Indexed OCR Text
Pages 21-40
التركية نفوسهم، فدانوا لحكمه خاضعين، واهتدوا بينهم لأهون سبب يثير حميتهم الجاهلية؛ بهدیه راشدین(١). لما اعتادوه من البغي في الثارات، ومن شن الغارات، ونهب بعضهم بعضًا، وكان فالتزكية تطهير النفس؛ لأن في أصل خلقة النفوس كمالات وطهارات تعترضها أرجاس ناشئة عن ضلال أو تضليل، فتهذیب النفوس وتقويمها یزیدها من ذلك الخير المودع فيها. عندهم من التسفل أن أحدهم يتزوج زوج أبيه أو يعضلها حتى تفتدي منه، إلى غير ذلك. وقد زکاهم النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كله باقتدائهم بأخلاقه العظيمة في عباداته الكاملة وآدابه العالية، وجمعهم بعد تلك الفرقة، وألف الله بينهم علی یدیه، حتى صاروا كرجل واحد، وجعلت شريعته ذمتهم واحدة يسعى بها أدناهم، فإذا أعطى مولى أو رقيق لهم أمانا لأي إنسان محارب؛ والكمال نماء لما أودع الله في النفوس من كان ذلك كتأمين أمير المؤمنين له، فأي تزكية أعلى من هذه التزكية؟)) (٤). قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِسَنَ فِيَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [التين: ٤-٦]. وفي الحديث: (بعثت لأتمم حسن الأخلاق)(٢)، ففي الإرشاد إلى الصلاح الخير في الفطرة (٣). ((إن الإسلام كما جاء بالتوحيد الماحي للشرك، جاء بالتهذيب المطهر من سفساف الأخلاق وقبائح العادات والمعاصي التي كانت فاشية في العرب، فقد كانوا يئدون بناتهم - يدفنونهن أحياء - ويقتلون أولادهم للتخلص من النفقة عليهم، وذلك نهاية القسوة والشح، و كانوا يسفكون الدماء فيما (١) تفسير المراغي ١٨/٢. (٢) أخرجه أحمد في المسند، ١٤/ ٥١٢، رقم ٨٦٥٢. قال ابن عبدالبر في الاستذكار ٢٨٠/٨: ((وهذا حديث مسندٌ صحيحٌ)). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ٤٥. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٩/٢. وقدمت جملة ﴿وَيُزَكِيكُمْ ﴾ هنا على جملة ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ﴾ عكس ما جاء في الآية السابقة في حكاية قول إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّبِهِمْ﴾؛ لأن المقام هنا للامتنان على المسلمين، فقدم ما يفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم، وهي منفعة تزكية نفوسهم اهتمامًا بها، وبعثًا لها بالحرص على تحصيل وسائلها وتعجيلًا للبشارة بها. أما في دعوة إبراهيم فقد رتبت الجمل على حسب ترتيب حصول ما (٤) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢٣/٢. www. modoee.com ٢٧ حرف التاء تضمنته في الخارج، مع ما في ذلك التخالف من التفنن. وقيل: حيث يقدم التزكية يكون معظم المخاطبين عوامًا مقلدين ليسوا أهلاً لتعلم الحكمة والكتاب، فتكون التزكية أهم، وحیث یقدم التعلیم یکون المخاطبون خواصًا، فيكون الأهم التعليم مع أن كلا الأمرين مطلوب(١). وإذا أشرقت النفوس بنور الحق، فكانوا حكماء علماء عدولًا أذكياء، حتى وتحلت بالأخلاق الحميدة، قويت على تلقي ما يرد عليها من الحقائق السامية. فقال: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اٌلْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وهي صفة رابعة للرسول صلی الله عليه وسلم. أي: ویعلمکم القرآن الکریم، ویبین لكم ما انطوى عليه من الحكم الإلهية، والأسرار الربانية، التي لأجلها وصف بأنه هدى ونور، فالنبى صلى الله عليه وسلم كان يتلوه عليهم ليحفظوا نظمه ولفظه؛ حتى يبقى مصونًا من التحريف والتصحيف، ويرشدهم إلى ما فيه من أسرار وحکم ليهتدوا بهديه، ويستضيئوا بنوره. ﴿وَاَلْحِكْمَةَ﴾ وهي العلم المقترن بأسرار الأحكام ومنافعها، الباعث على العمل بها، ذاك أن سنة الرسول العملية وسيرته صلى الله عليه وسلم في بيته، ومع أصحابه في السلم والحرب، والسفر والإقامة، فى القلة والكثرة، جاءت مفصلة لمجمل القرآن، مبينة لمبهمه، كاشفة لما (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٥/٢. في أحكامه من الأسرار والمنافع، ولولا هذا الإرشاد العملي لما كان البيان القولي كافيًا في انتقال الأمة العربية من طور الشتات والفرقة والعداء والجهل، إلى الائتلاف والاتحاد، والتآخي والعلم، وسياسة الأمم. فالنبى صلى الله عليه وسلم وقف أصحابه علی فقه الدین، ونفذ بهم إلی سره، إن أحدهم كان يحكم المملكة العظيمة، ویقیم فيها العدل، ويحسن السياسة، وهو لم يحفظ من القرآن إلا بعضه، لكنه فقهه وعرف أسرار أحكامه(٢). وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ صفة خامسة له صلى الله عليه وسلم. قال القاسمي: ((تنبيه على أنه تعالى أرسل رسوله على حين فترة من الرسل، وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم. فبعث الله تعالى النبي بالحق، حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرهم قلوبًا، وأقلهم تكلفًا، وأصدقهم لهجة، وذلك من أعظم أنواع النعم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولَا مِّنْ أَنْفُسِ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآية. وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة فقال (٢) تفسير المراغي ١٩/٣. مَوَسُولَة التي القرآن الكريم ٢٨ الشركة تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّ أْ قَوْمَهُمْ دَارَ اَلْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]. قال ابن عباس يعني: بنعمة الله، محمدًا صلى الله عليه وسلم. والمراد بعدم علمهم: أنه ليس من شأنهم أن يعلموه بالفكر والنظر وغير ذلك من طرق العلم؛ لانحصار الطريق في الوحي. ومما لم يكونوا يعلمونه وعلمهم إياه صلى الله عليه وسلم: وجوه استنباط الأحكام من النصوص أو الأصول المستمدة منها، وأخبار الأمم الماضية، وقصص الأنبياء، وغير ذلك مما لم تستقل بعلمه عقولهم. وبهذا النوع من التعليم صار الدين كاملًا قبل انتهاء عهد النبوة (١). إذًا التزكية هي إحدى وظائف الأنبياء عليهم السلام جميعًا، وقد أدوها خير الأداء دون تقصير أو إخلال، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وبما أن العلماء الذين هم الصف الأول في اتباع الأنبياء، فهم ورثة الأنبياء، والأنبياء عليهم السلام لم يورثوا درهما ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، إن مهمة التزكية تنتقل إليهم بوفاة الأنبياء. وسائل التزكية في القرآن إن طبيعة الأديان تعتبر النفس الصالحة هي البرنامج المفضل لكل إصلاح، والخلق القوي هو الضمان الخالد لكل حضارة. وليس في هذا تهوين، ولا غض من عمل الساعين لبناء المجتمع والدولة، بل هو تنويه بقيمة وأهمية تزكية النفوس والإصلاح النفسي في صيانة الحياة وإسعاد الأحياء. إن النفس المختلسة تثير الفوضى في أحكم النظم، وتستطيع النفاذ منه إلى أغراضها الدنيئة، والنفس الكريمة ترقع الفتوق في الأحوال المختلفة، ویشرق نبلها من داخلها، فتحسن التصرف والمسير وسط الأنواء والأعاصير(٢)، ومن هنا كان حتمية تزكية النفس وإصلاحها وتقويمها، وسوف نستعرض أهم وسائل التزكية من خلال القرآن على النحو الآتي: لكن قبل ذلك نقول: أنه يقصد بوسائل التزكية: الأعمال التي تؤثر تاثيرًا مباشرًا على النفس بأن تشفيها من مرض، أو تخرجها من أسر، أو تحققها بخلق(٣). أولًا: الإيمان: الأساس الأول في التزكية هو الإيمان (٢) خلق المسلم، محمد الغزالي ص٢١. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١١/٣، إرشاد (٣) المستخلص في تزكية الأنفس، سعيد حوى ص ٢٧. العقل السليم، أبو السعود ١٧٩/١. www. modoee.com ٢٩ حرف التاء بالله سبحانه وتعالی وحده لا شريك له، فهذا هو الوسيلة الأساسية والأولى التي تبنى عليها كافة الوسائل الأخرى للتزكية، فلابد لكل بناء من أساس، وبمقدار قوة ذلك الأساس ورسوخه بمقدار ما ينهض البناء ويعلو ويقاوم الأعاصير، وبناء النفس على الاستقامة والصلاح، أساسه العبودية الحقة لله وحده، والإيمان به سبحانه وتعالى وبالدين الحق الذي ارتضاه لعباده؛ ليكون لهم شرعة ومنهاجًا، والإیمان ليس مجرد إعلان المرء بلسانه أو كلمات يرددها بين الحين والآخر، وإنما هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، فهو عمل نفسي يبلغ أغوار النفس ويصحبه الخضوع والطاعة والتسليم والعبادة، وكلما ازداد الإيمان رسوخًا أثمر ثمراته اليانعة في تزكية النفس واستقامة السلوك (١). والقرآن قد بين أركان الإيمان الستة في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ آلْبِرَّ أَن تُوُلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَّمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِ الْرِقَّابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَِّينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ (١) الإيمان والحياة، يوسف القرضاوي ص ١٩. :[البقرة: ١٧٧]. وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ وقوله تعالى: [القمر: ٤٩]. وقد جاء في حديث جبريل المشهور بيان لأصل الإيمان الذي هو التصديق الباطن، وفيه تفصیل لما یجب أن نؤمن به، وذلك جوابًا عن قوله صلی الله علیه وسلم: (فأخبرني ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال صلى الله عليه وسلم: صدقت)(٢). فالإيمان بالله من شأنه أن يفجر المشاعر النبيلة، ويوقظ حواس الخير، ويربي ملكة المراقبة، ويبعث على طلب المعالي من الأمور وأشرفها، وينأى بالمرء عن محقرات الأعمال وسفسافها. والإيمان بالملائكة يدعو إلى التشبه بهم والتعاون معهم على الحق والخير، كما يدعو إلى الوعي الكامل واليقظة التامة، فلا يصدر من الإنسان إلا ما هو حسن، ولا یتصرف إلا لغاية كريمة. والإيمان بالكتب السماوية السابقة، إنما هو عرفان بالمنهج الرشيد الذي رسمه الله للإنسان كي يصل بالسير عليه إلى كماله المادي والأدبي. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإیمان ما هو وبیان خصاله، رقم ٩. مؤشرُوالَةُ التَّقـ القرآن الكريم ٣٠ التركية خطاهم، والتخلق بأخلاقهم، والتأسي بهم، باعتبارهم أنهم يمثلون القيم الصالحة، والحياة النظيفة التي أرادها الله للناس. فالتمسك بما جاءوا به هو الطريق الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة. والإيمان باليوم الآخر هو أقوى باعث على فعل الخير، وترك الشر، فيحرص الإنسان على طاعة الله؛ رغبة في ثواب ذلك الیوم، والبعد عن معصيته؛ خوفًا من عقاب ذلك اليوم. والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، يزود المؤمن بقوى وطاقات إيمانية تساعده على تحدي كل العقاب والصعاب. والمؤمن بالقدر إذا رزقه الله مالًا، أو جاهًا أو علمًا أو غیر ذلك تواضع لله؛ لعلمه أن هذا من الله وبقدر الله، ولو شاء لانتزعه منه، إنه على كل شيء قدير، كما أنه يجعله يرضى بالله ربًا مدبرًا مشرعًا، فتمتليء نفسه بالرضا عن ربه، فإذا رضي بالله أرضاه الله(١). وهكذا يبدو بجلاء أن العقيدة الإسلامية، وأسسها يقصد بها تهذيب السلوك، وتزكية النفوس، وتوجيهها نحو الأمثل، فضلًا عن أنها حقائق ثابتة، بل هي تعد من أعلى المعارف الإنسانية إن لم تكن أعلاها على الإطلاق، وتهذيب سلوك الفرد وتزكية نفسه (١) العقائد الإسلامية، سيد سابق ص١١. والإيمان بالرسل إنما يقصد به ترسم من خلال الإيمان وغرس العقيدة الإيمانية هو من أعظم أساليب التربية، ذلك أن للدين سلطانًا على النفوس وتأثيرًا على المشاعر والأحاسيس، لا يكاد يدانيه في سلطانه وتأثيره شيء آخر من الوسائل التي ابتكرها العلماء والحكماء ورجال التربية(٢). ولهذا جعل القرآن الإيمان رأس تزكية النفوس، فقال موسى عليه السلام لفرعون عدو الله: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزََّ ) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨-١٩] قال الطبري: ((فقل له يا موسى: هل لك إلی أن تتطهر من دنس الکفر، وتؤمن بربك؟» (٣). يعني: هل ترغب في توحيد ربك، وتشهد أن لا إله إلا الله، وتزكي نفسك من الكفر؛ فتطهر من الذنوب (٤) وهذا لطف في الاستدعاء؛ لأن كل عاقل يجيب مثل هذا السؤال بنعم، وتزكى (٥). فالمقصود من الآية: حثه على أن يستعد لتخليص نفسه من العقيدة الضالة التي هي خبث مجازي في النفس، فيقبل إرشاد من یرشده إلى ما به زيادة الخير، فإن فعل المطاوعة يؤذن بفعل فاعل يعالج نفسه ويروضها إذا كان لم يهتد أن يزكي نفسه (٢) المصدر السابق. (٣) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٢٠١. (٤) تفسير السمر قندي ٣/ ٥٤٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠١/١٩. (٥) البحر المحيط، أبو حيان ٣٩٨/٤. www. modoee.com ٣١ حرف التاء بنفسه(١). فالحق أرشده إلى طريق الدعوة بألطف طريق؛ وذلك أن يعرض عليه ليؤامر نفسه ويرى رأيه، كما تقول للضيف: ألا تنزل بنا؟ وهذا فحوى قوله: ﴿فَقُولَا لَهُقَوْلاً لَّنًا﴾(٢). وهنا يرد سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدو المعاند؟ جوابه: لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتوًا وعلوًا. وقيل: لما له من حق تربية موسی شبه حق الأبوة(٣). ولما أشار له إلى الطهارة عن الشرك، أتبعها بالأعمال فقال: ﴿وَأَهْدِيَكَ ﴾ أي: أبين لك بعد التزكية بالإيمان الذي هو الأساس: كيف المسير ﴿إِلَى رَيِّكَ﴾ أي: الموجد لك، والمحسن إليك، والمربي لك بتعريفك ما يرضيه من الأعمال، وما يغضبه من الخصال، بعد أن بلغك في الدنيا غاية الآمال ﴿فنخشى﴾ أي: فيتسبب عن ذلك أنك تصير تعمل أعمال من يخاف من عذابه خوفًا عظيمًا، فتؤدي الواجبات وتترك المحرمات وسائر المنهيات، فتصير إلى أعلى رتب التزكية، فتجمع ملك الآخرة إلى ملك الدنيا، فإن الخشية هي الحاملة على كل خير، والآمن هو الحامل على الشر. وتقديم (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٧/٣٠. (٢) غاية الأماني، الكوراني ص ٣٢٤. (٣) غرائب القرآن، النيسابوري ٤/ ٥٤٧. التزكية على الهداية لأنها تخلية (٤). أي: أن المطلوب أولًا: التخلي عن دنس الشرك والكفر بالإيمان، ثم التحلي ثانيًا بخصال الخير والفضائل وملء النفس بالأخلاق الفاضلة، وإحلالها محل الأخلاق الرذيلة - وعلى رأسها الشرك - بعد أن خلیت منها. وقوله: ﴿مَلَ لَّكَ﴾ خبر مبتدأ مضمر. و﴿ إِلَ أَنْ تَزَّكَ﴾ متعلق بذلك المبتدأ، وهو حذفٌ سائغٌ، والتقدير: هل لك سبيل إلى التزكية، ومثله: هل لك في الخير، تريد: هل لك رغبة في الخير (٥). وفى هذا الأسلوب القرآنى الخطة المثلى، والمثل الكامل القويم لأصحاب الدعوات، من القادة، والزعماء، والمصلحين، إنهم لن يبلغوا بدعوتهم مواطن الإقناع، ولن يحصلوا منها على ثمر طيب، إلا إذا جعلوا الرفق واللين سبيلهما إلى الناس، والا إذا غذوها بمشاعر الحب، والرغبة الصادقة فى الإصلاح، وبخاصة إذا كان الداعي يدعو إلى حق، ويهدف إلى هدى وإصلاح، ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٤٥]. وليس مما يدخل فى هذا الباب، (٤) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢٣١/٢١، روح المعاني، الألوسي ٢٣٠/١٥. (٥) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٣٦/٢٠. مَوَسُوبَةُ اللَّهِ القرآن الكريم ٣٢ التركية المداهنة، والمخادعة، والنفاق، فذلك كله شر، إذا اختلط بالدعوة الصالحة أفسدها، مدارج الكمال المفرد، وروافد التطهر الذي وإذا خالط الحق أثار الدخان الكثيف فى سمائه الصافية، فغشى على الأبصار، وحجب الرؤية عن مواقع الهدى (١). ومن هنا يظهر لنا أن نقطة البداية والنهاية في تزكية النفس هي التوحيد، فهو الذي يطهر النفوس من أدران الشرك، وما يستتبعه الشرك من عجب وغرور، وكبر وحسد، وغير ذلك، ويقدر ما يتعمق التوحيد في النفس بقدر ما تزكو وتتحقق بثمرات التوحید من صبر وشكر، وعبودية، وتوکل، ورضا (٢). ثانيًا: أمهات العبادات: إن العبادات التي شرعت في الإسلام واعتبرت أركانًا في الإيمان به ليست طقوسًا مهمة في النوع الذي يربط الإنسان بالغيوب المجهولة، ويكلفه بأداء أعمال غامضة، وحركات لا معنى لها، كلا، فالفرائض التي ألزم الإسلام بها كل منتسب إليه، هي تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، وأن يطهر نفسه من قبائح الأعمال، فالصلاة والصيام والحج، وما (١) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ١٤٣٨/١٦. (٢) المستخلص في تزكية الأنفس، سعيد حوى ص٢٨. أشبه هذه الطاعات من تعاليم الإسلام هي يصون الحياة ويعلي شأنها، فإذا لم يستفد المرء منها ما يزكي قلبه، وينقي لبه، ويهذب بالله وبالناس صلته فقد هوى(٣) وسوف نعرض لذلك كما يلي: الوسيلة الأولى: الصلاة: تأتي الصلاة في الرتبة الأولى من العبادات التي لها دور في تزكية النفس، وتطهيرها من الآثام والشرور، ولأهمية هذه الشعيرة عند الحق لم يعف منها مسلم ولا مسلمة - كأصل عام - مهما كانت ظروفهما، فلا يحول دون أدائها فقر ولا ضعف، ولا مرض ولا سفر، بل لم يعف منها مسلم وقت الحرب -ولذلك كانت صلاة الخوف-، وهذا دليل قاطع على منزلة الصلاة عند الله؛ لما فيها من فوائد تعود على مؤديها بالخير والصلاح في الدنيا والآخرة (٤). فالصلاة أبان الله لنا الحكمة منها قائلًا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةٌ إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ اُلْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. يقول الإمام ابن كثير: ((إن الصلاة تشتمل على شيئين: على ترك الفواحش والمنكرات، أي: إن مواظبتها تحمل على (٣) خلق المسلم، محمد الغزالي ص ٩. (٤) القرآن والسلوك الإنساني، محمد سليم ص٥٧. www. modoee.com ٣٣ حرف التاء ترك ذلك)» (١). فالصلاة تنأى بالمؤمن عن الغرور بمتاع الدنيا، والاستعلاء على غيره من خلق الله وظلمهم والطغيان فيهم، حين يقف بين يدي الواحد الديان، خاشعًا مکبرًا ومتجردًا ومنصرفًا عن كل متاع الدنيا وزخرفها، متوجهًا إلى الحق سبحانه إيمانًا بأن العزة كلها لله. ﴿إِنَ الصَّلَوةَ ﴾ حين تقام حق القيام ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ ذلك أنها اتصال بالله، يخجل صاحبه ويستحيي أن يصطحب معه كبائر الذنوب وفواحشها ليلقى الله بها، وهي تطهرٌ وتجرد لا يتسق معها دنس الفحشاء والمنكر وثقلهما (٢). فالصلاة في الإسلام تشكل دعامة أساسية من دعامات التهذيب النفسي، فالإبعاد عن الرذائل، والتطهير من سوء القول، وسوء العمل، هو حقيقة الصلاة، وهذا هو جوهر التزكية. الوسيلة الثانية: الزكاة: إن الزكاة -ومثلها الصدقة- ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب، بل هي تطهير للنفس من داء البخل والشح، وتدريبها على البذل والسخاء، وتربيتها على الإنفاق (١) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٢٨٠. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧٣٨/٥، القرآن والسلوك الإنساني، محمد سليم ص ٦٠. والعطاء. وعليه فتشكل الزكوات والإنفاق في سبيل الله الوسيلة الثانية في الأهمية في باب التزكية، قال تعالى: ﴿وَأَحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. والإنفاق في سبيل الله هو الذي يطهر النفس من الشح فتزكو بذلك النفس (٣) كما قال: ﴿خُذُّ مِنْ أَمْوَ لِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم ◌ِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنُ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ ء ﴾ [التوبة ١٠٣]. عَلِيمٌ. قال ابن عباس: لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وصاحبيه انطلق أبو لبابة وصاحبه، فأتوا بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: خذ أموالنا وتصدق بها عنا، وصل علينا، يريدون استغفر لنا وطهرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا آخذ شيئًا منها حتى أومر به)، فأنزل الله عز وجل: ﴿خُذّ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةُ ... ) الآية. فظاهر قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أن الزكاة إنما وجبت لكونها طهرة من الآثام. فأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة یطهرهم ویز کیهم به (٤). يا أكمل وكأن الحق يقول: الرسل ﴿مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ أى: من أموال هؤلاء المذنبين التائبين النادمين عما صدر عنهم (٣) المستخلص في تزكية الأنفس، سعيد حوى ص٥١. (٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٠٣/٢. ٣٤ جَوَسُور لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التركية منها ﴿صَدَقَةُ تُطَهِّرُهُمْ﴾ عن أدناس الطبيعة المولعة بحب المال والحرص في جمعها ونمائها ﴿وَتُزَكِِّهِم بِهَا﴾ أى: تصفي بواطنهم عن الشواغل العائقة عن اللذات الروحانية. فالزكاة تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك، وإنما طهارته بقدر بذله، وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى (٢)؛ ولهذا جعل الحق الإنفاق والزكاة سببًا من الوقاية من النار فقال: ﴿وَسَيُجَنَّهُهَا الْأَنْقَى الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزََّى﴾ [الليل: ١٧ - ١٨]. غاية القول: أن للزكاة دورًا في تزكية النفس؛ ذلك أنها تدرب الإنسان على قهر نفسه وقمع شهواتها، بل یتعدی دور الزكاة إلى تزكية وتطهير نفس المحتاجين من الحقد والحسد، والمقاربة بين نفوس المؤمنين، فيحل التحاب والتواد محل البغضاء والكراهية. (١) تفسير القرآن العظيم ٤/ ٢٠٧. (٢) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ١/ ٢١٤. من المخالفة حين أذنوا لك أن تخرج أنت في تزكية الأنفس، فمن الشهوات العاتية عند الإنسان شهوتا البطن والفرج، ذلك أن المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعدیل قوتها الشهوانية؛ لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه قال ابن كثير: ((وهذا عام، وإن أعاد بعضهم الضمير في ﴿أَمَّوَلِمْ﴾ إلى الذين اعترفوا بذنوبهم، وخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا))(١). حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساکین. وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر الوسيلة الثالثة: الصوم: يأتي الصوم في المرتبة الثالثة من الأهمية لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم(٣). إن الصوم علاج للنفس للبشرية، فرضه (٣) زاد المعاد، ابن القيم ٢٧/٢. www. modoee.com ٣٥ حرف التاء الله لحكمة ارتضاها؛ وقاية وصيانة وجهادًا وتربية وترقية وتهذيبًا، كما قال: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [القرة: ١٨٣]. لأن الصيام وصلة إلى التقى؛ إذ هو يكف النفس عن كثير مما تتطلع إليه من المعاصي(١). فالحق سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى؛ لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى، فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهون لذات الدنيا ورئاستها؛ وذلك لأن الصوم يكسر شهوتي البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه، فمن أکثر الصوم هان علیه أمر هذين، وخفت عليه مؤنتهما، فكان ذلك رادعًا له عن ارتكاب المحارم والفواحش، ومهونا عليه أمر الرياسة في الدنيا، وذلك جامع لأسباب التقوى(٢). والحديث عن الصيام ذو شجون، جملة الحديث: أن الصوم كما يقول الإمام الكمال بن الهمام -أحد فقهاء الحنفية- في فوائد الصوم: ((أن الصوم يسكن النفس الأمارة بالسوء ويكسر سورتها في الفضول المتعلقة (١) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ١٤١. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤١/٥. بجميع الجوارح، من العين واللسان والأذن والفرج؛ ولذلك قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلها))(٣). ولهذا کان صلی الله عليه وسلم يوصي الشباب، والذين تموج بهم عواصف الشهوات، وتكون غرائزهم مهيأة لاقترافها أكثر من غيرهم بالزواج، فإن لم يستطيعوا إليه سبيلاً، فإن أنجع طريق لهم مقيدة لشهواتهم وكسر حدتها الصوم؛ فيقول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) (٤). الوسيلة الرابعة: الحج: الحج في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة، بالغ، عاقل، قادر على تكاليف الحج والقيام به، كما قال الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقد نوه الحق بشأن دور الحج في (٣) فتح القدير، ابن الهمام ٢/ ٣٠٠. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، رقم ٥٠٦٥، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، ووجد مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، رقم ١٤٠٠. ٣٦ مُوسْو ◌َةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم التركية تهذيب النفوس ومعالجته لها من بعضٍ يجوز أن يقع بخلاف مخبره، وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعًا لا إلى وجوده محسوسا))(٢). أمراضها فقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ فَمَن فَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَاَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٧]. بين الحق أثر الحج في تهذيب النفوس والسلوكيات فقال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٧] يبين الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية ثلاثة أمور ينبغي أن ينتبه إليها كل مسلم، لأهميتها في تزكية النفوس: أولًا: الرفث: قال ابن كثير: «وقوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ أي: من أحرم بالحج أو العمرة، فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الزَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذا التكلم به بحضرة النساء. أي: التعريض بذكر الجماع، ذلك بأن يقول مثلًا: (إذا حللنا فعلت بك كذا وكذا)، وما أشبه ذلك))(١). قال ابن العربي: ((المراد بقوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ نفيه مشروعًا لا موجودًا، فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده، وخبر الله سبحانه لا (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤ / ١٢٦، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٤٣. ثانيًا: الفسوق: ﴿وَلَا فَسُوقَ قال ابن كثير: ((وقوله: قيل: هي المعاصي. وقيل: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم. وقيل: الفسوق هاهنا السباب، متمسكين بما ثبت في الصحيح (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)(٣). ثم قال بعد ذكر تلك الأقوال: ((والذين قالوا: الفسوق هاهنا هو جميع المعاصي، معهم الصواب، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهيا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِّمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. وَمَن يُرِدْ فِيهِ وقال في الحرم: بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]»(٤). وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (٢) أحكام القرآن، ابن العربي ١٨٨/١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن، رقم ٦٠٤٤، ومسلم في صحيحه، كتب الإيمان، باب بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق وقتاله كفرٌ، رقم ٦٤. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٦/١. www. modoee.com ٣٧ حرف التاء صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت العقلية أن للإنسان أربع قوىّ: قوة شهوانيةٌ فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم بهيميةٌ، وقوةٌ غضبيةٌ سبعيةٌ، وقوةٌ وهميةٌ شيطانيةٌ، وقوة عقليةٌ ملكيةٌ، والمقصود من ولدته أمه)(١). جميع العبادات قهر القوى الثلاث، أعني: ثالثًا : الجدال: الشهوانية والغضبية والوهمية. فقوله: ﴿فَلاَ قهر الشهوانية. وقوله: إشارة إلى قال ابن عباس: الجدال هو المراء، وهو أن يماري الرجل صاحبه ویخاصمه حتى يغضبه. وقيل: هو الجدال الذي يخاف معه الخروج إلى السباب، والتكذيب، والتجهيل(٢). فالمراد النهى عن المماراة والمنازعة التي تؤدى إلى البغضاء وتغير القلوب. قال النيسابوري: «﴿ولاچِدَالَ في الحجّ﴾ أي: لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول، فلا في مالها - أي: الدنیا- مع أحد یخاصم، ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ اَلْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣]))(٣). فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة: وهي الرفث، والفسوق، والجدال في الحج، من غير زيادةٍ ولا نقصٍ؟. فالجواب: لأنه ثبت في العلوم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، رقم ١٥٢١، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، بابٌ في فضل الحج والعمرة، ويوم عرفة، رقم ١٣٥٠. (٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٠٢/٣. (٣) غرائب التأويل، النيسابوري ١/ ٥٧٣. رَفَثَ﴾ ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ إشارةٌ إلى قهر القوة الغضبية التي توجب المعصية والتمرد. وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجّ﴾ إشارةٌ إلى قهر القوة الوهمية، التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وأسمائه، وهي الباعثة على منازعة الناس، ومماراتهم، والمخاصمة معهم في كل شيءٍ، فلما كان سبب الشر محصورًا في هذه الأمور الثلاثة؛ لا جرم لا يذكر معها غيرها (٤). وقال القاسمي: ((قال بعضهم: النكتة في منع هذه الأشياء على أنها آداب لسانية: تعظيم شأن الحرم، وتغليظ أمر الإثم فیه، إذ الأعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان، فللملأ آداب غير آداب الخلوة مع الأهل. ويقال في مجلس الإخوان ما لا يقال في مجلس السلطان. ويجب أن يكون المرء في أوقات العبادة والحضور مع الله تعالى على أكمل الآداب، وأفضل الأحوال، وناهيك بالحضور في البيت الذي نسبه الله سبحانه (٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٠٥/٣. مَوَسُولَةُ النَّفِي القرآن الكْرِيْمِ ٣٨ التركية إليه! وأما السر فيها على أنها محرمات وطريقه الواضح القويم، ويمكن بيان أهمها کما یلی: الإحرام، فهو أن يتمثل الحاج أنه بزيارته لبيت الله تعالی مقبل على الله تعالى، قاصد له، فيتجرد عن عاداته ونعيمه، وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره، بحيث يساوي الغني الفقير، ويماثل الصعلوك الأمير، فيكون الناس من جميع الطبقات في زي کزي الأموات، وفي ذلك -من تصفية النفس، وتهذيبها، وإشعارها بحقيقة العبودية لله، والأخوة للناس- ما لا يقدر قدره، وإن كان لا يخفى أمره!))(١). جملة القول: أن الحج تعويد للنفس على معانٍ، منها بذل الجهد والمال في سبيل الله، والاستسلام والخضوع لأمر الله، وتربية للنفس على خصال الخير ومحامد الطبائع والأخلاق. ثالثًا: الأخلاق والقيم: إذا كان القرآن قد بين أن للإيمان أثرًا في تزكية النفوس من خلال التخلي عن الكفر والنفاق، والتحلي بالإيمان والعبودية لله تعالى، كما بين أن للعبادات أثرًا في تزكية النفوس مثل الصلاة والزكاة والحج ونحوهم، أيضًا بين لنا القرآن أثر القيم والأخلاق في تزكية النفوس والارتقاء بها نحو الفضيلة والاستقامة على منهج الإسلام (١) محاسن التأويل، القاسمي ٧١/٢. أولًا: أكل الطيبات: وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى في سياق الحديث عن أصحاب الكهف: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيْنَهُمَّ قَالَ قَابِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِئْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْءٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ فَأَبْعَنُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّ أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩]. قال الإمام الطبري: ((يقول تعالى ذكره: كما أرقدنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وصول واصل إليهم، وعین ناظر أن ينظر إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلاء على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مر الأيام بقدرتنا، فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم؛ لنعرفهم عظيم سلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، وليزدادوا بصيرة في أمرهم الذي هم عليه من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم لعبادة الله وحده لا شريك له، إذا تبينوا طول الزمان علیهم، وهم بھیئتهم حین رقدوا. يقول: ﴿لِيَتَسَاءَ لُواْ بَيْنَهُمْ﴾ وقوله: ليسأل بعضهم بعضًا ﴿قَالَ قَابِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِئْتُمْ﴾ يقول عز ذكره: فتساءلوا، فقال قائل www. modoee.com ٣٩ حرف التاء منهم لأصحابه: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ وذلك عبدتم غير الله تعالى(٣). أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ يقول: فأجابه الآخرون فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ یومٍ ﴾، ظنا منهم أن ذلك کذلك كان، فقال الآخرون: ﴿قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ﴾ فسلموا العلم إلى الله))(١). وقوله: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ يعني: مدينتهم التي خرجوا منها هرابًا، التي تسمى (أفسوس) ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَذَكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ ذكر أنهم هبوا من رقدتهم جياعًا، فلذلك طلبوا الطعام(٢). وعليه فالمعنى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَاَ أَزَكَ طَعَامًا﴾، أي: أحل من جهة أنه ذبيحة مؤمن، أو من جهة أنه غير مغصوب، وأطهر وأجود وأطيب وأكثر بر کة وأرخص ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ ﴾، أي: بطعام منه. ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾، أي: وليرفق في السؤال. ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾، أي: لا يعلمن بمكانكم أحدًا من الناس. ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُر﴾، يعني: إِن يطلعوا علیکم ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾، يقتلوكم. ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا﴾، أي لن تفوزوا، ولن تسعدوا ﴿إِذَا أَبَدًا﴾ إن والآية تحمل جملة من الفوائد لها تأثير في تزكية النفس الإنسانية والارتقاء بها: منها كما قال الإمام الألوسي: ((والإشارة فيه .... إلى أن اللائق بأهل الإسلام استعمال الورع، ألا ترى كيف طلب القائل الأزكى، ولذلك قال ذو النون: العارف من لا يطفىء نور معرفته نور ورعه ... ))(٤). ومنها: الحث على العلم، وعلى المباحثة فيه؛ لكون الله بعثهم لأجل ذلك. ومنها: الأدب فیمن اشتبه علیه العلم، أن یرده إلی عالمه، وأن يقف عند حده. ومنها: صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك. ومنها: جواز أكل الطيبات، والمطاعم اللذيذة، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه؛ لقوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَذْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]. ومنها: الحث على التحرز، والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين. ومنها: شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة، في دينهم وتر کهم أوطانهم في الله. ومنها: ذکر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد، الداعية لبغضه، وتركه، وأن هذه الطريقة، (١) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٦٢٧. (٢) المصدر السابق ١٧ / ٦٢٨. (٣) تفسير السمر قندي ٣٤٢/٢. (٤) انظر: روح المعاني، ٢٤٧/٨. ٤٠ مَوَسُو ◌َ النَِّنَّة القرآن الكريم التركية هي طريقة المؤمنين المتقدمين، والمتأخرين ﴿لَاتَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَرَ بُوتِكُمْ﴾ أي: بيوتًا ليست لكم(٤). لقولهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا ﴾[الكهف: ٢٠] (١) . الرجوع: وإليه يشير قوله تعالى في سوة النور: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُنَّا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَاً ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ ﴿ فَإِن لَِّـ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَنَدْ خُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَّ لَّكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٧ -٢٨]. والصواب من القول في الاستئناس: أن ثانيًا: الاستئذان عند دخول البيوت أو يقال: إن الاستئناس: الاستفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول علیهم، مخبرًا بذلك من فيه، وهل فيه أحد؟ وليؤذنهم أنه داخل عليهم، فليأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم. وقد حكي عن العرب سماعًا: اذهب فاستأنس، هل ترى أحدًا في الدار؟ بمعنى: انظر هل ترى فيها أحدًا؟(٥). ﴿وَتُسَلِّمُوْ عَلَ أَهْلِهَا﴾ بيان حكم الآية جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد الاستئذان صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول والسلام. واختلفوا في أيهما يقدم فقال الأكثرون: يقدم السلام، ففي الآية تقديم وتأخير، وهذا صفة الاستعلام والسلام(٦). فتأويل الكلام إذن: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَّرَ بُوتِكُمْ حَّى﴾ (تسلموا وتستأذنوا) وذلك أن يقول أحدكم: السلام عليكم، أأدخل؟(٧). وعبر سبحانه عن الاستئذان في الدخول بالاستئناس؛ لأنه يوحي بأن القادم قد استأنس بمن یرید الدخول علیهم وهم قد (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٧٢. (٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٨٤/٧. ٨٦، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٣/١٢، البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ٣٠. (٣) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠/ ٥١٧٥. (٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٢٨٨/٣. (٥) جامع البيان، الطبري ١٤٩/١٩. (٦) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٦/ ٣٠، زاد المسير، ابن الجوزي ٢٨٨/٣. (٧) جامع البيان، الطبري ١٤٩/١٩. www. modoee.com ٤١ الله إني أكون في بيتي علی حال لا أحب أن يراني عليها أحد، فلا يزال يدخل علي رجل من أهلي فنزلت: ﴿يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْلًا تَدْخُلُواْ﴾ الآية(٢). والنداء للذين آمنوا، وفي ذلك إشارة إلى ما يطلبه سبحانه من خواص أهل الإيمان، وهو من الأدب الذي يناسب إيمانكم وهو عدم التهجم على الأسر، وتكشف أستارها، وتحاشي إزعاجها(٣). ومعنى قوله تعالى: حرف التاء أنسوا به، واستعدوا لاستقباله، فهو يدخل وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون علیهم بعد ذلك وهم متھیئون لحسن لقائه، فإذا ما صاحب کل ذلك التسلیم علیهم، کان حسن اللقاء أتم وأكمل (١). من تحية الجاهلية دخوله والدمور -وهو الدخول بغير إذن- فكان الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيت غيره یقول: حییتم صباحًا، وحييتم مساء، فإن قيل: أن كلمة ﴿حَثَّ﴾ للغاية، والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها، فقوله: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَرَ بُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ﴾ يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان، وإن لم يكن من صاحب البيت إذن، فما قولکم فیه؟ ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد ﴿لعَلَُّمْ تذكّرُون﴾ أي: قيل لكم هذا لكي تذكروا وتتعظوا وتعملوا ما أمرتم به في باب الاستئذان(٣) وغيره مما أمركم الله به. الجواب: من وجوه: أحدها: أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس لا الاستئذان، والاستئناس لا يحصل إلا إذا حصل الإذن بعد الاستئذان. وثانيها: أنا لما علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان أن لا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه فإن ذلك مما يسوءه، وعلمنا أن هذا المقصود لا يحصل إلا بعد حصول الإذن، علمنا أن الاستئذان ما لم يتصل به الإذن وجب أن لا يكون كافيًا. وثالثها: أن قوله تعالى: ﴿فَإِن ◌َّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا نَدْخُلُوهَا حَقَّى يُؤْذَنَ لَكُـ فحظر الدخول إلا بإذن، فدل على أن الإذن مشروط بإباحة الدخول في الآية الأولى (٢). ﴾ أي: استئناسكم و قوله: (١) الوسيط، طنطاوي ١٠/ ١٠٩. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٥٨/٢٣. وقد خاطب بالإشارة بأمرين: أولهما- لكى تصان الأعراض، أنه وتستر العورات، ولا يكون نطاق اتهام، ونفور بالاستیحاش، وحیث کشفت الأستار كانت الفتن وكان ظن السوء، فتسود القطيعة، والتفاحش، ورمي الأبرياء. ثانيهما- رجاء التذکر وتعرف المصلحة وتحري الاحتشام، حتى من الآباء والأمهات (٤). وقد ثبت في الصحيح: أن أبا موسى حین استأذن علی عمر ثلاثًا، فلم يؤذن له، انصرف. ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له. فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما رجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثًا فلم یؤذن لي، وإني سمعت رسول الله صلى (٣) مدارك التنزيل، النسفي ٤٩٨/٢. (٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥١٧٧.٥١٧٦/١٠ ٤٢ مَوَسُوبَةُ النَِّّ القرآن الكريم التركية الله عليه وسلم يقول: (إذا استأذن أحدكم الآية(٣). ثلاثًا، فلم يؤذن له، فلينصرف). فقال: لتأتين على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربًا. فذهب إلى ملأ من الأنصار، فذكر لهم ما قال عمر، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا. فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك، فقال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق(١). من خلال ما سبق يتضح: أن الاستئناس والتسليم لثلاثة أسباب: أولها: أن یکون صاحب البيت لیس علی حال يصح للقاء واستقبال الناس. وثانيها: احترام الملكية، سواء أكانت ملكية عينية بأن يكون البيت ملكه، أو ملكية منفعة إذا كان مؤجرًا. وثالثها: إزالة وحشة المفاجأة (٢). ثم قال: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا ثَّدْ خُلُوهَا حَّ يُؤْذَنَ لَكُّ وَإِن قِيلَ لَكُ أَرْجِعُواْ فَرْجِعُواْ هُوَ أَزَّكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨]. قال أبو بكر بعد نزول ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ﴾ الآية: يا رسول الله، أرأيت الخانات والمساکن التي ليس فیھا ساکن، [النور: ٢٩] فنزل ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاحٌ﴾ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب التسليم، رقم ٦٢٤٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب الاستئذان، رقم ٢١٥٣. (٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠/ ٥١٧٦. قال ابن العربي: ((هذا تبيان من الله الإشكال يلوح في الخاطر، وهو أن يأتي الرجل إلى منزل لا يجد فيه أحدًا، فيقول في نفسه: إذا كانت المنازل خالية فلا إذن؛ لأنه ليس هناك محتجب، فيقال له: إن الإذن یفید معنيين. أحدهما: الدخول على أهل البيت. والثاني: کشف البیت واطلاعه، فإن لم یکن هنالك أحد محتجب، فالبیت محجوب لما فیه، وبما فيه، إلا بإذن من ربه)) (٤). . يعني: ﴿فَإِن ◌َّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا﴾ أي: إن وجدتموها خالية ﴿فَلَ نَدْ خُلُوهَا حَقَّ يُؤْذَنَ لَكُّ وَإِنِ قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُوا﴾ أي: إن ردو کم فلا تقفوا علی أبوابھم وتلازموها. والضمير في ﴿يَجِدُواْ فِيهَآ﴾ للبيوت التي هي بيوت الغير(٥) ﴿هُوَ أَزَّكَ لَكُمْ﴾ أي: الرجوع هو أطهر وأطيب وأصلح لكم؛ لما فيه من سلامة الصدور والبعد عن الريبة؛ ذلك أنه لا يخلو الإلحاح والوقوف على الباب وفى ذلك من الكراهة وترك المروءة، وهذا لا یلیق بکرامة الکریم، أو أنفع لدینکم ودنياكم. قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: (٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٧/ ٨٤. ٨٦. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٣/١٢. البحر المحيط، أبو حيان ٣٠/٨. (٤) أحكام القرآن ٢/ ٣٧٤. (٥) زاد المسير، ابن الجوزي ٢٨٨/٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٩/١٢. www. modoee.com ٤٣ حرف التاء من الدخول بالإذن وغير الإذن. ﴿عَلِيمٌ﴾ فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلفتموه، فيجازيكم عليه، وهو وعيد للمخاطبين، فالمقصود من هذا الإخبار: إفادة لازمه، وهو المجازاة على هذه الأعمال(١). وهكذا فإن الآيات تظهر عظمة الإسلام في حرصه على حفظ العرض، واحترام الخصوصية، ومراعاة مشاعر الناس، وتقف في وجه النفس الإنسانية التي دوما تريد التطلع والنظر دونما قيود أو شروط، فتأتي تلك الضوابط والتوجيهات لتسمو بالنفس من الدنية إلى الطهر والتزكية التي تصلح الحال وتريح البال. قال الزمخشري: ((وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة، وجب الانتهاء عن کل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف، والتصبيح بصاحب الدار، وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم یتهذب من أكثر الناس»(٢). (١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٤٩٩/٢، البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ٣٠، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٤٧/٤، الوسيط، طنطاوي ١٠ / ١١٠. (٢) الكشاف ٢٢٨/٣. (٣) بین المؤمنین . ثالثًا: غض البصر وحفظ الفرج: ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَتَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله علیه وسلم: ﴿قُل لِلْمُؤمِنِينَ﴾ بالله وبك يا محمد ﴿يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ أي: يكفوا من نظرهم إلی ما یشتهون النظر إليه، مما قد نهاهم الله عن النظر إليه ﴿وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ هذا أمر بالتعفف، و(من) للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل. فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفروج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع. ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن فهذه آداب اجتماعية شرعية ذات مدلول حضاري، وتمدن رفيع؛ لما فيها وأسوقهن وأقدامهن، والأجنبية ينظر إلى من تنظيم لحياة المجتمع، وأحوال الأسر وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين. في البيوتات؛ حفظًا لروابط الود والمحبة، وإبقاء على حسن العشرة، وتبادل الزيارات وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقًا أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه، وحظر الجماع إلا ما استثنى منه . - وهذا على أن المراد حفظها عن الإفضاء إلى ما لا يحل (٤)-، ولم يذكر (٣) التفسير المنير، الزحيلي ٢٠٠/١٣. (٤) انظر: تفسير السمر قندي ٥٠٨/٢، الكشاف ٢٢٩/٣. مُوسْو ◌َة النفسية جوبيه القرآن الكريم ٤٤ التركية الله تعالى ما يغض البصر عنه ويحفظ الفرج، غير أن ذلك معلوم بالعادة، وأن المراد منه المحرم دون المحلل(١). وقيل: المراد حفظها عن الإبداء .. يعني على المعنى الثاني: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ﴾ أبصارهم عن عورات النساء، ويحفظوا فروجهم عن أبصار الناس. قال الإمام ابن كثير: ((وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنى، كما قال: ﴿وَأَلَّذِينَ هُرْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِقُونَ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْمَا مَلَكَتْ أَيَّمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٢٩ -٣٠]. وتارة يكون بحفظه من النظر إليه، كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن: (احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك)(٢))(٣). ﴿ذَلِكَ آَزَگی ھمم﴾ یقول: فإن غضھا من النظر عما لا يحل النظر إليه، وحفظ الفرج عن أن یظهر لأبصار الناظرين أو عن (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ٢٢٢. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٣٥/٣٣، رقم ٢٠٠٣٤، وأبو داود في سننه، كتاب الحمام، باب ما جاء في التعري، ٤ / ٤٠، رقم ٤٠١٧، والترمذي في سننه، أبواب الأدب، باب ما جاء في حفظ العورة، ٤٩٣/٤، رقم ٢٧٦٩، والنسائي في الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب نظر المرأة إلى عورة زوجها، ١٨٧/٨، رقم ٨٩٢٣، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب التستر عند الجماع، ٦١٨/١، رقم ١٩٢٠. (٣) تفسير القرآن العظيم ٤٣/٣. الإفضاء إلى ما لا يحل، أطهر لهم عند الله وأفضل ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ يقول: إن الله ذو خبرة بما تصنعون -أيها الناس- فيما أمركم به من غض أبصاركم عما أمركم بالغض عنه، وحفظ فروجكم عن إظهارها لمن نھاکم عن إظهارها له، أو عن ما لايحل لها (٤). فالأمر للمؤمنين بغض البصر فيه تزكية للنفوس، وتطهير للمجتمع من أدران الفاحشة، والتردي في بؤرة الفساد والتحلل الخلقي، وتجنيب للنفوس من أسباب الإغراء والغواية. قال الإمام أبو زهرة: ((﴿ذَلِكَ أَزَّكَ لَمْ﴾ ذلك، وهو غض البصر، وحفظ الفروج، أطهر لكم، فيكون المجتمع طاهرًا نقيًا سليمًا، والبيوت طاهرة سليمة، وهم في ذات أنفسهم أطهار طيبون، ويكونون خيرًا في خير يظلهم الخير دائمًا، ويكونون في قبة من الفضيلة تظلهم، وتؤدي بهم جميعًا إلى جنة الآخرة، كما كانوا في ظلة من الفضيلة في الدنيا)»(٥). لذلك فإن رسوله صلى الله عليه وسلم نهى عن النظر إلى الحرام وسماه زنا العين، ففي الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب على ابن (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ١٥٤. (٥) زهرة التفاسير ٥١٨١/١٠. www. modoee.com ٤٥ حرف التاء آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ویكذبه)(١). قال الشعراوي: ((﴿ذَلِكَ أَزَّكَ لَمْ ... ﴾ [النور: ٣٠]. وجمعية عليه. ومنها: أنه يقوي القلب ويفرحه. ومنها: أنه یکسب القلب نورًا. ومنها: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها. ومنها: أن بين العين والقلب منفذًا يعني: أطهر وأسلم وأدعى لراحة النفس؛ وطريقًا يوجب انتقال أحدهما عن الآخر، لأنه إما أن ينزع فیرتکب محرمًا، ویلچ في أعراض الناس، وإما ألا ينزع فيكدر نفسه ويؤلمها بالصبر على ما لا تطيق. ثم يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [النور: ٣٠]. وأن يصلح بصلاحه، ويفسد بفساده، فإذا فسد القلب، فسد النظر، وإذا فسد النظر، فسد القلب، وكذلك في جانب الصلاح، فإذا خربت العين وفسدت، خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه، والأنس به والسرور بقربه فیه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك (٣). جملة القول: أن غض البصر فيه تزكية للنفس وتطهيرها من أوحال الرذيلة؛ ولذا قال تعالى بعد الأمر بغض البصر: ﴿ذَلِكَ أَزََّ لَمْ﴾، كما أن في غض البصر استعلاء على النفس الأمارة بالسوء، وإغلاقًا للنافذة وفي غض البصر عدة منافع: منها: أنه امتثالٌّ لأمر الله الذي هو غاية الأولى من نوافذ الفتنة والغواية، ودليلًا سعادة العبد في معاشه ومعاده. صادقًا على قوة العزيمة. (٣) انظر: الجواب الكافي، ابن القيم ص١٧٩ - ١٨٠. ٤٦ مَوَسُوبَةُ الَّ القرآن الكريم فهو سبحانه خالق هذه النفس البشرية، وواضع مسألة الشهوة والغريزة الجنسية التي هي أقوى الغرائز ليربط بها بين الرجل والمرأة، وليحقق بها عملية النسل وبقاء الاستخلاف في الأرض، ولو لم تربط هذه العلاقة بالشهوة الملحة لزهد الكثيرون في الزواج وفي الإنجاب وما يترتب عليه من تبعات))(٢). ومنها: أنه يورث القلب أنسًا بالله (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، رقم ٦٢٤٣. (٢) تفسير الشعراوي ١٠٢٥٤/١٣.