Indexed OCR Text

Pages 21-35

الترهيب
المؤمنين المتصدقين، فإذا تصدق الأغنياء لهم من الوعيد الشديد، حيث قال سبحانه
وتعالى: ﴿إِنَّ الُْفِقِينَ فِىِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ
النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].
بالمال الكثير عابوهم واتهموهم بالرياء،
وإذا تصدق الفقراء بما في طاقتهم استهزءوا
فإن الإنسان يحرص كل الحرص،
ويحذر كل الحذر من الوقوع في النفاق
بأنواعه، فيبدأ بتصحيح نواياه ومعتقداته،
ويجعلها خالصة لله عز وجل، مما يدفعه
ذلك إلى الاستقامة على طاعة ربه، فيترفع
عن أخلاق المنافقين وصفاتهم الذميمة التي
أشار إليها القرآن والسنة، وبذلك تتحقق
الاستقامة للفرد والمجتمع.
بهم، وقالوا: إن الله غني عن هذه الصدقة،
وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه قال:
(لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على
ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء کثیر،
فقالوا: مراء، وجاء رجل فتصدق بصاع
فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزل
قوله: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطّوْعِينَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا
رابعًا: الأعمال السيئة:
يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمّ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ
وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧٩])(١).
والنفاق انحراف خطير يطرأ على سلوك
الإنسان، وقد رّب منه القرآن الكريم؛ حيث
توعد الله سبحانه وتعالى المنافقين بالعذاب
الشديد في نار جهنم.
﴿وَعَدَ اللّهُ الْمُنَفِقِينَ
قال تعالى:
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ
فِيهَأَ هِىَ حَسْبُهُوَّ وَلَعَنَّهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ
﴾ [التوبة: ٦٨].
مَقِيم
وقد حذّر الله سبحانه وتعالى من
النفاق؛ لما له من آثار جسيمة على الفرد
والمجتمع، فلما يعلم الإنسان خطر النفاق
وآثاره المدمرة وصفات المنافقين، وما أعد
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب اتقوا النار ولو بشق تمرة، ١٠٩/٢، رقم
١٣٤٩.
رهّب الله سبحانه وتعالى من الأعمال
السيئة، وبيّن أن الإنسان مسئول عن أعماله
سواء كانت صالحة أو سيئة، قال تعالى:
﴿ مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَأُ وَمَا
رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: ٤٦].
وسوف نتحدث هنا عن بعض الأعمال
السيئة في القرآن، كالقتل، والزنا، والقذف،
ـقة
والسرقة.
١. القتل.
إن القتل جريمة خطيرة، لها أضرارها
على الفرد والمجتمع، وقد ذكر الله تحريمها
في مواطن كثيرة من القرآن الكريم.
فقال تعالى: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ
اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا
www. modoee.com
٤٣٣

حرف التاء
لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِى الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ
مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ
يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَصَطًا
فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْ مِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ:
إِلَّ أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْءٍ عَدُوٍ لَّكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن
كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌّ
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا ٣ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِّدًا فِيهَا
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا
عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٩٢، ٩٣].
جاءت الآية الأولى تبين حكم من قتل
مؤمنًا خطأً، والقتل الخطأ هو القتل الحادث
بغير قصد الاعتداء لا للفعل، ولا للشخص،
کأن وقع شخص على آخر فمات، أو رمی
شجرة أو دابة، فأصابت الرمية إنسانًا فمات،
أو رمی آدمیًّا فأصاب غيره فمات، فإذا حصل
ووقع القتل بطريق الخطأ؛ فعلى القاتل عتق
رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهل القتيل، إلا
إذا عفوا عنه وأسقطوا الدية باختيارهم فلا
تجب حين إذن، وإذا كان المقتول مؤمنًا
وأهله من الكفار، فالواجب على قاتله
عتق رقبة مؤمنة، ولا تجب الدية لأهله؛
لأنهم أعداء محاربون فلا يعطوا من أموال
المسلمین ما يستعينون به على قتالهم، وأما
إذا كان المقتول معاهدًا أو ذميًّا فالواجب في
قتله كالواجب في قتل المؤمن، وهي دية
مسلمة إلى أهله تكون عوضًا عن حقهم،
وعتق رقبة مؤمنة كفّارة عن حق الله، فمن لم
يجد الرقبة التي يحررها فعليه صوم شهرين
متتابعين، توبة من الله على عباده المؤمنين؛
لأن الله علیم بما يصلح الناس، وحكيم في
تشریعه(١).
وجاءت الآية الثانية تبيّن حكم وجزاء
من يقتل مؤمنا متعمدًا، حيث غلّظ الشارع
في العقوبة على هذه الجريمة؛ لعظمها عند
الله تعالى، فعن البراء بن عازبٍ أنّ رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (لزوال الدّنيا
أهون على اللّه من قتل مؤمنٍ بغير حقٍّ)(٢).
ولم يذكر القرآن الكريم له كفارة، بل
جعل عقابه أشد عقاب توعّد به القاتل، فهو
سبب في هلاك صاحبه في الدنيا والآخرة،
حيث قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
(١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٨٠/١،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٩٢/٤،
الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي،
٧/ ٥٣٧، روائع البيان، الصابوني، ١ /٤٩٥.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الديات،
باب التغليظ في قتل مسلم ظلمًا، ٢١٢/٤،
رقم ٢٦١٩.
وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن
ابن ماجه، ١١٩/٦.
٤٣٤
مَوَ نُور
القرآن الكريم

الترهيب
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا
عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
فقد حكمت الآية على القاتل المتعمد
بعقوبات ثلاثة، وذلك كما يأتي:
الأولى: الخلود في جهنم.
الثانية: استحقاق الغضب واللعنة.
الثالثة: العذاب العظيم في الآخرة.
وثبت في السنة تشريع عقوبة أخرى
للقتل العمد، وهي الحرمان من الإرث،
والوصية، وذلك في قوله صلى الله عليه
وسلم: (ليس لقاتل ميراث)(١).
فإذا قتل الوارث مورثه، أو الموصى
له الموصي، حرم من الميراث والوصية،
عملًا بمبدأ سد الذرائع؛ حتى لا يطمع أحد
بمال مورثه، فيتعجل موته بالقتل، فمن
تعجّل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه(٢).
ومن أضرار جريمة القتل ما يأتي:
١. خسران القاتل الآخرة باستحقاقه
العذاب والغضب واللعنة.
٢. إنها من الكبائر المنصوص عليها في
حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، کتاب الدیات، باب
ليس لقاتل ميراث، ٣٣٣/٤، رقم ٢٦٤٦.
وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن
ابن ماجه، ٦/ ١٤٦.
(٢) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبه الزحيلى،
٦٢٨/٧.
(اجتنبوا السبع الموبقات ... )(٣) وعدّ
منها قتل النفس التي حرم الله إلا
بالحق.
٣. إنّ قتل نفسٍ واحدةٍ كقتل الناس
جميعًا، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
كَتَّبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَنَّهُ مَن
قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى
الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا
وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّآ أَخْيَا النَّاسَ
جَمِيعًاً وَلَقَدْ جَاءَتَّهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ
ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِى
اُلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢].
قال ابن كثير: ((أي: من قتل نفسًا بغير
سبب من قصاص أو فساد في الأرض،
واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية،
﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لأنه
لا فرق عنده بین نفس ونفس»(٤).
٤. إنّ القتل أول ما يقضى فيه بين
العباد يوم القيامة، فعن عبدالله بن
مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى
الله علیه وسلم قال: (أُول ما يقضى بين
الناس في الدماء)(٥).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان الكبائر وأكبرها، ٦٤/١، رقم ٨٩.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ١٨٠/٥.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات،
باب قول الله ومن يقتل مؤمنا متعمداً،
www. modoee.com
٤٣٥

حرف التاء
فمن خلال ما سبق ظهرت لنا بعض
أضرار جريمة القتل على مرتكبها، فلابد
للإنسان أن يضع مخافة الله سبحانه وتعالى
نصب عينيه قبل أن يقدم على هذه الجريمة؛
حتى لا يقع في الهلاك والخسران.
٢. الزنا.
قال تعالى: ﴿وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ
مِن ◌ِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً
مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِ
اَلْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ
سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ،كَانَ
فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
يقول الإمام السعدي رحمه الله:
«والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد
فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع
مقدماته ودواعيه))(١)، وقد كانت عقوبة
الزانية في صدر الإسلام الحبس في البيت،
وعدم الإذن لها بالخروج، وكانت عقوبة
الرجل التأنيب والتوبيخ قولًا، قال تعالى:
﴿وَأَلَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ
فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنكُمْ فَإِن شَهِدُوا
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِ الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ
أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾ [النساء: ١٥].
١١١/٨، رقم ٦٤٧١.
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٥٧.
ثم نسخ ذلك بجلد الزاني أو الزانية
(٢)
البكر، ورجم المحصن منهم
قال تعالى: ﴿الَِّيَّةُ وَالزَِّ فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ
مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ إِن كُمُ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ا أَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّ زَانِيَةً أَوْ
مُشْرِكَةً وَالزََِّةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلََّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ
ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣،٢].
ذكر الله سبحانه وتعالى عقاب من
انتهك حرمات الله تعالى بالزنا، وبيّن عقوبة
كلَّا من الزانيين، وهي مائة جلدة، تستوفونها
منهما كاملة دون رحمة أو شفقة، ودون
تخفيف من العقاب، أو انتقاص من الحد،
وقدّم الزانية لأن الزنا كان حينئذ في النساء
أکثر، فإنه کان منهنّ إماء وبغایا یجاهرن
بتلك الجريمة، فإن جريمة الزنا أخطر
وأعظم من أن تستدر العطف، أو تدفع إلى
العفو عن مرتكب هذه الجريمة النكراء، فإن
من عرف آثار جريمة الزنا وأضرارها من
تدنيس للعرض والشرف وضياع الأنساب،
واعتداء على كرامة الإنسان، وتلطيخ لهم
بالعار، وتعريض الأولاد للتشرد والضياع؛
حيث يولد اللقيط وهو لا يدري أباه، ولا
یعرف حسبه ولا نسبه، فمن عرف ذلك أدرك
حكمة الله تعالى في تشريع هذا العقاب
الزاجر الصارم، وليس هذا فحسب بل لابد
(٢) انظر: روائع البيان، الصابوني، ١٩/٢.
٤٣٦
مُؤْو ◌َر النفسيةالموضو
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الترهيب
أن تشهدوا على هذه العقوبة؛ لتكون زاجرًا ينكح المؤمنة العفيفة الشريفة، إنما ينكح من
له ولأفراد المجتمع من اقتراف مثل هذا هي مثله أو أخس منه، ينكح الزاني الفاجرة،
المنكر الشنيع، فتحصل العبرة والعظة (١).
وعبّر القرآن بقوله (﴿فَلَجْلِدُواْ﴾ ولم
يقل: (فاضربوا) للتنبيه على أن الغرض من
هذا العقاب هو الإيلام، حيث يصل ألمه إلى
الجلد؛ وذلك لعظم هذا الجرم)»(٢).
وفرّقت الشريعة الإسلامية بين حد البكر
(غير المتزوج) وحد المحصن (المتزوج)
فخففت العقوبة في الأول فجعلتها مائة
جلدة، وغلّظت العقوبة في الثاني فجعلتها
الرجم بالحجارة حتى الموت؛ وذلك لأن
جريمة الزنا بعد الإحصان (التّزوج) أشد
وأغلظ من الزنا قبل الإحصان في نظر
الإسلام، فالجريمة التي يرتكبها رجل
محصن مع (امرأة محصنة) عن طريق
الفاحشة أشنع وأقبح من الجريمة التي
يرتكبها مع البكر؛ لأنه قد أفسد نسب
غيره، ودنّس فراشه، وسلك لقضاء شهوته
طريقًا غير مشروع، مع أنه كان متمكنًا من
قضائها بطريق مشروع، فكانت العقوبة أشد
وأغلظ (٣).
وبيّن الله تعالى أن الزاني لا يليق به أن الحد؛ وذلك تنكيلًا وعبرةً وعظةً لغيره من
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
١٥٩/١٠، روائع البيان، الصابوني،
٠١١٢/٢
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٢/ ١٦٠.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٤ /٢٧٦.
أو المشركة الوثنية، ولا عجب في أنّ الفاسق
الخبيث لا يرغب غالبًا إلا في فاسقة مثله أو
مشركة، والزانية الخبيثة، كذلك لا ترغب إلا
في خبيث مثلها أو مشرك (٤).
وقد صدق الله تعالى حيث يقول:
الْخَبِيثَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَيِشَتِّ
وَاُلَّيْبَتُ لِلَّيِينَ وَاللَّيِّبُونَ لِلَّيِّبَنَّ أُوْلَكَ
مُبَُّونَ مِمَّا يَقُولُونَّ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ
كَرِيمُ﴾ [النور: ٢٦].
هكذا نجد أنّ الله تعالی حرم جريمة الزنا
لما فيها من أضرار عظيمة ومخاطر جسيمة
تودي بحياة الأفراد والجماعات، حيث
جعل الله تعالى عقوبة الزاني المحصن
الرجم حتى الموت، والبكر الجلد مائة
جلدة، وفي ذلك ردع له عن الإقدام
على مثل هذه الفعلة ولا حتى قربانها، وقد
بیّن الله سبحانه أنه لابد من حضور طائفة
من المؤمنين ليشهدوا عذاب الزاني، قال
تعالى: ﴿وَلَشْهَدْ عَذَاَهُمَا طَيِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾
يفيد حضور جمع من المؤمنين عند إقامة
التفكير في الإقدام عليها، حيث قال سبحانه
وتعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةٌ
وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٢].
(٤) انظر: روائع البيان، الصابوني، ٢/ ١٢.
www. modoee.com
٤٣٧

حرف التاء
نهى عن مقاربته بالمقدمات، كالعزم
والنظر وشبهه، ﴿إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ
سَبِيلًا ﴾ أي: فعلة ظاهر فحشها وقبحها،
﴿وَسَآءَ سَبِيلًا﴾؛ قبح طريقًا طريقه؛ لما
فيه من اختلاط الأنساب وهتك محارم
الناس، وتهييج الفتن، فلما يعلم الإنسان أنه
ینفضح على رءوس الأشهاد، یقف ویفگّر
مليًّا في ما سيفعله، فيكون هذا الترهيب
دافعًا له على الاستقامة، وإذا استقام الإنسان
يستقيم حال المجتمع، فتصان الأعراض
وتحفظ الأنساب(١).
٣. القذف.
القذف جريمة عظيمة نص عليها القرآن
والسنة، فهو من الكبائر، ومن أشنع الذنوب
وأبلغها في الإضرار بالمقذوف والإساءة
إليه؛ لذا كان التحذير منه في القرآن الكريم
شديدًا، وقد عاقب الله سبحانه وتعالى
القاذفين بعقوبات عديدة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَُّونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَ لَوْ
يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدََّةَ فَاْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوْ لَهُمْ
شَهْدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ [النور: ٤].
قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير
هذه الآية: ((يقول تعالى ذكره: والذين
يشتمون العفائف من حرائر المسلمين،
فيرمونهنّ بالزنا، ثم لم يأتوا على ما رموهن
به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون
(١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ١٢٦/٤.
علیهن أنهم رأوهن یفعلن ذلك، فاجلدوا
الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا
تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الذين
خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا
عنها))(٢).
يقول الإمام القرطبي: ((للقذف شروط
عند العلماء تسعة: شرطان في القاذف،
وهما: العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف؛
إذ التكليف ساقط دونهما، وشرطان في
الشيء المقذوف به وهو: أن يقذف بوطء
يلزمه فيه الحد، وهو الزنا واللواط أو بنفيه
من أبيه دون سائر المعاصي، وخمسة من
المقذوف وهي: العقل، والبلوغ، والإسلام،
والحرية، والعفة عن الفاحشة))(٣).
بيّنت الآية حكم جلد القاذف للمحصنة
وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان
المقذوف رجلًا فكذلك یجلد قاذفه أيضًا ،
وليس فيه نزاع بين العلماء، فإن أقام القاذف
بيّنة على صحة ما قاله درأ عنه الحد؛ ولهذا
قال تعالى: ﴿﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءَ فَجْلِدُوهُمْ
ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَ نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْفَسِقُونَ﴾، وقوله: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ ﴾ يدل على
أن شهادة الأربعة شرط في إثبات الزنا(٤).
أوجب الله سبحانه وتعالى على القاذف
(٢) جامع البيان، ١٩ /١٠٢.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ١٢/ ١٧٣.
(٤) انظر: أحكام القرآن، الكيا الهراسي، ٢٣/٤،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٠/ ١٧١.
٤٣٨
مَوَسُو بر النفسية العضو
القرآن الكريم

الترهيب
إذا لم يأت بالبينة على صحة ما قال ثلاث يجرحوا مشاعر الناس، وجريمة القذف تولّد
عقوبات، حسية ومعنوية ودينية:
أولًا: العقوبة الحسية: وتتمثل في جلد
القاذف ثمانين جلدة.
ثانيًا: العقوبة المعنوية: وتتمثل في عدم
قبول شهادة القاذف، فيهدر قوله، ويصبح
في المجتمع من المنبوذين، فلا ثقة له بين
الناس.
وقد توعد الله سبحانه وتعالى لأولئك
الذين يرمون المؤمنات المحصنات
ويتهمونهن بالزنا، باللعنة في الدنيا والآخرة
والعذاب العظيم الجرم الذنب الذي ارتكبوه
في حقهن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَمُونَ
الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا
وَاَّْخِرَةِ وَّمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
يقول الإمام القرطبي رحمه الله في تفسیر
قوله تعالى: ((﴿لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَاوَالآخِرَوِ﴾ قال
العلماء: إن كان المراد بهذه الآية المؤمنین
من القذفة، فالمراد باللعنة: الإبعاد وضرب
الحد واستيحاش المؤمنين منهم وهجرهم
لهم، وزوالهم عن رتبه العدالة، والبعد عن
الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين))(١).
لذلك نجد الله سبحانه وتعالى شدّد في
عقوبة القذف، فجعلها قريبة من عقوبة الزنا؛
وذلك صيانة للأعراض من التهجم، وقطع
ألسنة السوء، فيمتنع ضعاف النفوس من أن
(١) الجامع لأحكام القرآن، ١٢/ ٢١٠.
أخطارًا جسيمة في المجتمع، فكم من فتاة
عفیفة شریفة لاقت حتفها بسبب كلمة قالها
قائل، فوصل خبرها إلى الناس، وافتضح
أمرها، وانتشر صيتها، وهي بريئة من ذلك،
فجاءت حكمة التشريع في بيان العقوبة
المترتبة على هذه الجريمة؛ ردعًا للقاذف
من أن يتهم الناس بالفاحشة، وحماية
سمعتهم من التدنيس، ومنع إشاعة الفاحشة
بين المؤمنين، فإن كثرة الترامي بها، وكثرة
سماعها، وسهولة قولها، يجرئ السفهاء
على ارتكابها، فكانت العقوبة غليظة؛ حتى
لا يتجرأ أحد على ارتكابها، ولا يقدم
على فعلها، فيمتنع عن هذا الفعل الشنيع،
وبذلك يستقيم الإنسان، وتصان الأعراض
من أن تنتهك، وتحفظ كرامة الأمة، ويطهر
المجتمع من مقالة السوء، وتنتشر المودة
والمحبة بين الأفراد، وبذلك تستقيم حياة
الأمة(٢).
٤. السرقة.
السرقة من الجرائم العظيمة في الإسلام،
فهي لا تحل في شرع الله، ولا في أي قانون
وضعي؛ لأن إباحة السرقة تخلّ بأمن
الناس، وتفقد الطمأنينة؛ ومن ثمّ يتزعزع
استقرار المجتمع؛ لذا فقد جعل الله سبحانه
(٢) انظر: التشريع الجنائي في الإسلام، عبدالقادر
عودة، ٢/ ١٧٧.
www. modoee.com
٤٣٩

حرف التاء
وتعالى عقوبة السرقة القطع زجرًا لأخذ وقضائه(١).
الأموال بغير حق.
يقول تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَأَقْطَمُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَّآءٌ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ
اللَّهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدٍ
ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهُ إِنَّ اللَّهَ
﴾ [المائدة: ٣٨، ٣٩].
غفور
الأحكام التشريعية المستنبطة من النص:
جاءت الآية الأولى تبيّن حكم السرقة،
فکل من یسرق فحكمه أن تقطع يده الیمنی
من الكوع، وكذا يد السارقة؛ مجازاة
لهما على ظلمهما بالاعتداء على أموال
غيرهم، وقد ذكر ﴿وَالسَّارِقَةُ﴾ عطفًا على
﴿ وَالسَّارِقُ﴾ حتى لا يفهم منها أنّ الحكم
مقتصرٌ على الذكور فقط دون الإناث، فقد
كانت العرب لا تقيم الحدود على الإناث
قبل الإسلام، ونلاحظ أن الآية لم تبیّن مفهوم
السرقة ولا النصاب الذي تسمى عنده سرقة
فتوجب الحد، ولا کیفیة القطع ومکانه، فقد
بيّنت ذلك السنة النبوية، كما بيّنت الآية أن
هذا الحكم إنما هو جزاءً من الله على ظلم
السارق والسارقة في اعتدائهما على حقوق
العباد، وأنه عقوبة من الله تعالى لهما تجعل
غيرهما لا يقدم على أخذ أموال الناس
بطريق السرقة المحرمة، وذلك الحكم لأن
في ملكه
الله سبحانه وتعالى
لا يغالبه مغالب، و﴿ حَكِيمٌ﴾ في تدبيره
وبيّنت الآية الثانية أنّ من تاب من
السارقين بعد قيامه بالسرقة فأقلع عن السرقة
وعمل عملاً صالحًا، فإن الله يقبل توبته،
لكن مع الانتباه أن الآية لم تذكر إسقاط
عقوبة السرقة، وإن جاء السارق تائبًا قبل
القدرة عليه (٢).
.
وقد جعل الله تعالى عقوبة السرقة هي
القطع ((ليكون هذا العقاب الصارم عبرة
للناس؛ حتى يرتدع أهل البغي والفساد،
ويأمن الناس على أموالهم وأرواحهم))(٣).
وعليه فالجزاء على السرقة جزاء يقصد
منه الردع وعدم العود، فليس بانتقام، ولكنه
استصلاح وتهذيب لسلوك الفرد والمجتمع،
فلا يكون المراد أن القطع تعويض عن
المسروق، فعندما يعلم المكلف أن يده
ستقطع، وأنه سیصبح بلا ید فتكون علامة
مادية للمجتمع أنه سارق، فإنه سيفكر جيدًا
في هذا التصرف من حيث أنه سيلقى عقابه
بقطع يده، وسیلقی الخزي بین مجتمعه بيده
المقطوعة؛ ومن ثمّ یصبح هذا الحكم دافعًا
له للاستقامة على الطاعة وحفظ الأمانة،
واجتناب المعصية.
(١) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري،
٦٢٩/١.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ١٩٠/٦-١٩٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٥٣/١.
٤٤٠
القرآن الكريم

الترهيب
صور الترهيب في القرآن الكريم
ذكر القرآن الكريم صور وطرقًا عديدة
تخوّف المؤمن من حصول العذاب في
الدنيا والآخرة، فمن طريقة القرآن الكريم
وأساليبه، ترهيب المؤمن بما أعد الله من
أصناف العذاب لمن خالف أمره، و کل ذلك
حتى يكون على طاعة مستمرة لربه، وبذلك
يحصل له الفوز في الدنيا والآخرة.
والمتأمل في القرآن الكريم يجد أن
أسلوب الترهيب لم يأت بصيغة الترهيب
الصريحة فحسب، بل جاء في العديد
من المواضع بطريق التلميح والتعريض
والتهديد، وبطرق أخرى نبيّتها فيما يلي:
١. التهديد والتخويف بصيغة العلم.
فكثيرًا ما يقع التهديد في القرآن بذكر
(العلم)، والمثال على هذا قوله عز وجل:
﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَقُوهُ وَبَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
فالأمر بـ (العلم) بأن لقاء الله آتٍ لا
مفر منه مشعر بالتهديد (١)، ومن هذا القبيل
أيضًا، قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩].
٢. الترهيب بصيغة (أفعل).
والمراد: المبالغة في التهديد والزجر،
والمثال عليه قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٧٦٣/٣.
مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَفِهَا اُسْمُهُ، وَسَعَى
فِي خَبِهَاْ أُوْلَبِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا
إِلَّا خَآَيِفِينَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِي
اُلْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤].
ففي الآية تهديد عظيم لمن منع مساجد
الله أن تقام فيها العبادة، ونحو هذا قوله
تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ.
مِنَ اللَّهُ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:
١٤٠].
٣. الإملاء للمعرضين والإمداد
لهم.
والمثال عليه قوله سبحانه: ﴿فَذَرْهُمْ
يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَقَّ يُلَقُواْ يَوْمَهُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾
[الزخرف: ٨٣].
ونظير هذا قوله عز وجل: ﴿فَذَرْهُمّ حَتَّى
يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ [الطور: ٤٥].
٤. التعبير بصيغة المستقبل بالإخبار
عن عاقبة المعرضين.
ومثاله قوله تعالى: ﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ
اَلْفَسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
يقول ابن كثير: ((سترون عاقبة من خالف
أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى
الهلاك والدّمار والتّباب))(٢)، ونظيره قوله
﴿وَسَيَعْلَهُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أََّّ مُنْقَلَبٍ
سبحانه:
يَنْقَلْيُونَ
: [الشعراء: ٢٢٧].
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٤٢٦/٣.
www. modoee.com
٤٤١

حرف التاء
٥. الأمر بطاعة الله سبحانه والرهبة يخالف أوامر الله سبحانه فإنه معرّض
للعذاب الشدید.
منه.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّنَىَ
فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
فالأمر هنا متضمن معنى التهديد
والوعید.
٦. تكرار الكلام بلفظه، والقصد
التهدید.
قال تعالى: ﴿فَأَقِ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
[الرحمن: ١٣].
فقد تكررت هذه الآية كثيرًا في سورة
الرحمن؛ بقصد التهدید لمن تنگّر لنعم الله
عليه وأفضاله.
٧. إخباره سبحانه بعدم غفلته عما
یفعله عباده.
والمثال عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤].
فالمراد: التهديد، ونحو هذا قوله تعالی:
وَلَا تَحْسَبَنَ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ
الَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْرٍ تَشْخَصُ فِيهِ
الْأَبْصَرُ ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
٨. الخطاب بلفظ (الإنذار).
من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرُ هُمْ يَوْمَ
اْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[مريم: ٣٩]. فالإنذار يتضمن معنى الترهيب.
٩. ختم الآيات بعبارات تفيد أنّ من
كقوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّ بُواْ بِعَايَتِنَآَ
أُوْ لَبِّكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة:
٣٩].
١٠. الإخبار بلفظ الغلبة والحشر.
كقوله سبحانه: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ
سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَيِقْسَ
اَلْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢].
فالمراد بـ(الغلبة) و(الحشر) هنا التهدید.
١١. التذكير بالأمم السالفة، وما
نزل بها من العقاب والعذاب.
كقوله تعالى: ﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَانَيْنَهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيٌّ
فَكَيِّفَ كَانَ تَكِيرٍ ﴾ [سبأ: ٤٥].
فالآية سيقت مساق التهديد بتذكيرهم
بالأمم السالفة التي كذّبت رسلها، وكيف
عاقبهم الله على ذلك، وكانوا أشد قوة من
قريش، وأعظم سطوة منهم.
ومن خلال ما تقدم تبيّن أن أساليب
القرآن الكريم تعددت في خطاب النفس
البشرية، ما بين ترهيب وإنذار، ووعيد،
وتخويف، وكان الترهيب من الأساليب التي
اعتمدها القرآن في خطابه؛ وذلك أن من
النفوس البشرية من لا تستجيب لنداء الحق
إلا إذا خوطبت بخطاب فيه تهديد ووعید.
٤٤٢
لِلْعُرآن الكَرِيْمِ

الترهيب
أثر الترهيب في سلوك المرء
إنّ القرآن الكريم استخدم الكثير من
الآيات المتضمنة للترهيب، قال تعالى:
﴿وَقَالَ اللّهُ لَا تَتَّخِذُواْ إِلََهَيْنِ أَثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ
وَحِدٌّ فَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونِ ﴾ [النحل: ٥١].
قال البيضاوي في تفسيره: ((﴿وَقَالَ اللهُ
لَا نَتَّخِذُواْ إِلَهَبْنِ أَثْنَيْنِ﴾ ذكر العدد مع أن
المعدود یدل علیه دلالة على أن مساق النھي
إليه، أو إيماء بأن الاثنية تنافي الألوهية، كما
ذكر الواحد في قوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾،
للدلالة على أن المقصود إثبات الوحدانية
دون الإلهية، أو للتنبيه على أن الوحدة
من لوازم الإلهية، ﴿فَإِنَنَىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ نقل
من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب،
وتصريحًا بالمقصود، فكأنه قال: فأنا ذلك
الإله الواحد فإياي فارهبون لا غير))(١)،
وفي قوله: ﴿فَإِنى فارهُونِ ﴾ يقول: فإياي
فاتقوا وخافوا عقابي بمعصیتکم إياي إن
عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم
في عبادتكم لي شريكًا، فدلت هذه الآية
على مخافة العبد من غضب الله وسخطه
وعذابه(٢).
ولا شك أن الترهيب بأنواعه المتعددة
وأساليبه المختلفة له أثره الكبير على سلوك
المرء؛ لكون هذا الأسلوب رادعًا للفرد
(١) أنوار التنزيل، ٢٢٩/٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٧/ ٢٢٠.
حينما يقصّر في أداء ما فرضه الله سبحانه
وتعالی علیه من العبادات، وللعبادات تأثير
واضح في سلوك الفرد، فهي التي تزّي
نفسه، وتزيد مراقبته لربه تعالى في السر
والعلن، والخوف منه، فينزجر عن المعاصي
والإضرار بالناس، ويسارع إلى عمل الخير،
ولاشك أن المجتمع سيكون سعيداً إذا زاد
فيه عدد الصالحين الخائفين من الله تعالى،
وأنّ كمية الخير في المجتمع ستكثر، وأن
الجرائم تقل، فالعبادات في الإسلام تصلح
الفرد والمجتمع، ولها الأثر الكبير في
استقامة الإنسان(٣).
وكذلك إذا اجتنب المرء ما نهى الله
عنه من كبائر الذنوب والمعاصي، يبقى
الفرد في اتصال دائم مع ربه فيخاف عقابه
وعذابه ويرجو رحمته، قال تعالى: ﴿ إِن
تَّجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ تُدْخَلًا كَرِيمًا﴾
[النساء: ٣١].
يقول القاسمي في تفسيره: ((﴿ إِن
تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ﴾ أي:
كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها، مما
ذكر هاهنا ومما لم يذكر، ﴿ُتُكَفِّرْ عَنكُمْ
سپِئَاتِكُمْ ﴾ أي: صغائر ذنوبكم، ونمحها
عنكم، وندخلكم الجنة»(٤).
(٣) انظر: أصول الدعوة، عبد الكريم زيدان، ص
٦٩.
(٤) محاسن التأويل، ٨٨/٣.
www. modoee.com
٤٤٣

حرف التاء
ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أن
جعل باب التوبة مفتوحًا لمن أقدم على كبيرة
من الكبائر، كالقتل والشرك والزنا والعقوق
وغيرها من الآثام، قال سبحانه: ﴿وَإِنِّ لَغَفَّارٌ
لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى﴾ [طه:
٨٢].
أي: إن الله يغفر لمن رجع عما كان فيه
من كفر أو شرك أو نفاق أو معصية، وآمن
بقلبه، وعمل الصالحات بجوارحه ثم
استقام على طاعة ربه (١).
فلما يعلم المرء أن الله سبحانه وتعالى
يغفر الذنوب والكبائر والمعاصي، فإنه يبادر
إلى التوبة والرجوع والإنابة إلى الله وحده،
فیستقیم على طاعة ربه، ويبتعد عن کل ما
يسخط الله ويغضبه؛ لأنه يعلم الوعيد الذي
أعده الله سبحانه لمن خالف أمره وعصاه،
فلو استطاع الإفلات من عذاب الدنيا، فإن
العقاب الأخروي ينتظره، فمن ثمّ يكون
لهذا الترهيب الأثر البالغ على سلوك المرء،
لاسيما وإنّ الترهيب يثير عند الإنسان عامل
الخوف، وعامل الرجاء والأمل، وهما في
الواقع يوجّهان اتجاه الإنسان إلى السلوك
الأفضل والطريق الأقوم.
فوائد الترهيب في التربية والدعوة
أولًا: فوائد الترهيب في التربية:
لاشك أن الترهيب في التربية له فوائده
الكثيرة التي تعود بالنفع على صاحبه،
وتظهر مكانة الترهيب وأهميته من أمر الله
تعالى الصريح بتطبيقه واستعماله في حقّه
جلّ ثناؤه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونِ ﴾
[البقرة: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ
# [المائدة: ٤٤].
وَأَخْشَوْنٍ
فالترهيب من ركائز الإيمان، فيقتضي
الخوف؛ لذا قيّده الله تعالى بالإيمان في
قوله: ﴿فَلَ تَّخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ إِنْ كُنُمْ مُؤْمِينَ﴾
[آل عمران: ١٧٥].
فجعل الخوف والرهبة شرطًا في تحقيق
الإيمان، فإذا تحقق الشرط وهو الخوف،
تحقق المشروط وهو الإيمان، فالمقصود
أن الخوف من لوازم الإيمان وموجباته فلا
يختلف عنه، فالخوف يربي المؤمن على
طاعة ربه، ومن ثمّ يبقى على صلة بالله؛
فيزداد إيمان المؤمن بالطاعات، وبالبعد عن
المنكرات.
وكذلك فإن الترهيب سبب في وصول
المسلم إلى أعلى الدرجات، فمثلًا صاحب
القلب الخائف، هو الّذي يقيم الصلاة
على أكمل وجه، وهو الّذي يؤدي الزكاة
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٣٠٩/٥.
٤٤٤
القرآن الكريم

الترهيب
بنفس طيبة، وهو الّذي يخشى الله في السر الأمم الغابرة؛ لأنّ من طبع النفس النسيان
والعلن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ
اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ
الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللّهَ﴾
[التوبة: ١٨].
ولهذا كان جزاؤه الفوز والفلاح وميراث
جنة الفردوس.
وقد بيّن سبحانه وتعالى اتصاف أنبيائه
صلوات الله وسلامه عليهم به، بعد أن
أثنى عليهم ومدحهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ
كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا
رَغَبَاً وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال تعالى عن ملائكته الكرام الذين
أمنهم من عذابه: ﴿يَافُونَ رَهُم مِّن فَوْقِهِمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠].
إِنَّمَا
وقال سبحانه عن عباده العلماء:
يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُا﴾ [فاطر: ٢٨].
وهكذا نجد أن الأنبياء والملائكة
والعلماء كانوا يدعون ربهم خوفًا ورهبة منه
سبحانه وتعالى، وفي ذلك دعوة لنا أن نتذكر
هذا الأسلوب الناجع في حياتنا، فالأفضل
منا جمیعًا کانوا یتصفون به، فمن باب أولى
أن نكون أول من يلتزم ويتذكر هذا الأسلوب
التربوي الذي ذكره الله سبحانه في کتابه؛
كي يكون رادعًا لنا في حياتنا اليومية.
والترهيب سبب في الانتفاع بالعبر
والقصص القرآنية التي تحدثت عن مصير
والغفلة؛ لذلك فإن الترهيب يصبح نوعًا
من التذکیر بما آلت إليه النفس من ارتکاس
ونكوص، ووقوع في الرذائل والآثام هذا
من جهة، ومن جهة أخرى فإن من رهب الله
تعالى وخاف وعيده أوجب له ذلك الحذر،
ومن ثمّ الانتفاع بالعظات والآيات والعبر،
قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ
وَعِيدٍ ﴾ [ق: ٤٥].
وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:
١٠].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ
عَذَابَ الْآَخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣].
ومن خلال ما سبق ذكره من الآيات ظهر
لنا فوائد الترهيب في التربية، فهو سبب في
القضاء على كثير من الأمراض والجرائم
الاجتماعية، والمخالفات السلوكية، وسبب
في تقوية وزيادة الإيمان، بمعنى أن من لم
يرتدع بالترغيب والإرشاد والجدل واللین،
واستمرّ علی ما هو علیه، فلابد له حينئذٍ
من سياط التخويف وسطوات السيوف من
خلال الترهيب العمليّ، فمثلًا المرتد المصرّ
على ردّته يقتل، والزاني المحصن يرجم،
والسارق المستمر في فعله تقطع يده، ومن
خلال ما سبق ظهر لنا فوائد هذا الأسلوب
في التربية.
www. modoee.com
٤٤٥

حرف التاء
ثانيًا: فوائد الترهيب في الدعوة إلى بموجبه(١).
الله:
قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةٍ، وَهُوَ
أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
الدعوة إلى الله واجب كل مسلم، كما
كانت من قبل وظيفة الأنبياء والرسل،
ولقد شرع لنا الله سبحانه في دعوتنا للناس
أساليب ووسائل تتنوع بين الحين والآخر،
فقد يستخدم مع المدعو أحيانًا أسلوبًا أو
وسيلة تختلف عنه مع مدعو آخر.
ومن هنا يبرز لنا أهمية أسلوب الترهيب
في الدعوة إلى الله؛ لأن هنالك بعضًا من
الناس وأصنافًا منهم لا يجدي فيهم الترغيب
والوعود الجميلة، وإنما ينفع معهم التقريع
والتعنيف والتهديد، وكسر حدة النفس
ونتوئها وإعراضها عن الحق، وإلزامها كلمة
التقوى والمتابعة، فكان الترهيب والتخويف
مناسبًا لذلك.
ومن صوره: الترهيب من ترك جنس
الطاعات، وعدم القيام بأركان الإسلام
والإيمان والإحسان، أو التهاون في
بقية أنواع الطاعات الأخرى، والحقوق
والواجبات المترتبة على المسلم، فناسب
تنبيهه إلي ما ينبغي عليه العمل به والتحلي
لذلك ينبغي للداعية عندما يلجأ إلى
الترهيب في الدعوة إلى الله، أن يوازن بين
ما يحصل من مفاسد، وما يترتب على ترهيبه
من مصالح، إذ لابد أن تكون المصلحة
الترهيبية راجحة على المفسدة؛ لأن هذا هو
الذي يحبه الله ويرضاه، وبهذا بعثت الرسل
وأنزلت الكتب، لذا إن تأكد الداعية حدوث
مفسدة أعظم من التي أراد إزالتها بسبب
ترهيبه فليس له أن يرهّب، وكذلك لابد
للداعية أن يكون حريصًا على إيصال الحق
إلى الخلق، فهو مطالب باستخدام هذه
الوسيلة، فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم
ذهب إلى عكاظ وذي المجاز وغيرهما
وغشى أندية قريش واجتماعاتهم، ولكن
لابد للداعية أن يكون متسلحًا بالعلم وقوة
الإيمان والأسلوب الأمثل للمدعوين زمانًا
ومكانًا وتأهيلًا(٢).
وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوّنَ عَنِ الْمُنكَرِّ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
فلابد للداعية المسلم أن يكون حريصًا
على دعوة أخيه إلى الخير، وينهاه عن المنكر
في دنياه؛ لأن هناك الكثير من الناس يتعلق
(١) انظر: وسائل الدعوة، عبد الرحيم المغذوي،
ص٢٠٥.
(٢) انظر: من وسائل الدعوة، محمد بن عبد العزيز
الثويني، ص ٢٩.
٤٤٦
مَوَسُولَةُ الْبَشِيَة
القرآن الكريم

الترهيب
بهذه الدنيا الزائلة، ويجعلها همه وغايته، عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَّ وَمَا الْحَيَّوَةُ
الدُّنْيَآ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠].
ولما كان الإنسان یعیش في الدنيا ویتعرض
لإغراءاتها مما قد يجرّه إلى الركون إليها،
والتعلق بها، ونسيان الآخرة، فلابد إذن من
تنفير المدعوين من إيثارها على الآخرة،
لا من الفرار منها جملة واحدة، مع بيان
ونعيمها.
بیان، مما يجعل أيّ مسلم عاقل يؤثر الآخرة
على الدنيا، بل ويجعل المدعو غير المسلم
منجذبًا إلى هذه الحقائق في موازنة الدنيا
مع الآخرة، وقد يجرّه ذلك إلى الإيمان لما
يحسه من صدق هذا البيان والتصوير لقيمة
الدنيا الفانية، ومن الآيات القرآنية الدالة
على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْقِ
الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ
اُلْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِ
اٌلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ
قَدِرُونَ عَلَيَّهَا أَتَمُهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا
فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ
نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾
[يونس:
٢٤].
وقال تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا
لَعِبٌ وَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اْأَمْوَلِ
وَاْأَوْلَدِ كُمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ، ثُمَّ
◌َهِيجُ فَتَنَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَاً وَفِ الْآَخِرَةِ
يقول السعدي في تفسيره: ((يخبر تعالى
عن حقيقة الدنیا وما هي علیه، ویبین غايتها
وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو، تلعب بها
الأبدان، وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه
حقيقتها وقيمتها وقدرها بالنسبة إلى الآخرة ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك
تجدهم قد قطعوا أوقات أعمارهم بلهو
وقد بيّن ذلك كله القرآن الكريم خير القلوب، والغفلة عن ذكر الله، وعما أمامهم
من الوعد والوعيد، وتراهم قد اتخذوا
دينهم لعبًا ولهوًا، بخلاف أهل اليقظة
وعمّال الآخرة، فإن قلوبهم معمورة بذکر
الله، ومعرفته ومحبته، وقد أشغلوا أوقاتهم
بالأعمال التي تقرّبهم إلى الله، من النفع
القاصر والمتعدي))(١).
وهكذا تظهر لنا فوائد الترهيب في
الدعوة إلى الله؛ لأن هناك بعض المدعوين
لا ينفع معهم الترغيب، فهو بحاجة لأسلوب
رادع وزاجر كأسلوب الترهيب في القرآن.
موضوعات ذات صلة:
التربية، الترغيب، الدعوة، النصيحة
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٤١.
www. modoee.com
٤٤٧