Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْمُق ◌َد النفسية الموضوعى لِلِقْرَآنِ الْكَرِيْمِ النَّطَوْع عناصر الموضوع مفهوم التطوع ١٩٤ التطوع في الاستعمال القرآني ١٩٧ الألفاظ ذات الصلة ١٩٨ ١٩٩ أنواع التطوع ٢٠٣ الحث على التطوع ٢٠٨ دوافع التطوع في القرآن الكريم ٢١٢ أسس التطوع ٢١٤ عقبات التطوع ٢١٦ مجالات التطوع الاجتماعي في القرآن ٢٢٦ نماذج قرآنية للتطوع الاجتماعي المُجَلَدَ التَّاشِعْ حرف التاء مفهوم التطوع أولًا: المعنى اللغوي: وردت مادة (ط وع) في معاجم اللغة العربية لعدة معانٍ، من أشهرها وأكثرها تداولًا: ١. التنفل: هو التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات؛ فيقال: تنفل: لمن أدى العبادة طائعًا مختارًا دون أن تكون فرضًا عليه(١)، والتنفل والتطوع بمعنى واحد؛ فـ((كل متنفل خير متطوع))(٢)، يقال: صلى نافلة، وصام تطوعًا، وتطوع في لجنة كفالة الأيتام، بيد أن التنفل يستعمل غالبًا مع التطوع التعبدي؛ أما التطوع فيستعمل فيه وفي غيره من التطوع الاجتماعي. ٢. التبرع: يقال: تطوع فلانٌ بالشيء إذا تبرع به (٣)، ويستعمل ذلك غالبًا مع التطوع الاجتماعي. ٣. الانقياد والخضوع: يقال: انطاع لك فلانٌ، أو فلانٌ طوع يديك، أو هو طوع أمرك، إذا انقاد لك وخضع (٤). ٤. الموافقة: فالمطاوعة: الموافقة، ويقال لمن وافق غيره (طاوعه))(٥). ٥. تكلف الطاعة: يقال: تطوع: أي تكلف الطاعة (٦). ٦. الليونة: يقال: ((طاع وأطاع: لان وانقاد، وتطوع، أي: لان))(٧). ٧. الطوع: الذي هو نقيض الكره، يقال: ((لتفعلن هذا الأمر طوعًا أو كرهًا، يعني طائعًا أو كارهًا)»(٨). ٨. الطاعة: التي هي ضد المعصية، يقال: ((إذا مضى في أمرك فقد أطاعك))، والطاعة اسم لأطاع، وفيها معنى الانقياد كذلك(٩). (١) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ١/ ٥٧٠. (٢) القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص ٩٦٢ مادة طاع. (٣) انظر: الصحاح، الجوهري، ١٢٥٥/٣، لسان العرب، ابن منظور، ٢٤٣/٨ (٤) العين، الفراهيدي ٦٦/٣، الصحاح، الجوهري ١٢٥٦/٣، تاج العروس، الزبيدي، ٤٦٢/١٦. (٥) العين، الفراهيدي ٦٦/٣، الصحاح، الجوهري ١٢٥٦/٣. (٦) العين، الفراهيدي، ٦٥/٣، الصحاح، الجوهري ١٢٥٥/٣. (٧) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ١/ ٥٧٠. (٨) انظر: كتاب العين، الفراهيدي، ٣/ ٦٥. (٩) العين، الفراهيدي ٦٦/٣. مُوسُوبة النفسية القرآن الكريم ١٩٤ التطوع ٩. الاستطاعة: بمعنى إطاقة فعل الشيء، يقال: تطاوع لهذا الأمر حتى تستطيعه، وتطوع له، أي: تكلف استطاعته، يعني: زاوله حتى يستطيعه (١). وبتأمل المعاني اللغوية السابقة نلحظ: أن ثمة علاقة وثيقة بين مادة (ط وع) والكلمات المشتقة منها، والمعاني التي تدل عليها تلك المشتقات؛ وأن ثمة تناسب واضح بينها وبين المعنى الأصلي للمادة الذي هو (الانقياد واللین)؛ کیفما قلبت حروفها. فالطاعة مثلًا: فيها معنى الانقياد والخضوع، كما أنها تستلزم من المطيع تكلف الطاعة، ليتدرب على استطاعتها وإطاقتها؛ مع مجاهدة نفسه ليحملها عليها، وليكون هواه موافقًا لمرغوب ربه سبحانه؛ ليحصل له التلذذ بالطاعة بعد ذلك التكلف، وتصدر عنه الطاعة بسهولة ولین. ومثل ذلك: ما يتطوع به العبد تنفلا مما لم يجب عليه من عبادات، أو ما يتبرع به من وقت أو جهد أو مال مسارعة في الخيرات؛ فإن هذا أو ذاك إنما يصدر عنه طوعًا لا كرهًا، ولذا يجد نفسه منقادًا لفعل هذا الخير، فيفعله بسهولة طائعة به نفسه. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لقد عرف العلماء السابقون التطوع بتعريفات متعددة تشمل نوعي التطوع (التعبدي والاجتماعي)، من هذه التعريفات: ما قاله الخليل: ((التطوع: ما تبرعت به مما لا يلزمك فرضه»(٢). وقول الجرجاني: ((التطوع اسم لما شرع زيادة على الفرض والواجبات))(٣). وقول المناوي: (( هو التبرع بما لا يلزم كالنفل)) (٤). لكننا لما وجدنا الذهن ينصرف إلى التطوع الاجتماعي خاصة عند إطلاق مصطلح (التطوع) سنخص (التطوع الاجتماعي) بمزيد بيان في السطور التالية: وبتأمل المعاني اللغوية السابقة: نجد أن التطوع الاجتماعي يتطلب هذه المعاني اللغوية السابقة جميعها؛ فالمتطوع: متبرع بوقته أو بدنه أو ماله أو بهما جميعًا، وهو يقوم بعمل نافلةٍ لا فرضٍ، ثم هو في تطوعه هذا منقاد وخاضع لله سبحانه وتعالى، متكلف ومجاهد نفسه (١) العين، الفراهيدي، ٦٥/٣، الصحاح، الجوهري ١٢٥٥/٣. (٢) العين، الفراهيدي ٣/ ٦٥، تاج العروس، الزبيدي ١٦/ ٤٦٦ (٣) التعريفات، الجرجاني، ص ٥٥. (٤) التوقيف، المناوي، ص٣٥. www. modoee.com ١٩٥ حرف التاء على العمل التطوعي، سهل لين في تعامله مع الفئات المستفيدة من تطوعه (١). ولذا: عرف بعضهم التطوع الاجتماعي بأنه: «كل ما يقدمه الفرد من خدمات للآخرين بلا أجر مادي، سواء كان ما يبذل علمًا، أو مالًا، أو وقتًا، أو جهدًا بدنيًا، أو رأيًا، أو غيرها مما يملكه الفرد ويحتاجه الآخرون»(٢). وعلى الرغم من كثرة التعريفات للتطوع: إلا أن الباحث یستحسن تعریف الدكتور محمد القاضي له بأنه: ((كل جهد بدني أو فكري أو عقلي أو قلبي يأتي به الإنسان أو يتركه تطوعًا دون أن يكون ملزمًا به لا من جهة الشرع ولا من غيره))(٣). لأن هذا التعريف يدخل فيه ((التطوع بالترك)) وأعني به الأعمال التطوعية التي يتركها الإنسان ابتغاء الأجر والثواب من الله تعالى دون أن يكون ملزمًا بتركها، كالتنازل عن الدية، ونصف المهر للمطلقة قبل الدخول، ونحو ذلك مما يترك تطوعًا، والتي سنأتي عليها بشيء من التفصيل في ثنايا هذا البحث بمشيئة الله تعالى. فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن بعض معانيه اللغوية. (١) انظر: التربية على العمل التطوعي وعلاقته بالحاجات الإنسانية، عبداللطيف الرباح، ص٤-٥. (٢) المصدر السابق، ص٥. (٣) الأعمال التطوعية في الإسلام، محمد القاضي، ص٣. ١٩٦ القرآن الكَرِيْمِ التطوع التطوع في الاستعمال القرآني وردت مادة (طوع) في القرآن بصيغتين، بلغت(٣) مرات(١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل المضارع ٢ ١٩٨) [ البقرة: ١٥٨] ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرْ عَلِيمٌ ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اسم الفاعل ١ فِي الصَّدَقَتِ﴾ [التوبة:٧٩] الأصل في التطوع: تكلف الطاعة، ثم غلب استعماله على التنفل بما لا يلزم من العبادات، ولم يخرج في الاستعمال القرآني عن هذا المعنى (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٣٠-٤٣١، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص ٧٢٥- ٧٢٦. (٢) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٢/ ٤٢٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٥١٩/٣-٥٢٠. www. modoee.com ١٩٧ حرف التاء الألفاظ ذات الصلة الخير: ١ الخير لغة: الخير: ضد الشر (١). الخير اصطلاحًا: الخير: ما يرغب فيه الكل، كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع (٢). الصلة بين التطوع والخير: يمكننا تلخيص الصلة بين (التطوع) و(الخير): بأن الخير يشمل الواجب وغيره من نفل ومندوب، أما التطوع؛ فإنه يقتصر على ما لم يجب؛ فهو: ((اسم لما شرع زيادة على الفرض والواجب))، أو: ((هو التبرع بما لا يلزم)) كما صرح بذلك الخليل والمناوي(٣). والعمل التطوعي يندرج تحت عموم فعل الخير المأمور به في الكتاب والسنة؛ فكل من فعل معروفًا أو خيرًا لا يلزمه، يبتغي بذلك الأجر من الله عز وجل عد عمله هذا عملًا تطوعيًا. الإحسان: ٢ الإحسان لغة: مصدر حسن، والحسن: ضد القبح ونقيضه، والإحسان: ضد الإساءة (٤) الإحسان اصطلاحًا: إتقان الأعمال، والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل منه(٥). الصلة بين التطوع والإحسان: أن الإحسان قد يكون واجبًا وقد يكون غير واجب، أما التطوع فلا يكون واجبًا؛ إذ الإيجاب والإلزام يفقد التطوع معناه. (١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ١١/ ٢٣٨. (٢) روح البيان، إسماعيل حقي ٧/ ٣٤٨. (٣) انظر: العين، الفراهيدي، ٦٦/٣، التوقيف، المناوي، ص٣٥. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١١٧/١٣. (٥) التفسير المنير، الزحيلي ١٤/ ٢١٢. ١٩٨ صَوَسُورَةُ النَّفِيَّ القرآن الكريم التطوع أنواع التطوع إن مفهوم التطوع في القرآن الكريم يتسع ليشمل نوعي التطوع الرئيسين (التعبدي والاجتماعي)؛ إذ التطوع بمختلف ميادينه يندرج تحت عموم ((فعل الخير)) المأمور به في غير آية من القرآن الكريم؛ لعل أجمعها قوله سبحانه: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]؛ بل إنه يعد من أسمى صور التعاون على البر والتقوى، الذي حث عليه القرآن الكريم في قوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَىّ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْرِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢]. وفضلًا عن ذلك: فإنه يعد صورة من صور شكر المنعم سبحانه وتعالى على نعمه وآلائه؛ حيث قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة)(١). والتطوع ينقسم إلى نوعين رئيسيين، هما: (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب من أخذ بالركاب ونحوه، رقم ٢٨٥٦. الأول: التطوع التعبدي: والذي يمكننا أن نعرفه-في ضوء التعريف اللغوي للتطوع المذكور سابقا - أنه: ((عبادة زائدة عن الفرض یتقرب بها العبد لربه سبحانه وتعالى، رغبة في نيل رضاه سبحانه ومحبته)». يعني: ما يفعله العبد من الشعائر التعبدية المعروفة كالصلاة والصيام والحج، ونحوها، تطوعًا من غير فريضة. وهذا النوع من التطوع يصدق فيه قول الله عز وجل في الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)(٢). ومما ينبغي ملاحظته هنا: أن ثمرة التطوع التعبدي وإن كانت تعود على المتطوع نفسه بالمقام الأول، إلا أن للمجتمع فيها نوع فائدة تتمثل في أثر هذه العبادات في نفس المتطوع وخلقه؛ ففي ذلك نفع للمجتمع لا يخفى. وباستقراء آيات القرآن الكريم نجد: أن ((التطوع)»(٣)، قد ورد فيها مرتين بصيغة الفعل المضارع ((تطوع)»: الأولى: في قوله تعالى ﴿﴿ إِنَّ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعَابِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم ٦١٦٤. (٣) الذي هو فعل غير الواجب بلا مقابل. www. modoee.com ١٩٩ حرف التاء فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَأْ وَمَن تَطَوَّعَ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: من فعل خيرًا - أيًا كان خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرْ عَلِيمٌ (*)﴾ [البقرة: ١٥٨]. والثانية: في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْ لَّهُ ﴾ [البقرة: ٤ كما ورد مرة ثالثة بصيغة اسم الفاعل (المطوعين)) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُعَلَّوَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَمْ عَذَابٌ ﴾ [التوبة: ٧٩]. ٧٩ أَلِيمُ و أما الآية الأولى: فقيل في المراد بالخير فيها: إنه الزيادة على الطواف شوطًا ثامنًا وتاسعًا، وقيل: المراد به الطواف بين الصفا والمروة في حجة تطوع أو عمرة تطوع. وقيل: ليس المراد بالخير هنا خصوص السعي وإنما هو حكم كلي يعم كل أفعال الخير، فيشمل كل ما ليس بفرض من صلاة أو زكاة أو صيام، أو أي نوع من أنواع الطاعات؛ لأن ﴿خَيْرًا﴾ نكرة وردت في سياق الشرط فتفيد العموم، ولذلك عطفت بالواو دون الفاء؛ لئلا يكون الخير قاصرًا على الطواف بين الصفا والمروة، ولذا رجح كثير من المفسرين إفادة ﴿خَيْراً﴾ لعموم فعل الخير من الطاعات والنوافل ولم يقصروها على خصوص السعي. ﴿وَمَن وعليه: فيكون معنى قوله تعالى: هذا الخیر- فإن الله عز وجل يجزيه خيرًا منه؛ لأنه سبحانه ﴿شَاكِرُ﴾ لا يضيع أجر المحسنين: ﴿عَلِيمُ﴾ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء(١). وأما الآية الثانية: فقيل في المراد بالخير الأول فيها في قوله تعالى ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾: إنه خصوص الصوم، يعني: أن الصوم مع وجود الرخصة في الفطر أفضل من تركه، وقيل: المراد به أن الزيادة على إطعام مسكين أفضل من الاقتصار عليه(٢). وقد رجح ابن عاشور هذا القول الثاني قائلًا: ((لا شك أن الخير هنا متطوعٌ به؛ وهو الزيادة من الأمر الذي الكلام بصدده وهو الإطعام لا محالة، وذلك إطعام غير واجب فيحتمل أن يكون المراد: فمن زاد على إطعام مسکینٍ واحد فهو خير، أو أن يكون: من أراد الإطعام مع الصيام فهو خير))(٣). وأما ﴿خَيْرٌ﴾ الثاني في قوله تعالى: ﴿فَهُوَخَيْرٌلَهُ,﴾؛ فيجوز أن يكون المراد به: خيرًا آخر أي خير الآخرة، ويجوز أن يكون المراد به التفضيل، أي: فالتطوع بالزيادة أفضل من تر کھا (٤). (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور٢/ ٦٤، في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/ ١٥٠. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ٦٤/٢. (٣) المصدر السابق، ١٦٧/٢ - ١٦٨. (٤) المصدر السابق، ٢/ ١٦٨. ٢٠٠ مُوسُو ◌َةُ النَّطِّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التطوع وأما الآية الثالثة: فقد نزلت بسبب حادث حدث في مدة نزول السورة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وجاء عاصم بن عدي بأوسقٍ كثيرة من تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر؛ فقال المنافقون: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا ریاءً، وأحب أبو عقيل أن یذکر بنفسه ليعطى من الصدقات؛ فأنزل الله فيهم هذه الآية (١). الثاني: التطوع الاجتماعي: وهذا النوع من التطوع هو المراد غالبًا عند إطلاق نحو مصطلح: العمل التطوعي، العمل الخيري، العمل الاجتماعي، وهي مصطلحات تدل على: «کل جهد بدني أو فکري أو عقلي أو قلبي يأتي به الإنسان أو يتركه تطوعًا دون أن يكون ملزمًا به لا من جهة الشرع ولا من غيره؛ ليحقق به نفعًا لغیرہ دون عوض مائي». العلاقة بين التطوع الاجتماعي والتطوع التعبدي: ثمة علاقة وثيقة بين التطوع التعبدي، والتطوع الاجتماعي؛ فالتطوع التعبدي وإن كان يخص (العبادات المحضة) من صلاة (١) انظر: أسباب النزول، الواحدي، ص١٠٣، الدر المنثور، السيوطي، ٢٤٩/٤، التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٦٧/٢. وصيام وحج، ونحوها، مما يتقرب به العبد لربه سبحانه ابتغاء مرضاته ومحبته، فكذلك التطوع الاجتماعي يتحول بالنية الصالحة إلى (عبادات غير محضة) ينال بها العبد رضا ربه سبحانه وتعالى ومحبته. ومن ثم كان هذا النوع من التطوع خلق الأنبياء والمرسلين، وشعار الصالحين من عباد الله أجمعين: فقد رغب نبينا صلى الله عليه وسلم في الأعمال التطوعية قولًا وعملًا؛فشارك بنفسه تارة في بعض الأعمال التطوعية: كحلف الفضول (٢)، وإعادة بناء الكعبة(٣)، وبناء مسجد المدينة (٤). وتارة أخرى: رغب فيها قولًا في كثير من أحاديثه الشريفة: حتى أنه صلى الله عليه وسلم قد جمع لنا في حديث واحد أصنافًا من الأعمال التطوعية، كـ: الصلح بين المتخاصمين، ومساعدة المحتاج، والكلمة الطيبة، وإماطة الأذى عن الطريق، وإرشاد الضال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، وإفشاء السلام، وغيرها(٥) ترغيبًا لنا (٢) السيرة النبوية، ابن هشام، ٨٧/١. (٣) المصدر السابق، ١٢٤/١. (٤) انظر القصة في: صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، رقم ٤٢٨. (٥) كما أن سياق الحديث- المشار إليه- يدل على: أن هذه الأعمال إنما هي بمثابة الشكر للمنعم سبحانه وتعالى، الذي وهب الإنسان www. modoee.com ٢٠١ حرف التاء في فعلها. وتارة ثالثة: نجده صلى الله عليه وسلم يكرم أصحاب الأعمال التطوعية ويهتم بشأنهم، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رجلًا أسود، أو امرأةً سوداء،كان يقم المسجد؛ فمات، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني به؟ دلوني على قبره، أو قال: قبرها، فأتی قبرها فصلی علیھا)(١). بل بين لنا صلى الله عليه وسلم: أن هذه الأعمال لا يقتصر مجالها على الإنسان فحسب؛ وإنما تشمل الحيوان والطير کذلك؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (في کل ذات كبد رطبة أجرٌّ)(٢). وموسى عليه السلام: سقى للفتاتين وهو الغريب الذي لا يعرف ولا يعرف(٣). والخضر: أقام جدار الغلامين اليتيمين حفظًا لمالهما بدون أجر (٤). وذو القرنين: بنى السد تطوعًا(٥). نعمة الصحة والعافية، وأن كلها أعمال تطوعية، لا سيما وأن نافلة الضحى تجزيء عنها. (١) انظر القصة في: صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، رقم ١٦٥١. (٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، رقم ٢٢٦٢. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٨٥/٥- ٢٦٨٨. (٤) انظر: المصدر السابق ٤ / ٢٢٨٠-٢٢٨١. (٥) انظر: المصدر السابق ٤/ ٢٢٩٢-٢٢٩٤ ویوسف عليه السلام: تطوع بتفسير رؤيا الملك دون أن يشترط لنفسه شيئًا (٦). والصديق رضي الله عنه: حلب لجواري الحي منائحهم (٧)، وتعهد سرًا امرأة عمياء يقضي لها أشغالها (٨). وذو النورين رضي الله عنه: اشترى بئر رومة وأوقفها على المسلمين (٩). وعلي رضي الله عنه: كان يكنس بيت مال المسلمين بنفسه(١٠). وبذلك يكون قد تبين لنا بجلاء: أن التطوع الاجتماعي كان خلقًا أصيلًا عند الأنبياء والمرسلين والصالحين من عباد الله أجمعين. (٦) انظر: المصدر السابق ٤/ ١٩٩٢ -١٩٩٥. (٧) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد، طبقات البدريين من الأنصار، ١٨٦/٣. (٨) انظر: الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ١/ ٣٩٧. (٩) انظر: سنن الترمذي، أبواب المناقب عن رسول الله صلی الله عليه وسلم، باب اثبت حراء فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، رقم ٣٧٩٠، وقال: حسن صحيح غريب. (١٠) انظر: فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، فضائل علي بن أبي طالب، رقم ٨٧٤،٩٠٥. جَوَس ◌َة النفسية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٠٢ التطوع الحث على التطوع لقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في الحث على التطوع، ما بين أمر بالمبادرة إليه، والثناء على فاعله، وبيان أنه أهل لمحبة الله تعالى ورضوانه، ووعده بالثواب العظيم، وما بين ذم لضد من هم على هذه الصفات من المثبطين للهمم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، وسنزيد ذلك بیانًا فيما يلي: أولًا: دعوة القرآن للتسابق في العمل التطوعي: لقد تنوع الخطاب القرآني في الدعوة إلى التسابق في فعل الخير على سبيل العموم؛ فتارة: أمر سبحانه باغتنام الفرص عن طريق المنافسة والمسارعة إلى فعل الخير وإيقاعه على أكمل الأحوال قبل فوات الأوان. وتارة أخرى: قص علينا نماذج عملية للتسابق في فعل الخير. وفي ثالثة: مدح أقوامًا اغتنموا الفرص وسارعوا إلى فعل هذه الخيرات. فمن الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ رِجْهَةُ هُوَ مُوَلِّهَا فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَكِن لِّيَبْلُوَّكُمْ فِي مَآ ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ اُلْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] فـ«الاستباق)»: يعني التسابق، وهو يطلق مجازًا على المنافسة؛ لأن الفاعل للخير لا يمنع غيره من أن يفعل مثل فعله أو أكثر؛ فشابه التسابق، والمراد به هنا: المعنى المجازي وهو الحرص على فعل الخير والإكثار منه؛ فإن المبادرة إلى الخير محمودة، ومن ذلك: فضيلة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ﴾ [الحديد: ١٠]. ومن الثانية: قوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. فهذه الآية الكريمة: تشير إلى أنهم تنافسوا - بل وتنازعوا-في شأن كفالة مريم حين ولدت، وأنهم استهموا لأجل الفوز بذلك الفضل؛ ولمعرفة أيهم ستكون مريم في كفالته وتحت كنفه ورعايته (١). وقوله سبحانه: ﴿قَالَ بَيُّهَا الْمَلَوُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ ﴿ قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ اَلْجِنِّ أَنَاْ ءَاِكَ بِه قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِ عَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ ﴾ قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلٌ مِنَ الْكِتَبِ أَنَا مَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٣٨- ٤٠]. فهنا أيضًا: صورة من صور التنافس في فعل الخير؛ وكلا المتنافسین یعرض مهاراته (١) روح المعاني، الألوسي، ١٥٩/٣. www. modoee.com ٢٠٣ حرف التاء ومقوماته الشخصية التي تؤهله للفوز بهذا ثانيًا: وعد المتطوع بالثواب العظيم: الشرف. ومن الثالثة: مدحه عز وجل لطائفة من أهل الكتاب بأنهم: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَّرِّ وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١)﴾ [آل عمران: ١١٤]. ومدحه لزكريا عليه السلام وأهله بأنهم: ﴿كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. فالقاسم المشترك بين المذكورين في الآيات السابقة والذي كان من جملة ما استحقوا لأجله هذا الثناء من رب الأرض والسماء هو أنهم ﴿كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ﴾ أي: يعملونها مبادرين غير متثاقلین، أو يجدون في طاعة الله ويتسابقون في فعل الطاعات وعمل الصالحات، أو يبادرون إلى أبواب الخير (١). كما ذكر سبحانه: أن المسارعة لفعل الخير من أخص صفات عباده المؤمنين؛ فقال سبحانه: ﴿أُوْلََّكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِّ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ ﴾ [المؤمنون: ٦١]. أي: لأجلها فاعلون السبق، أو سابقون الناس إلى الطاعة (٢). (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٦/ ١٤٠، صفوة التفاسير، الصابوني، ١٢٨/١، ١٨٠/٢. (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٠٧/٢، صفوة مما لا شك فيه: أن العمل التطوعي يندرج تحت عموم فعل الخير والعمل الصالح الموعود صاحبه بالثواب العظيم في آيات عديدة من القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدَا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ [البينة: ٧-٨]. يعني: أن المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح هم خير الخليقة التي خلقها الله تعالى وبرأها، وأن جزاء ما قدموه من إيمان وعمل صالح﴿جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن ثَمْهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا﴾ ولهم زيادة على ذلك رضوان الله تعالى عليهم؛ فقد ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بما قدموا في الدنيا من طاعات وأعمال صالحة، ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من الخيرات والكرامات، ثم ذيلت الآية بقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ لبيان أن الحسنة هي ملاك الأمر والباعث على كل خير(٣). كما بين الحق تبارك وتعالى: أن كل أعمال الإنسان ستكون عاقبتها الخسارة التفاسير، الصابوني، ٢١٩/٢. (٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣١٣/٢، البحر المديد، ابن عجيبة، ٨/ ٣٣٦، صفوة التفاسير، الصابوني ٥٨٣/٣. ٢٠٤ مَوَسُوبَةُ الْبَعِيد القرآن الكريم التطوع والبوار إلا الأعمال الصالحة؛ فقال تعالى: كـ: (الصدقة، والمعروف، والإصلاح بين الناس)؛ فالنجوى: هي المسارة في الحدیث. ﴿وَاَلْعَصْرِ )) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ )) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: ١-٣]. ففي هذه السورة الكريمة: أقسم سبحانه بالعصر، وهو الدهر والزمان لأنه رأس عمر الإنسان، أو بصلاة العصر لفضلها وشرفها على أن الإنسان في خسران لتفضيله العاجلة على الآجلة ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّلِحَتِ ﴾ أي: إلا من جمعوا بين الإيمان وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ والأعمال الصالحة، وهو الخير كله من الإيمان التصديق وعبادة الرحمن، ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ﴾ على الطاعات والشدائد وترك المحرمات؛ فهؤلاء وحدهم هم الفائزون (١). کما وعد سبحانه کل من يأتي بشيء من ذلك الخير الذي رغب فيه القرآن الكريم لََّخَيْرَ بالأجر العظيم؛ فقال عز وجل: ﴿ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَح بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتٍ اُللَّهِ فَسَوْفَ نُوْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١)﴾ [النساء: ١١٤]. يعني: لا خير في كثير من محاورات الناس وأحاديثهم التي يسرونها فيما بينهم، إلا ما اشتمل منها على دعوة إلى فعل خير (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ، ١٧٩/٢٠، البحر المديد، ابن عجيبة، ٣٤٩/٨، صفوة التفاسير، الصابوني، ٥٣/٣. والمقصود من الآية: التربية الاجتماعية للمسلم، فإن شأن المحادثات، والمحاورات أن تكون جهرة، فلا يصار إلى المناجاة إلا في أحوال شاذة يناسبها إخفاء الحديث، ومعنى ﴿لََّخَيْرَ﴾ أنه شر، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به إثبات نقيضه، كقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ﴾ [يونس: ٣٢]. وقد نفت الآية الخير عن كثير من نجواهم، فعلم من مفهوم الصفة أن قليلًا من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فیما فيه نفع، کالتشاور في أمر نكاح ونحوه. والاستثناء في قوله ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ على تقدير مضاف، أي: إلا نجوى من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس.، وهذه الثلاثة المستثناة: لو لم تذكر لدخلت في القليل من نجواهم الثابت له الخیر، فكان ذكرها للعناية والتنويه بشأنها. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبْتِغَآءَ مَرْ ضَاتِ اَللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْنِيهِ أَجْرًاً عَظِيمًا﴾ وعدٌ بالثواب على فعل المذكورات إذا كان لابتغاء مرضاة الله تعالى؛ فدل على أن کونها خيرًا وصف ثابت لها لما فيها من المنافع، www. modoee.com ٢٠٥ حرف التاء ولأنها مأمور بها في الشرع، إلا أن الثواب مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة» (٢). لا يحصل إلا عن فعلها ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات)(١). كما بين لنا القرآن الكريم: أن أي عمل من أعمال الخير والبر مهما دق في عين صاحبه فإنه يثاب عليه إذا كان خالصًا لوجه وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ قال سبحانه: مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ () وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْفَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ الكريم موافقًا للشرع الحكيم؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ خيرًا يَرَّهُ (٧) [آل النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ شَرَّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: ٧-٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِنْ لَّدُنَّهُ أَجْرًّا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٤٠]. ٤٠ فهاتان الآيتان الكريمتان تشيران إلى: أن الله تعالى لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة، ولا كبيرة، خيرًا كانت أم شرًا، من مسلم کانت أم من کافر، لاسیما إذا كانت الذرة لا وزن لها. فمن يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرًا يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة ويتجاوز عنه، وإن عمل (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم ١. وانظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٩٨/٥. ثالثًا: القائمون بالأعمال التطوعية أهل لمحبة الله تعالى ورضوانه: عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. والعفو عن المسيء يعد من جملة التطوع بالترك، كما سيأتي لذلك مزيد بيان- بمشيئة الله تعالى-عند حديثنا عن مجالات التطوع الاجتماعي في القرآن الكريم. رابعًا: ذم أولئك الذين يحول داعي الشح والبخل بينهم وبين التطوع: لقد ذم الله تعالى البخل في غير آية من وعليه قال ابن عباس رضي الله عنه: (( كتابه الكريم، وبين أنه قد يحمل صاحبه على الإمساك عن إخراج الواجب؛ فضلًا عن المستحب، وأن أولئك الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله على المحاويج من عباده، قد أضروا بدينهم ودنياهم. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحَْبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرَهُّ بَلَّ هُوَ شَرٌّ لَّ (٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ٢٠/ ٤٥٠. ٢٠٦ القرآن الكريم التطوع سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَ لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٧)﴾ [آل عمران: ١٨٠]. فالآية هنا تبين لأولئك البخلاء حال البخل وشؤم عاقبته، وتخطئة أهله في توهم خیریته، کما أكدت أن البخل شرٌ لهم؛ إذ التنصيص على شريته هنا مع فهمها من نفى الخيرية إنما ورد للمبالغة (١). وفي تذييل الآية بقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ مِيرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تنبيه لأولئك الغافلين إلى أن ثمة شيء من رواسب الجاهلية قد ران على قلوبهم، وأن تلك الرواسب تتنافى مع نور الإيمان الذي يدرك معه المؤمن أن ما استخلفه الله علیه في هذه الدنيا إنما هو ملكية مجازية، وأن الملكية الحقيقية المطلقة لله الواحد القهار خالق القوى والقدر، فهو سبحانه له ميراث السموات والأرض؛ فتدفع تلك العقيدة المؤمن دفعًا لإنفاق المال تطوعًا في سبيل الله عن اطمئنان ورضا، ((أما حين يقفر القلب من نور الإيمان الصحيح، فالشح الفطري يهيج في نفسه كلما دعي إلى نفقة أو صدقة، والخوف من الفقر یتراءی له فيقعد به عن البذل، فيبقى سجين شحه وخوفه بلا أمن ولا قرار (٢). (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود: ١٢٠/٢. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٤٣٧/٥. وفي ختام هذا المبحث أود أن أشير لأمرین: أولهما: أن الأعمال التي قد تعد من قبيل المشترك الإنساني والتي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات؛ كمساعدة الفقراء والمحتاجين ونحو ذلك، أضفى عليها الإسلام مفهومًا خاصًا ينبع من شموليته؛ ويؤكد على استقلال هوية من يدينون به؛ فمساعدة الفقراء والمحتاجين مثلًا، والتي قد تأخذ في بعض المجتمعات مسمى (المعونات) أو نحوه، سماها الإسلام (صدقة) وجعلها لا تقتصر على إعطاء الفقير والمحتاج فقط؛ وإنما تتسع لتشمل الكثير من أعمال الخير والبر كـ: العدل بين المتخاصمين، وإماطة الأذى عن الطريق، وغيرها من أفعال الخير التي لا تحصى. ثانيهما: أن ديننا الإسلامي قد أعلى من شأن الأعمال التطوعية، عندما قرن حبيبنا صلى الله عليه وسلم بين بعض مجالاتها وبين الإيمان؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون-أو بضع وستون-شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)(٣). (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، رقم ٨٠. www. modoee.com ٢٠٧ حرف التاء دوافع التطوع في القرآن الكريم لقد أسلفنا في فاتحة هذا البحث أن العمل التطوعي يدخل في عموم فعل الخير المأمور به في كثير من آيات القرآن الكريم: التي من أجمعها قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْ كَمُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: ٧٧]. فـ ﴿الْخَيْرَ﴾ هنا أعم من الطاعة الواجبة والمندوبة؛ يعني: افعلوا كل ما يصح أن يطلق عليه لفظ ((خير)) من الصلة، والإحسان، وحسن المعاملة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وسائر مكارم الأخلاق(١). ومن ثم كانت هذه الدعوة القرآنية ﴿وَفْعَلُواْ أَلْخَبْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تصلح أن تكون بمفردها دافعًا رئيسًا يدفع المسلم دفعًا للمساهمة في الأعمال التطوعية ابتغاء الأجر من الله تعالى. وفي ضوئها: يمكننا تلخيص الدافع الرئيس الذي يدفع المسلم للقيام بالأعمال التطوعية، ويميزه عن غيره ممن يقومون بمثل هذه الأعمال في: نيل رضا الله تعالى ومحبته، وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه. (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١٢١/٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٤٦/١٧. ويعد العمل التطوعي: أولًا: من أسمى صور التعاون على البر والتقوى المأمور بهما شرعًا. في نحو قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْبِ وَالنَّقْوَىَّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢]. فالبر لغة: يعني التوسع في فعل الخير، كما أسلفنا، وهو في الآية يعني: الصلة والخير والاتساع في الإحسان والصدقة، وسائر أعمال الخير المقربة إلى الله تعالی(٢). ثانيًا: صورةً من صور شكر المنعم سبحانه وتعالى. فالشكر الحقيقي يكون باللسان قولًا، وبالجوارح عملًا؛ فيبذل العبد جوارحه في طاعة المنعم سبحانه، ويكفها عن معصيته. قال تعالى حكاية عن داود وسليمان وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُدَ مِنَّا عليهما السلام: فَضْلاً يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَدُ وَالطَّيْرٌ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ أَعْمَلْ سَبِفَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ ١٠ وَلِسُلَيْمَنَ ١١ صَلِحًا إِنِِّ بِمَا تَعَمَلُونَ بَصِيرٌ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِّ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَیَّهِ. وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمِْنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ، مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٣٥/١. ٢٠٨ جوى القرآن الكريم التطوع وَحِفَانٍ كَلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ: ١٠- القضية-ضرورة احترام الوقت، وأهميته في حياته. ١٣]. فبعد أن عدد سبحانه نعمه على داود وسليمان عليهما السلام، عقب ذلك بقوله سبحانه: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ أي: اشکروا یا آل داود ربكم على هذه النعم الجليلة واعملوا بطاعته شكرًا له سبحانه: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ أي: وقليل من العباد من يقوم بهذا الشکر، ولعل حديث السلامى المشار إليه -سابقًا- يؤيد هذا المعنى ويؤكده. ثالثًا: وسيلة مهمة لاستثمار الوقت. الذي يستشعر المسلم قيمته وأهميته في حياته، عندما يتدبر القسم الوارد في القرآن الكريم في نحو قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى )) وَأَلَيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى )﴾ [الضحى: ١- ٣]. وغيرها من الآيات الكريمة التي يقسم فيها ربنا سبحانه بالزمن أو أجزائه. وعندما يتدبر إشارة القرآن الكريم إلى تعاقب الليل والنهار على الإنسان؛ ليعمل في النهار، ويستريح في الليل، وأن ذلك آية من آياته سبحانه؛ وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَ مِنْ ءَايَِهِ، مَنَامُكُمْ بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَبْتِغَا ؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِةٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ [الروم: ٢٣]. فيفهم المسلم-من التنصيص على تلك وفضلاً عن هذا وذاك: فإن في كتاب الله تعالى ما يدفع المسلم دفعًا لاستثمار كل لحظة من لحظات عمره فيما يعود عليه بالنفع في دينه ودنياه، عندما يقرأ نحو قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُوْ أَمْوَلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ وَأَنْفِقُواْ مِنْمَّا رَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدُكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّفَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ، وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ [المنافقون: أَجَلُهَا وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ٩-١١]. أقول: لو استشعر المسلم تلك اللحظة التي قد يتمنى فيها مهلة قصيرة يقدم فيها عملاً صالحًا، بعد أن ضيع عمرًا طويلًا هدرًا؛ لدفعه ذلك دفعًا لاستثمار كل لحظة من لحظات عمره فيما يعود عليه بالنفع في دینه و دنياه. ثم إن مما ينبغي التأكيد عليه في معرض حديثنا عن دوافع التطوع: أنه إن كانت ((الراحة النفسية التي يشعر بها المتطوع من جراء مساعدة الآخرين دون مقابل، أو الرغبة في زيادة احترام الذات، أو الرغبة في شغل أوقات الفراغ))(١) ((أو اكتساب مهارات (١) انظر: التربية على العمل التطوعي، www. modoee.com ٢٠٩ حرف التاء وخبرات جديدة قد يحتاجها المتطوع مستقبلًا في حياته العملية، والتي قد لا تتوفر له إلا من خلال مراكز التطوع)» (١)، أو غيرها من الدوافع الأخرى هي التي تدفع المتطوعين للتطوع في مختلف المجالات والميادين؛ فإنا نجد المسلم: وإن شاركهم فيها أو في بعضها يتميز عنهم بدافع آخر اكتسبه من هويته الإسلامية؛ فتمیز به على سائر المشتغلين بالعمل التطوعي، وهو الدافع الذي أشرنا إليه من قبل وهو: (نیل رضا الله تعالى ومحبته وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه). وهو الذي تشهد له نصوص القرآن الكريم. فالمستقرئ لنماذج التطوع الاجتماعي المبسوطة في القصص القرآني يجد أن القاسم المشترك بين أبطال هذه الأعمال التطوعية والدافع الرئيس الذي دفعهم للقيام بها هو: ابتغاء الأجر من الله تعالى وحده سبحانه. فموسى عليه السلام: سقی للفتاتین و هو الغريب الذي لا يعرف ولا يعرف ﴿ فَسَقَى لَهُمَاثُمَّ تَوَلَّ إِلَى الظِّلِ﴾ [القصص: ٢٤]. سقى لهما ولم ينتظر أجرًا على ما فعل، لم ينتظر منهما جزاء ولا شكورًا؛ وما دفعه إلى ذلك إلا ما أودعه الله تعالى في قلبه وفطره عليه من حب الخير والمسارعة فيه ابتغاء رضا ربه ومولاه. والخضر: لما أنكر عليه موسى بناء الجدار بدون أجر وقال له: ﴿لَوْشِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. قال له: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَبْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]. أي: هذا وقت الفراق بيننا حسبما قلت أنت: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصُحِبْنِ﴾ [الكهف: ٧٦]. إن دافعه لبناء الجدار أكبر وأعظم من الأجر الدنيوي، إنه طاعة ربه سبحانه وابتغاء فضله ورحمته. وذو القرنين: لما قالوا له ﴿فَهَلْ تَجْعَلُ لَكَ خَرْحًا﴾ أي: نفرض لك جزءا من أموالنا ضريبة وخراجًا ﴿عَلَى أَنْ تَّْعَلَ بَيْنَا وَبْنَهُ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤]. أي: لتبني لنا سدًا يحمينا من شر يأجوج ومأجوج؛ رد عليهم ردّا ينبئ عن شهامة الرجال، ويبرز معدن أهل الصلاح؛ حيث رفض قبول المال وتطوع ببناء السد، واكتفى بمعونة الرجال له في البناء؛ فقال: ﴿مَامَكَّنِی فِيهِ رَبِى خَيْرٌ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَّكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَوْمًا﴾ [الكهف: ٩٥]. أقول: إن المستقرئ للآيات الكريمة التي تحكي لنا القصص المشار إليها آنفًا: يجد أن الدافع الرئيس الذي يجمع بين من عبداللطيف رباح، ص ١٠. (١) تفعيل العمل التطوعي، صالح التويجري، ص قاموا بتلك الأعمال المشار إليها في الآيات ٣. ٢١٠ لِلْقُرآن الكَرِيمِ التطوع السابقة هو: نيل رضا الله تعالى ومحبته عند المسلم هو (نيل رضا الله تعالى ومحبته وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه. بل إن المستقرئ لآيات القرآن الكريم يجد هذا الدافع متأصلًا في کل دعوة خير وصلاح في القرآن الكريم؛ خذ مثلاً: قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَىِ الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ, يَتَزََّى (٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تَجْرَى (٢) إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَ﴾ [الليل: ١٧ - ٢٠]. أي: لا يفعل ذلك مكافأة لأحد على نعمة أنعمها عليه، وإنما إنفاقه لوجه الله وابتغاء مرضاته(١). وقوله تبارك اسمه: ﴿وَيُطْعِمُونَ اَلَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَبَتِيمًا وَأَسِيرًا ، إِنّا نُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا تُبِدُ مِنْكُوْ جَزَّةَ وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨-٩]. أي: ويطعمون الطعام مع حبهم وشهوتهم له وحاجتهم إلیه، ولکنھم يؤثرون المحتاجين على أنفسهم، أو أن حبهم لله أنساهم حبهم للطعام فآثروا به غيرهم، وهم حين يفعلون ذلك فإنما يفعلونه ﴿لِوَجِّ اللهِ﴾ وابتغاء مرضاته وطلب ثوابه، فلا يبغون مكافأة الناس ولا حمدهم وثناءهم، وإنما حسبهم رضا ربهم سبحانه (٢). نعم: إن الدافع الرئيس للعمل التطوعي (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ /٥٠٦، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٦٨/٩، صفوة التفاسير، الصابوني ، ٣ / ٥٦٦. (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٤ /١٩٩، صفوة التفاسير، الصابوني، ٤٩٢/٣. وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه)؛ فذلكم هو المحرك الرئيس الذي يدفع المسلم لفعل الخير على سبيل العموم، ويجعله أكثر إقبالًا من غيره على العمل التطوعي؛ ففي دراسة ميدانية: ((حصلت الأعمال الخيرية المرتبطة مباشرة بطلب الأجر والثواب من الله تعالى على تراتيب متقدمة ضمن قائمة المجالات التطوعية المرغوبة من وجهة نظر أفراد عينة الدراسة)» (٣). (٣) دراسة استطلاعية لاتجاهات بعض أفراد المجتمع نحو مفهوم العمل التطوعي واتجاهاته من وجهة نظرهم، عبدالحكيم موسى، نقلا عن: التربية على العمل التطوعي، عبداللطیف رباح، ص ٢٥. www. modoee.com ٢١١ حرف التاء أسس التطوع يبنى العمل التطوعي على أسس، منها: أولًا: الإيمان. فالإيمان بالله تعالى هو القاعدة الأساسية لقبول الأعمال؛ فمن تطوع بأي عمل دون إيمان كان تطوعه مردودًا عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَّتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ. وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ ﴾ [التوبة: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَنَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِّ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ ﴾ [التوبة: ١٧]؛ فكفرهم کان مانعًا من قبول نفقاتهم في الآية الاولى، وعمارتهم للمساجد في الآية الثانية (١). ثانيًا: الإخلاص لله عز وجل. لأنه إذا كان الدافع الرئيس للمسلم نحو العمل التطوعي هو (نیل الثواب من الله عز وجل) - كما أسلفنا- وإذا كانت الأمور بمقاصدها، ولا ثواب إلا بالنية، كما يفهم من قوله تعالى ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِدِينَ حُنَفَآءَ﴾ [البينة: ٥]. وكما يفهم من حديث النبي صلى الله (١) انظر: التطوع في القرآن الكريم، المثنى محمود، ص٤. عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) (٢) فإنه يتأكد لنا أن الإخلاص هو روح أي عمل؛ ((وأن العمل لا يكون صالحًا أو مقبولًا إلا بتوسط الإخلاص الذي هو عمل القلب)) (٣)؛ فرب صائم لا حظ له من صيامه إلا العطش، ورب قائم لا حظ له من قيامه إلا السهر، إن دخل الرياء، وغاب الإخلاص. ومن ثم: فإنه يجب على المتطوع أن يخلص عمله لله عز وجل وحده، لا یرید بذلك حمدًا من الناس ولا ثناءً، ولا سمعة ولا عجبًا ولا ریاء، ولا جلب نفع، أو دفع ضر، وذلك أمر لا يقوى عليه إلا من وفقه الله تعالى له. يضاف إلى ذلك: أن هذا الإخلاص - فضلًا عن أنه معيار قبول العمل- يحول التطوع الاجتماعي إلى عبادة، ینال بها العبد الثواب والأجر من الله تعالى؛ وبسببه يعظم الجزاء مع قلة العمل، وقصة بغي بني إسرائيل، التي سقت كلبًا؛ فغفر الله لها مشهورة معروفة (٤). ثالثًا: مراعاة حال الناس وأعرافهم. قرب متطوع بعمل أو شيء لفئة يستهدفها (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم ١. (٣) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ٨١/١١. (٤) أخرجها البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، رقم ٣١٦٨، عن أبي هريرة رضي الله عنه،. ٢١٢ القرآن الكْرِيْمِ