Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ سW م التَّفََ عناصر الموضوع مفهوم التفكر ٢٨٠ التفكر في الاستعمال القرآني ٢٨٢ الألفاظ ذات الصلة ٢٨٣ ٢٨٧ الحث على التفكر ٣٠٢ مجالات التفكر ٣٢١ نتائج التفكر وثمراته المُجَلَدَ التَّاشِعْ حرف التاء مفهوم التفكر أولًا: المعنى اللغوي: يحدد ابن فارس الجذر الثلاثي لمصطلح التفكر بقوله: «الفاء والكاف والراء تردد القلب في الشيء، يقال: تفكر إذا ردد قلبه معتبرًا))(١). أما عند ابن منظور: ((الفكر والفكر: إعمال الخاطر في الشيء، قال سيبويه: ولا يجمع الفكر ولا العلم ولا النظر)»(٢). ويذكر صاحب القاموس: ((الفكر -بالكسر ويفتح -: إعمال النظر في الشيء))(٣). وفي المعجم الوسيط: (((فكر) في الأمر فكرًا: أعمل العقل فيه، ورتب بعض ما يعلم؛ ليصل به إلى مجهول ... (التفكير): إعمال العقل في مشكلة؛ للتوصل إلى حلها ... (الفكر): إعمال العقل في المعلوم؛ للوصول إلى معرفة مجهول)» (٤). هذه خلاصة ما جادت به كتب اللغة في هذا المصطلح، ومن خلال التمعن في هذه التعريفات يلاحظ أنها تشترك في المعاني التالية وهي أن التفكر: يعتمد على إعمال القلب والعقل والنظر والخاطر، ويكون بالتردد والتكرار، ويكون في المعلوم طلبًا للمجهول. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: اعتمادًا على ما جاء في التعريفات اللغوية اختلفت تعاريف المفسرين والعلماء لمصطلح التفكر على أن أغلبها لم تخرج عن إطار المعاني اللغوية، وفيما يأتي عرض لبعض التعريفات: يقول الراغب الأصفهاني: ((الفكرة: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر: جولان تلك القوة بحسب نظر العقل؛ وذلك للإنسان دون الحیوان، ولا یقال إلا فیما یمکن أن يحصل له صورة في القلب ... ، ورجل فكير كثير الفكرة، قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك، لكن يستعمل الفكر في المعاني، وهو فرك الأمور وبحثها طلبًا للوصول إلى حقيقتها))(٥). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٤٤٦. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٥ / ٤٣٥١. (٣) القاموس المحيط، الفيروز آبادي ٢/ ١١٥. (٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٦٩٨. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ٢/ ٢٠٢. ٢٨٠ مُوسُوبَةُ الْبَ القرآن الكريم التفكر ويقول الجرجاني: ((التفكر تصرف القلب في معاني الأشياء؛ لدرك المطلوب))(١). وخلاصة القول: أن هذه التعريفات اتفقت على ما يأتي: الفكر قوة أو ملكة، والتفكر إعمال لتلك الملكة، فليس كل من يملك تلك القوة هو متفكر، بل يمكنه ذلك بحسب إرادته. # التفكر حالة خاصة بالإنسان دون الحيوان، كما أشار إلى ذلك الراغب. # التفكر عملية يشترك فيها العقل مع القلب، فهي حالة ذهنية وجدانية. * التفكر عملية هدفها استثمار المعارف للوصول إلى حقائق جديدة مطلوبة، ولا معنى للتفكر بدون تحقيق هذا الهدف. ومن مجموع هذه التعاريف يمكن استخراج تعريف عام للتفكر بأنه: عملية عقلية وجدانية، تعمل على استثمار المعارف والدلائل للتوصل إلى حقائق الأمور، بالنظر فيها، والاعتبار بنتائجها. (١) التعريفات، الجرجاني ص٨٨. www. modoee.com ٢٨١ حرف التاء التفكر في الاستعمال القرآني وردت مادة (فكر) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (٨) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ وَإِنَّهُ فَكَّرْ وَقَدَّرَ ﴾ [المدثر: ١٨] الفعل المضارع ١٧ ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَّكَّرُونَ : [الجاثية: ١٣] ١٣ وجاء التفكر في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: إعمال الخاطر في الشيء(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن، عبد الله جلغوم، ص ٨٨٣-٨٨٤. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٦٥. ٢٨٢ القرآن الكريم التفكر الألفاظ ذات الصلة العقل: ١ العقل لغةً: جاء في لسان العرب: العقل: الحجر والنهى ضد الحمق، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه، وقيل: العاقل الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، وسمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي: يحبسه(١). إذًا فمعنى العقل في اللغة يدور حول المنع والإمساك والإحكام، كما يستخدم أيضًا في الفهم. العقل اصطلاحًا: قيل: هو ((القوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة: عقل)) (٢). وقيل: ((العقل: العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها)) (٣). ويمكن تعريفه بأنه هو: الإدراك المانع من الخطأ لحقيقة الأشياء والعلم بصفاتها عن طريق استعمال الحواس. فأساسه الاعتماد على المعنى اللغوي الذي يعود إلى المنع والحبس للإدراك. الصلة بين التفكر والتعقل: يظهر الفرق بينهما من خلال أن التعقل هو ربط المعلومات الناتجة عن الإدراك الحسي لها في صورة منظمة، وأن التفكر هو تعميق الفكر في هذه الصورة، فالتعقل من المراحل الأساسية في عملية التفكر. التدبر: ٢ التدبر لغةً: ((هو آخر الشيء ... ، والتدبير: أن يدبر الإنسان أمره؛ وذلك أنه ينظر إلى ما تصير عاقبته وآخره، وهو دبره)»(٤). ويعرفه الفيومي بقوله: ((دبرت الأمر تدبيرًا فعلته عن فكر وروية))(٥). (١) انظر: المصدر السابق ٤ / ٣٠٦٤. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ٢ / ١١٠. (٣) الكليات، الكفوي ص٩٧٨. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٣٢٤. (٥) المصباح المنير، الفيومي ١/ ١٨٩. www. modoee.com ٢٨٣ حرف التاء التدبر اصطلاحًا: عرفه الجرجاني بقوله: ((عبارة عن النظر في عواقب الأمور))(١). الصلة بين التفكر والتدير: يظهر الفرق بينهما في أن ((التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب، والتفكر تصرف القلب بالنظر في الدلائل)»(٢). التذكر: ٣ التذكر لغةً: ((ذكرت الشيء خلاف نسيته، ثم حمل عليه الذكر باللسان))(٣). فالتذكر في اللغة يدور حول حفظ الشيء، والذي قد يكون بالقلب أو باللسان. التذكر اصطلاحًا: ((وهو محاولة النفس استرجاع ما زال من المعلومات، ثم الذكر وهو رجوع الصورة المطلوبة إلى الذهن)»(٤)، فهو يجعل من التذكر عملية للقيام بالذكر. الصلة بين التفكر والتذكر: ١. يجعل الإمام ابن عاشور الفرق بينهما دقيقًا فهو يجعل التذكر من العمليات العقلية التي تستلزم وجود المعلومات المسبقة، حتى إذا أصاب العقل سهو، جاءت عملية التفكر؛ لتفتح لها الآفاق من جديد وتبقيها عالقة في الذهن(٥). ٢. التذكر في القرآن ليس فيه إعمالٌ للعقل بالتحليل والتركيب والاستنتاج، لكنه عبارة عن استحضار لما هو منسي، ومن ثم توظيفه لاستخراج الحكم والعبر أو طلب معاني أخرى منه، لذلك فمعنى التذكر دائمًا يرتبط بدلائل التوحيد والبراهين الواضحة من ((الأشياء المبثوثة في الكون والنفس الإنسانية والتاريخ الإنساني وآيات القرآن الكريم»(٦). (١) التعريفات ص٥٤. (٢) الفروق اللغوية، العسكري ص٧٥. (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٥٨/٢ - ٣٥٩. (٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ١ / ٨١. (٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٨٩. (٦) العمليات العقلية في القرآن الكريم، عبدالرحمن صالح عبد الله، مجلة جامعة الملك سعود، العلوم التربوية والدراسات الإسلامية، السعودية ١٩٩٥ م، عدد ٧، ص ١١٦. موسوعة التفسير لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٨٤ التفکی التفقه: ٤ التفقه لغةً: أصل الفقه في اللغة: «العلم بالشيء والفهم له، وغلب على علم الدين؛ لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم ... ، وفقه الشيء: علمه ... ، والفقه: الفطنة)) (١). فالفقه في اللغة هو الفهم والعلم بالشيء وحسن إدراكه. التفقه اصطلاحًا: يأتي بمعنى: ((التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص من العلم))(٢). ويرى البقاعي أنه «العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنة وجودة قريحة)»(٣). ويمكن تعريف الفقه بأنه: إعمال العقل للتوصل للمعاني الخفية، اعتمادًا على الفهم الدقيق للأمور والنظر في أعماق الأشياء. الصلة بين التفكر والتفقه: ((التفقه هو خطوة عقلية أبعد مدى من التفكير، فالتفقه هو الحصيلة التي تنتج عن عملية التفكير، وتجعل الإنسان أكثر وعيًا لما يحيط به، وأعمق إدراكًا لأبعاد وجوده وعلائقه في الكون، كما تجعله متفتح البصيرة دومًا)) (٤). وهذا المعنى وارد إن كان المقصود به عملية التفكير التي تختلف في أصلها عن عملية التفكر التي قد تشير إلى مرحلة تعقل الأشياء فقط. بهذا يكون مصطلح الفقه يعبر عن مرحلة الفهم الدقيق والعميق لخفايا الأمور والمعاني. الاعتبار: ٥ الاعتبار لغةً: جاء عند ابن منظور ((عبر الكتاب يعبره عبرًا: تدبره في نفسه ... ، العبر جمع عبرة، وهي كالموعظة مما يتعظ به الإنسان ويعمل به ويعتبر؛ ليستدل به على غيره)»(٥). فمعنى الاعتبار في اللغة هو النظر في الأمور المتساوية والانتقال فيها من حال إلى حال عن طريق الاستدلال على غيرها والاتعاظ بها. (١) لسان العرب، ابن منظور ٣٤٥٠/٥. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ٢٠١/٢. (٣) نظم الدرر، البقاعي ٧/ ٥٣١. (٤) مدخل إلى موقف القرآن من العلم، عماد الدين خليل ص ٩٤. (٥) لسان العرب، ابن منظور ٢٧٨٣/٤. www. modoee.com ٢٨٥ حرف التاء الاعتبار اصطلاحًا: قال الرازي: «الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها)) (١). وجاء في التحرير والتنوير: ((الاعتبار: النظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها وأسبابها، وهو افتعال من العبرة، وهي الموعظة)»(٢). فالاعتبار اصطلاحًا يعني: النظر في حقائق الأشياء المعلومة ودلالتها على أسبابها ونتائجها والاتعاظ بها. الصلة بين التفكر والاعتبار: إذا كان التفكر هو عملية عقلية وجدانية، تعمل على استثمار المعارف والدلائل؛ للتوصل إلى حقائق الأمور بالنظر فيها، فإن الاعتبار هو نتيجة هذه العملية العقلية، وما تم التوصل إليه من نتائج من خلال التفكر. (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٠٥. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٢/٢٨. ٢٨٦ مَوَسُورَةُ التَّفِي القرآن الكريم التفكر الحث على التفكر تنوعت أساليب القرآن في الحث على التفكر، وسوف نتناول هذه الأساليب بالبيان فيما يأتي: أولًا: سرد القصص والتعقيب عليها: القصة هي أحد أساليب الهداية في القرآن الكريم؛ لما فيها من سحر يطغى على النفوس؛ ولأن الإنسان بطبعه مولع بتتبع الأخبار ومعرفة الأحوال، فهي تجعل الإنسان يعيش وقائعها وكأنه يحضرها، فيعيش بإحساسه وعقله الموقف القصصي، ما يرسخ نتائجه وعبره ويطبعها داخل النفس، فالاتعاظ والاعتبار هو الغرض الأساس الذي سيقت من أجله القصة في القرآن لا مجرد الاطلاع على قصص الأمم السابقة والشخصيات الماضية. وتمتاز صياغة القصة في القرآن بإيصال المعنى في قالب سهل، يشد القارئ فيثير انتباهه ويرسخ المعنى في الذهن، كما تعمل على هز العقول ودغدغة المشاعر، وتغيير السلوك عن طريق تجديد الهمم، وزيادة خبرات الإنسان والانتفاع بخلاصة تجارب السابقين، فهي أسلوب رقيق دقيق يأخذ بالألباب يلخص المعنى في أسمى صورة وأبدع عبارة؛ لأنها تعتمد على أسلوب المشاركة الوجدانية للأحداث، واستعمال أسلوب الإقناع العقلي من خلال الدعوة للتفكر فيها، وأخذ العبرة منها وتذكر الدروس الإيمانية والحياتية، ما يجعل قارئها لا يمل منها، ويستشف في كل مرة معنى جديدًا؛ لأجل هذا كانت القصة القرآنية مدعاة للتفكر فيها، فالاعتبار لا يكون إلا بعد النظر في الدلائل. ويلخص سيد قطب هدف القصة بقوله: ((يتمثل في إثارة الفكر البشري ودفعه للبحث عن الحق، وتقديم خلاصات للتجارب البشرية، والخروج بالعبر والعظات والسنن التي تحكم حركة الإنسان ومصيره، وإزاحة ستار النسيان عنه، وإمداده بطاقات تضيء له الطريق، وتساعده على مقاومة الإغراءات؛ تجنبًا للمصير السيئ، فتساعده على الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة))(١). ومن القصص التي وردت في موضوع التفكر قصة تابع الهوى الذي آتاه الله الآيات، لكنه انزوى عنها، ورضي بسفاسف الأمور، وقد وردت قصته في سورة الأعراف التي جاءت؛ لتبين أسباب الهداية والضلال، فوافق أن ترد فيها قصة المنسلخ من آيات الله. قال تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ اَلَّذِىّ ءَاتَّيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَفْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ (١) انظر: التصوير الفني في القرآن، سيد قطب ص١٢٥. www. modoee.com ٢٨٧ حرف التاء وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ ١٧٥ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ ◌ِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ فَثَلُهُ، كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا فَأَقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]. جاء في التفاسير أن قصة هذا الرجل تخص عالمًا من العلماء آتاه الله آياته، وقد اختلفوا على تسميته، فقد أورد الطبري(١) عن ابن مسعود و ابن عباس رضي الله عنهما أنه بلعم بن باعوراء، وهو من بني إسرائيل، كما ذكر رواية عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنها نزلت في أمية بن أبي الصلت(٢). وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره (٣) رواية عن ابن عباس أنها في زوج البسوس، وهي من بني إسرائيل أعطي ثلاث دعوات مستجابات أذهبها على زوجته، وروايات أخرى ملئت بها كتب التفسير أغلبها من الإسرائيليات لا يمكن الاعتماد عليها؛ لعدم ثبات صحتها، والمختار أن هذه الآية عامة في كل من كانت هذه حاله وصفته، فالإبهام عام لكل من يسلك دربه ويتبع هواه. بدأت القصة بالأمر الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ على قريش قصة ذلك العالم الذي آتاه الله تعالى العلم وحججه فأصبح عالمًا ربانيًا، وهذا من فضله تعالى وحسن توفيقه له، ولم يكن بتحصيله لها وجهده كما ظن، ما جعله يكفر بها وينبذها وراء ظهره، وقد شبه الله هذا الإعراض عن آياته بالانسلاخ کانسلاخ الجلد من الشاة، ((وحقيقة السلخ كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه، ويقال لكل شيء فارق شيئًا على أتم وجه: انسلخ منه، وفي التعبير به ما لا يخفى من المبالغة» (٤). وإسناد فعل السلخ للعالم ﴿فَاسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]. يدل على أنه کان باختيارٍ منه، ما سهل وصول الشيطان له بعد أن کان محجوبًا عنه بیرکة آيات الله وعلمه، فأصبح من الغاوين، والغواية بمعنى الانهماك في الغي والضلال. ویذکر الله في الآية التي بعدها أنه لو كان في هذا العالم خير لرفعه الله بتلك الآيات بصلة الموصول (الذي) يدل على أن لا إلى المقام الأعلى، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا حكمة في معرفة اسمه ونسبه، بل هي حال وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٧٦]. (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٥٣/١٣. (٢) انظر: المصدر السابق ٢٥٥/١٣-٢٥٧. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ١٦١٧/٥-١٦١٨. وأسند الرفعة له جل وعلا؛ لأنه هو الموفق لها والهادي إليها، قال تعالى: (٤) روح المعاني، الألوسي ٩/ ١١١. مَوَبُو بَرُ التفسير القرآن الكريم ٢٨٨ التفكر يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي الْمَجَلِسِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَجِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ أَنْشُرُواْ فَأَنْشُرُواْ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. لكن لسبق علمه تعالى بأنه سيختار الخلود والميل والنزول إلى الأرض انحطاطًا وهوانّ، وقد رضي بالدنيا لما تزينت له وسار وفق هواه فيها، فاجتمع عليه الشيطان والهوى، فضاع في الدنيا، وأضاع الآخرة. هذه هي القصة التي تتكرر في كل زمان ومکان، ومع کل عالم لم ینفعه علمه؛ إذ لم يقده إلى العمل؛ وليبين الله عظم الظلم الذي ارتكبه هذا العالم الجاهل في نفسه، ويوضح صورته ومکانته، مثل له بحیوان هو الأكثر خسة في مجموع الحيوانات، وهو الکلب ومن یقبل أن یشبه به، ثم بین محل التشابه بينهما ﴿فَثَلُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ بَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف ١٧٦]. فهو حيوان دائم اللهاث في حال التعب أو الراحة، والعالم الجاهل دائم اللهفة على الدنيا والحرص على ما يطيب له هواه فتراه لا يشبع منها أبدًا، ثم ختم الآية بالتعميم وضربها مثلًا للمكذبين بآيات الله ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَايَتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٦ ]. فمشرکی مکة جاءهم نور الله، ودعاهم داعي الهدى، فأبوا واتبعوا أهواءهم، فكانوا بمنزلة الكلب، ويذكر أن حالة اللهاث طبيعية في الكلب؛ لضيق في مجاري تنفسه إلا أنها في المكذبين حالة مكتسبة تخالف ما فطروا عليه من العهد الذي واثقوا الله به، وفي فاصلة الآية «تذييل للقصة الممثل بها يشملها وغيرها من القصص التي في القرآن، فإن في القصص تفكرًا وموعظة، فيرجى منه تفكرهم وموعظتهم؛ لأن للأمثال واستحضار النظائر شأنًا عظيمًا في اهتداء النفوس بها وتقريب الأحوال الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة؛ لما في التنظير بالقصة المخصوصة من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس، بخلاف التذكير المجرد عن التنظير بالشيء المحسوس))(١). ومن جميل القصص التى سردها القرآن على الناس والتي تستحثهم معانيها على التفكر في ملكوت الله قصة سيدنا إبراهيم مع عبدة الكواكب الواردة في سورة الأنعام، رغم أنه لم يرد فيها التفكر كمصطلح إلا أن معانيها تشير إليه وتبرز دوره في هداية البشر. يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُرِىّ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ أَلَّيْلُ رَءَا الْمُوقِنِينَ (١) التحرير والتنوير ١٧٩/٩. www. modoee.com ٢٨٩ حرف التاء كَوَكَبَاً قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَآَ أُحِبُّ ◌َمْ ما يدل على ضعف هذا المعبود وعجزه، وهو ما أراد سيدنا إبراهيم أن يوصل قومه يَهْدِنِ فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِيِّ قَلَمَّاً أَفَلَ قَالَ لَيْنِ لَّمْ يَهْدِنِ رَبِّ لَأَكُونَنَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴿ فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّ هَذَا أَكْبَرٌّ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِّ بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ ﴿ إِنِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى نَظَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَتَأْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥-٧٩]. إليه بقوله: ﴿لآ أُحِبُّ ﴾ثم عاد يبحث عن كوكب آخر يصلح؛ لأن يعبد، فرأى القمر وضاءً بنوره باهي الجمال، فأظهر لقومه استحقاقه للربوبية، لكن وجد أنه كسابقه يختفي، هنا کان على عقول البشر بمبادئها البسيطة أن تعي خطأ عقيدتها ومنهجها، وتنقض منهج العبادة، ما أقام عليهم الحجة بضلالهم. وهذا المنهج الحكيم الذي سار عليه سيدنا إبراهيم عليه السلام في نقض دعوى قومه؛ من أن الكواكب آلهة تعبد هو من فيض التفكر في ملكوت الله؛ ليجعلها سنة باقية في قومه ومن بعدهم، لمن أراد السير في طريق البحث الجاد الموصل إلى الحقيقة، فأراه الله سبيل التفكر في الكون؛ ليقوى إيمانه ويصل إلى ((درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى، وهذا لا يقتضي سبق الشك كما لا يخفى))(١). والقصة تبدأ بانتظار إبراهيم الليل، ومسايرته لقومه في عبادة الكواكب، فلما تبدى له أحد الكواكب أظهر أمام قومه اعترافه له بالربوبية، لكن هذا الكوكب ما لبث أن اختفى، هنا سلك سيدنا إبراهيم طريق العقل؛ ليبين لقومه كيف يعقل أن يعبد إله يأفل ويختفي، وأين يذهب إذا أفل؟ ومن سيخلفه ویسیر الكون في هذه الحال؟ (١) روح المعاني، الألوسي ١٩٨/٧. نقل الألوسي عن ابن المنير أنه قال: (وإنما ترقى عليه السلام إلى ذلك؛ لأن الخصوم قد أقامت علیھم بالاستدلال الأول حجة، فأنسوا بالقدح في معتقدهم، ولو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون، ولا يصغون إلى الاستدلال، فما عرض لهم عليه السلام بأنهم على ضلالة إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود، واستماعهم له إلى آخره»(٢). ومجاراةً لقومه، واستدراجًا لهم؛ ليكملوا بقية الاستدلال، وجه نظره إلى الشمس وقال: ﴿فَلَمَّا رَهَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِي هَذَا أَكْبَرٌّ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنَّ بَرِىٌّمِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨]. فالنظر فيها يدل على أنها أكبر الكواكب وأعظمها نورًا، إذًا هو الرب الذي يجب أن (٢) المصدر السابق ٧ / ٢٠٠. مَوَسُورُ الْبَد القرآن الكريم ٢٩٠ التفكر يعبد بلا شك، ومع أفولها ظهرت البراءة ثانيًا: ضرب الأمثال والتعقيب عليها: التامة من عبادة هذه الكواكب، وتحقق إعلان الخضوع التام لخالق هذه الكواكب والسموات والأرض دون إشراك لأي شيء في فرض العبودية له. بهذا التدرج وهذه المرونة وباستعمال طريق التفكر اهتدى إبراهيم عليه السلام إلى محاججة قومه وإبطال دعاويهم ومعتقداتهم، مشيرًا أن الإله الأعظم يجب أن يتقبله العقل والحس معًا، وهذه الكواكب تخالف بديهيات العقل في تصور عظمة الإله، ولا تتوافق مع مقتضيات الإحساس بالربوبية، فكيف يليق بكم أن تعبدوه؛ لهذا کان رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)(١). إن التفكر في قصة المنسلخ من الآيات، وقصة إبراهيم عليه السلام، هما نموذجان من مجموع قصص القرآن، يوحي بهدف القرآن من الدعوة للتفكر في قصصه، واستخلاص العبر منه، كي يلامس الإيمان القلوب الضالة، ويزين اليقين القلوب المسترشدة، ولم يكن هدفها التثقيف فقط. (١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: ﴿وَنُبِئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾، ٤/ ١٤٧، رقم ٣٣٧٢. اعتمد القرآن أسلوب ضرب المثل كلون من ألوان الهداية الربانية، وأسلوب من أساليب البيان الإلهي، يعالج فيها قضايا التوحيد وأحكام الشريعة، وإقامة الحجة عليها، ويعرض الحقائق؛ ليقربها من الأفهام، ويوضح خفاياها، بما يحفل به من حكم ومواعظ مجملة ومختصرة ذات طابع عقلي وجداني؛ لأنه: ((تمثيل المعاني المعقولة بالصور الحسية وعكسه))(٢). وأورد صاحب البرهان أنه سمي مثلًا؛ ((لأنه ماثلٌ بخاطر الإنسان أبدًا، أي: شاخص، فيتأسی به ويتعظ ويخشى ویرجو»(٣). واهتم القرآن بهذا اللون البلاغي لما له من قوة على النفس البشرية تطغى على انفعالاتها، وتوجه فکرها وتحرکه؛ لیستبین التشخيص الحسي للأمر المجرد عبر صور بيانية ذات طابع فني تحقق المقصود؛ من تصحيح العقائد، وتهذيب للسلوك، واكتساب للأخلاق، والتزام بالنهج الصحيح، بأبلغ معنى، وأوجز عبارة، يتحرك خلالها الفكر لتجلية معانيها، قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِّمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. (٢) المنار، محمد رشيد رضا ١/ ١٤٠. (٣) البرهان في علوم القرآن، الزركشي ١/ ٤٨٧. www. modoee.com ٢٩١ حرف التاء وأخرج البخاري في صحيحه عن عبيد فكان واجبًا على تالي كتاب الله أن يتمعن في أمثاله، ويفهمها، ويعرف المراد بن عمير قال: قال عمر رضي الله عنه يومًا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيم ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. الله منها باستخراجه للحكم المقصودة منها، وارتبطت الأمثال بموضوع التفكر في خمس آیات کریمات؛ وذلك لدقة معانيها الخفية التي تتطب جهدًا وتركيزًا؛ لاستبيانها. فالآية الأولى هي آية سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿أَيْوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ ◌َهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ لَهُ, فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةُ ضُعَفَاءٍ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَأَحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. وهذه الآية جاءت في سياق الحديث عن مجموعة أمثال ساقها الله في موضوع الإنفاق في سبيله، واختلفت أقوال المفسرين في مضرب هذا المثل، فمنهم من يعد أن هذا المثل ضرب للمنفق المرائي(١)، ومنهم من يقول: ضرب مثلاً للمرائي بأعماله(٢)، ومن المفسرین من يعده ضرب للذي عمل بالطاعة في حياته ثم ختمها بعمل سيئ أذهب ما كان يعمل (٣). (١) البحر المحيط، أبو حيان ٣٢٦/٢ . وذكره الطبري عن السدي قال: هذا مثل آخر للمرائي، وهو المرجح عنده، وروى عن ابن زيد: هو مثل للمان في الصدقة، وقال مجاهد وقتادة والربيع: للمفرط في الطاعة. (٢) الكشاف، الزمخشري ٣٤١/١. (٣) التفسير القيم، ابن القيم ص ١٦٥. قالوا: الله أعلم، فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس رضي الله عنه: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال عمر: يا أخي قل، ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلًا لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله» (٤). وقد بدأ هذا المثل باستفهام إنكاري في قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ والود هو محبة الشيء الكاملة مع تمنيه، وجاء بصيغة أحدكم؛ ليدل أن الخطاب فردي لكل إنسان؛ لأن الإنسان أناني بطبعه، ولا يوجد من لا يحب لنفسه أن يمتلك مثل هذه الجنة، والتي وصفها الله سبحانه وتعالى بأعظم صفات الجنان؛ فقد حوت أكرم الشجر من نخيل وأعناب وأكثرهما نفعًا، میاهها تجري أنهارًا، وفيها من كل صنوف الثمار؛ ليأتي بعدها على وصف حال صاحبها بأشد (٤) أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ﴾، ٤/ ١٦٥٠، رقم ٤٢٦٤. مَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٢٩٢ التفكر صفات الحاجة والحرص؛ فقد أصابه الكبر، و کان له عیال صغار لا يقدرون علی کسب قوتهم، وكانت هذه الجنة مورد رزقهم فعظم حرصه لجني ثمارها، فإذا هم كذلك حتى أصاب الجنة إعصار شديد، وفي جمع الإعصار مع النار معنى آخر: ((فلو اقتصر على ذكر الإعصار لكان كافيًا، ولكن لما علم الله سبحانه أن مجرد الإعصار لا تحصل به سرعة الهلاك، كما يحصل إذا كان فيه نار، قال سبحانه: ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. ثم أخبرنا باحتراقها؛ لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا يقوم احراقها بإطفاء أنهارها، وتجفيف أوراقها وثمارها، فأخبر بإحراقها؛ احتراسًا من ذلك؛ وهذا أحسن استقصاء وأتمه، بحيث لم يبق في المعنى موضع استدراك))(١). والتفكر في مورد المثل ومضربه يوحي لنا بالتشابه الكبير بين الحالتين من ناحية وجه الشبه، وهو حصول الخيبة في وقت انتظار الحصاد؛ ولهذا قال الحسن: «هذا مثل قل والله من یعقله من الناس شيخ کبیر ضعف جسمه، و کثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا))(٢). (١) أسرار التنوع في تشبيهات القرآن الكريم، ملك حسن عبد الرزاق بخش ص١٤١، ١٤٢. (٢) البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٢٣٧. وختم الله هذا المثل بالدعوة للتفكر فيما بینه الله من حکم وعبر فیه، ولکي یحسن الناس التفكر في عواقب الأعمال ونتائجها وأسبابها وغاياتها؛ ولهذا سأل عمر عنها من حضره من الصحابة؛ ليثير انتباههم للتفكر فیه. والمثل الثاني الذي يدعو الله فيه عباده للتفكر في معانيه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيِرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤]. وهو مثل خاص بموضوع النبوة، ورد في معرض الحديث عن الذین یکذبون بآيات الله المنزلة على نبيه، فأمر الله الرسول أن يقول لهم أن ما يطلبونه منه ليس في مقدوره، ((ولأن أمر الرسالة في خيالهم ينافي البشرية التي حقرها في أنفسهم جهلهم وسوء حالهم وفساد أعمالهم)»(٣). فنفى عن نفسه قدرة التصرف في خزائن العطاء والإحاطة بالعلم الغيب، وما خفي من أمورهم في المستقبل مما هي من خصائص الإله، ثم نفى خصائص الملك وقدرته على الخوارق مما ليس في إمكان البشر؛ ليبين لهم أن حقيقة الرسالة تكمن في كونه بشرًا أرسل إلى بشر؛ يعايش واقعهم، ويحس بهم، ویکون قدوة وأسوة لهم حتی یلتزموا ما جاءهم به، فهو رسول يتبع ما جاءه من (٣) المنار، محمد رشيد رضا ٣٥٢/٧. www. modoee.com ٢٩٣ حرف التاء عند الإله العظيم، وإذا بدت هذه الحقيقة يدركها الكبير والصغير. فمن أعرض عنها فهو مثل الأعمى، ((وهذا تمثيل لحال المشركين في فساد الوضع لأدلتهم وعقم أقيستهم، ولحال المؤمنين الذين اهتدوا ووضعوا الأشياء مواضعها، أو تمثيل لحال المشركين التي هم متلبسون بها، والحال المطلوبة منهم التي نفروا منها؛ ليعلموا أي الحالين أولى بالتخلق))(١). والمثل الثالث جاء في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَّ إِذَا أَخَذَتِاَ لْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَاً أَتَنِهَا أَمْرُنَا لَيْلَا أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمِنَّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. وهو مثل ساقه الله بعدما ذكر بغي الناس في الأرض وإفسادهم فيها، وهوان الآخرة في قلوبهم مقابل عظم الدنيا وزينتها عندهم، واستعمل المثل؛ لأنه أبلغ في الوصف وأقرب لإصابة المعنى، وأكثر تأثيرًا في النفوس، فالحديث عن الدنيا والآخرة من الأمور المجردة التي لا يستطيع الإنسان استحضارها أو تصورها، لذلك فالكلام عنها لا يقنع كما يقنع تصويرها بالأرض التي هي بين ناظريهم يوميًا، وهي حقيقة (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٣/٧. واستهل المثل بقصر دورة هذه الحياة الدنيا على دورة حياة النبات بكلمة (إنما) وهي («هنا لتشير إلى أن قصر الحياة الدنيا على هذا المثل المصور لبدايتها ونهايتها، أمر واضح معلوم لا يجوز لذي عقل أن ينكره، فما أشد جهل أولئك الغافلين عن هذه الحقيقة، المطمئنين لهذه الحياة الدنيا»(٢). وتم تشبيه الماء النازل من السماء بالخبرات والنعم النازلة من عند المولى، ووجه الشبه بين الصورتين أن الماء هو سبب حياة النبات، وكانت النعم التي أعطاها الله للناس من مال وجاه وعلم وصحة وشباب هي سبب افتتان الناس بالدنيا، قال ابن عاشور: ((شبه به ابتداء أطوار الحياة من وقت الصبا؛ إذ ليس ثمة سوى الأمل في نعيم العيش ونضارته، فذلك الأمل يشبه حال نزول المطر من السماء في کونه سبب ما يؤمل منه من زخرف الأرض ونضارتها)»(٣). فاختلط هذا الأمل الناتج عن هذه النعم بحياة الناس، فازدهرت وطاب عيشهم بسرعة، وامتزجت هذه النعم بحياة الناس بحيث لم تعد منفصلة عن حقيقة الدنيا، (٢) أسرار التنوع في تشبيهات القرآن الكريم، ملك بخش ص١٥. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ١٤٢. مُوسُوبَةُ الْبَّقِين القرآن الكريم ٢٩٤ التفكر وبدت مظاهر زينة لها، كاختلاط الماء ن صاحب الدنيا حينئذٍ ما ينفعه، وجملة: بالنبات بحيث لم يعد يظهر أمام نضارة لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾ تشير إلى قصر مدة التمتع النبات. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوِ الدُّنْيَا كَعَلِ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ اَلنَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِ اُلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنِهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَڪرُونَ﴾ فیہ وصف لنمو النبات ونضوجه وتكاثره وتنوعه «وذلك؛ لأن التزخرف عبارة عن کمال حسن الشيء، فجعلت الأرض آخذة زخرفها على التشبيه بالعروس إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون))(١). وتزينت؛ لتحلو في عين زوجها، وعظم رجاء أصحاب الأرض فيها، وظنوا أن خيراتها لهم ولن يمنعهم منها أحد، وفي هذا إشارة إلى زخرف الدنيا وملذاتها وبهجتها وتزينها في عين طلابها حتى ظنوا أنه لا حائل بینھم وبین التمتع الدائم بها، ونسوا العمل للدار الآخرة، فلما جاء أمر الله بالهلاك أصبحت كالأرض المحصودة؛ حتى إذا رأيتھا کأنها لم تكن ذات بهجة، ما أصاب صاحبها بالحسرة والندامة، ومثلها الدنيا إذا جاء أمر الله بإهلاكها، وقيام القيامة وتغيرت حالها، وتقلبت شئونها، ولم يجد (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣٨/١٧. بها، ولو كانت في نظر الإنسان طويلة. لمثل هذه الحكم والعبر ختم الله الآية بالدعوة للتفكر في هذا المثل بعد أن فصل الآيات؛ ببيان مراحل نمو النبات من بداية النشأة إلى عاقبته، فقوله: ((﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ اُلَآَيَتِ ﴾ يعني: نبين علامات غرور الدنيا وزوالها؛ لكيلا يغتروا، ونبين بقاء الآخرة؛ ليطلبوها، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ بأمثال القرآن ويعتبرون بها)) (٢) والمثل الرابع الذي ورد بشأنه التفكر هو قوله تعالى: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ قَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ (١٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ◌ِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَةٌ فَشَلُهُ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكُهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَاْ فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف ١٧٥ - ١٧٦]. وهي قصة العالم الذي لم ينفعه علمه وهو مثل ((من آتاه الله آياته فكان عالمًا بها حافظًا لقواعدها وأحكامها، قادرًا على بيانها والجدل بها، ولكنه لم يؤت العمل مع العلم، بل كان عمله مخالفًا لعلمه تمام (٢) تفسير السمر قندي ٢/ ١١١. www. modoee.com ٢٩٥ حرف التاء المخالفة فسلبها))(١). منه، ونظروا في الآيات وما فيها من البينات وتشبيه هذا العالم بالكلب؛ لتشابههما في بعين العقل والبصيرة، لا بعين الهوى والعداوة، ولا طريق لهدايتهم غير هذه))(٥)؛ لأن هذا المثل هو أسوأ الأمثال المضروبة والتي لا يطبقها أي بشر. الحال، فالكلب دائم اللهاث في حال الإعياء أو الراحة عادة وطبيعة فيه، يقول الرازي: ((وهو مواظب عليه كعادته الأصلية، وطبيعته أما المثل الخامس فجاء في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهُ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس، ثم إنه یمیل إلی طلب الدنیا، ویلقی نفسه فيها، کانت حاله كحال ذلك اللاهث، حيث واظب على العمل الخسيس، والفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة)»(٢). واختيار الكلب للتشبيه؛ لأنه ((من أخبث الحيوانات وأوضعها قدرًا، وأخسها نفسًا، وهمته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهًا وحرصًا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه(٣) في الأرض يتشمم)) (٤)، وبهذا يشبهه العالم الحريص على اتباع هواه واللاهف على الدنيا، وذيلت الآية بالدعوة للتفكر «رجاء أن يتفكروا فيه فيحملهم سوء حالهم، وقبح مثلهم على التفكر والتأمل، فإذا هم تفكروا في ذلك تفكروا في المخرج (١) المنار، محمد رشيد رضا ٩/ ٣٤٠. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥ /٤٠٦. (٣) خطمه: أنفه. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩٨/٢. (٤) التفسير القيم، ابن القيم ص ٢٨١،٢٨٠. وهو مثل ضربه الله لإيقاظ القلوب الغافلة عن التدبر في معاني كتابه الجليل، يتمثل فيه عظم الجبل وصلابته مع قلة تأثره بما ينزل عليه، يتشقق ويتصدع لما في هذا القرآن من المواعظ وعلو شأنه مقابل إهمال الإنسان له، والغرض منه «توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن، وتدبر قوارعه وزواجره))(٦). فالجبل بشموخه وانتصابه يخشع لنزول القرآن عليه، فيذل ويستكين ويخشع، يقول ابن عاشور: «الخشوع: التطأطؤ والركوع، أي: لرأيته ينزل أعلاه إلى الأرض)»(٧). كما فيه إشارة إلى أن الجبل لو تميز بمكرمة الإنسان في العقل، وأدرك ما في هذا القرآن لتصدع وانهار؛ لشدة عظمته، ما يوحي أن (٥) المنار، محمد رشيد رضا ٩/ ٣٤٢. (٦) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٥٠٨. (٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٧/٢٨. مَوَسُو ◌َر التفسير القرآن الكريمِ ٢٩٦ التفكر الذي لا یلین قلبه لهذا الذکر هو غير عاقل أبدًا، ولا يختلف عن الأشياء التي لا تعقل، وقد استعمل الله تعالى ملمح الجبل؛ لتظل الصورة ثابتة في الأذهان على مر الزمن لجميع الأجيال، كونها صورة موجودة في كل عصر، وكون حقيقة الإعراض عما في القرآن موجودة في كل زمان. ثالثًا: أسلوب الاستفهام: الاستفهام في اللغة: ((طلب الإفهام، والإفهام تحصيل الفهم ... وقد يكون الاستفهام لفظًا وهو في المعنى توبيخ أو تقرير))(١). والاستفهام في القرآن ((إنما يقع في خطاب الله تعالى على معنى أن المخاطب عنده علم ذلك الإثبات، أو النفي حاصل فیستفهم عنه، ونفسه تخبره به؛ إذ قد وضعه الله عندها ... ، فإن الرب تعالى لا يستفهم خلقه عن شيء، وإنما يستفهمهم؛ ليقررهم ويذكرهم أنهم قد علموا حق ذلك الشيء، فهذا أسلوب بديع انفرد به خطاب القرآن، وهو في كلام البشر مختلف» (٢). فكل استفهام في القرآن لا يقصد الله به انتظار الإجابة من الناس، بل هو تقرير لما وقر في أنفسهم وعلموه. (١) اللباب في علل البناء والإعراب، العكبري ١٢٩/٢. (٢) البرهان في علوم القرآن، الزركشي ٣٢٧/٢. وجاء أسلوب الاستفهام في القضايا التي فيها آيات وبراهين ظاهرة للعيان وبادية للعقل، «فلكي يبلغ تأثيرها مبلغه من قلب المخاطب، ويثير عواطفه ورغبته في التفكر والتأمل، جاءت على شكل أسئلة تتحدى فكره وتثير انفعالاته، وتفتح بصيرته أو تعينه على الاستبصار والتعلم بجهده الذاتي ... ؛ لذلك تركت النصوص القرآنية الشريفة مجالًا للمتأمل؛ ليجيب بنفسه عن أسئلة القرآن الكريم، ویکون جوابه مرة من المقدمات البرهانية ... ، وتارة يصل بجوابه إلى النتيجة المطلوبة في الاستدلال أو البرهان؛ ليجد لذة وقناعة))(٣). لذلك استعمل أسلوب الاستفهام الإنكاري عادة كتقريع لأفعال المشركين، وتوبيخًا لهم على أعمالهم، وعدم استخدام عقولهم وتفكرهم في القضايا المطروحة بين أيديهم، وقد ورد مرتين بصيغة ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُوا﴾ في سورة الأعراف الآية (١٨٤)، وفي سورة الروم الآية (٨)، وورد بصيغة ﴿أَفَلاَ تَنَفَكَّرُونَ﴾ مرة واحدة في سورة الأنعام الآية (٥٠)، وجاءت هذه الصيغة الاستفهامية موجهة للمشركين؛ للتفكر في أمور قد عاينوا حقيقتها بأنفسهم، وكانت مدركة لهم، وموصولة بحياتهم، وهي أمور (٣) من أساليب التربية بالقرآن التربية بالآيات، عبد الرحمن النحلاوي ص٥٢. www. modoee.com ٢٩٧ حرف التاء عظيمة بالنسبة لعدم تفكرهم فيها، فآيتا الكافرين على اتهام الرسول صلى الله عليه الأعراف والأنعام أثارتا استفهامًا حول وسلم بالجنون، قال الطبري: ((أولم يتفكر قضية الوحي، وإنزاله على الرسول صلى الله عليه وسلم، واستنكرت معاداتهم له. ففي آية الأنعام جاء الخطاب للرسول؛ ليبين لقومه ماهية رسالته وطبيعة بعثته، فأمره الله أن ينفي لهم ما طالبوه به من معجزات وخوارق، وقرنه بمثل ضربه لبعد الاستواء بين الأعمى والبصير؛ ليدلل على الفرق الشاسع بين من يسمع الحجج فیخضع، وبین من تأخذه العزة بالإثم فيعمی عن رؤية الحق؛ لذا ختم الآية بسؤال على وجه التبكيت والتقريع لعدم تفكرهم واستخدامهم عقولهم بالنظر في أمر النبوة، ولم يكن ينتظر منهم الجواب، فالجواب واضح وضوح الشمس لمن تأمل في صورة الاستواء بين الأعمى والبصير، ((فإن قالوا: نعم، كابروا الحس، وإن قالوا: لا، قيل: فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير، ومن أعرض عنها فهو الأعمى، ومن سوی بین الخالق وبین شيء من خلقه فهو أعمی العمي؛ ثم أمره بعد الإنكار للتسوية بينهما بأن ینکر عليهم فساد نظرهم وعمى فكرهم بقوله: ﴿أَفَلاَ تَشَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]. أي: فیردکم فکرکم عن هذه الضلالات)»(١). ومثلها آية الأعراف التي جاءت؛ لتوبيخ (١) نظم الدرر، البقاعي ٢/ ٦٤١. هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا، فيتدبروا بعقولهم، ويعلموا أن رسولنا الذي أرسلناه إليهم لا جنة به ولا خبل، وأن الذي دعاهم إليه هو الرأي الصحيح، والدين القويم، والحق المبين)»(٢). وورود الاستفهام؛ تعجبًا للطريقة التي ينظرون بها إلى الأمور بها، فهذا الذي ولد منهم وعاش بينهم، وعرفوا حاله، وخبروا معدنه وصفاته ورزانته، ثم يصفونه بالجنون كبرًا وعنادًا: ﴿ وَقَالُواْ يَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الحجر: ٦]. ﴿ُمَّ قَوَلَوْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّوْ وقال تعالى: [الدخان: ١٤]. وهو الذي بعث؛ لينذرهم يوم الحساب، ويبين لهم العقاب والعذاب المقدر لكفرهم، ((وفي هذا استغباء أو تسفيةٌ لهم بأن حاله لا يلتبس بحال المجنون للبون الواضح بين حال النذارة البينة، وحال هذيان المجنون، فدعوی جنونه إما غباوة منهم بحيث التبست عليهم الحقائق المتمايزة، وإما مكابرة وعناد وافتراء على الرسول)» (٣). وفي آية الروم جاء الاستفهام بصيغة التعجب، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِيَّ (٢) جامع البيان، الطبري ٢٨٩/١٣. (٣) التحرير والتنوير ٩/ ١٩٥ -١٩٦. ٢٩٨ مُوسَوَرُ الْتَقِيقِ لوضـ القرآن الكريم