Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
التََّكِّيْنُ
عناصر الموضوع
مفهوم التمكين
٤٧٨
التمكين في الاستعمال القرآني
٤٧٩
الألفاظ ذات الصلة
٤٨٠
٤٨٢
التمكين مشيئة إلهية
٤٨٥
أنواع التمكين
٤٨٩
مقومات التمكين
٥٠٤
أهداف التمكين
٥٠٦
أسباب زوال التمكين
المُجَلَدَ التَّاشِعْ
حرف التاء
مفهوم التمكين
أولًا: المعنى اللغوي:
مشتق من تمكن يتمكن تمكنًا فهو متمكن، يقال: تمكن الشخص بالمكان: أي: استقر فيه
ورسخ، يقال: مكانك أيها اللص: أي: اثبت في مكانك، وتمكنت من الأمر، أي: صار عندي
سهلًا، وتمكن الشخص من الأمر، أي: أصبح ذا قدرة عليه أو ظفر به، وتمكن عند الناس،
أي: علا شأنه عندهم(١).
نستدل مما سبق أن التمكين في اللغة يدل على معاني القوة، والقدرة، والاستقرار،
والعلو، وعلى ذلك يكون المراد به لغة: إعطاء ما يصح به الفعل من الآلات والأدوات،
وإزالة ما يمنع هذا الفعل (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
يرى الخازن أن التمكين: «هو أن لا ينازع الممكن منازع فيما يراه ويختاره»(٣).
ويرى ابن عرفة: ((التمكين هو القدرة على الفعل)) (٤).
وقد سئل الإمام الشافعي رحمه الله يومًا: أيِّ أفضل الصبر أو المحنة، أو التمكين؟
فقال الشافعي رحمه الله: ((التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة،
فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مكن، ألا ترى أن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم
مکنه، وامتحن سليمان عليه السلام، ثم مكنه، وآتاه ملكًا، والتمكن أفضل الدرجات)»(٥).
واستنادًا لما سبق يمكن القول بأن التمكين اصطلاحًا: هو منزلة رفيعة يهبها الله سبحانه
وتعالى للصالحين من عباده بعد صبرهم على الابتلاءات والمحن، فتسمو مكانتهم، وتعلو
كلمتهم، ويسود شرعهم، وتمتلأ الدنيا بنورهم عدلًا، وبهديهم إحسانًا وبرًا.
فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن معانيه اللغوية.
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص٢٧٩، المصباح المنير، الفيومي ٥٧٧/٢، المعجم الوسيط، مجمع
اللغة العربية ٨٨١/٢.
(٢) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ١١١، شمس العلوم، نشوان الحميري ٦٣٦١/٩.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ٥٣٦.
(٤) انظر: تفسير ابن عرفة، ٣٥٨/١.
(٥) تفسير الإمام الشافعي ٢/ ٩٧٨.
٤٧٨
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
التمكين
التمكين في الاستعمال القرآني
وردت مادة (مكن) الدالة على (التمكين) في القرآن الكريم (١٨) مرة (١)، وهي على
النحو الآتي:
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٠
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ﴾ [ يوسف: ٢١]
﴿أَوَلَمْ نُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبَّ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾
الفعل المضارع
٤
[القصص : ٥٧ ]
صيغة المبالغة
٤
﴿ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ [التكوير: ٢٠]
وجاءت مادة (مكن) الدالة على (التمكين) في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو من
القدرة على الشيء وإطاقته، مع زوال المانع (٢)، أو من الرسوخ والاستقرار(٣)، وأصله من
المكان، والمكان لغةً: هو الحاوي للشيء، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَكَنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ
وَءَانَيْنَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًّا﴾ [الكهف: ٨٤].
يعني: ((أعطيناه ملكًا عظيمًا متمكنًا، فيه له من جميع ما يؤتى الملوك، من التمكين
والجنود، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض،
ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم، من العرب والعجم)» (٤).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٧٢.
(٢) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ١٠٤/٤.
(٣) انظر: التعريفات، الجرجاني ص٦٦.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥ / ١٨٩.
www. modoee.com
٤٧٩
حرف التاء
الألفاظ ذات الصلة
النصر:
١
النصر لغة:
النون والصاد والراء أصلٌ صحيحٌ يدل على إتيان خيرٍ وإيتائه. ونصر الله المسلمين:
آتاهم الظفر على عدوهم(١).
النصر اصطلاحًا:
العون، ويختص لفظ النصر بأنه إعانة في مقابل العدو المتربص، إما بالظفر عليه، وإما
بدفع مضرته(٢).
الصلة بين التمكين والنصر:
التمكين أعظم من النصر، وذلك أن حدوث التمكين قد يتطلب سلسلة من الانتصارات.
الغلبة:
٢
الغلبة لغة:
من غلب يغلب غلبةً، وهو القهر(٣).
الغلبة اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، قال الراغب: ((الغلبة القهر))(٤). والمقصود هو قهر العدو.
الصلة بين التمكين والغلبة:
أن الغلبة قد تكون مؤقتة سرعان ما تزول، قال تعالى: ﴿وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣].
والفرس غلبت الروم، ولكن سرعان ما أعقب هذه الغلبة هزيمة للفرس على يد الروم(٥)،
ولكن التمكين يكون معه دوام الغلبة واستقرارها.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ٤٣٥.
(٢) المفردات، الراغب ص ٨٠٨، الفروق اللغوية، العسكري ص١٨٩، الكليات، الكفوي ص ٩٠٩.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٨٨/٤.
(٤) المفردات، ص٦١١.
(٥) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤ / ١٩٥.
٤٨٠
مُوسُو ◌َ النَِّيـ
القرآن الكريم
التمكين
الاستخلاف:
٣
الاستخلاف لغةً:
من خلف، ويعني أن يجيئ شيء من بعد شيء يقوم مقامه (١).
الاستخلاف اصطلاحًا:
هو ((استرعاء يختص لمن ينصح للمرعي، فيؤدي عن الله أمره ونهيه، ولا يأخذه في
الدين لومة لائم، ولا سطوة جبار))(٢).
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ مَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا
أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥].
الصلة بين الاستخلاف والتمكين:
أن الاستخلاف لا يكون إلا مع الاستبدال (أي: استبدال الصالحين مكان الطالحين)،
ولا يشترط الاستبدال مع التمكين (٣).
العزة:
٤
العزة لغةً:
عز أي: اشتد وقوي (٤).
العزة اصطلاحًا:
صفة تفيد حصول الفوقية والغلبة لله سبحانه وتعالى وعباده الصالحين على أعدائهم(٥)،
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
الصلة بين العزة والتمكين:
أن العزة من لوازم التمكين.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢١٠/٢.
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري، ١/ ٣٩٥.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٣ / ١٥٦.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٨/٤.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢٩/١٨.
www. modoee.com
٤٨١
حرف التاء
التمكين مشيئة إلهية
يقول مصطفى مسلم: ((إن لفظة التمكين
في القرآن الكريم لا تأتي إلا للشيء الذي لا
تسعفه الأسباب المادية من الوصول إليها،
فيأتي بأسباب وتدابير ربانية غير عادية))(١).
وذلك يعني أن حصول التمكين مرتبط
بالمشيئة الإلهية التي تقتضي توفير أسباب
غير عادية تؤدي إلى حصول هذا التمكين،
وفيما يلي أمثلة تبرهن على ذلك:
تمكين الله سبحانه وتعالى لنبيه إبراهيم
عليه السلام.
تمكين الله سبحانه وتعالى لنبيه يوسف
عليه السلام.
تمكين الله سبحانه وتعالى عباده
المسلمين من الانتصار على أعدائهم
المشركين خلال فترات الصراع بين
المسلمين والمشركين على الرغم من
اختلال موازين القوى، وذلك كما
حدث على سبيل المثال في غزوة بدر،
والخندق، والحديبية.
فإن قيل: ما الأسباب والتدابير الربانية
التي توفرت فيما سبق ذكره من أمثلة؟
فالجواب كما يأتي:
أولًا: بالنسبة لإبراهيم عليه السلام،
فبعد أن صبر على دعوته لقومه إلى عبادة
(١) مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى
مسلم ص٢١٦.
الله وحده، وصبر على ما لاقاه من الأذى
والتنكيل في سبيل هذه الدعوة مكنه
الله سبحانه وتعالى بأن أنجاه من النار،
قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَمًا عَلَى
إِرَهِيمَ ﴾ [الأنبياء: ٦٩].
ولما اعتزل قومه وأصنامهم وهبه الله
سبحانه وتعالى الولد على الرغم من كبر
سنه، قال تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ
لِ عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ
الدَّعَاءِ
[إبراهيم: ٣٩].
ولما أمره الله سبحانه وتعالى بترك ذريته
في مكة عند البيت الحرام دون أن يتوفر
عندهم المياه، ففجر الله عین زمزم(٢).
ثانيًا: بالنسبة ليوسف عليه السلام: فبعد
أن ألقاه إخوته في الجب لهلك وحیدًا، مکنه
الله سبحانه وتعالی بأن خلصه من الجب،
وآواه في بيت العزیز.
قال تعالى: ﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْوَارِدَهُمٍْ
فَأَدْلَى دَلْوَهُ، قَالَ يَبُشْرَى هَذَا عُلَمْ وَأَسَرُّوهُ بِضَعَةٌ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١) وَشَرَوْهُ
◌ِثَمَنٍ بَخْسِ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ
مِنَ الزَّهِدِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِى أُشْتَرَنُ مِن
مِّصْرَ لِأَقْرَأَنِ: أَكْرِمِى مَثْوَنُهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَآَ
أَوْ نَّخِذَهُ، وَلَدَأْ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ
اْأَرْضِ وَلِنُعَلِمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِّ وَاللَّهُ
غَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٠١/٣.
٤٨٢
مَوْشَةُوابَرُ التَّسيد
جوسو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
التمكين
يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ١٩-٢١].
يقول الدكتور وهبة الزحيلي: ((خطط
إخوة يوسف للتخلص نهائيًا من أخيهم،
فباءوا بالخيبة والفشل؛ لأن الله سبحانه
وتعالى هو الإله القادر المنفذ لما يريد))(١)
وبعد أن كبر وصار شابًا وقع في محنة قلة في العدد والعدة مقارنة بالمشركين،
مراودة امرأة العزيز له عن نفسه.
قال تعالى: ﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِي بَيْتِهَا
عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ
قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِ أَحْسَنَ مَثْوَىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ
﴾ [يوسف: ٢٣].
ولما استعصم سجن ظلمًا وعدوانًا.
قال تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَّنِى
فِيَّةٍ وَلَقَدْ رَوَدِنُّهُ عَن نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمّ وَلَيِن لَّْ
يَفْعَلّ مَآ ءَامُرُهُ، لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّنْخِرِينَ﴾
[يوسف: ٣٢].
فمكنه الله سبحانه وتعالى، بأن أخرجه
من السجن ليكون عزيز مصر(٢).
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ اثْنُونِ يِ-أَسْتَخْلِمْهُ
لِنَّفْسِىَّ فَلَمَّا كَلَّمَّهُ قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ
قَالَ أَجْعَلَِّىِ عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِّ إِنَّ حَفِيظُ
عَلِيمٌ ﴾ وَكَذَلِكَ مَكَنَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ
يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآَةٌ
وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٤-
٥٦].
(١) الوسيط، الزحيلي ٢/ ١٠٩٨.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٢١٧.
ثالثًا: بالنسبة للمسلمين أتباع سيدنا
محمد صلى الله عليه وسلم: فقد مكنهم
الله سبحانه وتعالى من أعدائهم المشركين
في مواطن عديدة منها:
يوم بدر، حيث كان المسلمون على
ومع ذلك نصرهم الله تعالى على عدوهم
نصرًا مؤزرًا، علت بسببه مكانة المسلمين
بين الأمم، وفي المقابل انحدرت مكانة
المشركين وضاعت هيبتهم بين الأمم(٣).
وقد حكى القرآن الكريم ذلك في قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَتَيْنِ
أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ
تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ،
وَيَقْطَعَ دَابِرَ اَلْكَفِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].
وبغية تحقيق هذا الوعد الإلهي.
قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ
الْمَلَتِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩].
واستمر الدعم الإلهي للمؤمنين في هذه
الغزوة حتى وصل إلى ما ذكره الله تعالى
بقوله: ﴿بَلَىَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُكُم مِّن
فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذَكُمْ رَبُّكُم مِخَمْسَةِ ءَالَّفٍ مِّنَ
اُلْمَلِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥].
وقد روى ابن حبان في صحيحه قال:
قال أبو زمیل: حدثني ابن عباس قال: بينما
(٣) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٤/ ٢٧٧.
www. modoee.com
٤٨٣
حرف التاء
رجل من المسلمين، يومئذ يشد في إثر قتال(٢).
رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة
بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه یقول:
أقدم حیزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خر
مستلقيًا فنظر إليه، فإذا هو خطم أنفه، وشق
وجهه بضربة سوط، فاخضر ذاك أجمع،
فجاء الأنصاري، فحدث ذلك رسول الله
صلی الله عليه وسلم، فقال صلی الله عليه
وسلم: (صدقت، ذلك من مدد السماء
الثالثة)(١).
يوم الخندق: حيث تكالبت قوى الشر
الممثلة في الأحزاب لضرب المسلمين عن
قوس واحدة، وقد كانت ظروف المسلمين
حينها غاية في الصعوبة، فلا وفرة في الطعام
ولا دفئ، إضافة إلى خذلان المنافقين،
ونكوث العهد من قبل يهود بني قريظة
بتحالفهم مع الأحزاب ضد المسلمين.
وقد وصف الله سبحانه وتعالى ذلك
بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوَكُم مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ
مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ
الْحَتَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنَالِكَ أَبْتُلَىَ
اْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالََّ شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:
١٠ - ١١].
ومع ذلك مكن الله سبحانه وتعالى
لعباده المؤمنین ونصرهم على عدوهم دون
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب الإمداد بالملائكة، ١٣٨٣/٣،
رقم ١٧٦٣.
قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ
لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ
اَللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
يوم الحديبية: حيث ظن المسلمون في
بداية الأمر أن قريشًا غدرت بهم، وقتلت
عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولم یکونوا
قد أعدوا العدة لمواجهة هذا الموقف
العصيب؛ إذ لم يكن معهم سوى سلاح
الراکب المسافر، ومع ذلك قرروا إعلاء شأن
دينهم، وبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم
على قتال المشركين، وبعدها جاء التمكين
الإلهي للمؤمنين، فقد عاد عثمان رضي
الله عنه سالمًا، وأرسلت قریش سهيل بن
عمرو لیفاوض النبي صلی الله عليه وسلم،
فنجم عن ذلك صلح الحديبية والذي كان
بمثابة بداية الطريق لنصر عظيم مؤزر من
الله سبحانه وتعالی به على المؤمنین، فما
هي إلا سنتین حتی نکثت قریش عهدها مع
الرسول صلی الله عليه وسلم، مما أدى إلى
فتح مكة عام (٨هـ)(٣).
وقد حكى القرآن الكريم ذلك، فقال
تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ
يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوْ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ
السَّكِينَةَ عَلَّهِمْ وَأَتَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:
(٢) انظر: السيرة النبوية، كما جاءت في الأحاديث
الصحيحة، محمد الصوباني ٣/ ٩٤.
(٣) انظر: دلائل النبوة، البيهقي، ٤ / ١٦٠.
مَوْسُورَةُ النَّهـ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٤٨٤
التمكين
١٨].
وقد أكد الله مشيئته بتمكين المؤمنين
بوعد يساوي في قوته القسم.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ مَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ
كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى أَرْتَى لَهُمْ وَلَيُّبَدٍلَنَّهُ مِنَّ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنَاً يَعْبُدُونَِّ لَا يُشْرِكُونَ بِىِ شَيْئاً وَمَن
كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾
[النور: ٥٥].
ومما يؤكد أن وعد الله بذلك يساوي
القسم دخول اللام في جواب القسم
المفهوم من الوعد، وذلك في الوعود
الثلاثة: (الاستخلاف والتمكين واستبدال
الخوف بالأمن) إضافة إلى وجود نون
التوكيد الثقيلة في الوعود الثلاثة، مما يؤكد
أن ذلك واقع لا محالة إن تحقق الإيمان
والعمل الصالح، عبادة بلا شرك.
وهذا دليل قاطع على أن التمكين
يتبع لمشيئة الله عز وجل، وليس الإرادة
بشرية مهما كانت قوية، فالله يعز من يشاء
بعزه، ويذل من يشاء متى يشاء بما يشاء،
سبحانه وتعالى القوي القدير صاحب العزة
والجبروت.
أنواع التمكين
للتمكين أنواع تحدث عنها القرآن
الكريم، نعرضها فيما يأتي:
أولًا: التمكين الخاص:
والتمکین الخاص هو ما كان خاصًا
بالأفراد، وبحسب القرآن الكريم فقد
حصل لنبي الله يوسف عليه السلام، ولذي
القرنين من البشر، ولجبريل عليه السلام من
الملائكة، وبيان ذلك فيما يلي:
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَلَّذِى أُشْتَرَنُهُ مِن
مِصْرَ لِأَمْرَأَتِهِ: أَكْرِمِى مَثْوَنُهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَآَ
أَوْ نَتَّخِذَهُ، وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي
الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِّ وَاللهُ
غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
يقول الشيخ الشعراوي: ((وقد بدأ
التمكين في الأرض من لحظة دخوله بيت
عزيز مصر ليحيا حياة طيبة))(١).
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَگنَا لُِوسُفَ فِ
اُلْأَرْضِ بَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَأَهُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا
مَن ◌َّشَآءٌ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:
٥٦].
يقول الشيخ الشعراوي: ((وهكذا كان
تمكين الله ليوسف عليه السلام في الأرض
(١) تفسير الشعراوي ٦٨٩٩/١١.
www. modoee.com
٤٨٥
حرف التاء
بحيث أدار شئون مصر))(١).
وبناءً على ذلك يمكن القول بأن التمكين
ويقول الشيخ محمد الناصري في تفسير
هذه الآية أن فيها: ((إشارة إلى ما أكرم الله به المذكور في الآية الثانية هو تمکین خاص
کلی.
يوسف من الحرية والسعة والنفوذ والتصرف
في أرض مصر ... )) (٢).
والملاحظ أن التمكين في الآيتين
السابقتين هو تمکین خاص بفرد واحد هو
نبي الله يوسف عليه السلام، كما يلاحظ
أن الآية الأولى أشارت إلى تمكين جزئي
لیوسف علیه السلام، فکل ما حصل له أنه
نجا من الجب، وانتقل للعيش في بيت يكفل
له الحياة الكريمة، فهذا وإن كان بمثابة نقلة
نوعية في حياة يوسف عليه السلام، إلا أنه لا
يرقى ليصل إلى درجة العلو والهيمنة، وهذا
ما نوه إليه الشيخ الشعراوي رحمه الله، حین
وصف التمكين المذكور في الآية الأولى
بأنه بدایة التمكين ولیس تمام التمكين(٣).
بينما نجد أن الآية الثانية قد أشارت
بالفعل إلى التمكين الكلي لنبي الله يوسف
علیہ السلام، حیث أصبح يدير شئون مصر
کما ذکر المفسرون.
يقول الدكتور علي الصلابي: ((فإذا
تأملت في الآيتين تلاحظ أن الآية الأولى
أشارت للتمكين الجزئي ليوسف عليه
السلام، والآية الثانية للتمكين الكلي في
(١) المصدر السابق ٧٠٠١/١١.
(٢) التيسير في أحاديث التفسير ١٨٨/٣.
(٣) انظر: تفسير الشعراوي ٦٨٩٩/١١.
حقه ... ))(٤).
قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِى الْقَرْنَيْنِّ
قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَا مَكَّنَا
لَهُ فِي الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:
٨٣-٨٤].
يقول المراغي في تفسير قوله تعالى: ﴿إنّا
مَكَّنَا لَهُ فِ الْأَرْضِ وَءَانَيْتَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾ ((أي:
مکنا له أمره من التصرف فيها كيف شاء،
بحيث يصل إلى جميع مسالكها، ويظهر
على سائر ملوكها، وآتيناه من كل شيء أراده
من مهام ملكه وبسطة سلطانه طريقًا يوصله
إليه، فآتيناه العلم والقدرة والآلات التي
توصله إلى ذلك»(٥).
ويتضح من خلال كلام المراغي رحمه
الله، أن تمكين الله سبحانه وتعالى لذي
القرنین هو تمکین خاص كلي.
قوله تعالى: ﴿ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرِشُ مَكِينٍ﴾
[التكوير: ٢٠].
ومعنى مكين هنا: أن جبريل عليه
السلام، ذو جاه ومنزلة رفيعة عند الله
سبحانه وتعالى(٦)، ومن ثم فتمكين الله
سبحانه وتعالى لجبريل عليه السلام هو
(٤) فقه النصر والتمكين ص ٧.
(٥) تفسير المراغي، ١٦/١٦.
(٦) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣ /٦٠٧.
٤٨٦
مَوَسُوبَةُ النَِّيَة
القرآن الكريم
التمكين
تمکین خاص کلي.
ثانيًا: التمكين العام:
والتمكين العام هو ما كان غير مختص
بفرد معين، وإنما يكون للجماعات،
وبحسب القرآن الكريم فقد ثبت هذا
التمكين لأصحاب القرون الأولى مثل قوم
نوح، وعاد، وثمود، ولأهل مكة، وللمؤمنين
الصادقين، وبيان ذلك فيما يلي:
قوله تعالى: ﴿آڵّيَرُوا كُمْ أَهْلَگنَا مِن قَبْلِهِم
مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَّكِّنْ لَّكُمْ
وَأَرْسَلْنَا السَّمَآَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ
تَجْرِى مِن تَمِْمْ فَأَهْلَكْنَهُم ◌ِدُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ
بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦].
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول سبحانه
وتعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه
وسلم: ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتي،
الجاحدون بنبوتتك، كثرة من أهلكت من
قبلهم من القرون الذين وطأت لهم البلاد
والأرض توطئة لم أوطئها لهم، وأعطيتهم
فيها ما لم أعطهم))(١).
ويقول أبو الحسن النيسابوري في تفسير
قوله تعالى: ﴿مَكَّنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن
لَكُمْ﴾ ((أعطيناهم من المال والعبيد والأنعام
ما لم نعطكم»(٢).
وبناءً على ذلك، نفهم من كلام المفسرين
(١) جامع البيان ١١/ ٢٦٣.
(٢) الوجيز ص ٣٤٥.
أن تمكين الله سبحانه وتعالى لأصحاب
القرون الأولى مثل قوم نوح، وعاد، وثمود،
كان تمكينًا عامًا كليًا.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّتَكُمْ فِى الْأَرْضِ
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَنُ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾
[الأعراف: ١٠].
يقول أبو السعود في تفسير قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ ((لما أمر الله
سبحانه أهل مكة باتباع ما أنزل إليهم،
ونهاهم عن اتباع غيره، وبين لهم وخامة
عاقبته بالإهلاك في الدنيا والعذاب المخلد
في الآخرة ذكرهم ما أفاض عليهم من فنون
النعم الموجبة للشكر ترغيبًا في الامتثال
بالأمر والنهي إثر ترهيب، أي: جعلنا لكم
فيها مکانًا وقرارًا، أو ملكناكم فيها وأقررناكم
على التصرف فيها))(٣).
ويفهم من هذا الكلام أن تمكين الله
سبحانه وتعالى لأهل مكة كان تمكينًا عامًا
كليًا.
ومن الجدير بالذكر أن الله تعالى قد
مكن لتلك الأقوام على الرغم من كفرها؛
لأنها أخذت بأسباب التمكين المادية
كإعداد الجيوش، وامتلاك الأموال وغير
ذلك، ولكنهم لما تركوا السبب الأهم لبقاء
التمكين وهو اتباع الرسل، أهلكهم الله
تعالى.
(٣) إرشاد العقل السليم ٢١٤/٣.
www. modoee.com
٤٨٧
حرف التاء
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَنَّهُمْ فِالأَرْضِ
أَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ
بِاَلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ
الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].
يقول مقاتل بن سليمان في تفسير قوله
تعالى:
﴿ الَّذِينَ إِن مَكَّنَهُمْ فِ الأَرْضِ﴾،
«یعنی: أرض المدينة وهم المؤمنون بعد
القهر بمكة))(١).
ومعنى التمكين في هذه الآية: النصر
على العدو (٢)، وبالفعل فإن الله سبحانه
وتعالى قد مكن الصحابة الكرام ومن بعدهم
من المؤمنین من عدوهم بعد هجرتهم إلى
المدينة المنورة فألحقوا به الهزيمة تلو
الهزيمة بدءًا بغزوة بدر عام (٢ هـ) مرورًا
بغزوة فتح مكة عام (٨هـ) ووصولًا إلى
اتساع الفتح الإسلامي حتى وصل إلى
الصين شرقًا والمحيط الأطلسي غربًا، وقد
كان هذا التمكين تمكينًا عامًا كليًا.
وقد وعد الله سبحانه وتعالى عباده
المؤمنين الصادقين بتمكينهم في الأرض
تمکینًا عامًا کلیًا ما داموا علی إخلاصهم له
سبحانه، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ
مَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
فيِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّلَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُم
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٣/ ١٣٠.
(٢) انظر: فتح البيان، القنوجي ٥٨/٩.
مِّنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَأَ يَعْبُدُونَنِ لَا يُشْرِكُونَ
فِى شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ
اُلْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
يقول الدكتور مازن عيسى: ((فهذا الوعد
مناسب لكل من اتصف بهذا الوصف، فلما
اتصف به الأولون استخلفهم الله كما وعد،
وقد اتصف بعدهم به قوم بحسب إيمانهم
وعملهم الصالح، فمن كان أكمل إيمانًا
وعمل صالحًا، كان استخلافه المذكور أتم،
فإن کان فیه نقص وخلل کان تمکینه خللاً
ونقصًا؛ وذلك أن هذا جزاء هذا العمل، فمن
قام بذلك العمل استحق ذلك الجزاء)»(٣).
(٣) الإصابة في الذب عن الصحابة رضي الله عنه
ص١١٩.
٤٨٨
جَوَسُو ◌َ النَِّّ
القرآن الكريم
التمكين
مقومات التمكين
مما لا شك فيه أن الإنسان مطالب إلى
جانب عبادة الله سبحانه وتعالى وحده، أن
يحصل على التمكين في الأرض، فقد قال
ربنا جل علا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ
إِنِي جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠].
وإسناد هاتين المهمتين للناس دليل
على أنه لا مجال لأداء العبادات بحرية دون
قيد إلا بتحقيق الاستخلاف في الأرض،
وإن الاستنكاف عن السعي لتحقيق أي من
المهمتين يعني ضياع المهمة الأخرى وعدم
التمكن من تحقيقها، وهذا يعني الإفساد
في الأرض، يفهم هذا من رد الملائكة لما
أخبرها الله عز وجل أنه سيجعل في الأرض
خليفة قالوا: ﴿أَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ
لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
قالوا ذلك لعلمهم بما كان من الجن
الذين أفسدوا في الأرض، فعاقبهم الله
سبحانه وتعالى، وحتی یتجنب الإنسان من
الوقوع فيما وقع فيه الجن من قبل، لابد له
من المحافظة على ما أسند له ربه سبحانه
وتعالى من مهمات، ولضمان ذلك لابد
له أن يحصل على التمكين في الأرض،
وللحصول على هذا التمكين لابد من توفر
المقومات الواردة فيما يلي:
أولًا: الإيمان:
يقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ
اْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَهُمُ
مِنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَفِى لَا يُشْرِكُونَ
بِ شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ
اَلْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
في هذه الآية نجد أن الله سبحانه
وتعالى قد ربط بين تحقيق الإيمان وحصول
الاستخلاف، ويفهم من هذا الربط أن تحقق
الإيمان شرط أساس لحصول الاستخلاف،
فلا استخلاف دون إيمان(١).
وهذه القاعدة لا تقف عند هذا الحد
فقط، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى كون
الاستخلاف باقيًا ما دام الإيمان متحققًا عبر
الأجيال التي حصل آباؤها على الاستخلاف
في الأرض، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك
من خلال إحدى قصص بني إسرائيل، وهي
تلك التي وردت في سورة الإسراء.
قال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
وَجَعَلْنَهُ هُدَى لِّبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِنْ
دُونِ وَكِيلًا ﴾ ذُرِّيَّةً مَنْ حَمَلْنَا مَعَ
(١) انظر: نور الإيمان وظلمات النفاق، الدكتور
سعيد القحطاني ص٢٣.
www. modoee.com
٤٨٩
حرف التاء
تُوُجُّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ وَقَضَيْنَآ
إِلَى بَنِيَ إِسْرَِّيلَ فِ اَلْكِنَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ
مَرَّتَيْنٍ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوَّا كَبِيرًا ، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ
أُوْلَنْهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ
فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِّ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (٥)
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ
بِأَقْوَلِ وَبَنِينَ وَجَعَلْتَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا ) إِنْ
أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأَتُ فَلَهَا
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُُُواْ وُجُوهَكُمْ
وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَلِيُتَِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٢-٧].
فهذه الآيات تبین أن الله سبحانه وتعالى
قد من على المؤمنين الذين كانوا مع نوح
عليه السلام، بأن نجاهم من الغرق الذي
أصاب الكافرين آنذاك وذلك يعتبر تمكينًا
لهم.
ثم جاء من بعدهم خلفٌ من ذريتهم
أفسدوا في الأرض، فأرسل الله سبحانه
وتعالى عليهم من يهزمهم شر الهزيمة،
وهذا زوال للاستخلاف، وبعد ذلك عاد بنو
إسرائيل لرشدهم وإيمانهم، فأعاد لهم العزة
والهيمنة، وبذلك عاد لهم الاستخلاف.
ثم أخبر القرآن أنهم سيعودون بعد
ذلك إلى الفساد مرة أخرى، وهذا سيؤدي
إلى إهلاكهم مرة أخرى، وهذا يعني زوال
الاستخلاف تارة أخرى عن بني إسرائيل،
ثم يقرر الله سبحانه وتعالى أنه في كل عودة
للکفر والإفساد یزول الاستخلاف، وفي كل
رجعة إلى الله تعالى بالإيمان والإحسان
يرجع الاستخلاف، وهذه القاعدة ليست
خاصة ببني إسرائيل وحدهم، وإنما هي
سنة إلهية تتكرر لكل من أوكل الله سبحانه
وتعالى إليهم مهمة الاستخلاف، يتضح
ذلك من قوله تعالى: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن
تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرَّكُمْ وَيَُّبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
ونصرة الله سبحانه وتعالى تكون
بالجهاد في سبيله، وإعلاء شأن دينه، واتباع
رسوله، وموالاة أوليائه، والتزام أوامره،
واجتناب نواهيه، وهذه من لوازم الإيمان
بالله سبحانه وتعالى (١).
ثانيًا: العمل الصالح:
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ
كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَهُمُ مِنَّ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنَاْ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئَأْ وَمَنْ
كَفَرْ بَعْدَ ذَلِكَ فَأْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾
[النور: ٥٥].
كما هو ملاحظ في هذه الآية، فإن القرآن
قد استخدم أحد أهم وأقوى أساليب التوكيد
وهو الوعد المكافئ للقسم، من أجل تقرير
الوعد الإلهي لمن تحقق فيهم الإيمان مع
(١) انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي
٢٦٦/١.
٤٩٠
صَوْ نُور
القرآن الكَرِيْمِ
التمكين
المداومة على العمل الصالح بالاستخلاف
في الأرض.
وقد دلنا ربنا جل وعلا على الأسس
التي يرتبط على وفقها حصول التمكين
بالعمل الصالح، وهذه الأسس تتمثل في
أنه لحصول العبد على التمكين لابد له
من الجمع بين الإيمان الصحيح والعمل
الصالح.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ
طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
كما تتمثل هذه الأسس أيضًا في أنه من
غرق في المعاصي والذنوب فإن عاقبته
الهلاك وزوال التمكين عنه إن كان من
الممکنین.
قال تعالى في سياق وعيده لأهل مكة
بسبب كفرهم وعصيانهم بالهلاك أسوة لمن
سبقهم من الأقوام الفاسدة: ﴿وَذِينَ كَفَرُوا
فَتَحْسَّالَُّمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ٥ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِمُوا
مَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ ، أَقَلَمْ يَسِيرُوا فِى
اْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ أَذِينَ مِن قَبْلِهِوَّ دَمَّرَ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِينَ أَمْثَلُهَا ﴾ [محمد: ٨-١٠].
وقد جمع ربنا بين الأساسين السابقين
في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكُمْ لَپن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيْنِ كَفَرْتُمْ إِنَّ
عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
وشکر الله سبحانه وتعالى بطاعته وعمل
الصالحات، وكفره بجحود نعمه والانغماس
في الشهوات(١).
ومن الأسس أيضًا أن أفضل الأعمال
الصالحة التي تؤدي إلى حصول التمكين
هي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أمة
التمكين بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ ءَامَنَ
أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ مِّنْهُمُ
اَلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ اَلْفَسِقُونَ﴾ [آل
عمران: ١١٠].
ومن الأسس أن أخطر ما يؤدي إلى زوال
التمكين هو ترك التناهي عن المنكر، وقد
استحق كفار بني إسرائيل اللعنة بسبب ذلك.
قال تعالى: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
بَنِي إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ
مَرْيَهَ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ
٧٨
فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾
[المائدة: ٧٨ - ٧٩].
وقال رسولنا الكريم محمد صلى الله
عليه وسلم: (إنما أهلك الذين من قبلكم
أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه،
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٩/٣.
www. modoee.com
٤٩١
حرف التاء
وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه حدث مع غيرهم من الأقوام، وفي مقدمتهم
الحد)(١).
ومن الأسس أيضًا أنه لابد من المداومة
على العمل الصالح لضمان بقاء التمكين
واستمراره.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًاً
يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَدُّ وَاْلَّيْرُ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَّدِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ
صَلِحَاً إِنِ بِمَا تَعَمَلُونَ بَصِيرٌ وَلِسُلَيْمَنَ
اَلْرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ حَيْنَ
اُلْقِطْرِّ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَیِّهِ.
"وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ
يَعْمَلُونَ لَهُ, مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ
١٢
وَحِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍّ أَعْمَلُواْ ءَالَ
[سبأ:
دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾
١٠ - ١٣ ].
وفائدة الشكر هي استمرار العطاء
للشاكر، وترك الشكر يعني الحرمان مما
يستوجبه الشكر وترك الشكر عليه (٢).
وباستقراء التاريخ يلاحظ أن استخلاف
الله سبحانه وتعالى لعباده اقترن بإيمانهم
وعملهم الصالحات، وذلك كما حدث مع
بني إسرائيل كما هو مبين فيما سبق، وكما
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب حديث الغار، ١٧٥/٤، رقم
٣٤٧٥.
(٢) انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي
٢٤٨/٢.
الصحابة الكرام، والتابعون وتابعوهم
بإحسان، وفي كتب السيرة والتاريخ وغيرها
ما يشهد بذلك.
ثالثًا: الأخذ بالأسباب:
إن العبد مأمور بالأخذ بالأسباب،
ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ
فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].
فالآية تحتوي على أسلوب شرط، وقد
ربط الشرط هنا بين الإيمان بالله والتوكل
عليه -جل وعلا-، واستنادًا إلى تعريف
الشرط بأنه أحد أساليب الخطاب التي تقوم
على الربط بين الشرط وجوابه، فلا يتحقق
الثاني إلا بتحقيق الأول، يمكن القول بأنه
لا يتحقق الإيمان إلا بتحقق التوكل، ومعنى
الآية: ﴿إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَتَوَكَلُواْ
﴿وَعَلَى اللّهِ﴾.
وقد حذف جواب الشرط؛ لأنه تقدم في
الآية ما يدل عليه وهي جملة ﴿فَتَوَكَّلُواْ﴾،
ومن المعلوم أن التوكل على الله سبحانه
وتعالى لا يتم إلا بأمرين هما:
١. الأخذ بالأسباب الممكنة.
٢. ثم تفويض الأمر إلى الله سبحانه
وتعالى مع كامل الثقة به جل وعلا(٣).
ومن ثم فإن الأخذ بالأسباب جزء من
(٣) انظر: جهود الشيخ محمد الشنقيطي في تقرير
عقيدة السلف، عبد العزيز الطوبان ١٦٣/١.
جَوْسُورَةُ النَّقِبـ
القرآن الكريم
٤٩٢
التمكين
التوكل على الله سبحانه وتعالى، وبتركه
يصبح التوكل تواكلًا، والتواكل مذموم،
كما أشار إلى ذلك الخليفة الثاني لرسول
الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، عندما قال لأبي عبيدة ابن
الجراح رضي الله عنه: «أرأيت لو كان لك
إیل هبطت وادیًا له عدوتان، إحداهما خصبة
والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة
رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها
بقدر الله!))(١).
ويستفاد من کلام عمر رضي الله عنه،
ضرورة الأخذ بالأسباب، مع العلم أن
الأخذ بالأسباب من القضاء والقدر.
ولقد علمنا ربنا جل وعلا ضرورة الأخذ
بالأسباب، ونجد ذلك جليًا في قوله تعالى
لمريم عليها السلام: ﴿وَهُزِّىّ إِلَيْكِ يحِذْع
النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًّا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥].
والله سبحانه وتعالى قادر على أن يسقط
الرطب دون أن تقوم الصديقة مريم عليها
السلام بهز النخلة، كما أنه جل وعلا علمنا
أيضًا ألا نستهين بالأخذ بالأسباب وإن بدا
لنا أنه لا تجدي نفعًا، فمن المعلوم أن المرأة
النفساء لا تقوى على هز جذع النخلة، فضلًا
عن أن يتسبب ذلك الهز في إسقاط الرطب،
فذلك يحتاج إلى جهد يفوق ما تقوى عليه
النفساء، ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى
(١) انظر: المصدر السابق ١/ ١٦٣.
أمرها بالهز، كما علمنا جل شأنه كذلك
أن فاعلية الأسباب التي أمرنا بالأخذ بها
مرهونة بمشيئته جل وعلا، فهو المسبب
للأسباب، والقادر على تعطيلها، ويفهم
ذلك من قوله تعالى خلال سرد قصة إبراهيم
عليه السلام: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَأَنْصُرُوَاْ ءَ الِهَتَكُمْ
إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ ﴿ قُلْنَا يَنَاؤُ كُونِ بَدًا وَسَلَمًا
عَلَى إِبْرَهِيمَ ﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٦٩].
كما علمنا أنه سبحانه لو أراد أن يجعل
ما لم تجر العادة بکونه سببًا لجعل منه سببًا
لما أراد أن يكون سببًا له، فهذه العصا التي
سأل الله سبحانه وتعالى موسى عنها فرد
عليه قائلًا: ﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَوُاْ عَلَيْهَا
وَأَهُثُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى﴾
[ طه: ١٨].
فذكر موسى عليه السلام الأسباب التي
اتخذ العصا من أجلها ولم یکن من ضمنها
قلق البحر، ومع ذلك جعلها الله سبحانه
وتعالى سببًا لفلق البحر، وأنقذ المؤمنين من
فرعون وجنوده.
قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِبِ
بِعَصَاكَ الْبَحْرِ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَّوْرِ
اَلْعَظِيمِ ) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ { وَأَّنَا
مُوسَى وَمَن مَّعَهُ: أَجْمَعِينَ ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ﴾
[الشعراء: ٦٣ -٦٦].
هذا بالإضافة جعلها سببًا لتحقيق أمور
أخرى لا تحققها العصا بالعادة، كما علمنا
www. modoee.com
٤٩٣
حرف التاء
ربنا -جل وعلا - أنه واهب الأسباب، وأنه كانوا على دين موسى عليه السلام (٢).
ما على العبد إلا أن يكون صاحب إرادة
لتوظيف هذه الأسباب فیما یرضیه سبحانه
يدل على ذلك:
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِلَهِمَ
فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَنِىَ
الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِء وَأُمِيتٌُ قَالَ
إِبْرَّهِعُمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ
يِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ قَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
وقوله تعالى عن الرجل الصالح الذي
سار معه موسى عليه السلام (١): ﴿وَعَلَّمْنَهُ
مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].
وقوله تعالى عن ذي القرنين: ﴿فَلَمًّا
جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنَهُ ءَائِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن
سَفَرِنَا﴾ [الكهف: ٨٤].
والمفهوم من تلك الآيات وغیرها أن الله
سبحانه وتعالى هو واهب الملك، والعلم،
والقدرة، وسائر الأسباب، وقد فقه أهل
الصلاح ذلك كله لذلك: ﴿قَالَ رَجُلَانِ
مِنَ اُلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْ خُلُواْ
عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ"
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:
٢٣].
والرجلان هما من أهل الصلاح ممن
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ١٩٢.
ولذلك أيضًا رفع رسولنا الكريم محمد
صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء
قبيل غزوة بدر حتى ظهر بياض إبطه
الشريف راجيًا ربه أن ينجز له ما وعده من
النصر (٣)، مستخدمًا بذلك أقوى الأسباب
فاعلية في جلب المصالح ودفع المضار،
ألا وهو سلاح الدعاء الخالص لله سبحانه
وتعالى(٤)، فنصره الله سبحانه وتعالى، ومن
معه من المؤمنين، ولذا أيضًا حفر الرسول
صلى الله عليه وسلم ومعه الصحابة
الكرام رضوان الله عليهم أجمعين الخندق
بأظفارهم وبما توفر لديهم من وسائل يسيرة،
مصدقين بذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم
مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ
مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ
مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا
تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فأيدهم الله سبحانه وتعالى ونصرهم
على الأحزاب(٥)، ولذلك أيضًا حافظ
المسلمون على سنة السواك في معاركهم،
فكان ذلك سببا من أسباب نصرهم على
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠ / ١٨٢.
(٣) انظر: مغازي الواقدي، ١/ ٦٧.
(٤) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز
الحنفي ص٤٦٦.
(٥) انظر: دلائل النبوة، البيهقي ٣٩٩/٣.
٤٩٤
مُوسُوبَةُ التَّقِين
القرآن الكريمِ
التمكين
أعدائهم أصحاب القوة والبأس(١)، والتاريخ
حافل بدلائل التمكين الإلهي للمؤمنين
الآخذين بكل ما توفر لديهم من أسباب
النصر والعزة والغلبة.
رابعًا: العلم:
معلوم أن من أحد أهم عوامل تحقيق
التمكين في الأرض هو العلم، لاسيما وأنه
السبيل إلى الرفعة والهيمنة، وتبيانًا لذلك
يقول ربنا جل وعلا: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنكُمْ وَأَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [المجادلة:
١١].
وقد ربطت الآية الكريمة بين الإيمان
وطلب العلم، وذلك الربط يأتي في إطار
الإشارة إلى أن طلب العلم يؤتي ثماره
الطيبة إذا كان طالب العلم مؤمنًا، فالإيمان
هو الضابط لطالب العلم، فلا يوظف علمه
إلا بما يرضي الله سبحانه وتعالى، كما يعود
بالنفع على البشرية (٢).
ومما يبرز الدور الهام لطالب العلم في
تحقيق التمكين في الأرض هو المضمون
الذي اشتملت عليه آيات القرآن الكريم،
فالله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين
الصادقین بأن یستخلفهم ویمکن لهم دينهم.
قال تعالى: ﴿وَعُدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
(١) انظر: تفسير الشعراوي، ١٩/ ١٩٨٧.
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ
كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُم مِّنُّ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَِّ لَا يُشْرِكُونَ بِىِ شَيْئاً وَمَن
كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾
[النور: ٥٥].
والدين الذي يرتضيه ربنا جل وعلا هو
الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَِدِينًا
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾
[آل عمران: ٨٥].
والإسلام هو الدين الذي جاء به محمد
صلى الله عليه وسلم والأنبياء جميعًا، وإن
أول ما أوحى به الله سبحانه وتعالى لرسوله
محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن هو
الأمر بالقراءة.
قال تعالى: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾
[العلق: ١].
والقراءة تعد من أهم وسائل طلب العلم،
ومن ثم فلا تمکین إلا بإقامة الدین، ولا دین
غير الإسلام، وقد بدأ الإسلام بالدعوة إلى
طلب العلم.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ﴾
[يوسف: ٦٨].
هذه الآية هي ثناء من الله سبحانه وتعالى
على نبيه يعقوب عليه السلام لما حصل من
(٢) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي العلوم، وبالنظر في نصوص القرآن نجد أن
طالب ١١/ ٧٣٦٦.
www. modoee.com
٤٩٥
حرف التاء
يعقوب عليه السلام قد وظف علمه خلال لا شك فيه أن نصيحته هذه تدل على علمه
نصحه لأبنائه، فهذا يوسف عليه السلام بالضرر الذي قد یسبب فيه دخولهم من باب
واحد، وتجنب الضرر يؤدي إلى حصول
التمکین.
يروي لأبيه يعقوب الرؤية التي رآها في
منامه، فنصحه أبوه ألا یقص رؤيته لإخوته
فیکیدوا له.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَآَبَتِ إِنِّ
رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيِّئُهُمْ لِ
سَجِدِينَ (١) قَالَ يَبُنَيَّ لَا نَقْصُصْ رُهْيَاكَ عَلَى
إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ
﴾ [يوسف: ٤ - ٥].
عدومبيري
فيعقوب عليه السلام علم من خلال
سماعه الرؤيا أمرين:
الأول: تأويل الرؤيا.
الثاني: الأثر السلبي الذي قد تتركه
الرؤيا على إخوة يوسف عليه السلام إذا
سمعوا بها، فكانت نصيحته لولده يوسف
عليه السلام تهدف إلى المحافظة على بقاء
اللحمة بين أولا ده، وهذا يؤدي إلى حصول
التمكين.
قائلا لهم: ﴿ وَقَالَ بَبَنِىَّلَا تَدْخُلُواْمِنْ بَاٍ وَاحِدٍ
وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبٍ مُتَفَرِقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنَكُمْ مِنَ
اَللَّهِ مِنْ شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَعَلَيْهِ
فَلْيَتَوََّّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧].
وذلك خوفًا عليهم من العين(١)، ومما
(١) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ١٢ / ١٧٣.
وقال تعالى: ﴿ أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْفِ
السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سبأ: ١١].
يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه داود عليه
السلام في هذه الآية أن يتقن صنعة الحدادة،
وذلك من خلال قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾،
أي: تمهل وترو في السرد كي تحكمه (٢)،
وإتقان الصنعة يؤدي إلى حصول التمكين.
وقال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَمْ
قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَّيِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ
مُكَلِِّينَ تُعَلُّونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِّ أَمْسَكْنَ
عَلَيْكُمْ وَأَذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْءٌ وَأَنَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللّهَ
سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤].
((وانتصاب
الزمخشري:
يقول
﴿مُكَلِِّينَ﴾ على الحال من ﴿عَلَّمْتُمْ﴾، فإن
وفي موقف آخر ينصح أبناءه عندما قلت: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها
أرادوا الخروج من عنده، والتوجه إلى مصر ب ﴿عَلَّمْتُمْ﴾؟
قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح
تحریرًا في علمهمدربًا فیه، موصوفًا بالتکلیب
﴿ُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حال ثانية أو استئناف، وفيه
فائدة جليلة وهي أن على كل آخذ علمًا أن
(٢) معجم وتفسير لغوي كلمات القرآن، حسن
الجمل ٣١٨/٣.
٤٩٦
جَوَسُولَةُ اللَّقية
القرآن الكَرِيْمِ