Indexed OCR Text

Pages 21-40

الټغيب
التقوى والتزود منها)»، فقد ورد في ظلال
القرآن في هذا الشأن: «والتقوى زاد القلوب
والأرواح، منه تقتات، وبها تروی وتشرق،
وعليها تستند في الوصول والنجاة، وأولوا
الألباب هم أول من يدرك التوجيه إلى
التقوى وخير من ينتفع بهذا الزاد))(١)،
فالحج مناسبة طيبة ومباركة لتزويد القلوب
بالتقوى، وهو خير الزاد یتزود به المسلم.
* تحصيل المنافع الدنيوية والأخروية.
قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجْ يَأْتُوَ
رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجْ
عَمِيقٍ ◌َ لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:
٢٧ - ٢٨].
يقول ابن كثير: ((أن للناس في الحج منافع
في الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان
الله تعالی، وأما منافع الدنیا فما یصیبون من
منافع البدن والذبائح والتجارات))(٢).
الحج مدرسة لتربية النفس والسمو بها
إلى العلا، فيها يتعلم المسلم كيف يعيش
في عبادة خالصة لله سبحانه وتعالى، وأن
یکبح جماح الشهوات واللذات، فيها
يعوّد الإنسان نفسه على التضحية والجهاد
والالتزام بالطريق السوي، وفيها يربّي
الإنسان نفسه على حب الله ورسوله والولاء
للإسلام كمنهج حياة، فيها يقتدي الإنسان
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/ ١٧٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ١٠/ ٤٤.
برسول الله وبأصحابه والمجاهدين، الذين
جاهدوا في الله حق جهاده حتى أتاهم
اليقين، وتركوا لنا راية الإسلام مرفوعة في
ربوع العالم، إن من يتعلم في هذه المدرسة،
ويحرص على الاستفادة بما فيها من دروس
تربوية؛ يكون جزاؤه الجنة، وقد بيّن الرسول
صلى الله عليه وسلم أن الحج من أفضل
الأعمال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: (سئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم أيّ
الأعمال أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله ورسوله،
قيل: ثمّ ماذا؟ قال: جهادٌ في سبيل الله، قيل:
ثمّ ماذا؟ قال: حج مبرورٌ)(٣).
فللحج دور كبير في استقامة الإنسان
على الطاعة والطريق المستقيم، وهو فترة
تدريب عملي على الكف عن الخطايا
والآثام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من
أتی ھذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع
كما ولدته أمه)(٤).
ولهذا كان الترغيب في هذه العبادات لما
لها من أجر عظیم یناله العبد عند الله تعالی،
ولما لها من أثر على سلوكه مع نفسه وأهله
ومجتمعه، فلله الحمد والمنة، أن هدانا
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب فضل الحج المبرور، ٢ / ١٣٣، رقم
١٥١٩.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب
فضل الحج والعمرة، ١٠٧/٤، رقم ٣٣٥٧.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف التاء
للعمل بهذا الدین ورغبنا فيه.
ثالثًا: الترغيب في الأخلاق الحسنة:
رغّب القرآن الكريم بالأخلاق الحسنة،
وجعل لها مكانة رفيعة، حيث أثنى الله
سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه
وسلم بحسن الخلق، فقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
وبعث رسوله لكي يتمّم مكارم
الأخلاق، من خلال مبادئ الإسلام
الحنيف، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما
بعثت لأتمم صالح الأخلاق)(١).
وأثقل شيء يوضع في ميزان العبد يوم
القيامة حسن الخلق، عن أبي الدّرداء، عن
النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (ما من
شيءٍ أثقل في الميزان من حسن الخلق)(٢).
والأخلاق الحسنة في القرآن الكريم
كثيرة، وسوف نتعرف على بعض هذه
الأخلاق كخلق الصبر والرحمة والصدق
في القرآن الكريم، وبيان ذلك فيما يأتي:
١. الترغيب في الصبر.
ترجع عناية القرآن البالغة بالصبر لما
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٥١٢/١٤، رقم
٨٩٥٢.
صححه الألباني في الأدب المفرد ١ / ١٢٢.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
حسن الخلق ٤ / ٢٥٣.
وصححه الألباني.
له من قيمة كبيرة، وأثر في الحیاتین الدنيا
والأخرى، الصبر من أكثر الأخلاق التي
اعتنى بها دين الإسلام؛ لذا تکرر ذكره في
القرآن في مواضع كثيرة، قال أبو عبد الله
أحمد ابن حنبل: ((ذكر الله سبحانه الصبر
في القرآن في تسعين موضعًا))(٣)، فليس
هو من الفضائل الثانوية، بل من الضرورات
اللازمة التي لا انفكاك للإنسان عنها، فلا
نجاح في الدنيا ولا نصر ولا تمكين إلا
بالصبر، ولا فلاح في الآخرة، ولا فوز ولا
نجاة إلا بالصبر، ولقد رغّب القرآن الكريم
في الصبر في العديد من الآيات القرآنية،
وبيان ذلك فيما يلي:
الصبر سبب في تحصيل الفلاح.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
يقول السعدي: ((حض المؤمنین علی ما
يوصلهم إلى الفلاح وهو: الفوز والسعادة
والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك
لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على
ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر
على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة
(٣) عدة الصابرين، ابن القيم، ص ٧١.
٣٦٤
مَوَسَو ◌َر النفسي
جوسى
القرآن الكريم

الترغيب
على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع
ذلك)»(١).
ظفر الصابرين بمعية الله.
٥
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة:
١٥٣].
قال الشوكاني في تفسيره للآية: («فيها
أعظم ترغيب لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر
على ما ينوب من الخطوب، فمن كان الله
معه لم يخش من الأهوال؛ وإن كانت
كالجبال)»(٢)
* الصبر سبب في تحقيق النصر.
﴿بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ
قال تعالى:
وَيَأْتُوُكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَّكُمْ رَبُّكُم مِّمْسَةِ
ءَالَفٍ مِنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:
١٢٥].
(يعني: تصبروا على مصابرة عدوّكم
وتتقوني وتطيعوا أمري، فيتحقق لكم النصر
والظفر بالعدو))(٣).
عمران: ١٤٦].
فالله يحب هؤلاء الصابرين؛ لأنهم
استجابوا لأمره وطاعته وطاعة رسوله في
جهاد عدوه(،
٠
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ١٦٢.
(٢) فتح القدير، ١/ ٢٤٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٧٥/٣.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٧/ ٢٧٠.
٤ فوز الصابرين بالمغفرة والأجر الكبير.
قال تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ أُوْلَكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌّ كَبِيرٌ﴾
[هود: ١١].
بيّن الله سبحانه وتعالى ثواب أولئك
الصابرين فقال: ﴿ أُوْلَكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾
لذنوبهم، يزول بها عنهم كل محذور.
﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو: الفوز بجنات
النعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ
الأعين (٥).
نجاة الصابرين من الخسران والهلاك.
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ )) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى
خُسْرٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾
١- ٣].
[العصر:
إن كل إنسان لفي نوع من الخسران؛ لما
يغلب عليه من الأهواء والشهوات، إلا الذين
آمنوا بالله وعملوا الصالحات، وأقاموا على
الطاعات، وأوصى بعضهم بعضًا بالتمسك
فوز الصابرين بمحبة الله.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾ [آل بالحق اعتقادًا وقولًا وعملًا، وأوصى
بعضهم بعضًا بالصبر على المشاق التي
تعترض لهم، فهؤلاء ناجون من الخسران،
مفلحون في الدنيا والآخرة، وإنما ذكر سبب
الربح دون الخسران اكتفاء ببيان المقصود؛
فإن المقصود بيان ما فيه الفوز بالحياة
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٣٧٨.
www. modoee.com
٣٦٥

حرف التاء
الأبدية والسعادة السرمدية (١).
ولما يعلم الإنسان ما أعد الله للصابرين،
يحرص على تحصيله، والمداومة عليه،
فبالصبر يتغلب الإنسان على شهوات النفس
والدنيا، ويمسك عن المعاصي والفتن،
ويسارع إلى فعل الطاعات والفوز برضا الله
عز وجل، ويشعر بالرضا والطمأنينة بقضاء
الله وقدره، فهو يحقّق العزة و والكرامة
والاستقامة للفرد والنصر للأمة والمجتمع،
وهذه ثمرة عظيمة، وغاية يسعى إليها كل
مؤمن صادق، مخلص لله في عبادته؛ لأنه
يدرك ما لهذه الثمرة من مكانة عند الله عز
وجل.
٢. الترغيب في أسباب تحصيل
الرحمة.
الرحمة خلق من الأخلاق التي دعا إليها
الإسلام، وأمرنا بالاتصاف بها، فإن الله
سبحانه و تعالى وصف نفسه بها، ووصف
بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:
﴿لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَيْكُم
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
وحث القرآن الكريم على تحصيل هذا
الخلق؛ لما له من آثار طيبة تنعكس على
حياة المسلم.
(١) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي، ١٠/
٣٩١.
ومن أسباب تحصيل الرحمة في القرآن
الكريم:
● الصبر على المصائب.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ
قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ (٦) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
اَلْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦-١٥٧].
أخبر الله سبحانه وتعالى أن المؤمن إذا
سلّم لأمر الله تعالى، وصبر على مصيبته،
كتب الله تعالى له ثلاث خصال، الصلاة من
الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى(٢).
القتال في سبيل الله.
قال ابن عاشور في تفسيره للآية:
﴿وَلَيْن قُتِلْتُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ
مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ () وَلَين
◌ُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَّرُونَ﴾ [آل عمران:
١٥٧-١٥٨].
(ذكر ترغيبًا وترهيبًا، فجعل الموت
في سبيل الله والموت في غیر سبيل الله،
إذا أعقبتهما المغفرة خيرًا من الحياة وما
يجمعون فيها، وجعل الموت والقتل
في سبيل الله وسيلة للحشر والحساب؛
الحصول المغفرة والرحمة))(٣).
* الاستماع والإنصات للقرآن الكريم.
﴿وَإِذَا قُرِكَ الْقُرْءَانُ
قال تعالى:
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي، ٤ /١٤١.
(٣) التحرير والتنوير، ١٤٣/٤.
٣٦٦
مَوَسُولَةُ النَّقسية
القرآن الكريم

الترغيب
فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾
[الأعراف: ٢٠٤].
(«هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله
يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات،
والفرق بين الاستماع والإنصات، أن
الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو
الاشتغال بما یشغل عن استماعه، وأما
الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر
قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على
هذين الأمرين حين يتلى كتاب اللّه؛ فإنه
ینال خیرًا کثیرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًّا
متجددًا، وهدىّ متزايدًا، وبصيرةً في دينه؛
ولهذا رتّب الله حصول الرحمة عليهما))(١).
إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة
الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾ [النور:
٥٦].
قال الشنقيطي في تفسيره: ((هذه الآية
الكريمة تدل على أن إقامة الصلاة، وإيتاء
الزكاة، وطاعة الرسول صلی الله عليه وسلم
سبب لرحمة الله سبحانه وتعالى))(٢).
# الإصلاح بين الناس.
﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
قال تعالى:
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْهَمُونَ﴾
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣١٤.
(٢) أضواء البيان، ٥٥٤/٥.
[الحجرات: ١٠].
يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْرَةٌ﴾ في الدين، ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ
أَخَوَيَّكُمْ﴾ إذا اقتتلا بأن تحملوهما على حكم
الله وحکم رسوله صلی الله عليه وسلم،
﴿وَأَتَّقُواْ اُللَّهَ لَعَلَّكُرُونَ﴾ وخافوا الله أيها
الناس، بأداء فرائضه عليكم في الإصلاح
بين المقتتلين من أهل الإيمان بالعدل؛
ليرحمكم ربكم، فيصفح لكم عن سالف
إجرامكم، إذا أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره
ونهيه، واتقيتموه في السر والعلن(٣).
للرحمة آثار طيبة تعود على الفرد
والمجتمع، كيف لا، وقد اتصف الرسول
صلى الله عليه وسلم بها، عن النّعمان بن
بشيرٍ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم
وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى) (٤).
فذكر الرسول صلى الله عليه وسلم من
بين صفات المؤمنين التراحم؛ فبالرحمة
ترتفع الأحقاد والضغائن، وتختفي الشحناء
والبغضاء، ويندحر الشيطان وأعوانه،
فيعطف الغني على الفقير، فيقوى فيهم
التناصر والتعاون على الخير، ويكونون يدًا
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٩٧/٢٢.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والأدب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم
وتعاضدهم، ٢٠/٨، رقم ٦٧٥١.
www. modoee.com
٣٦٧

حرف التاء
واحدةً في الشدائد والمحن، وبذلك تستقيم وَصَدَّقَ بٌِّ أُوْلَبِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ﴾ [الزمر:
٣٣].
حياة الإنسان على شرع الله ودينه.
٣. الترغيب في الصدق.
الصدق خلق إسلامي عظيم يدل على
إيمان صاحبه بالله، وعلى طهارة قلبه،
وسمو أخلاقه، ولما كان الصدق من أشرف
السمات الأخلاقية، وأكثرها فضيلة وتكاملا
للنفس الإنسانية؛ كان من البديهي تركيز
القرآن الكريم على هذا الخلق، ولقد أمرنا
القرآن بالتزامه مرارًا وتكرارًا.
فقال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
[التوبة:
أَتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
١١٩].
وذلك ليسري إلينا صدقهم.
وبيّن الله عز وجل في كتابه أن من صفات
الأنبياء عليهم السلام الصدق، فأثنى عليهم
بهذا الخلق، فقال تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِنَبِ
إِبْرَهِيَمْ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًانِّيًّا﴾ [مريم: ٤١].
وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِّن رَّحْمَئِنَا
وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ اَلْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ.
كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا﴾ [مريم: ٥٤].
وقال تعالى: ﴿وَذَّكُرْ فِيِ الْكِتَبِ إِدْرِسٌَ إِنَّهُ كَانَ
صِدِّيقًا نِّيَّا﴾ [مريم: ٥٦].
ومن ثمرات الصدق في القرآن ما يأتي:
تحقيق التقوى.
﴿ وَأَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ
قال تعالى:
وقال أبو بكر الجزائري في تفسيره
للآية: ((هذا إخبار بفريق الفائزين من عباد
الله وهم الصادقون في کل ما یخبرون به،
والمصدّقون بما أوجب الله تعالى التصديق
به، ويدخل في هذا الفريق دخولًا أوليًّا
رسول الله صلی الله عليه وسلم، وأبو بكر
الصديق، ثم سائر الصحابة والمؤمنين إلى
يوم الدين)»(١).
* المغفرة والأجر العظيم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاَلْقَنِينَ وَالْقَلِنَتِ
وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِينَ وَالصَّبِرَتِ
وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالصَّنَّبِمَتِ
وَالْمُتَصَدِّقَتِ وَالصَّنَّبِمِينَ
وَالْحَفِظَتِ
وَاْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ
وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّ
اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:
٣٥].
قال الشوكاني في تفسير قوله تعالى:
﴿ أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ((أي:
مغفرة لذنوبهم التي أذنبوها، وأجرًا عظيمًا
على طاعاتهم التي فعلوها، ووصف الأجر
بالعظم للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ)»(٢).
(١) أيسر التفاسير، ٤ / ٤٨٧.
(٢) فتح القدير، ٤ / ٤٠١
٣٦٨
مُوسُوبَةُ الْبَقِيَة
القرآن الكريم

الترغيب
الفوز بدخول الجنة.
قال تعالى: ﴿قَالَ اَللَّهُ هَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ
صِدْقُهُمْ لَمْ جَثَّتُ تَِّى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ
فِهَا أَبْدًا رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
[المائدة: ١١].
قال الطبري في تفسيره: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ﴾ («هذا الذي أعطاهم الله من الجنات
التي تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها
مرضيًّا عنهم وراضين عن ربهم، وهو الظفر
العظيم)»(١).
قال ابن القيم: ((الصدق منزلة القوم
الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل
السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم
يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه
تميّز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان
الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في
أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه،
ولا واجه باطلًا إلا أرداه، وصرعه، من صال
به لم تردّ صولته، ومن نطق به علت على
الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال، ومحكّ
الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال،
والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة
ذي الجلال، وهو أساس بناء الدین، وعمود
فسطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة
التي هي أرفع درجات العالمين)» (٢).
(١) جامع البیان، ١١ / ٢٤٥.
(٢) مدارج السالكين، ٢ / ٢٦٨.
وهكذا نجد أن القرآن الكريم اهتم
بالأخلاق الحسنة اهتمامًا بالغًا؛ لما لها من
آثار إيجابية على سلوك المسلم في حیاته،
وبما يناله من الأجر العظيم يوم القيامة.
رابعًا: الترغيب في الثواب:
ورد لفظ الثواب
القرآن بمعان
في
مختلفة، وقد عرّفه الراغب الأصفهاني
بقوله: ((ما يرجع إلى الإنسان من جزاء
أعماله))(٣)، فيسمى الجزاء ثوابًا، وجعل
الله تعالى الجزاء من جنس العمل في قوله:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
[الزلزلة: ٧].
ولم يقل جزاءه، والثواب يقال في الخير
والشر، لكن الأكثر المتعارف في الخير،
وعلى هذا قوله عز وجل: ﴿ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللّهِ
وَاللَّهُ عِنْدَهُ،حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وتستعمل في الشر كقوله تعالى: ﴿قُلٌ
هَلْ أُنَيِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة:
٦٠].
والإثابة تستعمل في المحبوب، قال
تعالى: ﴿فَتَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [المائدة: ٨٥].
((الثواب)) يعني: ((الرجوع))، ويطلق
((الثواب)) على أفعال العباد وأعمالهم،
بمعنى ما يرجع إليهم من جزاء أعمالهم،
(٣) جامع البيان، ١١ / ٢٤٥.
www. modoee.com
٣٦٩

حرف التاء
ولفظ (الثواب)، وإن كان في اللغة يطلق وخير جزاء الآخرة، على ما أسلفوا في
الدّنيا من أعمالهم الصّالحة، وذلك الجنّة
ونعيمها)»(٢).
وقد جاء لفظ الثواب في القرآن على
خمسة معانٍ:
الأول: بمعنى الطاعة.
أي: نعم الأجر والثواب الجنة جزاء
وفاقًا على جميل أعمالهم، وحسنت منزلًا
ومقيلًا(١).
الثاني: بمعنى الفتح والظفر والغنيمة.
قال تعالى: ﴿فَائَنْهُمُ اللّهُتَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ
ثَوَابٍ الْآَخِرَةِ وَاَللَّهُ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:
١٤٨].
يقول الطبري في تفسيره: ((يعني بذلك
تعالی ذکره: فأعطى الله الذين وصفهم بما
وصفهم من الصّبر على طاعة اللّه بعد مقتل
أنبيائهم، وعلى جهاد عدوّهم، والاستعانة
باللّه في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم،
على ما أبلوا في اللّه ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾ يعني:
جزاء في الدّنيا، وذلك النّصر على عدوّهم
وعدوّ اللّه، والظّفر والفتح عليهم، والتّمكین
لهم في البلاد؛ ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ اْآَخِرَةِ﴾ يعني:
(١) انظر: تفسير المراغي، ١٥/ ١٤٥.
على الجزاء الدنيوي والأخروي، إلا أنه
قد اختص في العرف بالجزاء الأخروي
على الأعمال الصالحة من العقائد الحقة،
والأعمال البدنية والمالية.
الثالث: بمعنى المكافأة.
قال تعالى: ﴿ فَتَبَهُمُ اَللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّتٍ
تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ
جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥].
يقول سيد طنطاوي في تفسيره: ((أي:
ومنه قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ فكافأهم الله تعالى بسبب أقوالهم الطيبة
﴾ [الكهف: ٣١].
الدالة على إيمانهم وإخلاصهم، جنات
تجرى من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار
خالدين فيها، أي: باقين في تلك الجنات
بقاء لا موت معه، وذلك العطاء الجزيل
الذي منحه الله لهم جزاء المحسنين،
أي: المؤمنين المخلصين في أقوالهم
وأعمالهم»(٣).
الرابع: بمعنى المتاع.
قال تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا
فَصِنْدَ اللّهِ تَّوَابُ الذُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةُّ وَكَانَ اللَّهُ
سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: ١٣٤].
أي: متاعها الزائل وحطامها الفاني؛
كالمجاهد الذي يريد بجهاده الغنيمة
والفخر، لا الثواب والأجر، والذي يريد
بصلاته وحجه الرياء والسمعة، ولا يبتغي
بعباداته وجه الله تعالی؛ فقد أخطأوا جمیعًا
(٢) جامع البيان، ٦/ ١٢٣.
(٣) الوسيط، ٤ / ٢٥٨.
٣٧٠
جَوَسُو بَرَ النَفسِيرِ الوضوح
القرآن الكريمِ

التغیب
وجه الصواب، فثواب الله أفضل من ثواب
الدنيا الزائل (١).
الخامس: الزيادة على الزيادة.
قال تعالى ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَرٍ
لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا
مَآ أَصَبَكُمْ ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
يقول السيوطي في تفسيره: ((الغم الأوّل
الجراح والقتل والغم الآخر حين سمعوا أن
النّبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فأنساهم
الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل
وما كانوا يرجون من الغنيمة)) (٢)
(١) انظر: أوضح التفاسير، الخطيب ص١١٦.
(٢) الدر المنثور، ٢/ ٣٥١.
صور الترغيب في القرآن الكريم
ذكر القرآن الكريم صور وطرقًا عديدة
تحفّز المؤمن على حصول المنفعة والأجر
العظيم في الدنيا، وترغّب المؤمن بصور
النعيم الذي أعده الله له في الآخرة، فمن
طريقة القرآن الكريم وأساليبه ترغيب
المؤمن بملذات ومنافع دنيوية، وأيضًا
بملذت أخروية، وكل ذلك حتى يكون
المؤمن على طاعة مستمرة لربه، وبذلك
يحصل الفوز في الدنيا والآخرة.
أولًا: الترغيب بملذات دنيوية:
رغّب القرآن بملذات دنیویة کثیرة، ومن
هذه الملذات ما يأتي:
١. الحياة الطيبة.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنْقَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ
طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
والحياة الطيبة تكون في الدنيا؛
بالراحة والرزق الطيب الحلال والقناعة
والسعادة(٣).
٢. الأمن والهداية في الدنيا.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّمْ يَلْبِسُوْاْ
إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُوَهُمْ مُهْتَّدُونَ ﴾
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٥٨٧.
www. modoee.com
٣٧١

حرف التاء
[الأنعام ٨٢].
قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ.
يقول السعدي في تفسيره: (﴿الَّذِينَ كَانَ غَفَّارًا ® يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ف
١١
وَيُّمْدِ قَكُ بِأَوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُجَنَّتٍ وَجْعَل لَّكُ
أَتْهَرًّا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ﴾ أي: يخلطوا ﴿إِيمَنَهُم
◌ِظَلّمٍ أَوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ تُهْتَدُونَ ﴾ الأمن
من المخاوف والعذاب والشقاء، والهداية
إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يلبسوا
إيمانهم بظلم مطلقًا، لا بشرك، حصل لهم
الأمن التام، والهداية التامة، وإن كانوا لم
يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم
یعملون السیئات، حصل لهم أصل الهداية،
وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها،
ومفهوم الآية الكريمة: أن الذين لم يحصل
لهم الأمران، لم يحصل لهم هداية، ولا
أمن، بل حظهم الضلال والشقاء)) (١).
حلول الخيرات والبركات:
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ
وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ؟
[الأعراف ٩٦].
يقول ابن كثير في تفسيره: ((آمنت قلوبهم
بما جاءتهم به الرسل، وصدّقت به واتبعته،
واتّقوا بفعل الطّاعات وترك المحرّمات،
﴿لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ :
أي: قطر السّماء ونبات الأرض)»(٢).
الإمداد بالأموال والبنين:
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٢٦٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٣ / ٤٥١.
فمن أساليب القرآن في ترغيبه للمؤمنين
ترغيبهم بالأعمال الصالحة في الدنيا
کالاستغفار الذي هو سبب للمتاع والإمداد
بالأموال والبنين في الدنيا، يخبر الله سبحانه
وتعالى عن نوح في دعوته لقومه من ترغيبه
إياهم بالتوبة والاستغفار.
يقول ابن كثير في تفسيره: ((أي: إذا
تبتم إلى اللّه واستغفرتموه وأطعتموه، كثر
الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السّماء،
وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم
الزّرع، وأدرّ لكم الضّرع، وأمدّكم بأموالٍ
وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد،
وجعل لكم جنّاتٍ فيها أنواع الثمار، وخلّلها
بالأنهار الجارية بينها، وهذا مقام الدّعوة
بالتّرغيب))(٣).
ثانيًا: الترغيب بملذات الآخرة:
أعد الله سبحانه و تعالى لعباده المؤمنين
في الجنة ملذات وصورًا من النعيم؛ وذلك
ليرغب المؤمن بالأجر والثواب الذي أعده
الله له في الآخرة، ولقد جاءت الآيات
القرآنية، والأحاديث النبوية، لتصف لنا
(٣) المصدر السابق ٨/ ٢٣٣.
٣٧٢
جَوَسُوبَة النفسية
القرآن الكريم

التغيب
هذا النعيم، الذي أعده سبحانه وتعالى لمن
أطاعه، وتظهر عظمة هذا النعيم في قوله
تعالى: ﴿ فَلَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ
أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: ١٧].
فأهل الجنة في سعادة دائمة وفرح
مستمر، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ مُسْفِرَةً )
مَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ -٣٩].
فمهما طال نعيم الدنيا فهو زائل لا
محالة، أما نعيم الآخرة فهو سرمدي دائم،
لا یکتنف صاحبه سقم ولا ألم ولا ملل.
وقد وصف الله تبارك وتعالى هذا
النعيم بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ مَقَامٍ
أَمِينٍ ٦ فيِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴿ يَلْبَسُونَ مِن
سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَِلِينَ كَذَلِكَ
وَزَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ { يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ
فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا
اَلْمَوْنَّ إِلَّ اٌلْمَوْتَةَ الْأُولَىّ وَوَقَنَّهُمْ عَذَابَ
اَلْبَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٦].
وسنتحدث عن بعض ملذات الآخرة
وصور النعيم الذي أعده الله لعباده، کالنظر
وطعام أهلها وشرابهم، وكل ذلك شحذًا
للهمم، وإیقاظًا للغافلین، المتمسکین بنعیم
الدنيا الزائل، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن
يجعلنا من أهلها، إنه ولى ذلك والقادر عليه،
وبيان ذلك فيما يأتي:
١. النظر لوجه الله الكريم.
إن أعظم نعيم أعده الله سبحانه وتعالى
لعباده في الجنة، التمتع برؤية وجه الله
الكريم، الذي يغمر الوجوه نضارة وإشراقًا،
وقد رغّب الله سبحانه في القرآن الكريم
بهذا النعيم، قال تعالى: ﴿وُجُورٌ يُؤَمَّدٍ نَاضِرَةً )
إِلَى رَيُّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
قال الخازن في تفسيره: «هذه الآية دلیل
على أن المؤمنین یرون ربهم يوم القيامة»(١).
وقد بيّن الله سبحانه وتعالى ثواب
المؤثرين الآخرة على الدنيا، فقال سبحانه
وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَمَّدٍ نَاضِرَةً﴾ أي: حسنة
بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم
القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح،
﴿إَِ رَِهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: تنظر إلى ربها، على
حسب مراتبهم، فمنهم من ينظر كل يوم
بكرة وعشيا، ومنهم من ينظر كل جمعة مرة
واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم،
وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، فإذا
رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم، وحصل لهم
لوجه الله الكريم، ودرجات الجنة وغرفها، من اللذة والسرور، ما لا يمكن التعبير عنه،
ونضرت وجوههم، فازدادوا جمالًا إلى
جمالهم (٢).
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ لَلُْسْنَى
وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
(١) لباب التأويل، ١٦٧/٢.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٨٩٩.
www. modoee.com
٣٧٣

حرف التاء
قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:
((يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا
بالإيمان والعمل الصالح: الحسنى في الدار
الآخرة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ
إِلَّا الْإِحْسَنُ ؟
﴾ [الرحمن: ٦٠].
وقوله: ﴿وَزِيادةٌ ﴾هي تضعیف ثواب
الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة
ضعف، وزيادة على ذلك أيضًا.
ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان، من
القصور، والحور، والرضا عنهم، وما أخفاه
لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك، وأعلاه
النظر إلى وجهه الكريم، فإنه زيادة أعظم من
جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم؛ بل
بفضله)) (١).
فالحسنى هي الجنة.
عن أبي بكرِ الصّدّيق، في قوله: ﴿الَّذِينَ
أَحْسَنُواْ الُْسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦].
قال: ((الزّيادة: النّظر إلى وجه الله عز
وجل))(٢).
وقال البغوي في تفسير قوله تعالى:
﴿لَمُ مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: ((يعني:
الزيادة لهم في النعيم ما لم يخطر ببالهم
وقال جابر وأنس: هو النظر إلى وجه الله
الكريم)» (٣).
(١) تفسير القرآن العظيم، ٧/ ٣٥٤.
(٢) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده ،
٧٩٣/٣، رقم ١٤٢٤
(٣) معالم التنزيل، ٧/ ٣٦٣.
٢. الترغيب في درجات الجنة.
لقد رغّب القرآن الكريم في الجنة
ودرجاتها، وبيّن أن الناس في الجنة
يتفاضلون، كما يتفاضلون في الدنيا،
كل بحسب إيمانه وعمله، وابتعاده عن
المعاصي.
قال تعالى: ﴿أَنْظُرْكَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى
بَعْضَِّ وَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ نَّفْضِيلًا﴾
[الإسراء: ٢١].
قال السعدي: ((﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا
بَعْضَهُمْ عَى بَعْضٍ﴾ في الدنيا بسعة الأرزاق
وقلتها، واليسر والعسر، والعلم والجهل،
والعقل والسفه، وغير ذلك من الأمور التي
فضّل الله العباد بعضهم على بعض بها،
﴿وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ نَّفْضِيلًا﴾
فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة
بوجه من الوجوه، فكم بين من هو في الغرف
العاليات واللذات المتنوعات، والسرور
والخيرات، والأفراح، ممن هو يتقلب في
الجحيم، ویعذّب بالعذاب الأليم، وقد حل
عليه سخط الرب الرحيم، وكل من الدارين
بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحد
عده» (٤).
وبیّن الله سبحانه و تعالى أن الذي يفوز
بالدرجات العلى في الجنة: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ،
مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَحَتُ
(٤) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٥٥.
جَوَسُو ◌َدُ النَّيّة
القرآن الكريم
٣٧٤

التغيب
اٌلْعُلَى﴾ [طه: ٧٥].
يقول الشنقيطي: ((ذکر جلّ وعلا في هذه
الآية الكريمة: ﴿وَمَن يَأْتِهِ،﴾ يوم القيامة في
حال كونه ﴿مُؤْمِنَا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ﴾ أي:
في الدنيا حتى مات على ذلك ﴿فَأَوْلَكَ
◌َهُمُ﴾ عند الله ﴿الدَّرَحَتُ الْعُلَى﴾ والعلى:
جمع عليا وهي تأنيث الأعلى، وقد أشار
إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع،
كقوله تعالى: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ
تَفْضِيلًا﴾، وقوله: ﴿وَلِكُلِ دَرَجَاتٌ مِمَّا
عَمِلُواْ ﴾ ونحو ذلك من الآيات))(١).
وقد وصف الله سبحانه وتعالى المؤمنین
بصفات عديدة، وبيّن ما لهم من الدرجات
عند ربهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا
ذُكِرَ اللَهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ,
زَادَتْهُمْ إِيَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ أَلَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ ))
أُوْلَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَُّمْ دَرَجَتُ عِندَ
رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:
٢ - ٤].
قال الطبري (﴿لَّمْ دَرَجَتُ﴾ أي:
لهؤلاء المؤمنين الذين وصف جل ثناؤه
صفتهم ﴿دَرَجَتُ﴾﴾، وهي مراتب رفيعة في
الجنة))(٢).
(١) أضواء البيان، ٤ / ٦٨.
(٢) جامع البيان، ١٣ / ٣٨٩.
وفضّل الله سبحانه وتعالى المجاهدين
على القاعدين درجة.
﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ
قال تعالى:
الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَقَوْلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىّ
٩٥
وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾
[النساء: ٩٥- ٩٦].
فنفى سبحانه وتعالى التسوية بين
المؤمنين القاعدين عن الجهاد، وبين
المجاهدين في سبيله، و أخبر عن تفضيل
المجاهدين على القاعدين درجة، ثم أخبر
عن تفضيلهم عليهم درجات، باعتبار
المنازل الرفيعة بعد دخول الجنة، والمغفرة
باعتبار ستر الذنب، والرحمة باعتبار دخول
الجنة(٣).
يقول ابن القيم: ((ولما كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق؛ عبودية
لربه، وأعلمهم به، وأشدهم له خشية،
وأعظمهم له محبة، كانت منزلته أقرب
المنازل إلى الله، وهي أعلى درجة في
الجنة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته
أن يسألوها له لينالوا بهذا الدعاء زلفى من
الله وزيادة الإيمان)) (٤).
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان، ٣/ ٣٤٧.
(٤) حادي الأرواح، ص٥٨.
www. modoee.com
٣٧٥

حرف التاء
٣. الترغيب في غرف الجنة.
أعد الله في الجنة لعباده غرفًا يرى
ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها،
متألقة كأنها النجوم، ولقد ورد لفظ «غرف)»
في القرآن الكريم مرتين في سورة الزمر،
وورد لفظ ((غرفًا)) مرة واحدة في سورة
العنكبوت، وورد لفظ ((الغرفات)) مرة
واحدة في سورة سبأ.
وبيّن الله سبحانه وتعالى صفات من
يستحق دخول هذه الغرف وهم:
المؤمنون الذين يعملون الصالحات
لهم في الجنة غرف.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا
الصَّْلِحَتِ لَنُبَوِتَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًاً ◌َّجْرِى مِن
تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَأَ نِعْمَ أَجْرُ اَلْعَمِينَ﴾
[العنكبوت: ٥٨ ].
يقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى:
(﴿ لَنُبُوْتَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ أي: لنسكننهم
منازل عالية في الجنة، تجري من تحتها
الأنهار، على اختلاف أصنافها، من ماء،
وخمر، وعسل، ولبن، يصرفونها ويجرونها
حيث شاءوا ﴿خَلِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين
فيها أبدًا، لا يبغون عنها حولًا ﴿نِعْمَ أَجْرُ
الْعَمِلِينَ﴾ نعمت هذه الغرف أجرًا على
أعمال المؤمنين)»(١).
ووصف الله سبحانه وتعالى حال
(١) تفسير القرآن العظيم، ٥٢٥/١٠.
مَوَسُو ◌َرُ النفسية العضو
القرآن الكريم
المؤمنين في غرف الجنة بأنهم آمنون،
قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِأَلَّتِى
تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا
فَأُوْلَكَ لَهُمْ جَزَّهُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ
ءَاِمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٦].
يخبر سبحانه وتعالى عن حال المشركين
المغترين بالمال، والولد، فيقول لهم: وما
أموالكم ولا أولادكم بالحال التي تقربكم
منا، وتجعلنا نرضی عنکم، وندنیکم منا
زلفى، أي: قربی.
﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ أي: لكن
من فعلوا الواجبات والمندوبات.
﴿فَأُوْلَيْكَ ﴾ أي: المذكورون لهم جزاء
الضعف، أي: جزاء تضاعف لهم حسناتهم
فيه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة،
وذلك بسبب عملهم الصالح.
﴿وَهُمْ فِ اَلْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾ أي: في
منازل الجنة العالية، آمنون من الموت، ومن
كل بأس، ومكروه، ومنغص لسعادتهم،
ومن کل شر وخوف وحزن(٢).
المتقون لربهم لهم غرف مبنية تجري
من تحتها الأنهار.
قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفٌ
مِّن فَوْقَهَا عُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحِْهَا الْأَنْهَرٌ وَعْدَ
اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠].
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١١/
٢٩٢، أيسر التفاسير، الجزائري، ٣٢٦/٤.
٣٧٦

التےغيب
وعد الله سبحانه و تعالى عباده السعداء،
الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه، واجتناب
محارمه، أن لهم غرفًا في الجنة، وهي قصور
شاهقة من فوقها غرف مبنية مزخرفات
عاليات (١).
الذين يطعمون الطعام، ويفشون السلام،
ویصلّون بالليل والناس نيام.
فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه،
عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (إن في
الجنة غرفًا، یری ظاهرها من باطنها، وباطنها
من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام،
وأفشى السلام، وصلى بالليل، والناس
تیام)(٢).
فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم، أصناف
الناس الذين يدخلون هذه الغرف في الجنة،
وهم الذين يطعمون الطعام، ويمدون يد
العون والمساعدة للمحتاجين، وكذلك
الذين يفشون السلام على من يعرفون ومن
لا یعرفون، ومن يصلّون بالليل، والناس
نیام.
فهؤلاء أکرمهم الله سبحانه و تعالى بهذا
الثواب، جزاءً على أعمالهم الصالحة التي
قدموها في دنياهم.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢١/ ٢٧٦،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١١٩/١٢.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب البر
والإحسان، باب وصف الغرف لمن أطعم
الطعام، ٢/ ٢٦٢، رقم ٥٠٩.
٤. الترغيب في ثمار الجنة وطعام أهلها.
قال تعالى: ﴿وَيَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا
وَعَمِلُواْ الصَِّحَاتِ أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن
تَّحْتِهَا الْأَنْهَرْ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ
رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِ
مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥].
أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله
عليه وسلم أن يبشّر المؤمنين المستقيمين
بما رزقهم من جنات تجري من تحتها
الأنهار، كما أخبر عنهم بأنهم إذا قدّم لهم
أنواع الثمار المختلفة، قالوا: هذا الذي
رزقنا مثله في الدنیا، فهو يشبه طعام الدنيا
في اللون، غير متشابه في الطعم، زيادة في
حسنه وكماله، وعظيم الالتذاذ به، فدلت
الآية على كمال النعيم والسرور الذي أعده
(٣)
سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين
.
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ أَلَّتِ وُعِدَ الْمُنَّقُونَ
فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن ◌ٍَّ غَيْرِ مَاسِنٍ وَهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيِّرْ
طَعْمُهُ، وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِشَّرِنَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلِ
◌ُصَلَى وَهُمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّيِّهِمْ﴾
[محمد: ١٥].
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: ((﴿وَمْ
فِبَهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ ولهؤلاء المتقين في هذه
الجنة من هذه الأنهار التي ذكرنا من جميع
(٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل،
١/ ٤٤٦، أيسر التفاسير، الجزائري، ٣٦/١.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف التاء
الثمرات التي تكون على الأشجار))(١)، طعام الجنة، ينتج عنه ما ينتج عن طعام
أهل الدنيا، من البول والغائط، فالأمر ليس
كذلك، فالجنة دار خالصة من الأذى،
وأهلها مطهرون من أوشاب الدنيا (٢).
فرزق الجنة متتابع التدفق على المؤمنین،
فکما قال الله سبحانه وتعالی لآدم عندما
وضعه في الجنة: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيَهَا وَلَا
تَعْرَى (١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيَهَا وَلَا تَضْحَى ﴾
[طه: ١١٨، ١١٩].
هكذا سيكون حال جميع أهل الجنة
الموعودة.
وقد أباح الله سبحانه وتعالى لعباده
المؤمنين في الجنة أن يتناولوا من خيراتها،
وألوان طعامها ما يشتهون، قال تعالى: ﴿كُلُواْ
وَأَشْرَبُواْ حَنِيَا بِمَّ أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ لَْلِيَةِ﴾
[الحاقة: ٢٤].
وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس من المآكل
والمشارب.
قال تعالى: ﴿ يُطَاقُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن
ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍّ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِبِهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَدُّ
الْأَعْيُنُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [الزخرف:
٧١].
وسيأكل أهل الجنة أنواعًا من اللحوم.
قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَهُم بِفَكِهَةٍ وَلَحْرِمِمَّا
يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢].
وقد خص لحم الطير بالذكر، فقال
سبحانه وتعالى: ﴿وَلَتْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾
[الواقعة: ٢١]؛ لأن لحوم الطير أطيب
اللحوم وألذها، وقد يتبادر إلى الذهن أن
(١) جامع البيان، الطبري، ٢٢/ ١٦٨.
وحينما سئل الرسول صلى الله عليه
وسلم عن بقايا الطعام والشراب، أفاد أنها
تتحول إلى رشح کرشح المسك، یفیض من
أجسادهم.
فعن جابر رضي الله عنه، قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(إن أهل الجنة یأکلون فيها، ويشربون، ولا
يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا
يمتخطون، قالوا: فما بال الطعام؟ قال:
جشاء ورشح كرشح المسك ... )(٣).
وقد أخبر الرسول صلی الله عليه وسلم،
أن أول طعام يتحف به أهل الجنة، زيادة
كبد الحوت، فقد روى الإمام مسلم في
صحيحه، عن أبي سعيد الخدري رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (تكون الأرض يوم القيامة
خبزة واحدة، يكفؤها الجبار بيده، كما
يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلًا لأهل
(٢) انظر: الجنة والنار، عمر الأشقر، ص ٢٢٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة
وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفات الجنة
وأهلها، ٨/ ١٤٧، رقم ٧٣٣١ .
انظر: الجنة والنار، عمر الأشقر، ص٢٢٣،
والجشاء: تنفس المعدة من الامتلاء.
٣٧٨
القرآن الكريم

التےغيب
الجنة، قال: فأتى رجل من اليهود، فقال: أي: غير متغير الطعم والرائحة، لا بمرارة،
بارك الرحمن عليك أبا القاسم، ألا أخبرك ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها،
بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى، قال:
تکون الأرض خبزة واحدة - کما قال رسول
الله صلی الله علیه وسلم - قال: فنظر إلينا
رسول الله صلی الله عليه وسلم ثم ضحك
حتى بدت نواجذه، قال: ألا أخبرك بإدامهم؟
قال: بلى، قال: إِدامهم بالام ونون (١)، قالوا:
وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة
كبدهما سبعون ألفًا)(٢).
٥. الترغيب في شراب الجنة.
أكرم الله سبحانه وتعالى أهل الجنة إلى
جانب الطعام الكثير، بأنواع من الشراب
اللذيذ، من ماءٍ ولبنٍ وخمٍ وعسل.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَِّ وُعِدَ الْمُنَّقُونَ
فِيهَا أَتَهَرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَتْهَرٌ مِنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَغَيَّرْ
◌َعْمُهُ، وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّرِبِنَ وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلِ
◌ُصَفَّى وَْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَّيِّهِمْ﴾
[محمد: ١٥].
مثل الجنة التي أعدّها الله لعباده، الذين
اتقوا سخطه، واتبعوا رضوانه، أي: نعتها
﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن مَِّ غَيْرِ مَاسِنٍ ﴾
وصفتها أنّ:
(١) بالام: الثور معربة عن العبرانية، النون:
الحوت.
انظر: شرح صحيح مسلم، النووي
١٣٥/١٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة الجنة
والنار، باب نزل أهل الجنة، ١٢٨/٨، رقم
٧٢٣٥.
وأطيبها ريحًا، وألذها شربًا، ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ
لَّبَوٍ لَّمْ يَتَغَّرْ طَعْمُهُ﴾ بحموضة ولا غيرها،
﴿وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلْشَّرِبِنَ ﴾ أي: لذيذة
الطعم، طيبة الشرب، لا كخمر الدنيا الذي
يكره مذاقه، ويصدع الرأس، ويذهب العقل.
قال الشنقيطي: ((وقد بيّن تعالى من
صفات خمر الجنة، أنها لا تسکر شاربها،
ولا تسبّب له الصداع، الذي هو وجع
الرأس في آيات من كتابه، كقوله تعالى:
﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ﴾ [الواقعة: ١٩].
وقوله: ﴿لَا فِيَهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنَزَّقُونَ
[الصافات: ٤٧]))(٣).
قال الإمام الشوكاني في تفسيره لهذه
الآية: ((أهل الجنة يسقون في الجنة كأسًا
من الخمر ممزوجة بالزنجبيل، وقد كانت
العرب تستلذ مزج الشراب بالزنجبيل لطيب
رائحته)»(٤).
وقد وصف الرسول صلى الله عليه
وسلم نهر الكوثر في الجنة، عن عبد الله
بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (الكوثر نهر في
(٣) أضواء البيان، ٧ / ٢٥٣.
(٤) فتح القدير، ٥ / ٤٩٣.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف التاء
الجنة، حافتاه من ذهب، والماء يجري على
اللؤلؤ، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من
الثلج)(١).
ومن خلال ما سبق تبين لنا أن الله
سبحانه وتعالى استخدم أساليب كثيرة
ترغّب المؤمن بالثواب العظيم والأجر
الكبير الذي أعدّه الله لعباده، سواء في الدنيا
أو الآخرة، وهذا يدل على كرم الله لعباده
المؤمنين الموحدين.
أثر الترغيب في سلوك المرء
إنّ المتأمل في القرآن الكريم أمرًا أو نهيًا
أو قصصًا عن الأمم الماضية، يجد أن من
أهم مقاصده وغاياته العظمى تهذيب سلوك
المسلم وأخلاقه، وتزكية نفسه والرقي بها
إلى معالي الأمور، ومكارم الأخلاق؛ حتى
يصير من أفضل الناس سلوكًا، وأنبلهم
أخلاقًا، وأحسنهم سيرةً وتعاملًا، وأكرمهم
شيمًا ومروءة.
قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ
يَهْدِى لِلَِّى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ
يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾
[الإسراء: ٩].
ومن أجل ذلك بعث الله رسوله محمدًا
صلى الله عليه وسلم لعباده ليخرجهم من
الظلمات إلى النور وليتمم لهم مكارم
الأخلاق، ويزكيهم لأحسن الأقوال
والأفعال.
والمسلم إذا تدبر كتاب الله وما اشتملت
آیاته من الترغيب التي لا تكاد سورة تخلو
منه، وعمل بما في هذه الآيات، فاجتنب
طريق الضالين المفسدين والمنافقين،
واتبع طريق أولياء الله المتقين، وتقرّب إلى
الله في السر والعلن بصالح العمل، وأدى
العبادات من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٥٢٧/٩، رقم
٥٣٥٥.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب كما شرع الله كاملة بأركانها وواجباتها
والترهيب، ٢٦١/٣، رقم ٣٧١٩.
٣٨٠
مُوسُو ◌َر النفسية الوضوء
القرآن الكريم

التغیب
مخلصًا بذلك وجهه لله تعالى، وأحسن
معاملته للناس، واقتدى بأخلاق المصطفى
صلى الله عليه وسلم، فإن نفسه تسمو،
وهمته تعلو، وتتطلع إلى معالي الأمور
ومكارم الأخلاق، وتعزف عن سفساف
الأمور ورذائل الأخلاق، وينعكس ذلك
علی سلوكه وأخلاقه، ویکون ذلك سببًا
لاستقامته ظاهرًا وباطنًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
أُسْتَقَمُواْ تَتَنَزَُّ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلََّّ
تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِ كُمْ
تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
يقول السعدي في تفسيره: ((اعترفوا
ونطقوا ورضوا بربوبية الله تعالى،
واستسلموا لأمره، ثم استقاموا على الصراط
المستقيم، علمًا وعملًا فلهم البشرى في
الحياة الدنيا وفي الآخرة»(١).
فإذا استقام المرء على الطاعة، ينال بذلك
رضا المولى جل وعلا ومحبته والقرب منه،
ويفوز بالدرجات العلا من الجنة.
(١) تیسیر الکریم الرحمن، ص ٧٤٨.
فوائد الترغيب في التربية والدعوة
لاشك أن الترغيب في القرآن له فوائد
كثيرة على جميع المناحي ومختلف
الأصعدة، لاسيما في التربية والدعوة إلى
الله، وسوف نقتصر في هذا المبحث على
الحديث عن فوائد الترغيب في التربية
والدعوة إلى الله.
أولًا: فوائد الترغيب في التربية:
الترغيب منهج تربوي قرآني، يجب
على المرتّین اعتماده وأن لا يهملوه، خاصة
إذا كان الأمر المراد بيانه أمرًا شرعيًّا دينيًّا،
وردت فيه نصوص شرعية صريحة ترغّب
فيه أو ترهّب منه؛ ذلك أن النفس البشرية
بطبعها تميل إلى الثمرات الطيبة للأعمال
وتطمع في الثواب، وتكره النتائج السيئة
وتخاف من العقاب.
ويمثل هذا الأسلوب ينشّأ المرء على
محبة الله تعالى والحرص على طاعته،
ويغرس في قلبه الخوف منه والرجاء فيه
سبحانه وتعالى، فهذا الأسلوب يغرس
الفضائل الإسلامية والقيم النبيلة.
وأما من نشأ بعيدًا عن هذه المعاني فإنه
من العسير جدًّا التحكم في أخلاقه وتقويم
سلوكه إذا ما وقع في بعض الانحراف.
وإنّ التربية الحقة إنّما تكون في تدريب
الفرد وترغيبه على أعمال الخير وإرشاده
www. modoee.com
٣٨١

حرف التاء
إلى الصّراط المستقيم، وتعليمه الأخلاق كل شر، يبلّغون رسالات الله ويخشونه
ولا يخشون أحدًا إلا الله، وأقام من بعدهم
الطّيبة، وذلك كله لا يتحقّق إلّا بالإيمان
بالله وحده وعدم الشّرك به تعالى؛ ولذلك
كان أول نصائح لقمان لابنه البعد عن الشرك
والإيمان بالله وحده.
عباده الصالحين من ورثة الأنبياء الصادقين،
الذين جعلهم حجة على الناس في كل
وقت وحين، ينشرون دين الله بين الأنام
ويدعونهم إلى الجنة دار السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ
يَعِظُهُ يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْرٌ
عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣].
فمن الآية الكريمة یتبیّن أن الأصل الأول
لهذه التربية الإيمان باللّه وعدم الشّرك به
تعالى؛ ولهذا يجب أن تكون عظة لقمان
لابنه نبراسًا يستضيء به الآباء في توجيه
أبنائهم وسراجًا يقودهم من الظلمات إلى
النّور.
ثانيًا: فوائد الترغيب في الدعوة:
إنّ الترغيب في الدعوة إلى الله سبحانه
وتعالى من أجلّ الأفعال، وأعظم الأعمال
التي يؤديها المسلم في دنياه، فالدعاة إلى الله
يقومون بمهمة بالغة الشأن، عظيمة الأهمية،
ولما كانت الدعوة إلى الله أمرًا عظيمًا، فقد
تولاها الله سبحانه وتعالى بنفسه.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَّمِ
[يونس:
وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيمِ ﴾
٢٥].
وأرسل بها رسله مبشرين ومنذرين،
يدعون الناس إلى كل خير وينهونهم عن
فكم من أرض أناروها بنور الإسلام،
وكم من أمم أخرجوها من ظلمات الجاهلية
إلى نور الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة
رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا
والآخرة.
وأعظم فضائل الدعوة على هذه الأمة
هي الخيرية المطلقة التي نالت بها السبق
على كل الأمم.
قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: ١١٠].
أي: عند الله في اللّوح المحفوظ، يعني:
أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثمّ مدحهم
بما فيهم من خصال الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، فهم خير الأمم وأنفع الناس
للناس، وهذا شرف لأمة محمد صلى الله
عليه وسلم؛ لأنهم قاموا بتبليغ الرسالة
المحمدية للناس (١).
ويكفي الدعاة شرفًا أن قولهم من أحسن
الأقوال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٩٣.
مَوَسُوبَةُ النَّسَيَّة
القرآن الكريمِ
٣٨٢