوته من كواكب كالشمس ٣٠٢ مُوسوبر التفسير القرآن الكريم التفكر والقمر وغيرها، ونجوم مسخرات، وفي كل فيه تسهيل لعمل الإنسان من إقامة الزراعة ذلك آية على صنع القدير، فلو أن الشمس تبتعد عن الأرض لتجمد كل شيء، ولو أنها تقترب منها لاحترق کل شيء، فکل قوانين الكون مبنية على نسب كمية وكيفية تناسب وجود الإنسان وتسهيل مهمته على الأرض، ففي اختلاف الليل والنهار من جهة الظلام والنور مراعاة لتحقيق الراحة والهدوء في الليل، والحاجة للضوء في النهار سعيًا للعمل. والتفكر في الأرض وما حوته من آیات وعجائب تعجز الألباب عن حصرها، من تنوع للكائنات إلی عظم الجبال وشق الأنهار واتساع البحار، وما تحويه من معادن، وفي کل منھا عالم دقیق کبیر المعاني كثير الغرائب تعجز العقول عن إدراكه؛ لذلك خصها الله سبحانه وتعالى بالتفصيل، وهي أقرب للإنسان من عالم السماء، فآفاق الکون لا یستطیع معرفة کنھھا عوام الناس. قال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِيَ وَأَنْهَرًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ يُغْشِ اَلَيْلَ النَّارَ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]. فالأرض بسيطة للإنسان يسير فيها ويتقلب بين جنباتها، منها خلق، وفيها يعاد، وبها معاشه، جعلها الله قرارًا للإنسان، وسخر له ما فيها؛ ليقيم شئونه عليها، فمدها على سطحها التي هي عماد أكله وحياته، وبسطها طولًا وعرضًا يسهل الانتقال في أجزائها شرقًا وغربًا شمالًا وجنوبًا، ومن عظيم آيات الله فيها تثبيت تربتها بالجبال الرواسي، وشق الأنهار فيها، وجعل فيها المياه الباطنية قريبة من سطح الأرض؛ ليسهل على الإنسان استغلالها، فلو كان على الإنسان إحضار المياه من البحار لما قامت زراعة ولا تجارة ولا حضارة، وذکر الأنهار بعد الجبال؛ لأن ماء النهر عادة ما یکون من ذوبان ثلج الجبل، فهذه آیات عظيمة على الإنسان الانتباه لها. ولأن الإنسان بطبعه يكره البقاء على نمط واحد كان تنوع الثمار وكثرتها آية أخرى، وجعل من هذه الأنواع زوجين اثنين الحلو والحامض، الأبيض والأسود ... ، كما أن فيه إشارة إلى وجود الذكر والأنثى في كل نبات، فبهما يتحقق معنى الزوجية، ويتكاثر النبات. ((ومن هذا يتبين أن كلمة زوجين تتضمن التقابل الذي يعم التقابل بين الذكر والأنثى، والتقابل في الألوان، والتقابل في الطعم، والتقابل في الصغر والكبر، وهذا كله في أرض واحدة، وكان في اتحاد الأرض واتحاد الماء أن تكون شيئًا واحدًا في لونه أو طعمه ... ، ولكن تعددت وتخالفت، فدل www. modoee.com ٣٠٣ حرف التاء هذا على وحدة الصانع الحكيم العليم المريد وَمَا فِ اَلْأَرْضِ جَيْعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى))(١). وأشار إلى سنة التسخير، وهي سنة لها ارتباط وثيق بموضوع التفكر؛ لأنها تدخل ضمن إطار مهمة الإنسان على الأرض، وجاء البيان الإلهي عامًا شاملًا في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا ◌ِ آلْأَزْضِ جَمِيعً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣]؛ ليطلب من الإنسان ((أن يحلق في فضاء السموات وأن يغوص في أعماق الأرض بفكره ولما تفيده (ما) من الإبهام، فإنها تدفع الإنسان إلى التعمق في اكتشاف أسرار ما في السموات وما في الأرض، فهي شاملة للباطن المخفي، وللظاهر المشاهد من أسباب التسخير؛ لاستثماره في نفع الإنسان))(٢) قوله: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ أي: إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في هذه المهام والاجتناء فإبهام الآيات يشير إلى كثرتها وتنوعها ((وذلك؛ لأن فيها من الآيات العجيبة ما يبهر من سائر الثمار، ثم جمعها للشمع والعسل الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئدة وهو من أطيب الأشياء، الآية لقوم يتفكرون الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها، فيستدلون بذلك على أنه الفاعل المطالب الإلهية))(٣). القادر الحكيم العليم الكريم الرحيم (٤). كما أن في تنكيرها دلالة على الكثرة والتعظيم، فكل ذلك يتناسق مع العموم المدلول عليه بقوله: ﴿وَسَخَّرَلَكُ مَّا فِي السَّمَوَتِ (١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٨٩٥/٧. (٢) منهج القرآن في صياغة تفكير الإنسان، زياد خليل الدغامين، مجلة الفرقان، ص٢٠٥. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٦١. ولأن التسخير بعيد الإدراك والمشاهدة جيء بالتفكر الذي يغوص في معاني ودلائل الأشياء، وكل إنسان على قدر علمه وفهمه وتركيزه يصل إلى إدراك المطلوب. وبالمقابل من ذكر التفكر في الأمور الكبيرة في الكون جاءت الإشارة إلى الأمور الصغيرة والتي قد يغفل عنها كثير من الناس، والتي تمثل في حد ذاتها معجزة من معجزات الخلق. قال تعالى: ﴿ُّكُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْلِفُ أَلْوَنُهُ، فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِنَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَّةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩]. فجاء لفت الانتباه في القرآن إلى عالم النحل، هذه المملكة الحصينة التي تحكمها قواعد وأركان يستحق أن يعي الإنسان نظامها ویحتذي به، والعجيب من أمرها أنها (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٥٠٢. جَوَسُو ◌َهُ النفسية القرآن الكريم ٣٠٤ التفكر تسير بدقة متناهية لا ترى فيها عوجًا أبدًا، يحقروا خلق الله، أو يحقروا أنفسهم، فكل میسر لما خلق له. فتختار مكانًا آمنًا في الجبال، وعلى الشجر؛ لتبني فيه خلیتها حتى لا تصلها الحيوانات، ولا تطالها الأيدي، وتهندسه في أشكال سداسية؛ لتضمن استغلالًا تامًا للمكان يساعدها على وضع البيض والاعتناء به، كما أن كل فرد في هذه الخلية مكلف بمهام يدركها منذ فقسه، إضافة إلى أن النحل مضرب المثل للتفاني في الجد والنشاط، ودليل ذلك الشراب المعجز الذي شهد له القرآن الحكيم بالنفع والشفاء. يقول الألوسي: ((إن من تفكر في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة التي مرت الإشارة إليها، وخروج هذا الشراب الحلو المختلف الألوان، وتضمنه الشفاء جزم قطعًا أن لها ربًا حکیمًا قادرًا، ألهمها ما ألهم وأودع فيها ما أودع، ولما كان شأنها في ذلك عجيبًا يحتاج إلى مزيد تأمل ختم سبحانه الآية بالتفكر))(١) . ومن حكم المولى أنه بين أن التفاضل بين الخلق ليس من جهة الفضل والاستحقاق؛ إذ إنه لا ميزة للنحل في الطول أو العرض أو الجمال، لكن بعمله وجهده وإتقانه نال العسل، وفوقها اختصاصه بسورة تتلى إلى يوم القيامة، وفي هذا لفت لعقول الناس، ألا (١) روح المعاني، الألوسي ١٤/ ١٨٧. فنظرة القرآن للكون جاءت مناقضة لما شاع في فكر الإنسان القديم، من أن الكون والطبيعة مضادة تمامًا ((التصورات الكونية الميثولوجية القديمة التي جعلت الإنسان البدائي یستشعر الخوف من الكون، ويعتبره خارجًا تمامًا عن نطاق عمله وقدرته، ويفسر ظواهره المختلفة بعلل وهمية خيرة أو شريرة، أو آلهة يسترضيها بألوان الطقوس البدائية)»(٢). بل جعل منها دلائل على قضايا مصيرية؛ ليكون ذلك أزيد في إيمانه بالاعتماد على العلم واليقين، ويحسن التصرف في هذا الكون. ثانيًا: التفكر في الأحكام الشريعة: قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِّ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. أي: کما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها کذلك یبین لکم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: في زوال الدنیا وفنائها، (٢) الإنسان والكون في الإسلام، التفتزاني ص٣٨. www. modoee.com ٣٠٥ حرف التاء وإقبال الآخرة وبقائها(١). قال ابن عاشور رحمه الله: ((ولا يخفى أن الذي يصلح للتفكر هو الحكم المنوط بالعلة، وهو حكم الخمر والميسر))(٢). من أدب المؤمن مع ربه التفكير في أحكامه الشرعية، واليقين بأن المصالح متحققة يقينًا بالأخذ بأحكامه سبحانه وتعالى، وما أصاب الأمة من بؤس وانحطاط إلا بالبعد عن تطبيق الأحكام الشرعية. ثالثًا: التفكر في النفس الإنسانية: إن النفس البشرية مجال صغير من مجالات التفكر في الخلق، لكنه عظيم عظم ما يحويه من آيات ودلائل على قدرة المولى -جل وعلا-، ودعوة القرآن للتفكر في النفس تعمل على إثارة العقل للبحث في آفاقها، وتجلیة کنهها واكتشاف أسرارها، وجاء الحديث عن النفس في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىَّ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّىٌّ وَ إِنَّ كَثِيرًا الَّذِينَ مِن بِلِقَآٍ رَبِِّهِمْ لَكَفِرُونَ﴾ [الروم: ٨]. وفيه توبيخ للكفار الذين قصرت مداركهم على الحياة الدنيا وشواغلها ونسوا العمل للآخرة، وفي خضم هذه الحياة تكون النفس البشرية مجالًا قريب التأمل، فلو (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٣٥. (٢) التحرير والتنوير ٢/ ٣٥٣. تفكر الإنسان في أصله ونشأته(٣) ومراحل خلقه، أطوارًا في بطن أمه يتقلب ما بين النطفة والعلقة والمضغة؛ ليتشكل جنينًا، ويخرج من الرحم وليدًا، لا قدرة له على الإدراك أو التعقل ولا طاقة له بأي عمل، ثم يصير طفلاً فشابًا يافعًا، ثم شيخًا هرمًا، نفذت قوته، وساءت حاله؛ ليستقبله بعدها القبر، لأدرك قصر هذهالدنیا وفناء لذاتها، ما يبعث على إعادة النظر في حياته وتصرفاته؛ ليجعل منها دربًا موصلًا إلى الجنة. وجاءت آيات كثيرة تنبئ الإنسان بحقيقة نشأته وتذكره بأصله، حتى لا تأخذه العزة بنفسه وقوتها وجمالها وينسى فضل الخالق علیه وما أمره به من تكاليف، وتفرقت آیات الخلقة في القرآن وتشعبت الدلائل في كل آية بما يخدم السياق القرآني في كل سورة، وليعظم الأثر في القلب، ويحصل الإدراك الواعي بالمعجزات البينات، فيعترف القلب والعقل بقدرة الخالق وإعجازه. فشكل الإنسان وجمال صورته واستواء أعضائه ووظائفها على هذه الهيئة المعتدلة ((أمر يستحق التدبر الطويل، والشكر العميق، والأدب الجم، والحب لربه الکریم، الذي أكرمه بهذه الخلقة تفضلاً منه ورعاية ومنة ... ، وإن عجائب الإبداع في (٣) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ٤ / ٤٣٥ - ٤٤٠، مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ١٩٦. ٣٠٦ مُوسُوبَةُ النَّبِد جوبيبو القرآن الكريم التفكر خلقه لأضخم من إدراكه هو، وأعجب من في نفسه ولم يمحصها ويدافعها، وفي هذا كل ما يراه حوله))(١). كما أن هناك من الحقائق التي تعيش في داخل الإنسان وهو غير قادر عن إدراكها كماهية العقل والروح، ولا يمكنه الاستغناء عنها ((فهي وإن كانت من مكونات الإنسان التي بها صار إنسانًا إلا أنها ليست مادية، ولا یمکن حصرها بين فكي الزمان والمكان اللذين لا قدرة للعقل البشري على الإدراك خارج نطاقهما، فهذا في حد ذاته أكبر تحد يدعو الإنسان للتواضع والإذعان)»(٢)، وعدم قدرته للوصول إلى حقيقة الأشياء نابعة من كونه بعيدًا عن منهج الحق والإيمان. والتفكر في النفس ينبه إلى التفكر في صفاتها وأعمالها، فالنفس كما يقول ابن القيم: ((النفس دنيئة وطبيعتها أنها أمارة بالسوء»، وأمارة من صيغ المبالغة الدالة على الكثرة والاستمرار، فإذا عرف الإنسان طبيعة النفس حاول تغييرها ومجاهدتها وعدم الخضوع لطلباتها. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَى ﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]. لذا يبين ابن القيم أن أصل أفعال الإنسان نابع من أفكاره وخواطره التي تركها تجول (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٨٤٨. (٢) التفكر من الشهود إلى المشاهدة، مالك البدري ص٦٩. يقول: ((دافع الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة، ودافع الفكرة فإن لم تفعل صارت شھوة، فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة، فإن لم تدافعها صارت فعلًا، فإن لم تتدارکه بضده صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها))(٣). وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِ أَنْفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اَللَّهُ السَّمُوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمَّىٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَآٍ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ﴾ [الروم: ٨]. فيه دعوة للنظر في النفس من جانبين؛ جانب خلقها وعجائب صفاتها وسيرورة أجهزتها، وجانب النظر في أفعالها ومقاربتها للصواب، وصفاتها وكيفية تهذيبها. وجعل أبو حامد الغزالي مجاري الفكر تصب كلها بما يزكي النفس ويهذبها، فهي أربعة عنده: الطاعات، المعاصي، الصفات المهلكات والصفات المنجيات، ثم يفصل في كيفية استشعار هذه المعاني الروحية بواسطة التفکر في کل نوع على حدة، نذكر مثالًا منها، يقول فيه: «فليتفکر كل يوم في قلبه ما الذي يعوزه من هذه الصفات التي هي المقربة إلى الله، فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم أنها أحوال لا يثمرها إلا علوم، وإن العلوم لا يثمرها إلا أفكار، فإذا أراد أن (٣) الفوائد، ابن قيم ص٣١. www. modoee.com ٣٠٧ حرف التاء يكتب لنفسه أحوال التوبة والندم فليفتش في ذنوبه أولًا، وليتفكر فيها، وليجمعها على نفسه، وليعظمها في قلبه، ثم لينظر في الوعيد الشديد الذي ورد في الشرع فيها، وليتحقق عند نفسه أنه متعرض لمقت الله تعالی حتی ینبعث له حال الندم»(١). وقلما ينتبه الإنسان إلى فضل المولى عليه في منحه نعمة الزوجية، وكونها من نفسه؛ ليسهل التقارب والتوافق، وجعل في تلك العلاقة التي بين الجنسين ((سكنًا للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، واستقرارًا للحياة والمعاش، وأنسًا للأرواح والضمائر، واطمئنانًا للرجل والمرأة على السواء))(٢). قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. فالسكينة والمودة والرحمة أسس بناء الأسرة السعيدة، وأركانها القويمة التي تقف بها سدًا منيعًا في وجه المشكلات التي تعصف بها، فوجود هذه الأسس لا يعني انعدام المشاكل الزوجية؛ لأن الاختلاف حاصل بين البشر خاصة بين الزوجين من جهة التركيب والوظيفة والتفكير. (١) إحياء علوم الدين، الغزالي ٤ /٤٣٠. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥/ ٢٧٦٣. ((واختلفت أقوال العلماء في المراد بالمودة والرحمة، فعن ابن عباس ومجاهد المودة: الجماع، والرحمة: الولد؛ وقاله الحسن. وقيل: المودة والرحمة عطف قلوبهم بعضهم على بعض، وقال السدي: المودة: المحبة، والرحمة: الشفقة؛ وروي معناه عن ابن عباس قال: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء)) (٣). وكلها حالات يتجسد فيها معنى المودة والرحمة وليس بينها تعارض، ((فتفسير المودة بالجماع هو بداية ومؤشر على السكن القلبي، والجماع غالبًا لا يحدث إلا بعد وجود طمأنينة وسكينة بين الزوجين، فهذا هو الاستقرار الجسدي المؤقت يتبعه استقرار دائم، هو وجود التراحم والرحمة بين الزوجين، فهذه المودة والرحمة مدعاة لحصول التناسل وإيجاد الولد)» (٤). ونلاحظ أن هذه الأسس المتينة هي في حقيقتها أسس عاطفية لبناء اللبنة الأساسية في المجتمع والحضارة وهي الأسرة. فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (لم ير للمتحابين مثل النكاح)(٥). (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ١٧. (٤) البناء العقلي في ضوء القرآن الكريم، ميساء كمال قلجة ص٦٧. (٥) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، ٣٠٨ جَوَسُولَهُ النَّقِين القرآن الكريم التفكر وهذا يدل على أن الإسلام لم يهمل هذا الجانب المتأصل في الإنسان، وراعى فيه تكوينه النفسي والروحي، وجعلها آيات يتعمق فيها العقل بالتفكر؛ ليكتشف مدى دلالتها على مبدع هذه النفس البشرية. فالمودة بين الزوجين تمحو آثار الأخطاء والزلات الواقعة في الحياة، وتنمي روح المشاركة بينهما في مصاعب الحياة بالتعاون والتكافل في الأفراح والأتراح، والرحمة بينهما تجعلهما يغضان الطرف عن التقصير الوارد منهما، وتحمل بعضهما في حال المرض أو الكبر. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (وأما الود فهو خالص الحب وألطفه، وأرقه وأصفاه، وهو من الحب بمنزلة الرأفة من الرحمة»(١). والمقصود من السكينة السكن القلبي؛ لأنها ارتبطت بحرف الجر (إلى)، والتي تأتي بمعنى الغاية، في حين تأتي (عند) بمعنى المكان؛ لأنه «يقال: سكن (إليه) للسكون القلبي، ويقال: سكن (عنده) للسكون الجسماني»(٢). باب ما جاء في فضل النكاح، ٥٩٣/١، رقم ١٨٤٧، والحاكم في المستدرك، كتاب النكاح، ١٧٤/٢، رقم ٢٦٧٧. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٦٢٤. (١) روضة المحبين، ابن القيم ص٤٦. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ٩٣. وهي من السكون، والذي يكون بعد الحركة والنشاط. وتعلقت السكينة بالمرأة لحاجة الرجل لها وطلبه لها حتى إذا وجدها هدأت نفسه واستقرت حياته، واستطاع أن يحقق النجاح في حياته، وهذه السكينة هي خصيصة في المرأة ووظيفتها الأساسية، بما ركب الله فيها من العاطفة والحنان؛ لتكون ملاذ الرجل الآمن، ومحضن الأولاد الحصين، وفق فطرة الله التي فطرها عليها، وبالمقابل يعمل الرجل على مبادلة المرأة مشاعر المودة والرحمة؛ وذلك لحاجة المرأة لهما، فطبيعة المرأة العاطفية تجعلها تنظر للأمور بمقياس العواطف، ونقصها في العقل والدين يجعلها تحتاج دائمًا إلى الرحمة، وبمعنى أشمل، فالسكينة والمودة والرحمة مطلوبة في كل طرف. ثم تأتي الرحمة في آخر هذه الأسس «لأن البشر عامة أبناء أغيار، وكثيرًا ما تتغير أحوالهم، فالقوي قد يصير إلى الضعف، والغني قد يصير إلى فقر، والمرأة الجميلة تغيرها الأيام أو يهدها المرض))(٣). وبهذا الرباط المتين تتوثق عرى البيت النموذجي، ويلاحظ في الآية أن الله سبحانه وتعالى جعل السكينة هدفًا للتزاوج، ومقصدًا له، فهي هبة ربانية، في حين أن (٣) تفسير الشعراوي ١٨ / ١١٣٦٠. www. modoee.com ٣٠٩ حرف التاء المودة والرحمة ربطهما بفعل الجعل، وبين الذكر والأنثى، وتدبر هذا المعنى الدقيق في قوله تعالى: ﴿وَأَّلِ إِذَا يَفْشَى وَلَّهَارِ إِذَا تَجَلَّ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرُ وَالْأُمَّ إِنَّسَعْيَكٌ لَشَقّ﴾ [الليل: ١-٤]. والذي يقتضي إحداث الشيء بعد تكوينه فهما أمران يعمل الإنسان على إحداثهما؛ ذلك أن الرجل لا تربطه بالمرأة أية معرفة أو رابطة، لکن بفطرته یمیل إلیھا ویسکن لها، حتى إذا تم الزواج يحدث الله بينهما المودة والرحمة بعد أن لم تكن. من أجل هذه المعاني استدعي التفكر في آية الزوجية؛ لاحتوائها على عدة آيات، يفصلها الطاهر بن عاشور بقوله: ((منها أن جعل للإنسان ناموس التناسل، وأن جعل تناسله بالتزاوج، ولم يجعلہ کتناسل النبات من نفسه، وأن جعل أزواج الإنسان من صنفه، ولم يجعلها من صنف آخر؛ لأن التأنس لا يحصل بصنف مخالف، وأن جعل في ذلك التزاوج أنسًا بين الزوجين ولم يجعله تزاوجًا عنيفًا أو مهلکا کتزاوج الضفادع، وأن جعل بين كل زوجين مودة ومحبة، فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وأن جعل بينهما رحمة، فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة»(١). فالذكورة والأنوثة ضرورتان متكاملتان كتكامل الليل والنهار .. ، لذلك تأمل دقة البيان القرآني حين جمع بين الليل والنهار، فهذا الاختلاف ناتج؛ لأن لكل منهما مهمته، كما أن الليل للراحة، والسكون والنهار للسعي والعمل، وبتكاملهما تمضي الأيام، وفي هذا إشارة إلى التكامل بين الرجل والمرأة، فكما أن الليل لا يساوي النهار في العمل المؤدی في كل منهما، فلا مجال لمساواة وظيفة الرجل بوظيفة المرأة في الحياة، فلكل منهما خصائصه الجسدية والعقلية والنفسية التي تمنحه القدرة على أداء مهمته، ومن أجل ذلك كان المناسب لآية الزوجية لما تحتويه من آيات عدة وأسرار في خلق الله تعالى وحكمه أن يربط تحصيلها بالتفکر. رابعًا: التفكر في آلاء الله ونعمه: يعتبر عرض آلاء الله ونعمه المتفضل بها على البشر من أكثر الأساليب انتشارًا في القرآن الكريم، وذلك بهدف تنبيه الناس على آيات الله وبيان قدرته وعظمته وحكمته في الخلق، ودعوة لهم للتفكر فيها قصد زيادة الإيمان وشكرًا لخالقها، وإيقاظ الهمم النائمة للاستفادة مما مكن الله الإنسان منه، كما أن فيها لمسة من الجمال تريح الإنسان، (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧١/٢١. مَوَسُولَةُ النَّبِد القرآن الكْرِيْمِ ٣١٠ التفكر هذا ما يؤثر على نفسية الناظر والمتفكر فيها تحتاج إلى إعمال الملكات العقلية التي أمد الله بها الإنسان، وعلى رأسها التفكر؛ للقيام بأداء حق هذه النعم في الشکر. بما يكسبه الراحة والتركيز، ويحدث تغييرًا في معتقداته وأفكاره. وهذه الآلاء تملأ السماء وتفيض بها الأرض، لكن قلوب الناس غافلة عنها، فتكريرها وإعادة التذكير بها يبعثها من جديد ويستثير العقل فيها. ويهدف القرآن من عرض الآيات الكونية والمخلوقات وربطها بالعمليات العقلية تنبيه الإنسان إلى دور العقل في اكتشاف نعم الله عليه، وتسخيرها لإقامة الخلافة الخاضعة لله وإحداث التكامل والتوازن الكوني، وكل آلاء الله المرتبطة بموضوع التفكر تعتبر من أساسيات الوجود. ویعرضها القرآن الکریم کنموذج يحتذى به، ولعقل الإنسان الحرية في استكشاف باقي الآيات بواسطة المنهج الذي علمه الله له في القرآن. ونعم الله تعالی علی الإنسان كثيرة، يقول تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّ وا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]. وهي دعوة لذوي العقول النيرة أن ينهضوا بأعباء النظر الدقيق في آلاء الله ونعمه، التي لا يحصيها حاصٍ، ولا يعدها عاد، ولو اجتمع كل البشر وأعملوا عقولهم لن ينتهوا أبدًا من القراءة، ولن يطووا هذه الصحف؛ إذ كلما نظروا إلى آيات الله جاءهم منها جدید، كما نبه سبحانه وتعالى إلى أن هذه النعم ومن أعظم هذه النعم نعمة الهداية الربانية، فما كان إنزال القرآن عبثًا بل هو الحق، به تستبين حياة الناس، فلولا القرآن ما كان العقل وحده قادرًا على كشف نظم الحياة، وإدراك مغزاها، ولما كان القرآن معجزة تعجز عن فهم بعض آياته العقول، أرسل الله الرسل؛ لتبين للناس معاني الذكر الحكيم، وليكونوا قدوة لهم في التطبيق، وأيدهم بالمعجزات؛ لإقامة الدليل القاطع على منكري الرسالة. كما ذكرهم تعالى بنعمة الماء التي بها يحيا من على الأرض، فهو شرابهم، وهو سقي زروعهم التي منها غذاؤهم وحيواناتهم، ونسب الإنزال إليه؛ لأنه لو تركه في أيدي البشر لاستقوى به القوي، وضاع حق الضعيف فيه؛ لذلك جعله آية يستحق الشكر عليها، وهذه النعمة في حد ذاتها قد تصبح نقمة إذا ابتعد الإنسان عن المنهج القويم، فتكون مطرًا شديدًا يدك عرش الظالمين. والتذكير بالنعم يكون في جو مليء بصفات الرحمة والكرم والفضل، تجعل قلب الإنسان يستحي من خالقه وتستنهضه للتأمل فيها وفي غيرها، وترغبه في البحث www. modoee.com ٣١١ حرف التاء والاستكشاف؛ لأن هذه النعم من الممكن الأصيلة من عرضها، مع دعوته إلى البحث في أعماقها، واستثارة الفكر والوجدان؛ لاستلهام الحكم والعبر منها. التفكر فيها وإعمال العقل من غير أدوات علمية أو أجهزة مخبرية أو وسائل تكنولوجية دقيقة، فمجرد النظر الدقيق والبحث في دلالتها وغايتها يجعلها موضوعًا قابلًا للتفكر .. إضافة إلى أنها موجودة على مر الزمن، ظاهرة للعيان ليلًا ونهارًا، تعاقب عليها جميع البشر، ثابتة لمن أراد تجدید النظر فيها. وهي متعددة الأشكال، فمن السماء إلى الأرض، وما بينهما من كائنات، هذا التنوع يضفي عليها طابع التعدد والتجدد، فأين حلقت ببصرك تجد آية من آيات الله تأخذ بألباب العقول في حسنها وجمال إبداعها، ما ينفي عنها رتابة السأم والملل. وما يميز هذه الآلاء أن كلها هدفها واحد، فهي لم ترد عبثًا في القرآن، بل هي دلائل لقضايا أكبر منها تتعلق بأصول الإيمان (الألوهية، النبوة والوحي، البعث)، تعتمد على مرتكزات مشتركة، وإن اختلفت مواضيعها، وتنوعت، فهي ليست غاية في نفسها، بقدر ما هي دليل للوصول إلى اليقين، وهو ضابط ينبغي التنبه له، والتقيد به لكي لا يجنح التفكر فيها إلى مجال التفلسف، ويخرج عن دائرة الإيمان؛ لذلك استعمل القرآن أسلوب التعميم والإجمال في عرض هذه النعم، حتى لا يبتعد عن الغاية وهو منهج قرآني فريد، يخرج القرآن من دائرة الكتب العلمية التفصيلية، ويبقي له دور الدافع المثير للعقل لكي يقوم بدوره المنوط به، وهو دور قد لا يبين للمستشرقين الذين ينفون عن القرآن دوره في الاهتمام بالعقل والعلم، ويطمسون أعينهم عن حقيقة موقع العقل كأداة ووسيلة کشف لنواميس الكون، لا كما يقدسونه هم ويجعلونه مصدر المعرفة الأساسي. خامسًا: التفكر في المآل والمصير: وهذا المجال هو أحد مجالات التفكر التي أمر الله عز وجل بها، فالدنيا دار ابتلاء وعمل، والآخرة دار راحة وقرار، وكان التفكر في الدنيا والآخرة أول دعوة قرآنية للتفكر، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اَللَّهُ لَكُمُ اَلَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ (١) فِى [البقرة: ٢١٩-٢٢٠]؛ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ لأنها وردت في سورة البقرة، وفيها دعوة؛ لتحصيل الخير الكثير، وتحقيق لمصالح الدارين، ومعرفة فضل الآخرة على الدنيا، وجاءت هذه الآية بعد بيان حكم الشرع في أمور شديدة تميل إليها النفس هي الخمر والميسر والإنفاق. وختمت الآية بالتفكر؛ ٣١٢ القرآن الكريم التفكر تحریضًا على استحضار العقل دائمًا، في کل ما يخص أحكام الحياة، ومعرفة الغاية منها. وبيان حقيقة الدنيا وسرعة زوالها جاء في عدد كثير من الآيات والأحاديث، وکان هديه صلی الله عليه وسلم أن يحث الصحابة والمؤمنين على الزهد في الدنيا والعمل للآخرة، فقد أورد مسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فینظر کیف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء)(١). وعند البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلی الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله، فقال: (إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح علیکم من زهرة الدنيا وزينتها)(٢). ومن الآيات التي دعت للتفكر في الدنيا قوله تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ ◌ِلهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِالأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَّ أَهْلُّهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنِهَا أَمَُّنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، ٢٠٩٨/٤، رقم ٢٧٤٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الصدقة على اليتامى، ٢/ ٥٣٢، رقم ١٣٩٦. فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِلْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. ففي هذه الآية يضرب تعالى مثلًا للحياة الدنيا التي يتنافس عليها الجاهلون، ویتکالب عليها الغافلون، حتى ينسون العمل للآخرة، وهي في حقيقتها كأرض أنبتت نباتًا فنما وازدهر وافتتن به الناس، وظنوا أنهم أحاطوا بثمره وجنيه، حتى جاء أمر الله بالإهلاك، وغدت الجنة حصيدًا خامدًا، وهذا لاغترار أهلها بها، ونسيانهم فضل الله عليهم. وجاء تشبيه الحياة الدنيا بالنبات لعدة وجوه (٣) ملخصها: ((أحدها: أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في هذه الدنيا، كعاقبة هذا النبات، الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه؛ لأن المتمسك بالدنيا إذا عظمت رغبته فيها يأتيه الموت. وثانيها: أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد، فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها، لا يحصل له عاقبة تحمد. وثالثها: لما صار سعي هذا الزرع باطلًا بسبب حدوث المهلك، فكذلك سعي المغتر بالدنيا. ورابعها: أن مالك هذا البستان لما أتعب (٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٠٣/١٠. www. modoee.com ٣١٣ حرف التاء نفسه في عمارته، وعلق قلبه بالانتفاع به، والأنعام لا يزالون يأكلون)). فإذا حدث السبب المهلك صار العناء الشديد سببًا لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل، فكذلك حال من أحب الدنيا وأتعب نفسه في تحصيلها، فإذا مات صار العناء الذي تحمله في تحصيل الدنيا سببًا الحصول الشقاء العظيم له في الآخرة. وخامسها: لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد؛ لأنا نرى الزرع الذي انتهى إلى الغاية في الحسن، ثم إن ذلك الحسن يزول بالكلية، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى، فذكر تعالى هذا المثال؛ ليدل على أن من قدر على ذلك كان قادرًا على إعادة الأحياء في الآخرة؛ ليجازيهم على أعمالهم». والتعبير بالأكل عن التمتع بالحياة تعبير حسي غاية في البلاغة، فهو يوحي بالحركية في الوصف، كصورة الناس وهم يتهافتون في يومهم، وهمهم کسب القوت، وتحصیل لقمة العيش، كل ذلك والغفلة تغمرهم، والشهوات محيطة بهم يتسابقون نحوها، وعند تأمل المثل يلاحظ ((أن المثل يحكي قصة مضت وانتهت، ويتحدث عن حياة قامت ثم بادت، ولكن هذه اللقطة ﴿فَاخْتَلَطَّ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِنَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ﴾ [يونس: ٢٤]. تظل تنبض بالحركة ترى فيها الناس وفي تصوير زينة الأرض وزخرفتها كالعروس إبراز لحقيقة الدنيا في عيون الغافلين والمفتتنين بها، وفي ظن أهلها تصویر لجهالة الإنسان بتمکنه من نعيمها، لظنه أنه أصبح أقوى وأقدر، وأنه وصل إلى كل ما يتمنى من الدنيا، فكلما رأى لذة أو زينة أو منصبًا أو مالًا سعی لیکون صاحبها، لهذا ارتبط التفكر بحقيقة الدنيا؛ لينبئ على أن معرفة حقيقتها من الأمور العظيمة التي لا يجب أن يذهل العقل عنها، فهي دار بناء ومزرعة للآخرة، وعدم إدراك هذه الحقيقة يعني الخسران في الدارين. ولكون هذه الحقيقة قد تغيب في لحظات النشوة الدنيوية، فينسى الإنسان حقيقة الموت ويغره أمل الحياة، فلا دوام الحال ولا لبشر أو لذة فيها؛ لهذا لا بد من تعميق الفكر فيها، والتبصر بأحوالها والاعتبار بأحوال السابقين فيها؛ لیزید الإيمان، ویتنور القلب ويزهد فيها؛ لذا خص أهل التفكر بالنظر فيها، لأنهم ((أهل التمييز بين الأمور، والفحص عن حقائق ما يعرض من الشبه في الصدور))(١). وفي المقابل من بسط الأمثال للتزهيد في حال هذه الدنيا، جاء التفكر في موضوع عظيم فيه من الدلائل على قدرة الله وتفرده (١) جامع البيان، الطبري ٥٥/١٥. ٣١٤ مُوسُو ◌َر النفسية القرآن الكريمِ التفكر بالملك والحكمة، وهو الموت هذه الحقيقة السلام من ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى لا الربانية التى وضعها الله سبحانه وتعالى فيصلًا بين الدنيا والآخرة؛ لتنتهي دار الفناء، وتبدأ دار البقاء، وتجازى كل نفس بما کسبت. والموت هو أعظم المصائب في الدنيا، قال تعالى: ﴿فَأَصَبَتْكُمْ مُصِيبَةُ أَلْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]؛ لأنه انقطاع عن الدنيا ونفاذ لأجل الإنسان المكتوب فيها، وأعظم منه الغفلة التي تنسي صاحبها فيه، كما أنه من أقوى الدلائل التي ضربها الله دعوة للناس للإيمان بيوم البعث، هذا اليوم الذي کفر به الناس منذ القدم، ما جعل الله يقيم عليهم الحجج والبراهين، كآية لهم لعلها تثير الإيمان فيهم، فجعله معجزة من معجزات الأنبياء؛ فقد ذكره إبراهيم عليه السلام دليلاً على وحدانية الخالق حين حاج به الملك الظالم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إَِهِمَ فِ رَبِّهِ» أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ بََّ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُحِىءٌ وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاللّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الفَّلِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. وموافقة الحاکم له، وعدم منازعته أو اعتراضه دليل على أن الإنسان حتى الكافر منه يؤمن بأن الحياة والموت من خصائص قدرة الإله؛ ولذلك طلب سیدنا إبراهیم علیه عن شك، بل لينتقل من مرحلة علم اليقين التي حاج بها الملك، إلى مرحلة عين اليقين التي يرى بها صورة البعث ماثلة أمام ناظريه من خلال إحياء الطیر بعد موتها. وجاءت معجزة إحياء الموتى بين يدي سيدنا عيسى عليه السلام: ﴿وَرَسُولًا إِلَى يَقِىّ إِسْرَِّيلَ أَنِّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِّنْ زَّبِّكُمْ أَنَّ أَنْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَتَّئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَبْرِىُّ الْأَحْمَهَ وَالْأَبْرَمَ وَأُحِ اَلْمَوْقَ بِذْنِ اَللَّهِ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩]. ودلل الله على إحياء الموتى في عدة قصص قرآنية منها: قصة أهل الكهف، وقصة الذي أماته الله مائة عام ثم أحياه، والقوم الذي خرجوا من بيوتهم خائفين من الموت حتى أماتهم الله ثم أحياهم، ومع بني إسرائيل حين أرادوا رؤية الله فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله من بعد موتهم، فيلاحظ أنه في كل عصر يجعل الله سبحانه وتعالى الموت والإحياء دليلاً يسوقه للمكذبين من بني البشر بيوم البعث والحساب لعلهم يستفيقون من غفلتهم. كما أن تذكير الله للناس بهذه الحقيقة التي هم عنها غافلون جاء بطريق التمثيل بظاهرة متكررة في حياة الناس يمرون عليها www. modoee.com ٣١٥ حرف التاء کل یوم وهم عنها ساهون، ألا وهي النوم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ أَلَّتِى قَضَى عَلَيَّهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. [الزمر: ٤٢]. ففي هذه الظاهرة يقبض الله الأنفس کلها، فیتوفی التي انتهی أجلها، ويرسل الأخرى حتى يحين أجلها، وفي قبض الأرواح عند النوم منع للنفس عن التصرف أو الإدراك مع بقاء الجسد حيًا تسير عملياته البيولوجية بصفة عادية، ومن كان قادرًا على قبضها وإمساكها كل يوم ثم بعثها للحياة من جدید هو أقدر على قبضها إلى يوم القيامة، ومن ثم بعثها لتحاسب على أعمالها. فقد جاء عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان النبي صلی الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: (باسمك اللهم أموت وأحيا)، وإذا قام قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)(١). وفي هذا إشارة إلى ربط نعمة الاستيقاظ بوقت المعاد الأكبر، وحقيقة البعث، وفيه تأكيد على حقيقة القبض والإمساك، وتربية للمؤمن على تذکر الموت حال نومه. فالنوم في أصله موت صغیر، فیه تحضير (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام، ٥/ ٢٢٦، رقم ٥٩٥٣. الناس لموعد الموت الأكبر، فكما أنكم تنامون كل يوم ولا تفيقون إلا بإذن الله تعالى فكذلك الموت هو نوم بإذن الله لا عودة بعده إلى هذه الحياة إلا إلى يوم الحساب؛ لأنه نهاية الطريق في عالم الشهادة، ونقطة البداية في عوالم الآخرة؛ لذا وجب على كل نفس التزود له، فمن يدري في أي لحظة يحل أجله. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الأَزْحَاءِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدَّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَِّ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]. وفي استعمال لفظ (آيات) في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَِّى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا اَلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلِ تُسَنَّىَّ إِنَّ فِی ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢]. دليل على ما تحويه آيتا النوم والموت من أسرار لا يفقهها إلا ((من كان مكينًا في علمه ومعرفته، قديرًا على البحث والتمحيص، بصيرًا بخطى الفكر والأنحاء التي قد تفضي إليها نتائج البحث والتقصي))(٢)، لهذا كانت الخاتمة بالتخصيص لقوم تتوفر فيهم هذه الصفات فیتفکرون فیھا. (٢) القرآن ومنهج التفكير، محمد حجازي ص١٢٩. ٣١٦ مَوَسُوعـ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التفكر «فمن تعرف على أسرار النوم، وما يتخلله من أحلام مرعبة ورؤى طيبة مبشرة استطاع أن يتصور الموت وما يصاحبه من أحوال القبر والبرزخ))(١). وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم الحث على زيارة القبور بعد النهي لانهم عنها مخافة دخول الشرك للقلوب؛ كانوا حديثي عهد بالإسلام، فقد قال: (زوروا القبور، فإنها تذكر الموت)(٢). (هذه الزيارة هدفها الأول التذكير بالموت، وترقيق القلب بتذكر الذنوب، ما يجعل الإنسان يعتبر بمن قبله، وما كانوا فیه من نعيم وصحة، ثم صاروا إلى قبور تأويهم، ولم يغن عنهم مالهم ولا جاههم ويسارع بالتوبة، فالموت حقيقة لا يمكن الهروب منها. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَّفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ, مُلَقِيكُمْ ثُمَّ تُذُونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ [الجمعة: وَالشَّهَدَةِ فَيُتَتِشَكُمْ بِمَا كُمُ تَعْمَلُونَ ٨]. ولا حتى العودة بعدها لتصحيح الخطأ، وتصليح العمل، قال تعالى: ﴿حَقَّى إِذَا جَآءَ (١) التفكر من الشهود إلى المشاهدة، مالك البدري ص٧٧. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه، ٦٧١/٢، رقم ٩٧٦. أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبٍّ أَرْجِعُونٍ لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْثُّ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَآَيْهِمْ بَّزَخُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: ٩٩- ١٠١ ]. ومع كل هذه المواعظ إلا أن كثيرًا من الناس على كفرهم بالبعث واللقاء)». ويلاحظ أن القرآن قد خاطب الناس في هذه القضية بأدلة عقلية وأمثله واقعية؛ لأنها من دلائل عالم الغيب الذي لا يستطيع الإنسان التكهن به، واستحضار التفكر كعملية عالية من عمليات العقل يشير إلى أهمية الموضوع وأثره في حياة الإنسان وآخرته؛ لتعلقه بدار الابتلاء ودار الجزاء. سادسًا: التفكر في آيات القرآن الكريم: إن القرآن العظيم هو معجزة الله الخالدة على الأرض، والمتحدى بها كل البشر، أنزله الله تعالى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، نورًا وهداية للخلق، معجز بألفاظه ومعانيه، لا تنقضي عجائبه لمن یمعنون التفكر في رحاب آياته، ویجیلون العقول والقلوب في أسرار كلماته ونظمه، يقول الإمام السعدي: ((ولعلهم يتفكرون فيه فیستخرجون من كنوزه وعلومه بحسب استعدادهم وإقبالهم عليه)»(٣). وارتبط التفكر في آيات الذكر بآيتين هما: (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٤١. www. modoee.com ٣١٧ حرف التاء قوله تعالى: ﴿يِلْيَسْتَتِ وَالزُّبُرُّ وَأَنْزَلْنَا إِلَكَ الذِّكْرَ لِتُّبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ أَرَأَيْتَهُ، خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ اْأَمْثَلُ نَضْرِبُّهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. فالآية الأولى وردت في معرض بيان وظیفة الرسل، وتأكید علی بشریتھم، ما فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بما كان يتهمه به المشركون، ورد واضح على افتراءاتهم وشبهاتهم التي کانوا يثيرونها حول الرسول صلی الله عليه وسلم، وذکر لما تميزت به دعوات الرسل من الحجج الداحضة، والحقائق الدامغة؛ لتنتهي ببيان دور هذا القرآن في كونه ذكر للإنسان لما فطر عليه، وموعظة للغافلين، وأن الرسول الكريم موضح لما جاء فيه، مفصل لأحكامه. وتحصيل هذه المعاني لا يكون إلا بالتفكر فيه والتدبر لمعانيه، فجاءت الغاية بالبيان وأسندت للرسول توضيحًا للمهمة الأساسية له كون الناس غير قادرين على فهم مقاصد الشرع و حكمه بأنفسهم؛ لقصور مدار کهم عن ذلك، وتسهيلاً لهم بالأخذ به. والآية الثانية جاءت تتحدث عن عظم تأثير القرآن في النفوس، وتمثيل أثره بصورة محسوسة لعل القلوب تتوب له فتخشع عند تلاوته، وتتدبر معانیه، وتعمل بأحكامه، وتتخذه دستور حياة، قال السعدي: ((فإن التفكير فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبين له طريق الخير والشر، ويحثه على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويزجره عن مساوئ الأخلاق، فلا أنفع للعبد من التفكر في القرآن، والتدبر لمعانيه))(١). كما أن من التفكر في آيات القرآن التفكر في عاقبة من لا يتعظ بها أو يعمل بها، وفي هذا تنبيه لعظم الجرم المقترف، فالهدف من إنزال القرآن هو العمل به في ميادين الحياة، وإهمال هذا مخالفة للقرآن الكريم وللمقصد منه، وجاء الحث والترغيب على ذلك بتصوير حال المهمل لأحكام القرآن بحال خسيسة في آية سورة الأعراف؛ لينهض كل فرد ويغير حاله، والمطلوب التفكر العميق في هذه القصة؛ للاعتبار والاتعاظ بها. ومن النظر في القرآن النظر في نظمه، وهذه خصيصة امتاز بها عن سائر المعجزات، فهو حسن التنسيق، محكم الترتيب، قوي الأثر، سهل الفهم، موسع التفسير، متلاحم النسيج، مترابط الأفكار، ودقيق المعاني، يجعل لقارئه ملكة تمكنه من «تقييم أقواله وأفعاله وحركاته وخطراته وأفكاره ونواياه وجل تصرفاته، ووزنها بذلك الفرقان ... ، فالقرآن يكون بمثابة (١) المصدر السابق ص ٧٩٢. ٣١٨ القرآن الكريم