Indexed OCR Text
Pages 21-32
التسخين ثم لم يستطع أصحاب المذاهب المصطنعة المتكلفة أن يساووا بين أجر العامل وأجر المهندس، ولا بين أجر الجندي وأجر القائد، على شدة ما حاولوا أن يحققوا مذهبهم، وهزموا أمام الناموس الإلهي الذي تقرره هذه الآية من كلام الله، وهي تكشف عن سنة ثابتة من سنن الحياة (١). (١) في ظلال القرآن ٥/ ٣١٨٧. آثار التسخير الإيمانية على العبد إن تسخير هذا الكون بما فيه من المنافع والنعم العظيمة في المأكل والملبس والمشرب والزينة ووسائل النقل والمواصلات، وغيرها من النعم، يوجب على الإنسان شكر الله تعالى وتعظيمه، وبيان ذلك من خلال النقاط الآتية: أولًا: شكر الله تعالى: من آثار التسخير الإيمانية التي ذكرها القرآن الكريم شكر الله. قال تعالى: ﴿﴿اللَّهُ الَّذِى سَخََّ لَكُرُ الْبَعْرَ لِتَجْرِىَ الْقُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِنََّغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُرْ تَتَّكُرُونَ ﴾ [الجاثية: ١٢]. وقال سبحانه: ﴿ وَأَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِن شَعَيرِ اَللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌّ فَاذَّكُرُواْ أَسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا صَوَآَفَّ فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَّ كَذَلِكَ سَخَّتَهَا لَكُرْ ◌َعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الحج: ٣٦]. إن تسخير البحار وجعلها خاضعة وميسرة لمنافع الإنسان، فتجري عليها السفن في حمل البضائع والأسفار واستخراج الطعام واللباس منها، وتسخير وسائل النقل والمواصلات من الأنعام والسفن والسيارات والطائرات، وغيرها من وسائل النقل. وتسخير الأنعام من إبل وبقر وغنم فتذبح www. modoee.com ١٣١ حرف التاء وتركب وتحلب، وتمكنه من الانتفاع بها من بنعم الله على معصيته فليس من الشاكرين؛ وإنما هو كنود كفور. أعظم النعم على البشر، لذا يوجههم إلى الأدب الواجب في شكر هذه النعمة وتذکر المنعم كلما عرضت النعمة، لتبقى القلوب موصولة بالله عند كل حركة في الحياة. ﴿وَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله تعالى، فإنكم إذا شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَإِن كَفَرْتُمْ إِنَّ شکرتموه زادکم من نعمه، وأثابکم على شکر کم أجرًا جزيلاً. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمَا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ ٧١ وَهُمْ وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْ كُونَ () فِيهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٍ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ ٧٣ [يس: ٧١ -٧٣]. استفهامُ تعجيبي لترکھم تکریر الشكر على هذه النعم العدة فلذلك جيء بالمضارع متتالية متعاقبة في كل حين (١). وأصل الشكر في اللغة: الوصف بالجميل على جهة التعظيم على النعمة، من اللسان والجنان والأركان، وقيل: الظهور، ويضاده الكفران، وهو نسيان النعمة وسترها، وشكر العبد لربه: هو أن يستعين بنعمه على طاعته، وشكر الرب لعبده: هو أن یثیبه الثواب الجزيل من عمله القليل، وأما من يستعين (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٪ ٤٣٠، فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٥٣٨، في ظلال القرآن، سيد قطب ٥/ ٣١٨٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/ ٦٩. وقد بين تعالى أن الشكر يزيد النعم والكفر يذهبها، إلا ما كان استدراجًا، فقال في شكر النعمة: ﴿وَ إِذْ تَأَذَنَ رَبُّكُمْ لَين عَذَابِ لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: ٧]. وقال في الكفران وعواقبه: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةٌ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (١)﴾ [النحل: ١١٢]. وبهذه المناسبة: فعلى كل المسلمين أفرادًا وجماعات، أن يقابلوا نعم الله بالشكر، وأن يشكروها بالطاعة والعبادة لله، المفيد للتجديد والاستمرار لأن تلك النعم وأن يحذروا كفران النعم(٢). ويخص البدن بالذکر لأنها أعظم الهدي، فیقرر أن الله أراد بها الخير لهم، فجعل فيها خيرًا وهي حية تركب وتحلب، وهي ذبيحة تهدى وتطعم، فجزاء ما جعلها الله خيرًا لهم أن يذكروا اسم الله عليها، ويتوجهوا بها إليه وهي تهيأ للنحر بصف أقدامها، ﴿فَذَّكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَ﴾، والإبل تنحر قائمة على ثلاث معقولة الرجل الرابعة، ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا﴾، واطمأنت على الأرض (٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣/ ٧٧، أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٣٦٠. مَوَسُولَة التي القرآن الكريم ١٣٢ التسخين بموتها أكل منها أصحابها استحبابًا، وأطعموا منها الفقير القانع الذي لا يسأل، والفقير المعتر الذي يتعرض للسؤال، فلهذا سخرها الله للناس ليشكروه على ما قدر لهم فيها من الخير حية وذبيحة (١). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: ذللناها لكم، وجعلناها منقادة لكم، تفعلون بها ما شئتم من نحر وركوب، وحلب وغير ذلك من المنافع، ولولا أن الله ذللها لكم لم تقدروا علیھا؛ لأنها أقوى منكم، ألا ترى البعير إذا توحش صار صاحبه غير قادر عليه، ولا متمكن من الانتفاع به، وقوله هنا: ﴿لَعَلَّكُمْ نَشْكُرُونَ﴾ قد قدمنا مرارًا أن لعل تأتي في القرآن لمعان، أقربها اثنان: أحدهما: أنها بمعناها الأصلي، الذي هو الترجي والتوقع(٢). وفي الآيات تسخير الله تعالى لهذا الكون دون مقابل يستوجب الشكر، وهذا هو الأدب الواجب في حق المنعم، يوجهنا الله إليه، لنذكره كلما استمتعنا بنعمة من نعمه التي تغمرنا، والتي نتقلب بين أعطافها ثم ننساه. ثانيًا: تعظيم الله تعالى: من آثار التسخير الإيمانية التي ذكرها القرآن الكريم: تعظيم الله تعالى. (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٤٢٣. (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٥/ ٢٦٠. قال تعالى: ﴿ وَأَلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ ١٢ لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيَّتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا [الزخرف: ١٣ هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ، مُقْرِنِينَ ( ١٢- ١٣]. إن تسخير وسائل النقل والمواصلات من الأنعام والسفن والسيارات والطائرات، وغيرها من وسائل النقل من أعظم النعم على البشرية، لذا يجب على الإنسان تعظيم الله حين ركوبها والاستواء عليها، وقد نبهنا ربنا جل وعلا وعلمنا كيفية هذا التعظيم بقوله: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ والتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق، فهو يدل على التنزيه عن النقائص، وهو من مادة السبح والسباحة، وهي: الذهاب السريع البعيد في البحر أو البر. و ﴿سُبْحَنَ﴾، اسم يدل على الثبوت والدوام، فكأن تنزيه الله موجود وثابت له سبحانه قبل أن يوجد المنزه، كما نقول في الخلق، فالله خالق ومتصف بهذه الصفة قبل أن يخلق شيئا، وهو يدل على تنزيه الله جل وعلا أکمل التنزیه وأتمه، عن کل ما لا يليق بكماله و جلاله. والإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾، راجعة إلى لفظ ﴿مَا﴾، من قوله: ﴿مَاتَرَّكَبُونَ﴾، وجمع الظهور نظرًا إلى معنى ما؛ لأن معناها عام www. modoee.com ١٣٣ حرف التاء شامل لكل ما تشمله صلتها، ولفظها مفرد، وتيسير أسبابها وبقائها ودفع ما يضادها فالجمع في الآية باعتبار معناها، والإفراد أو ينقصها، كله من فضل الله وإحسانه، باعتبار لفظها(١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، ثم تذكروا مع التعظيم في قلوبكم وألسنتكم نعمة ربكم إذا استويتم عليه، وذلك الذكر هو: أن يعرف أن الله تعالی خلق وجه البحر، وخلق الرياح، وخلق جرم السفينة على وجه يتمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي جانب شاء وأراد. فإذا تذكروا أن خلق البحر، وخلق الرياح، وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصریفات الإنسان ولتحریکاته ليس من تدبير ذلك الإنسان، وإنما هو من تدبير الحكيم العليم القدير، عرف أن ذلك نعمة عظيمة من الله تعالى، فيحمله ذلك على الانقياد والطاعة له تعالى، وعلى الاشتغال بالشكر لنعمه التي لا نهاية لها. وتقييدها في هذه الحالة وقت تبوء النعمة؛ لأن کثیرًا من الخلق تسکرهم النعم، وتغفلهم عن الله، وتوجب لهم الأشر والبطر، فهذه الحالة التي أمر الله بها هي دواء هذا الداء المهلك، فإنه متى ذكر العبد أنه مغمور بنعم الله، وأن أصولها وتيسيرها (١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٧/ ٢٢١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ١٧٤، أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٨٦. خضع لله وذل، وشكره وأثنی علیه، وبهذا تدوم النعمة ويبارك الله فيها، وتكون نعمة حقيقية. فأما إذا قابلها بالأشر والبطر، ونسي المنعم، وربما تكبر بها على عباد الله، فهذه نقمة في صورة نعمة، وهي استدراج من الله للعبد سريعة الزوال، وشيكة بالعقاب عليها والنكال، نسأل الله أن يوزعنا شكر نعمه(٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ, مُقْرِنِينَ﴾، أي: بمجرد القوة الجسدية (٣). وفي الآية: تعظيم الله تعالى وتمجيده وشکره؛ لأنه هو الذي سخر لنا ما نر کبه من الأنعام والسفن وذللها، ولو لم يذللها الله لهم لما قدرنا عليها، ولا يخفى أن الجمل أقوى من الرجل، وكذلك البحر لو لم يذلله لهم ويسخر لهم إجراء السفن فيه لما قدروا على شيء من ذلك. وقد علمنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم تعظيم الله عند الركوب. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤/ ٤٠٦، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧ / ٦٢١، تيسير اللطيف المنان، السعدي ص ٣٤٥، التفسير المنير، الزحيلي ٢٥ / ١٢٥. (٣) انظر: تيسير اللطيف المنان، السعدي ص ٣٤٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ١٧٥. مَشَابَة النفسية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ١٣٤ التسخين قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان شَعَكَبِرِ اَللَّهِ لَكُنْ فِيهَا خَيْرٌ فَذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوََّفَّ فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُّهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَّ كَذَلِكَ سَخَرْنَهَا لَكُرْ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا لَعَلَّكُمْ نَشْكُرُونَ (@) وَلَا يِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُنْ لِشُكَبِرُواْاللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَّكُمْ وَبَثِيرٍ اَلْمُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: ٣٦-٣٧]. إذا ر کب راحلته، کبر ثلاثًا، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنین، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم يقول: اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا السفر، واطو لنا البعيد، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، وأخلفنا في أهلنا)، وكان صلى الله عليه وسلم إذا رجع إلى أهله قال: (آيبون تائبون إن شاء الله عابدون، لربنا حامدون)(١). وإن تسخير الأنعام من إبل وبقر وغنم للإنسان وتمكنه من الانتفاع بها من أعظم النعم على البشر، لذا یطلب تعظيم الله حین ذبحها والتسمية عليها، والأكل منها. وإن الله لا ينتفع من أعمال العباد بشيء، ولكن النفع يعود على الإنسان ذاته. فما يقدمه من قرابين وهدايا للحرم المکي أو أضاحي أو نذور، فإنما يقصد به تربية الإنسان، وغرس جذور التقوى في نفسه، وأداء واجبه، وشكر نعمة الله علیه، وتكبيره على هداية الله إياه، وإحسانه القول والعمل. قال الله تعالى مبينًا ما يطلب حال ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْتَهَا لَكُر ◌ِّن ذبح الإبل: (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره، رقم ٢،١٣٤٢/ ٠٩٧٨ والتكبير في الآية: قيل: إنه ما یکون عند الذبح: بسم الله، الله أكبر، والأحسن أن يفسر بالتعظيم والتقديس والشكر، وترى أيضًا أنه قد أعيد في الآية حديث تسخير الأنعام، وتذليلها للناس، لأن في الإعادة تذكيرًا بالنعمة يبعث على شكرها والثناء على الله من أجلها، والقيام له بما يجب لعظمته وكبريائه، لأنه تعالى سخر لهم تلك البهائم، وأخضعها لتصريفهم، وأراهم ما يصنعون فيها، وكيف يتقربون بها(٢). وفي الآية: دلالة على أن التقوى وشكر الله تعالى والإحسان في العمل له جل شأنه من أهم المطالب الشرعية، التي لا يجوز لأحد إغفالها أو التهاون فيها. (٢) انظر: الوسيط، الزحيلي ٢/ ١٦٤٧، تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٥١٢. www. modoee.com ١٣٥ حرف التاء آثار التسخير في عمارة الأرض لقد ظهر أثر هذا التسخير في الكون في كل مناحي الحياة، في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فظهرت آثار مادية ومعنوية، وبيان ذلك من خلال النقاط الآتية: أولًا: الآثار الحسية: لقد ذكر القرآن الكريم آثار التسخير المادية في عمارة الأرض. قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِّيَحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِه دُخَآءَ حَيْثُ أَصَابَ ا وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَهَاخَرِينَ مُقَرَّبِينَ فِ الْأَصْفَارِ ﴾ [ص: ٣٧ ٣٦-٣٨]. سبحانه: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ, عَيْنَ اُلْقِطْرِّ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِهُ وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ يَعْمَلُونَ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ) لَهُمَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَلَْوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍّ أَعْمَلُوْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًاً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: ١٢-١٣]. بينت الآيات الآثار الحسية، والتي منها: التجارة، والاقتصاد، والصناعة. فأخبر تعالى أنه سخر لسليمان عليه السلام الريح، ومعنى تسخيره الريح: خلق ريح تلائم سير سفنه للغزو أو التجارة، فجعل الله لمراسيه في شواطئ فلسطين رياحًا موسمية تهب شهرًا مشرقة لتذهب في ذلك الموسم سفنه، و تهب شهرًا مغربة لترجع سفنه إلى شواطىء فلسطين. قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ اَلَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَاً وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ ﴾ [الأنبياء: ٨١]. ٨١ عَلِمِينَ فأطلق الغدو على الانصراف والانطلاق من المكان تشبيهًا بخروج الماشية للرعي في الصباح، وهو وقت خروجها، أو تشبيهًا بغدو الناس في الصباح(١). وقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِ﴾، والإسالة: جعل الشيء سائلًا في الأرض كمسيل الوادي، وعين القطر ليست عينًا حقيقة، ولكنها مستعارة لمصب ما يصهر في مصانعه من النحاس، حتى يكون النحاس المذاب سائلًا خارجًا من مساقي، ونحوها من الأنابيب، كما يخرج الماء من العين لشدة إصهار النحاس وتوالي إصهاره، فلا يزال يسيل ليصنع له آنية وأسلحة ودرقًا، وما ذلك إلا بإذابة وإصهار خارقين للمعتاد بقوة إلهية. شبه الإصهار بالكهرباء أو بالألسنة النارية الزرقاء، وذلك ما لم يؤته ملك من ملوك زمانه، ويجوز أن يكون السيلان مستعارًا لكثرة القطر كثرة تشبه كثرة ماء العيون والأنهار(٢). (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ١٥٨. (٢) انظر: المصدر السابق. ١٣٦ القرآن الكريم التسخين وقوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ, مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ﴾ قصور حصينة ومساكن شريفة، سميت بها؛ لأنها يذب عنها ويحارب عليها، والمحاريب: جمع محراب، وهو الحصن الذي يحارب منه العدو والمهاجم للمدينة، أو لأنه يرمى من شرفاته بالحراب، ثم أطلق على القصر الحصين، وقد سموا قصور غمدان في اليمن: محاريب غمدان، وهذا المعنى هو المراد في هذه الآية، ثم أطلق المحراب على المكان الذي يختلى فيه للعبادة، فهو بمنزلة المسجد الخاص(١). والتماثيل: هي الصورة الممثلة، أي: المجسمة، فكان النحاتون يعملون لسليمان تماثيل للملائكة والأنبياء على ما اعتادوا من العبادات ليراها الناس فيعبدوا نحو (٢) عبادتهم(٢). والجفان: جمع جفنة، وهي القصعة العظيمة التي يجفن فيها الماء، وشبهت الجفان في عظمتها وسعتها بالجوابي، وهي جمع جابية، وهي: الحوض العظيم الواسع العميق، الذي يجمع فيه الماء لسقي الأشجار والزروع (٣). (١) انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب ٩/ ٥٨٩٥، أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ٢٤٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢ / ١٦٠. (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ٢٤٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ١٦٢. (٣) انظر: المصادر السابقة. وقوله تعالى: ﴿وَغَوَّاصٍ﴾، من يغوصون له من الشياطين، أي: يغوصون له في البحار فيستخرجون له منها الجواهر النفيسة، كاللؤلؤ والمرجان، والغوص: النزول تحت الماء، والغواص: الذي يغوص البحر ليستخرج منه اللؤلؤ ونحوه، أن الشياطين المسخرين له يعملون له عملًا دون ذلك، أي: سوی ذلك الغوص المذکور، أي: کبناء المدائن، والقصور، وعمل المحاريب، والتماثيل، والجفان، والقدور الراسيات، وغير ذلك من اختراع الصنائع العجيبة (٤). وظهر أثر هذا التسخير في الكون في كل مناحي الحياة، في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فشيدت ناطحات السحاب، وأقيمت السدود العملاقة لإنتاج الطاقة، وحولت الصحاري إلى مناطق زراعية خصبة، وعمرت المدن الكبيرة. ومن هذه الأثار الحسية: ما نشاهد من مصانع تشاد لصناعة وسائل النقل بمختلف أنواعها، السفن البحرية، الشراعية والنارية، والطائرات والسيارات والقطارات، لَكُمْ مِنَ الْفُلَّكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢]. ومن آثار التسخير الحسية التي ذكرها القرآن الكريم: صناعة الدروع والأسلحة (٤) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ٢٣٦، الوسيط، طنطاوي ٩/ ٢٣٩. www. modoee.com ١٣٧ حرف التاء من الحدید. قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِرُونَ [الأنبياء: ٨٠]. ٨٠ * وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا وقال سبحانه: فَضْلًا يَنْجِبَالُ أَوِّبِى مَعَدُ وَالظَّيْرٌ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ ٥ صَلِحًا إِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾﴾ [سبأ: ١٠- ١١](١). ومن آثار التسخير الحسية التي ذكرها القرآن الكريم: صناعة السدود، فيصور القرآن ما صنعه ذو القرنين ليوقف زحف يأجوج ومأجوج على الآخرين. فقال تعالى: ﴿قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْبُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْهًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَبْنَهُ سَدَّا قَالَ مَامَكَّنِى فِيهِ رَبِى خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ءَاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَقَّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفِيْنِ ٩٥ قَالَ أَنفُخُواْ حَقَّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِيِّ أُفْرِعْ عَلَيْهِ قِظْرًا فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا ﴾ [الكهف: ٩٤ -٩٧]. أَسْتَطَعُواْ لَهُ نقَبَا (١٧) وكان إقامة هذا السد لدفع الأذى عن الإنسان، وقد استخدمت السدود اليوم في توليد طاقة المياه الجارية، فيقيم على مسارها عجلات تحركها المياه فتدير (١) انظر: التصوير القرآني للقيم الخلقية والتشريعية، علي صبح ص ٢٨٧. الطواحين لغلاله. كذلك عرف الإنسان كيف يقيم مراوح تحركها الرياح، وكيف يحول تلك الحركة إلى إدارة الطواحين، وساهم هذا الاختراع في توليد الطاقة الكهربائية، التي تستخدم في جميع المجالات والاحتياجات الإنسانية، ومن الرياح ما يحمل النفع للناس، ففيها تحريك السفن التي تنقل الناس والتجارة، ومن الرياح ما يحمل السحاب ويسوق المطر. قال تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الْرِّيَحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَأَيْتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤](٢). ومن آثار التسخير المادية: صناعة الأسورة وأدوات الزينة من الذهب، واستخراج الأحجار الكريمة في خدمة البشر. فمن المياه كان يستخرج اللؤلؤ والمرجان، واللؤلؤ: إفراز كلسي تحتضنه قواقع معينة ذات ضلفتين (صدفتين)، ويكون اللؤلؤ في حبيبات مستديرة أو قريبة من الاستدارة في حجم حبة الحمص، وقد تكون أصغر أو أكبر، بيضاء اللون عادة، وقد يشوبها لون آخر، واشتهرت المياه الدافئة بوجود أصداف اللؤلؤ، ويمارس غواصو اللؤلؤ صناعة الحصول على اللؤلؤ (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٦٣، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٣ / ٢٣١. ١٣٨ القرآن الكريم التسخين من أصدافه، أما المرجان فيكون في أعواد الله به إذ آنسه بتلك الأصوات في وحدته في الجبال وبعده عن أهله وبلده، على متشعبة ذات لون برتقالي أو أحمر، ولها مظهر أعواد النبات، إلا أنها حيوان بحري من عائلة المرجانیات، وهو حيوان رخوي يحتمي داخل أعواد كلسية مجوفة، هي أعواد المرجان، ويمكن الحصول على اللؤلؤ وعلى المرجان من المياه المالحة أساسًا، ومن المياه العذبة في ظروف خاصة. التمام والكمال، وإذا كان داود وسليمان قد خلع الله سبحانه وتعالى عليهما هذه الخلع العظيمة من نعمه، فإن هذه النعم قد وضعها الله تعالى للبشرية جميعًا، وتسخير هذا الكون بما فيه من الطاقات الهائلة التي تغطي احتياجات البشرية هو الذي يحقق للأمة کرامتها وعزها ومجدها. قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَيْعٌ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]. ﴿يَخْرُ مِنْهُمَا اُلُّؤْلُ وقال سبحانه: وَالْمَرْجَاتُ ﴾ [الرحمن: ٢٢](١). قال تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ مَادَمَ وَجَلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُمْ مِنَ الَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: ٧٠]. ٧٠ وقد جمعت الآية خمس منن: التكريم، وتسخير المراكب في البر، وتسخير ثانيًا: الآثار المعنوية: المراكب في البحر، والرزق من الطيبات، والتفضيل على كثير من المخلوقات. لقد ذكر القرآن الكريم الأثار المعنوية ، وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ للتسخیر، قال تعالی: مِنَّا فَضْلًا يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَدُ وَالطَّيْرٌّ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ن أَنِ أَعْمَلْ سَبِفَتٍ وَقَّدِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سبأ: ١٠- ١١]. والتكريم: جعله كريمًا، أي: نفيسًا غير مبذول ولا ذليل في صورته ولا في حركة مشيه وفي بشرته، والتكريم بما جعل الله فيه من المعارف والصنائع، وقبول التطور في أساليب حياته وحضارته، وهذا من كرمه عليهم وإحسانه الذي لا يقادر قدره، بينت هذه الآية الصورة الكريمة والثناء الجميل للإنسان الذي يحقق معنى التسخير، وفي هذا التسخير للجبال والطير مع كونه معجزة لداود عليه السلام وكرامة وعناية من حیث کرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل، وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء (١) انظر: القرآن وعلوم الأرض، محمد سميح والأصفياء، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة ص ١٩١. www. modoee.com ١٣٩ حرف التاء والباطنة، ﴿وَحَلْنَهُمْفِي الرِّ﴾، على الركاب من الإبل والبغال والحمير والمراكب البرية، ﴿وَالْبَحْرِ﴾، في السفن والمراكب، ﴿وَرَذَقْنَهُم مِّنَ اَلَّيِّبَتِ﴾، من المآكل والمشارب والملابس والمناكح، فما من طیب تتعلق به حوائجهم إلا وقد أکرمهم الله به ویسره لهم غاية التيسير، ومن التكريم: أن یکون الإنسان قیمًا على نفسه، محتملًا تبعة اتجاهه وعمله، فهذه هي الصفة الأولى التي بها کان الإنسان إنسانًا، حرية الاتجاه وفردیة التبعة، وبها استخلف في دار العمل، فمن العدل أن يلقى جزاء اتجاهه وثمرة عمله في دار الحساب(١). وإن آيات التسخير في القرآن الكريم فيها دلالة عظيمة ودعوة للمؤمنين إلى أن هذا التسخير يجب أن يستفيدوا منه في الحصول على كل الطاقات المسخرة في هذا الكون بما يغطي جميع الاحتياجات، ويدفع المسلمين إلى النهضة، ويلفتهم إلى جلال القرآن، ويحركهم إلى الانتفاع بقوى هذا الكون العظيم الذي سخره الله لنا، انتفاعًا يعيد لأمة الإسلام نهضتها ومجدها (١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٧ / ٦٩، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٦٣، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١١/ ٧٨٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ١٦٥، في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٢٤١. وكرامتها، قال تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِی السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١] وقال سبحانه: ﴿وَسَخَّرُ لَكُ مَّا فِ السَّمَّوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيْتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: ١٣]. فلا يليق بالمسلمين وهم المخاطبون بهذا أن يفروا من وجه هذه المنافع العامة، ولا أن يزهدوا في علوم الكون، ولا أن يحرموا أنفسهم فوائد التمتع بثمرات هذه القوى العظيمة التي أودعها الله لخلقه في خزائن سماواته وأرضه، ولهذا نص علماؤنا على أن تعلم تلك العلوم الكونية وحذق هذه الصناعات الفنية فرض من فروض الكفايات؛ ما داموا في حاجة إليها لمصلحة الفرد أو المجموع، وذلك لأن البقاء في هذه الحياة للأصلح، والحياة في هذا الوجود إنما تقوم على التمهر في العلوم، وعلى السبق في حلبة الصناعات والفنون. ومما يشير إلى هذه المعاني كلها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَّكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُواْ مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: ١٥]؛ لترتبه على ما قبله ١٥ بالفاء، أي: بسبب تذليلها بتيسير المشي في أرجائها، وطلب الرزق في أنحائها بالتسبب فيها من زراعة وصناعة وتجارة إلخ، والأمر في قوله تعالى: ﴿فَمَشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُوا مِن ١٤٠ القرآن الكريمِ التسخين رِّزْقِهِ﴾، للإباحة، ولكن التقديم لهذا الأمر تعالى على الأرض، لا يتحقق لها هذا، حتى بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾، فيه امتنان من الله تعالى على خلقه مما يشعر أن في هذا الأمر مع الإباحة توجيهًا وحثًا للأمة على السعي والعمل والجد، والمشي في مناکب الأرض من کل جانب؛ لتسخیرها و تذليلها، مما يجعل الأمة أحق بها من غيرها. وعليه، فقد وضع القرآن الأمة الإسلامية في أعز مواضع الغنى، والاستغناء والاستثمار والإنتاج، فما نقص عليها من أمور دنياها إلا بقدر ما قصرت هي في القيام بهذا العمل، وأضاعت من حقها في هذا الوجود، وإن على الأمة الإسلامية أن تعمل على استثمار وإنتاج كل حاجياتها حتى الإبرة؛ لتستغني عن غيرها، وإلا احتاجت إلى الغير بقدر ما قصرت في الإنتاج، وهذا هو واقع العالم اليوم، إذ القدرة الإنتاجية هي المتحكمة وذات السيادة الدولية، وقد أعطى الله العالم الإسلامي الأولوية في هذا كله، فعليهم أن يحتلوا مكانهم، ويحافظوا على مکانتهم، ویشیدوا کیانهم بالدین والدنيا معا(١). قال عبد الكريم الخطيب: ((ولكن هذه الخلقة المهيأة لأن تكون بمقام الخلافة لله (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٨/ ٢٣٨، مناهل العرفان، الزرقاني ١/ ٢٥. تحقق هي ذاتيتها، وتخرج القوى الكامنة فيها، وتفجر الطاقات المندسة في كيانها، كالنواة التي تضم في كيانها عناصر شجرة عظيمة، أو نخلة باسقة، تظل هكذا شيئًا ضئيلًا ميتًا، حتى تندس في صدر الثرى، ثم تتفاعل معه، وتخرج خبأها بعد جهد وصراع، أما الإنسان الذي لا يعمل على الانتفاع بما أودع الله فيه من قوى، فسيظل كتلة باردة من لحم ودم، لا یرتفع کثیرًا عن مستوى أدنى الحيوانات وأحطها منزلة، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَّ فيِ أَحْسَنِ تَقْوِيٍ ، ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ ◌َمْنُونٍ [التين: ٤-٦]. هذا هو مقام الإنسان في العالم الأرضي، إنه سيد المخلوقات كلها في هذا العالم، مادام محتفظًا بإنسانيته، عاملًا على الارتقاء بوجوده، أما المخلوقات التي في غير هذا العالم الأرضي، فلا شأن للإنسان بها، كما أنها لا شأن لها بالإنسان، ومن ثم فالمفاضلة بينه وبينها شيء غير وارد، وغير منظور إليه، إذ لا تعامل بين الإنسان وبين تلك المخلوقات!))(٢). ومن الآثار المعنوية للتسخير في قوله تعالى: ﴿فَسَخَّْنَا لَهُ الْرِّيَجَ تَجْرِى بِأَمْرِه ◌ُخَ حَيْثُ (٢) التفسير القرآني للقرآن ٥٢٥/٨. www. modoee.com ١٤١ حرف التاء أَصَابَ ٣٧ وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنٍَّ وَغَوَّاصٍ ٣٦ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّبِينَ فِي الأَصْفَادِ (٦)﴾ [ص: ٣٦- ٣٨]. ففي هذه الآية دليل على عظمة وقوة ملك سليمان عليه السلام وعزة سلطانه، وذلك أن الريح قوة عاتية وجبارة وقد سخرها الله تعالى في خدمة سليمان عليه السلام ومملكته العظيمة، وكذلك الجن طائفة عاتية وقبيلة طاغية ماردة تسخر هذه الطاقة في خدمة مملكة سليمان عليه السلام. وقال تعالى يصف معجزة سليمان في تسخير الرياح: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرّيَحَ عَاصِفَةً تَّجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨١]. وقال سبحانه: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ اَلْرِيحَ غُدُوُّهَا ٠٠٠١٠٠ شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. وقال جل وعلا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ ◌ِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢ ]. وهكذا صور القرآن الكريم الحرف الصناعية تصويرًا معجزًا ليرسي الخلق الإسلامي، خلق القرآن الكريم؛ فيتحقق ما يأتي: التشريع والتقرير لهذه الصناعات، وأنها مشروعة من قبل الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِىِ مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِنْ رِّزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. وغرس القيم وتنمية الفضائل من خلال التشريع لهذه الصناعات المتنوعة، لتحقق الغاية من الإسلام وهي الأخلاق، كما جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(١)، كما حث الإسلام على العمل والصمود فيه، فخير الکسب ما کان من عمل الید. عن المقدام رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما أكل أحد طعامًا قط، خیرًا من أن یأکل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام، کان یأکل من عمل يده)(٢)(٣). موضوعات ذات صلة: الأرض، الأنهار، الشمس، القمر، الجبال (١) أخرجه أحمد في المسند، رقم ٨٩٥٢، ١٤ / ٥١٢، والبيهقي في السنن الكبرى رقم كتاب الشهادات، باب بيان مكارم الأخلاق ومعاليها، ١٠،٢٠٧٨٢/ ٣٢٣. والحديث صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ ١١٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، رقم ٢٠٧٢، ٣/ ٥٧. (٣) انظر: النكت، القصاب ٣ / ٦٨٧، روح المعاني، الألوسي ١٠/ ١٦٩. ١٤٢ لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ