Indexed OCR Text
Pages 41-58
التسبح وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث آيات من كتاب الله عز وجل، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ يِأَسْمِ رَِّكَ اٌلْعَظِيمِ﴾(٤)، وفي موضع واحد ورد الأمر بقوله تعالى: ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. قد وضح لنا تسبيح الملائکة لربها عز وجل، وذلك عندما سئل: أي الكلام أفضل؟ فقال: (ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده)(١). وهذا التسبيح المقرون بالحمد يتضمن التعظيم لله تعالى على الإجمال والكمال؛ وذلك لأن التسبيح مع التحميد يجمع النفي والإثبات: نفي المعايب كلها عنه سبحانه، وإثبات المحامد كلها له سبحانه (٢) . هو أحب الكلام إليه سبحانه، ففي الحديث عن أبى ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله)؟ قلت: يا رسول الله، أخبرني بأحب الكلام إلى الله. فقال: (إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده)(٣). ورد الأمر بالتسبيح باسم الله العظيم رقم ١٧٨/٦،٤٩٦٧، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل سبحان الله وبحمده، ٤/ ٢٠٩٣، رقم ٢٧٣١، عن أبي ذر رضي الله عنه. (٢) انظر: قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات، ابن تیمیة ص ٢٢. (٣) سبق تخريجه في الحديث السابق. وليس المراد من التسبيح باسم الله أن يقول العبد: سبحان اسم الله؛ وإنما المراد بذلك التسبيح أن يسبح العبد بقلبه ولسانه (٥) لله عز وجل" . قال ابن القيم: ((إن الذكر الحقيقي محله وإن تسبيح الله عز وجل بهذه الصيغة القلب؛ لأنه ضد النسيان، والتسبيح نوع من الذكر، فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك دون اللفظ باللسان، والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعًا، ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما، فصار معنى الآيتين: سبح ربك بقلبك ولسانك، واذكر ربك بقلبك ولسانك، فأقحم الاسم تنبيهًا على هذا المعنى، حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من سابعًا: التسبيح باسم الله العظيم. اللفظ باللسان»(٦). ومما يؤيد أن المراد من التسبيح باسم الله العظيم هو قول: (سبحان ربي العظيم) ذكرًا بالقلب واللسان ما جاء في الحديث (٤) وردت هذه الآية في كتاب الله عز وجل في ثلاث مواضع: الواقعة: ٧٤، ٩٦، الحاقة: ٥٢. (٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٣/٣٠. (٦) التفسير القيم ٢/ ١٨٥. www. modoee.com ٩٣ حرف التاء عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَسَيِّج (اجعلوها في ركوعكم)، فلما نزلت: أَسْمَ رَیْكَ الْأَعْلَى﴾ قال صلی الله عليه وسلم: (اجعلوها في سجودكم)(١). (١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٧٤٥٠، ٤/ ١٥٥، وأبو داود في سننه، تفريع أبواب الركوع والسجود، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، ٢٣٠/١، رقم ٨٦٩، وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة، باب التسبيح في الركوع والسجود، ٢٨٧/١، رقم ٨٨٧، والحاكم في المستدرك، رقم ٣٧٤٢، ٤٧٧/٢. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخر جاه. وتعقبه الذهبي بقوله: إياس ابن عامر الراوي عن عقبة ليس بالمعروف. مواطن التسبيح إن المتدبر للآيات التي ورد فيها التسبيح في كتاب الله عز وجل يجد أن التسبيح يشرع في مواطن مخصوصة -فضلًا عن التسبيح العام في كل وقت وعلى كل حال- ، ومن خلال استقراء تلك الآيات نجد أن معظم التسبيح الوارد فيها جاء في مواطن تنزيه الله عز وجل عن شرك المشركين، وافتراء المفترين، أو في مواطن الحديث عن عظمة الله تعالى وجلاله، وبيان آياته الباهرة في خلقه، ويشرع التسبيح أيضًا في مواطن التعجب، وعقيب الطاعات، وبعد الفوز بنصر الله عز وجل. ونقف فیما یأتي على بيان هذه المواطن، مستشهدین ببعض الآيات في ذلك: أولًا: التسبيح في موطن تنزيه الله عز وجل: لقد سبح الله عز وجل نفسه العلية عن کل نقص أو عيب نسبه إليه الكفار المشركون الجاهلون بربهم عز وجل؛ فنزه سبحانه نفسه عن اتخاذ الصاحبة والولد، ونزه نفسه عن الشريك والند والمثيل، والآيات في ذلك أكثر من أن تحصى في بحث واحد. فمن الآيات التي نزه الله عز وجل فيها نفسه عن اتخاذ الولد، قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَّخَذَ اَللّهُ وَلَدَأُ سُبْحَنَّةٌ بَل لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ ٩٤ مُوسُوبَةُ التَّفِيد جوبير القرآن الكريم التسبح وَالْأَرْضِ كُلِّ لَّهُ، قَئِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]. وقوله عز وجل: ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَُّ سُبْحَنَةٌ هُوَ الْفَنِىٌّ لَهُمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَدَأ ◌َتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٦٨]. ﴿وَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَتِ سُبْحَتَةٌ و قوله: وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]. أما الآيات التى سبح الله عز وجل فيها نفسه عن شرك المشركين، وعن أن يكون له شريك في ملكه أو ألوهيته، فهي أيضًا كثيرة في كتاب الله عز وجل، منها -على سبيل المثال -: قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُه ءَلِمَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَّأَ بْنَغَوْ إِلَى ذِى الْعَرْنِ سَبِيلًا() سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٢ - ٤٣]. طلب منه سفهاء المشركين -على سبيل الاستهزاء - أن يأتيهم بمعجزات لا يقدر عليها البشر، قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ٢ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن ◌َّخِيلٍ وَعِنٍَ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خَِلَهَا تَفْجِيْرًّا أَوْ تُشْقِطَ اُلسَّمَاءَ كُمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِاللّهِ وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا ( أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِ السَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ حَتَّى تُنَزِلَ عَلَيْنَا كِنَبَّا نَّقْرَؤُهُ، قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]. فأمر الله عز وجل نبيه أن يسبحه في موطن خاض فيه أولئك المشركون فيما ینافي تنزيه الله عز وجل وإجلاله. قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلی الله عليه وسلم: قل یا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، القائلين لك هذه الأقوال، ﴿سُبْحَانَ رَبٍِ﴾ تنزيها لله عما يصفونه به، وتعظيمًا له من أن يؤتى به أو بملائكته، أو يكون لي سبيل إلى شيء مما تسألونيه، ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾ وقوله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُچِيكُمْ مَلْ مِن شُرَّكَبِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِن شَىْ ءٍ سُبْحَانَهُ. وَتَعَلَى عَمَّايُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]. یقول: هل أنا إلا عبد من عبيده من بني آدم، فكيف أقدر أن أفعل ما سألتموني من هذه الأمور، وإنما يقدر عليها خالقي وخالقكم، ولقد أمر الله عز وجل رسوله محمدًا وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم، صلى الله عليه وسلم بأن يسبحه عندما والذي سألتموني أن أفعله بيد الله عز وجل، الذي أنا وأنتم عبيد له، لا يقدر على ذلك غيره))(١). وقد ذكر الله عز وجل تسبيح عبده ونبيه عيسى عليه السلام له سبحانه يوم القيامة (١) جامع البيان ١٧ /٥٥٥. www. modoee.com ٩٥ حرف التاء عما افتراه المبطلون؛ من عبادته عليه السلام عز وجل فيهم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَئِمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. من دون الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]. وكذلك الملائكة المكرمون يسبحون ربهم عز وجل، منزهين له سبحانه عن افتراء المفترين وشرك المشركين، قال تعالى: ﴿وَبَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَوَّلَاءِ إِيَّكُرُ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ، قَالُواْ سُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]. ((وفي هذه الآية: دليل على أن العبد المؤمن یسبح الله تعالى عند حدوث ما ینافي تنزيهه وتعظيمه سبحانه؛ من قول أو فعل أو اعتقاد))(١). ثانيًا: التسبيح في المواطن الدالة على قدرة الله عز وجل وعظمته: إن المواطن التي يستشعر فيها العبد عظمة ربه عز وجل، ويرى من عجيب قدرة الله عز وجل؛ لا يمكن لمخلوق حصرها، ولا يحيط بها إلا الذي خلقها سبحانه وتعالى، وكم من عجائب لله تعالى في العالمين يتغافل عنها الناس ويتجاهلونها؛ إلا أولي الألباب منهم، الذين قال الله (١) التسبيح في الكتاب والسنة/ محمد كنده ١٨/٢. إن هؤلاء المتفكرين في خلق الله عز وجل من أولي الألباب لما استشعروا عظمة الخالق امتلأت قلوبهم تنزيها له سبحانه، وانطلقت ألسنتهم بتسبيحه ﴿رَبَنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ﴾، فإن المواطن التي يقف فيها العبد على شيء من عظيم قدرة ربه وبديع صنعه، لا يملك العبد فيها إلا أن يلهج بتسبيح ربه وتنزيهه عن کل نقص أو عيب نسبه إليه المبطلون. ((إن المؤمن المتفكر بعد أن تدبر ونظر، ودقق و تفکر، یتوجه إلى الله تعالی متضرعًا معلنًا قناعته بحكمة الله العليا في خلق المخلوقات))(٢). ولقد افتتح الله عز وجل سورة الإسراء بالتسبيح؛ لأن السياق يتحدث عن معجزة عظيمة لا يقدر عليها أحد إلا الله سبحانه، ﴿ُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ مَايَدِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. (٢) التفسير المنير، الزحيلي ٤ / ٢٠٧. جوسى عمـ القرآن الكريم ٩٦ التسبح فالإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم آية -سواء كان التعجب من عظمة قدرة الله عز وجل أو تعجب من غیر ذلك-، ومن الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَّخَذَ اَللّهُ وَلْدَاً سُبْحَنَةٌ بَل لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلِّ لَّهُ، قَائِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]. من آيات الله دالة على عظیم قدرته سبحانه. قال ابن عاشور: ((الافتتاح بكلمة التسبيح من دون سبق كلام يؤذن بأن خبرًا عجيبًا يستقبله السامعون، دالًا على عظيم القدرة من المتكلم سبحانه))(١). ومن الآيات التي ورد فيها التسبيح في موطن بيان عظمة الله عز وجل، قوله تعالى: سُبْحَنَ اَلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِنَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]. وقوله في ذات السورة: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ, إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُ كُنْ فَيَكُونُ (١) فَسُبْحَنَ اُلَّذِى بِيَدِهِ، مَلَكُوَتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٢- ٨٣]. قال ابن كثير: «أي تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء الحي القيوم الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه رجع الأمر كله، وله الخلق والأمر، وإليه يرجع العباد يوم المعاد، فيجازي كل عامل بعمله وهو العادل المنعم المتفضل»(٢). ثالثًا: التسبيح في مواطن التعجب: ومن المواطن التي يرد فيها التسبيح ويشرع: مواطن التعجب، وقد ورد التسبيح في عدد من الآيات في موطن التعجب (١) التحرير والتنوير ٩/١٥. (٢) تفسير القرآن العظيم ٣٨٧/١١. فتسبيحه تعالى لنفسه في هذه الآية كما يتضمن تنزيهه عن اتخاذ الولد، يتضمن كذلك التعجب من هذه المقولة الباطلة (٣). ومن ذلك - أيضًا: قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم جوابًا عما اقترحه الكفار من الآيات: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]. ففي قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبٍ﴾ تعجبُ من تعنت هؤلاء الكفار ومن ظنهم السيء في الله عز وجل، وتنزيه له عز وجل عما لا يليق به مما يصفونه به، ومن أن يتقدم أحد بین یدیه في أمر من أمور سلطانه وملكه(٤). وفي هذه الآية: دليل على أن العبد المؤمن یشرع له أن يسبح الله عز وجل عند حدوث ما ینافي تنزيهه وتعظيمه، من قول أو فعل أو اعتقاد (٥). ومن الآيات التي ورد فيها التسبيح في (٣) انظر: التسبيح في الكتاب والسنة، محمد کندو ٢ / ١٧. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٣١/١٠. (٥) انظر: التسبيح في الكتاب والسنة، محمد کندو ١٨/٢. www. modoee.com ٩٧ حرف التاء موطن التعجب، قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) وَمِنَ أَلَيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدَبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩- ٤٠]. إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَتَكَلَّمَ بَهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُّ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. ففي هذه الآية يؤدب الله عز وجل المؤمنين بما يجب عليهم فعله وقوله إذا سمعوا كلامًا يسيء إلى عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي عليهم أن يبادروا إليه هو إنكار هذا الكلام أشد الإنكار، وأن يزجروا أنفسهم عنه زجرًا ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَّتَكَلَّمَ يَذَا﴾، أي: ما يصح منا إطلاقًا أن نتكلم بهذا الحديث البالغ أقصى الكذب والافتراء، وعلمهم ربهم في هذا الموطن أن يسبحوه سبحانه؛ يسبحوه على سبيل التعجب من شناعة هذا الخبر، فقولهم في هذا الموطن: ﴿سُبْحَتَكَ﴾ أي: نتعجب يا ربنا من شناعة ما سمعناه؛ فإن ما سمعناه عن أم المؤمنين عائشة كذب یبهت ويدهش من یسمعه، وهو فى الشناعة لا تحيط بوصفه عبارة (١). رابعًا: التسبيح عقيب الطاعات: ومن المواطن التي يشرع فيها التسبيح أيضًا: بعيد الانتهاء من الطاعات والعبادات، كالتسبيح في أدبار الصلوات، وقد أمر الله عز وجل بذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ عَ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحَ بِحَمْدٍ رَيْكَ قَبْلَ طُلُوع ففي هذه الآية يأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر، ويأمره بأن يسبح بحمد ربه في أوقات مخصوصة خصها سبحانه، وذكر سبحانه من هذه الأوقات: أدبار السجود، وللمفسرين أقوال في المقصود بالتسبيح في أدبار السجود، ذكرها الإمام الطبري فقال: ((واختلف أهل التأويل في معنى التسبيح الذي أمر الله نبيه أن يسبحه أدبار السجود، فقال بعضهم: عني به الصلاة، فقالوا: وهما الركعتان اللتان يصليان بعد صلاة المغرب. وقال آخرون: عنی به التسبيح في أدبار الصلوات المكتوبات، دون الصلاة بعدها. وقال آخرون: هي النوافل في أدبار المكتوبات)»(٢) . وسواء كان التسبيح المأمور به في أدبار السجود هو صلاة النوافل أم كان مطلق التسبيح؛ فالأمران يصلح أن يطلق عليما تسبيح؛ فالصلاة تسبيح، والتسبيح المطلق المعروف تسبيح، وقد جاءت السنة بالحث على التسبيح في أدبار الصلوات، وذلك في عدة أحاديث، من ذلك: ما رواه كعب ابن عجرة عن النبي صلی الله عليه وسلم أنه قال: (معقبات لا يخيب قائلهن - أو (١) الوسيط، طنطاوي ١٠ / ٩٨. مُوسوبر التفسير القرآن الكريم (٢) جامع البيان ٢٢/ ٣٧٧. ٩٨ التسبح فاعلھن -: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة، في دبر كل صلاة)(١). خامسًا: التسبيح بعد النصر: إن النصر بيد الله عز وجل، يمتن به على من يشاء من عباده، قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ اَلْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦ ]. فإذا أنعم الله عز وجل على الأمة بالنصر على أعدائها، فعليها أن تجتهد في شکر ربها على هذه النعمة العظيمة، ولقد علم الله عز وجل الأمة المؤمنة كيف تشكر ربها عز وجل عند حصول نعمة النصر، وذلك من خلال تلك السورة العظيمة التي أنزلها الله عز وجل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم - وهي آخر سورة أنزلت كاملة على رسول الله صلی الله علیه وسلم -، موجهًا له كيف يقابل نعمة ربه بالنصر والفتح المبين. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ل وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِىِ دِينِ اَللَّهِ أَفْوَجًا ﴾ فَسَبِّحْ بَحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣ ]. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، رقم ٩٨/٢،١٣٧٨. قال الإمام الطبري: ((يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إذا جاءك نصر الله یا محمد على قومك من قریش، والفتح: فتح مكة ﴿ وَرَأَيْنَ النَّاسَ﴾ من صنوف العرب وقبائلها ﴿يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اَللَّهِ أَفْوَاجًا ﴾ يقول: في دين الله الذي بعثك به أفواجًا، يعني: زمرًا، فوجًا فوجًا، ﴿ فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ یقول: فسبح ربك وعظمه بحمده وشكره، على ما أنجز لك من وعده، وقوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ يقول: وسله أن يغفر ذنوبك؛ إنه كان ذا رجوع لعبده المطيع إلى ما يحب))(٢). ومن هذه السورة الكريمة نعلم: أن من أعظم المواطن التي يشرع فيها التسبيح شكرًا لله عز وجل، موطن حصول النصر للمؤمنين. ولقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر ربه عز وجل فيما أمره به في هذه السورة، فعن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها- أنها قالت: كان صلى الله عليه وسلم يكثر -بعد نزول هذه السورة- أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول القرآن (٣). قال النووي في شرحه لهذا الحديث: (٢) جامع البيان ٢٤/ ٦٧١. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم ٥٠/٢،١١١٢ www. modoee.com ٩٩ حرف التاء ((معنى يتأول القرآن: يعمل ما أمر به في قول الله عز وجل: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا﴾، وكان صلى الله عليه وسلم يقول هذا الكلام البديع في الجزالة، المستوفي ما أمر به في الآية، وكان يأتي به في الركوع والسجود؛ لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها، فكان يختارها لأداء هذا الواجب الذي أمر به ليكون أكمل))(١). سادسًا: التسبيح عند الاستواء على المركوب: يشرع للمسلم إذا ركب مركوبًا من دابة، أو سفينة، أو سيارة، أو طائرة، أو غيرها من وسائل النقل أن يسبح الله عز وجل تسبيحًا مقرونًا بالحمد والتهليل والتكبير والاستغفار، وذلك امتثالًا لقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلّهَا وَجَعَلَ لَكُ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَكَبُونَ لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيَّتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿ وَإِنَّ إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]. ففي هذه الآيات يذكر الله عز وجل عباده بما خلق من أصناف المخلوقات المتنوعة، ويمتن سبحانه على عباده بما جعله لهم من (١) المنهاج شرح صحيح مسلم، ٤ /٢٠١. مؤمنوالرُ التَسْكِ العضوي القرآن الكريم أنواع المراكب التي يركبونها في البحر والبر، إلى حيث قصدوا في الأرض لمعايشهم ومطالبهم، ويعلمهم ما يقولون إذا استقروا على ظهور هذه المراكب، من تسبيح الله عز وجل، وشكره على نعمه، التى منها: تسخير هذه المراكب للناس، والتي لولاه سبحانه ما أطاقوها ولا ضبطوها؛ ولكنه سبحانه من لطفه وكرمه سخرها وذللها ويسر أسبابها، وهذا معنى قوله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ. مُقْرِنِينَ﴾(٢). ولقد شرع الله عز وجل تسبيحه عند الاستواء خاصة ﴿لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيُّمْ عَلَيْهِ﴾؛ لأن العبد في هذا الموطن -موطن الشعور بالانتفاع بالنعمة - يكون أدعى لشكر النعمة، وأوقع في نفسه، وأبعد ما يكون عن الغفلة عنها(٣). ولقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر الله به معلمًا الأمة كيفية الامتثال لأمر ربها عز وجل، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله علیه وسلم كان إذا استوی علی بعیرہ خارجًا إلی سفر کبر ثلاثًا، ثم قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك فى سفرنا هذا البر والتقوى ومن (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢/ ٦٧٠، أضواء البيان، الشنقيطي ٨٧/٧. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ١٧٤. ١٠٠ التسبح العمل ما ترضى ... )(١). وفي مشروعية التسبيح عند الاستواء ٨٧-٨٨]. على ظهر المركوب شكرًا لنعمة الله عز وجل تذكير بمشروعية التسبيح عند الانتفاع بکل ما سخر الله عز وجل لنا في هذه الدنيا، فشكر النعمة واجب، ومن أعظم أوجه شکر المنعم سبحانه تسبيحه وتقديسه وتنزيهه، فسبحان الله وبحمده. سابعًا: التسبيح عند الكرب: فمن المواطن التي أشار القرآن الكريم إلى مشروعية التسبيح فيها أيضًا: موطن الكرب والشدة، فقد يتعرض العبد في هذه الدنيا إلى الوقوع في شدة أو کرب، يحتاج عندئذ إلى الالتجاء إلى من ينجي من الكرب، ويفرج الشدائد، و﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوْءَ﴾ [النمل: ٦٢]. ولقد علمنا ربنا عز وجل ماذا نقول في مناجاتنا له سبحانه عند الکرب، وذلك من خلال ما أخبر به سبحانه من قصة ذي النون عليه السلام، عندما ناجى ربه في الظلمات. قال تعالى: ﴿ وَذَا الْتُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ الظُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَيْنَهُ مِنَ الفَكَالمِينَ (٨٧) (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر، رقم ٣٣٣٩، ١٠٤/٤. اٌلْفَرَّ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: فقد اشتمل دعاء ذي النون عليه السلام على التسبيح لله عز وجل، وبهذا نعلم أن التسبيح مشروع في موطن الكرب والشدة؛ ليكون فيه تضرع إلى الله عز وجل المنجي من الكرب. ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن دعاء ذي النون عليه السلام في الكرب سبب لتفريج الله عز وجل عن المكروبين، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له)(٢). (٢) سبق تخريجه. www. modoee.com ١٠١ حرف التاء أزمنة التسبيح ذكر الله عز وجل التسبيح في كتابه العزيز مقيدًا بأوقات مخصوصة وأزمنة معينة، حاثا عباده على الإكثار من تسبيحه في تلك الأوقات المباركة، ومن خلال تتبع الآيات التي ورد فيها ذلك (١) يمكن أن نجملها بما يأتي: أولًا: التسبيح في العشي والإبكار: ورد الأمر بالتسبيح بالعشي والإبكار موجهًا إلى نبي الله زكريا عليه السلام، وذلك في قول الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَجْعَل ◌ِيّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةً أَّاءٍ إِلَّ رَهْزًا وَأَذْكُرُ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَيِّحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [آل عمران: ٤١]. ففي هذه الآية: أمر الله عز وجل نبيه زكريا عليه السلام بأن يذكره كثيرًا، وبأن يسبحه في وقتين مخصوصين؛ وهما: العشي والإبكار (٢). والعشي: هو من حين زوال الشمس إلى أن تغيب. قال الأزهري: ((ويقع العشي (١) بلغ عدد المواضع التي ورد فيها التسبيح مقيدًا بزمن معين في كتاب الله عز وجل اثني عشر موضعًا، في اثنتي عشرة سورة، وهذه المواضع هي: آل عمران: ٤١، مريم: ١١، طه: ١٣٠، النور: ٣٦، الروم: ١٧-١٨، الأحزاب: ٤٢، ص ١٨، غافر: ٥٥، الفتح: ٩، ق: ٣٩- ٤٠، الطور: ٤٩، الإنسان: ٢٦. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٨/٣. علی ما بین زوال الشمس إلى وقت غروبها، كل ذلك عشي، فإذا غابت الشمس فهو العشاء)» (٣) وأما الإبكار فهو مصدر أبكر، بمعنى خرج ما بين مطلع الفجر إلى وقت الضحى، فوقت الإبكار هو أول النهار، من الفجر إلى الضحى(٤)، وبذلك یکون الله عز وجل قد أمر زكريا عليه السلام بأن يكثر من التسبيح في آخر النهار وأوله. ومن الآيات التي ورد فيها التسبيح في وقتي العشي والإبكار أيضًا: ما ذكره الله عز وجل عن نبيه زكريا عليه السلام، ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةٌ وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. فبعد أن أمره الله عز وجل بأن یکثر من ذكر ربه، ويداوم على تسبيحه في العشي والإبكار، خرج عليه السلام إلى قومه، وأشار إليهم بأن یسبحوا هم أيضًا في هذين الوقتين العظيمين؛ شكرًا لله عز وجل على ما أنعم عليه(٥). ومن الآيات التي فيها أمرٌ بالتسبيح في وقتي العشي والإبكار: قول الله تعالى مخاطبًا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ (٣) تهذيب اللغة ٥٨/٣. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٣٩٢، الوسيط، الواحدي ص٢٠٩ (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٠/٩. ١٠٢ مُوسُوبَةُ التَّفِي القرآن الكريم التسبح وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وبأن يكثر من تسبيح ربه عز وجل وتنزيهه بِلْعَشِيِّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [غافر: ٥٥]. وهذه الآية جاءت عقب الآيات التي أخبر الله عز وجل فيها عن قصة موسى عليه السلام مع فرعون، وذكر ما تعرض له عليه السلام من شدة وأذى من فرعون وملئه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَئِنَاوَسُلْطَانِ ◌ُبِينٍ (٦ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤]. وذكر أخبار ذلك الرجل المؤمن الذي وقف في وجه فرعون نصرةً لموسى عليه السلام، باذلاً وسعه في هداية قومه وإرشادهم ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ مَالٍ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ، أَنَقْتُلُونَ رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ رَبَّ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِلْبَيِّنَتِ مِن زَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبٌُ، وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]. جاءت هذه الآية بعد ذلك تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر تأسيًا بمن سبقه من الرسل والأنبياء، ومبشرةً له صلى الله عليه وسلم بأن ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ سينصر نبيه محمدًا صلی الله علیه وسلم كما نصر موسى عليه السلام، ثم أمر الله عز وجل نبيه صلی الله عليه وسلم بأن يستغفر لذنبه(١)، (١) قال القرطبي في معنى لذنبك: ((قيل: لذنب أمتك، حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: لذنب نفسك على من يجوز عند حلول الليل وعند تباكير الصباح، فإن هذا الاستغفار وذلك التسبيح خير زاد للوصول إلى السعادة، والفوز في الدنيا والآخرة (٢). قال السعدي: ((أمره بالصبر الذي فيه يحصل المحبوب، وبالاستغفار الذي فيه دفع المحذور، وبالتسبيح بحمد الله تعالى خصوصًا ﴿بِالْعَشِيِّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ اللذين هما أفضل الأوقات، وفيهما من الأوراد والوظائف الواجبة والمستحبة ما فيهما؛ لأن في ذلك عونًا على جميع الأمور)»(٣). ومن الآيات التي ذكرت التسبيح في أول النهار وآخره: قول الله عز وجل مخبرًا عن عبده ونبيه داود عليه السلام: ﴿إِنَّ سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ ، وَأَلَيْرَ تَحْشُورَةٌ كُلٌّ لَّهُ، أَوَّبٌ﴾ [ص: ١٨ - ١٩]. أي: إن الله تعالى سخر الجبال تسبح مع داود عليه السلام عند إشراق الشمس وآخر النهار، وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه، الصغائر على الأنبياء، ومن قال لا تجوز قال: هذا تعبد للنبي عليه السلام بدعاء، والفائدة زيادة الدرجات، وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده، وقيل: فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة)). الجامع لأحكام القرآن ٠٣٢٤/١٥ (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٠٣٢٤/١٥ (٣) تيسير الكريم الرحمن ص٧٣٩. www. modoee.com ١٠٣ حرف التاء وترجع بترجيعه؛ إذا مر به الطير وهو سابح -كما ذكرنا- أول النهار، أما الأصيل فهو الوقت من بعد العصر إلى غروب الشمس، في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب؛ بل يقف في الهواء ويسبح معه، وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعًا له(١). وهو بذلك مرادف لوقت العشي، وحدده بعض أهل اللغة بأنه آخر العشي، قال ابن فارس: ((الأصيل بعد العشي)) (٣). ويَفهم من الآية أن نبي الله داود عليه السلام كان يسبح ربه تسبيحًا خاصًا في هذین الوقتين ﴿پالعَشِ والإشراقِ ﴾، وتسبح معه الجبال والطير فيهما، والإشراق الوارد في الآية: هو وقت شروق الشمس إلى وقت الضحى، وهو بذلك مرادف لوقت الإبکار الوارد في الآيات السابقة. ثانيًا: التسبيح بكرة وأصيلاً: ورد التسبيح في كتاب الله عز وجل مقيدًا بوقتي البكرة والأصيل في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: قول الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ) وَسَبِّحُوهُ بُّكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١- ٤٢]. ففي هاتين الآيتين: يأمر الله عز وجل عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تبارك وتعالى وبكثرة تسبيحه في الصباح والمساء؛ لما لهم في ذلك من جزيل الثواب وجميل المآب (٢). فوقت البكرة هو وقت الإبكار، وهو (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢/ ٨٠. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٠/١١. وذكر بعض المفسرين أن المقصود بالتسبيح بكرة وأصيلاً: صلاة الصبح وصلاة العصر (٤)، والصلاة متضمنة للتسبيح ولاشك، وذکر بعضهم أن الله عز وجل یأمر في الآية بالتسبيح في كل الأوقات، مجددًا الزمان بطرفي نهاره وليله(٥). والموضع الثاني: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥) لِتُؤْمِنُواْ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨-٩]. ففي الآية الأولى من هاتين الآيتين: بيان للوظيفة التي كلف الله عز وجل بها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ من الشهادة على الناس، وتبشير المؤمنين، وإنذار العصاة والكافرين، وفي الآية الثانية: بيان للحكمة من إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أن يقوم الناس بالإيمان بالله عز وجل ويرسوله صلى الله عليه وسلم، ويعظموا الرسول ويوقروه، ويسبحوا الله عز وجل (٣) تهذيب اللغة ١/ ١١٠. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧٩/٢٠. (٥) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٨٨/٤. ١٠٤ جَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم التسبح أول النهار وآخره(١). أما الموضع الثالث: فهو قول الله تعالی: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُنْكَرَ فِهَا أَسْمُهُ يُسَمِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ ٦ رِجَالٌ ◌َّا نُلْهِهِمْ تَجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]. وفي هاتین الآیتین: مدح لعمار بیوت الله عز وجل، الذین یدیمون التسبيح له سبحانه في بيوته في أول النهار وآخره، (وخص هذين الوقتين لشرفهما، ولتيسر السير فيهما إلى الله عز وجل وسهولته، ويدخل في ذلك التسبيح في الصلاة وغيرها؛ ولهذا شرعت أذكار الصباح والمساء وأورادهما عند الصباح والمساء» (٢). والمراد بالغدو الوارد في الآية: هو نفس وقت البكرة الوارد في الآيات السابقة، وهو وقت أول النهار(٣). ثالثًا: التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وآناء الليل وأطراف النهار، وأدبار السجود: ورد التسبيح في هذه الأزمنة في ثلاثة مواضع من كتاب الله عز وجل: (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٩٢. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٦٩. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ١٤٧/٢. الموضع الأول: قول الله تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْ ءَانَآٍ اَلَّيْلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ اَلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرَضَى﴾ [طه: ١٣٠]. لقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بأن يصبر على ما يقوله المشركون المكذبون من أباطيل، وأمره بأن يسبح بحمد ربه في أوقات مخصوصة؛ وهي: قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، وفي ساعات الليل، وفي ساعات النهار. وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بالتسبيح في هذه الأوقات: هو الصلوات المکتوبة، فقد روى ابن أبي حاتم ((عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ قال: هي الصلاة المكتوبة. وعن قتادة في قوله: ﴿وَسَيِّحْ بَحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ ◌ُلُوجِ الشَّمْسِ﴾ قال: هي صلاة الفجر، ﴿وَقَبْلَ غُرُوِبِهَا﴾ قال: صلاة العصر، ﴿وَمِنْ ءَانَآٍ آَلَّيْل﴾ قال: صلاة المغرب والعشاء، ﴿وَأَطْرَافَ اَلنََّارِ﴾ قال: صلاة الظهر)) (٤). ولا يخفى أن الصلاة مشتملة على تسبيح الله عز وجل، فيكون الأمر بالتسبيح هنا مشتملا الأمر بالصلاة والأمر بالتسبيح فيها، (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٢٢٢٥/٧. www. modoee.com ١٠٥ حرف التاء فيكون المعنى: ((وسبح بحمدربك في صلاة والثالث: أنه التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات)» (٣). الفجر قبل طلوع الشمس، وفي صلاة العصر قبل غروبها، وفي صلاة العشاء في ساعات الليل، وسبح بحمد ربك أطراف النهار في صلاة الظهر - إذ وقتها طرف النصف الأول والنصف الثاني من النهار- وفي صلاة المغرب؛ كي تثاب على هذه الأعمال بما ترضی به))(١). والموضع الثاني: قول الله عز وجل: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحَ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قبّلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ اَلْغُرُوبِ ) وَمِنَ اَلَيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠]. وهاتان الآيتان مماثلتان للآية السابقة، حيث أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يقوله المشركون، وهما أيضًا متضمنتان للأمر بالصلوات الخمس المفروضة؛ فالتسبيح قبل طلوع الشمس يشمل صلاة الفجر، والتسبيح قبل غروبها يشمل صلاة العصر، وقيل: يشمل الظهر والعصر، والتسبيح من الليل يشمل صلاتي المغرب والعشاء(٢). ((وللمفسرين في هذا التسبيح -أي التسبيح في أدبار السجود- ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه الركعتان بعد صلاة المغرب. والثاني: أنه النوافل بعد المفروضات. (١) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص٣٢١. (٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٧/ ٣٦٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤/١٧. وفي أمر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم بالتسبيح بعد أمره له بالصبر على أذى الكفار دليلٌ عظيمٌ على أن التسبيح فيه إعانة على الصبر المأمور به (٤). والأمر بالتسبيح في نهاية الليل قد ورد أيضًا في قول الله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ لِحُكْمِرَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُفِنَأْ وَسَمِعْ بَحَيْدٍ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ () وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحَهُ وَإِدْبَرَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨ - ٤٩]. فالمراد بإدبار النجوم وقت آخر الليل(٥)، فیکون هذا الوقت داخلا في وقت آناء الليل، وداخلًا أيضًا في وقت قبل طلوع الشمس. أما الموضع الثالث: ففيه أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالتسبيح في جزء طويل من الليل، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةُ وَأَصِيلًا ، وَمِنَ الَّلِ فَأَسْجُدْ لَهُ. وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥ - ٢٦]. فأمر سبحانه نبيه صلی الله عليه وسلم -بعد أمره بالذكر بكرة وأصيلاً- بتسبيحه في مقدار من الليل طويل، والمراد بذلك: صلاة التهجد التى كانت مفروضة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد بالتسبيح هنا: الذكر المطلق سواء كان في الصلاة أو (٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٢٣/٨. (٤) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٤٣٢. (٥) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ص ٢٥١. ١٠٦ الْقُرآن الكَرِيْمِ التسبح في غيرها(١). رابعًا: التسبيح في الصباح والظهر والمساء وحين القيام: ورد الأمر بالتسبيح في وقت الصباح والمساء والظهيرة موجهًا للمؤمنين جميعًا في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]. وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد من هاتين الآيتين أمر المؤمنين بالصلوات الخمس؛ فقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ أي: صلاة المغرب والعشاء، وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ أي: صلاة الصبح، وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ أي: صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أي: صلاة الظهر(٢). وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالتسبيح هنا معناه اللغوي، أي تنزيه الله عز وجل، فيكون المراد في الآية: الأمر بتنزيه الله عز وجل عما لا يليق به سبحانه، في وقت الصباح والمساء، وفي العشي، وفي وقت الظهيرة (٣). ووقت المساء هو وقت إقبال الليل (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٠/١٩، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٩/ ٧٦. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٨٣/٢٠. (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣١١/٤. بظلامه، فيكون هذا أمرًا بالتسبيح في بعض الليل، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَانَآٍ اَلَّيْلِ فَسَیِحْ﴾ [طه: ١٣٠]. وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ أي: تدخلون في الصباح، والصباح إسفار النهار بضيائه، وهذا الوقت مرادف لوقت البكرة والإبكار، ومرادف أيضًا لوقت قبل طلوع الشمس، وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ أي حين تزول الشمس إلى المغيب، وهذا مرادف لوقت قبل غروب الشمس، وقوله: ﴿وَچِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أي حین يشتد الضياء من النهار، وهذا الوقت داخل في وقت أطراف النهار (٤). قال السعدي: ((فهذه الأوقات الخمسة، أوقات الصلوات الخمس أمر الله عباده بالتسبيح فيها والحمد، ويدخل في ذلك الواجب منه، كالمشتملة عليه الصلوات الخمس، والمستحب، كأذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وما يقترن بها من النوافل؛ لأن هذه الأوقات التي اختارها الله عز وجل أفضل من غيرها؛ فالتسبيح والتحميد والعبادة فيها أفضل من غيرها؛ بل العبادة وإن لم تشتمل على قول (سبحان الله) فإن الإخلاص فيها تنزيه لله عز وجل بالفعل أن يكون له شريك في العبادة، أو أن يستحق أحد من الخلق ما يستحقه سبحانه (٤) انظر: الدر المصون، السمين الحلبي ٩/ ٣٦. www. modoee.com ١٠٧ حرف التاء من الإخلاص والإنابة))(١). وذكر بعض المفسرين أن المراد: أن الله سبحانه أمر عباده بتنزيهه في هذه الأوقات؛ لما يتجدد فيها من النعم. ويحتمل أن تكون هذه الأوقات كناية عن استغراق الزمان کله في التسبيح، فیکون العبد ذاكرًا ربه في كل وقت وعلى كل حال(٢). أما الأمر بالتسبيح عند القيام فقد ورد في قول الله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ لِحُكِِّ رَبِكَ فَإِنَّكَ ◌ِأَعْيُنِنَا وَسَّعْ بِحِيْدٍ رَيِّكَ حِينَ نَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]. وللمفسرين أقوال في المراد بقوله: ﴿حِيْنَ نَقُومُ﴾، عدد ابن الجوزي ستة منها، أشهرها: أن المراد بذلك: حين تقوم من منامك للصلاة. وقيل: حين تقوم من مجلسك(٣)، ورجح الإمام الطبري القول الأول (٤). وفي ختام هذا المبحث تبين أن الله عز وجل جعل للتسبيح أوقاتًا مخصوصة، وأن هذه الأوقات قد شغلت معظم أوقات الإنسان -إن لم یکن کلها -. ولعل الحكمة من تخصيص تلك الأوقات للتسبيح هي أن تعاقب هذه (١) تيسير الكريم الرحمن ص٦٣٨. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٧/ ١٦١. (٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٨/ ٦٠. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨٩/٢٢. الأوقات وتتابعها، وما يحدث فيها من أمور مختلفة عجيبة دالة على قدرة الله عز وجل وعظمته، وذلك موجب لتسبيحه عز وجل وتنزيهه عن النقائص والعيوب. ثم إن لهذه الأوقات مزية خاصة؛ حيث إن الله عز وجل خصصها لشرفها، ولتيسر السير فيها إلى الله عز وجل، فكان التسبيح لله سبحانه فيها من أحسن ما تنهض إليه عقول المؤمنين، وترطب به ألسنة الصالحين، تنزيهًا لله سبحانه، وتعظيمًا له وثناءً عليه (٥). (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٦٩. ١٠٨ مُوسُوبَةُ التَّ القرآن الكَرِيْمِ التسيح فوائد التسبيح إن من تأمل في الآيات التي ورد فيها التسبيح في كتاب الله عز وجل يعلم - ولا ريب- مدى عظم هذه العبادة الجليلة، وعظم فوائدها على العبد المؤمن في الدنيا والآخرة، ونذکر فیما یأتي بعض هذه الفوائد: أولًا: التسبيح من أعظم العبادات وأجل القربات إلى الله عز وجل. فهو عبادة الملائكة المكرمين؛ بل هو عبادة المخلوقات جميعًا، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّنِ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِعُ ◌ِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. ولقد ذكر الله عز وجل أنه أرسل رسوله ليقوم الناس بالإيمان، وليقوموا بتسبيح الله عز وجل، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) لِّتُؤْمِنُواْ بِاَللّهِ وَرَسُولِيمِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ - ٩]. وبهذا فإن العبد المؤمن يجتهد في تسبیح ربه عز وجل؛ في الليل والنهار، وفي السر والعلن، في الشدة والرخاء، مبتغيًا رضا الرحمن، مقتديًا بالملائكة الأطهار، راجيًا الأجر الجزيل والثواب العظيم من الله رب العالمین، سبحانه وتعالى. ثانيًا: الفوز بثناء الله عز وجل. إذ إن الله عز وجل قد أثنى في كتابه العزيز على عباده المسبحين، فقال سبحانه: ﴿فِ يُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِهَا أَسْمُهُ يُسَمِحُ لَهُ فِيَهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ ٦ رِجَالٌ لَّا تُلْمِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَنْ ذِكْرِ الَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوْءِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَاْلْأَبْصَرُ (٦) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهُ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨]. وفي موضع آخر مدح الله سبحانه عباده المسبحين فقال: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِتَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَيِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥]. ثالثًا: التسبيح عون على الصبر، وسبب لزوال الكرب وضيق الصدر. ولهذا أمر الله عز وجل به نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في كثير من المواضع في القرآن الكريم؛ ليكون له فيه العون على الصبر، والفرج من الكرب، من ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيْحْ بِحَمْدٍ رَيِّكَ قَبَّلَ طُلُوجِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَاً وَمِنْ ءَانَآمٍ الَّيْلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠]. وقوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٢) فَسَبِّحْ بِحَيْدٍ رَيِّكَ وَّكُنْ www. modoee.com ١٠٩ حرف التاء مِّنَ السَّجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧ -. ولقد نجا الله عز وجل نبيه يونس عليه السلام من الظلمات بسبب تسبيحه، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١) لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]. رابعًا: التسبيح من أعظم ما یشکر به العبد ربه عز وجل على عطاياه التي لا تعد، ونعمه التي لا تحصى. قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ اَلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ، مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]. خامسًا: التسبيح سبب لمغفرة الخطايا والذنوب. ولقد رغبنا فيه رسول الله صلى الله علیه وسلم أیما ترغیب، فمن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة؛ حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)(١)، وقال صلى الله عليه وسلم: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)(٢). )(٢) سادسًا: التسبيح أفضل ما يستعد به العبد للقاء ربه عز وجل. فقد اختاره الله عز وجل لنبيه وصفيه ليختم به أجله في هذه الدنيا، ولیلقی به ربه عز وجل. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ، وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِيْنِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]. موضوعات ذات صلة: الاستغفار، الحمد، الدعاء، الذكر، الصلاة (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح، رقم ٦٤٠٥، ٨٦/٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، رقم ٩،٧٥٦٣/ ٠١٦٢ جَوَسُولَةُ الْبَقِّ القرآن الكريم ١١٠