Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ ٧ التَّبَتْ عناصر الموضوع مفهوم التثبت ١٦٤ التثبّت في الاستعمال القرآني ١٦٥ الألفاظ ذات الصلة ١٦٦ أهمية التثبت ١٦٩ مجالات التثبت ١٧٤ خطر الإشاعة وضررها ١٨٩ فوائد التثبت ١٩٤ وسائل التثبت ١٩٧ نماذج قرانية فى التثبت ٢٠٦ ٢١٤ نماذج قرآنية فى عدم التثبت المُجَلَّدَ الثَّامِنْ حرف التاء مفهوم التثبت أولًا: المعنى اللغوي: التثبت مأخوذ من الفعل ثبت، ويطلق في اللغة على أمور: التأني أو التريّث وعدم الاستعجال، تقول: تثبّت في الأمر والرأي، واستثبت: تأنّى فيه ولم يعجل، واستثبت في أمره: إذا شاور وفحص عنه(١). ١. طلب ما يكون به الثبات على الأمر؛ أي: لزومه وعدم التحوّل عنه أو تجاوزه إلى غيره، وبعبارة أخرى؛ طلب الدليل الموصل إلى الثبات على الأمر، فيقال: فلان ثابت عندي، ونبوة النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة (٢). ٢. التأكّد من حقيقة ما يعين على الثبات في الأمر، وبعبارة أخرى: فحص الدليل الموصل إلى الثبات في الأمر، تقول: أثبت الأمر: حقّقه، صحّحه، وأثبت الكتاب: سجّله، وأثبت الحقّ: أقام حجّته، وأثبت الشيء: عرفه حقّ المعرفة(٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: يمكن تعريف التثبت بأنه: التأني وعدم التسرع في كل الأحوال التي يقع للإنسان فيها نوع اشتباه، حتى يتضح له الأمر، ويتبين الرشد والصواب والحقيقة، وإفراغ الجهد والوسع لمعرفة حقيقة الحال المراد (٤). (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٩١/١٤، مختار الصحاح، الرازي ص ٤٨، لسان العرب، ابن منظور ١٩/١٢. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص١٧١. (٣) انظر: أساس البلاغة، الزمخشري ١/ ٦٩، مختار الصحاح، الرازي ص٤٨. (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٧٠/٥، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٨٢، الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠/ ١٤٢. مَوَسُو ◌َر النفسية القرآن الكريم ١٦٤ التثبت التثبت في الاستعمال القرآني ورد لفظ (التثبّت) في القرآن الكريم (٣) مرات، في سورتين، في قراءة حمزة والكسائي وخلف (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال يَتَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَتُو فعل الأمر ٣ [النساء: ٩٤] وجاء التثبت في القرآن الكريم بمعناه اللغوي الذي يدور حول التأني والتريث وعدم الاستعجال. (١) انظر: معاني القراءات، الأزهري ٣١٥/١، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، عبد الفتاح القاضي ص٨٣. www. modoee.com ١٦٥ حرف التاء الألفاظ ذات الصلة التبين: ١ التبين لغة: مصدر تبيّن إذا تثبّت في الأمر. ويقال: تبيّنت الأمر أي: تأمّلته وتوسّمته، واستبنت الشّيء إذا تأمّلته حتّى تبيّن لك. والبيان: ما بيّن به الشّيء من الدّلالة وغيرها. وبان الشّيء بيانًا: اتّضح، فهو بيّن، وكذلك أبان الشّيء فهو مبين. وأبنته أنا أي: أوضحته، واستبان الشّيء: ظهر. واستبنته أنا: عرفته، وتبيّن الشّيء: ظهر (١). التبين اصطلاحًا: مرتبة من مراتب وصول العلم يراد بها طلب الحقيقة بعد التباسها. يقول الكفويّ: ((اعلم أنّ مراتب وصول العلم إلى النّفس: الشّعور ثمّ الإدراك ثمّ الحفظ ثمّ التّذكّر ثمّ الذّكر ثمّ الرّأي، وهو استحضار المقدّمات وإجالة الخاطر فيها، ثمّ التّبيّن وهو علم يحصل بعد الالتباس، ثمّ الاستبصار وهو العلم بعد التّأمّل ... ))(٢). الصلة بين التثبت والتبين: يرى بعض أهل العلم أن التثبت والتبين بمعنى واحد، وذلك عند توجيههم القراءة ﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾، و﴿فتثبتوا﴾(٣). ويرى بعضهم أن المعنيين متقاربان؛ لأن من تبيّن فقد تثبّت، ومن تثبّت فقد تبيّن (٤). ويرى بعض أهل العلم أن بينهما فرقًا، فقد ذكر أبو علي الفارسي في توجيهه لقراءة ﴿فَتَبَيَُّواْ﴾، و﴿فتثبتوا﴾ أن التثبّت هو خلاف الإقدام، والمراد: التآني، ومما يقوّي ذلك قولهم: تثبّت في أمرك. ولا يكاد يقال في هذا المعنى: تبیّن. وأما التبيّن فليس وراءه شيء، وقد يكون تبينت أشدّ من تثبّت (٥). ومن الفروق بينهما: أن ((المراد من التبين: التعرّف والتفحص، ومن التثبت: الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر)) (٦). (١) انظر: الصحاح، الجوهري ٥/ ٢٠٨٣، لسان العرب، ابن منظور ١٣ /٦٧. (٢) الكليات، الكفوي ص٨٩. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٨١، معاني القراءات، الأزهري ٣١٥/١. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٦/٢٢، الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه ص١٢٦. (٥) انظر: الحجة للقراء السبعة، أبو علي الفارسي ١٧٤/٣. (٦) فتح القدير، الشوكاني ٧/ ١٠. ١٦٦ جومبو القرآن الكريم التثبت والراجح أن بينهما فرقًا، فلو لم يكن بينهما فرق لما جاءت القراءة الأخرى باللفظ الآخر، فهناك فرق بينهما، والذي أراه -والله أعلم- أن التبين يكون بالبحث في الوسائل المادية التي من شأنها أن ترى وتبان، بينما التثبت يكون من جهة الأمور المعنوية كالسماع. النظر: ٢ النظر لغةً: يقصد به في اللغة التأمل والتفحّص، يقال: نظره، أي: تأمّله بعينه(١). وعبارة الراغب: ((نظرت إلى كذا - إذا مددت طرفك إليه -: رأيته أو لم تره، ونظرت فيه: إذا رأیته وتدبر ته»(٢). النّظر اصطلاحًا: تقليب البصر والبصيرة؛ لإدراك الشيء ورؤيته، وقيل: هو التحديق لإدراك الصور، في أول مراتب الإبصار، ثم تليه الرؤية، وهي من لوازمه. الصلة بين التثبت والنظر: يتضح من خلال تعريف التثبت والنظر أن النظر وسيلة من وسائل التثبت. ٣ التبصر: التبصر لغة: مصدر قولهم: تبصّر الشّيء إذا نظر إليه هل يعرفه؟ وهو مأخوذ من مادة (ب ص ر) الّتي تدلّ على العلم بالشّيء، ومعناه: التّأمّل والتّعرّف، أمّا التّبصير فهو التّعريف والإيضاح، يقال: بصّره بالأمر تبصيرًا وتبصرة فهمه إيّاه(٣). التبصر اصطلاحًا: يمكن تعريفه بأنه النّظر إلى الشّيء بقصد معرفته (٤). وعرّفه القرطبي بأنه ((معرفة الشّيء على الحقيقة من خلال البراهين))(٥). ويمكن تعريفه بأنه: ((طلب معرفة الأمور على حقيقتها من خلال البراهين الحسّة الّتي (١) المعجم الاشتقاقي، محمد جبل ٢٢١٩/٤. (٢) المفردات ص ٨١٢. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ / ٦٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢٢٣/٢. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ / ٦٥. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤٣/١٣. www. modoee.com ١٦٧ حرف التاء يمكن للعين رؤيتها، وللبصيرة (أي: قوّة القلب المدركة) تأمّلها واعتقاد صحّتها))(١). الصلة بين التثبت والتبصر: يلاحظ أن التبصر وسيلة من وسائل التثبت. ولا شكّ بأنّ كلّ لفظة من ألفاظ القرآن الكريم لها كيانها الخاص بها، ومعانيها التي لا يمكن أن تحملها لفظة أخرى من ألفاظ الكتاب العزيز، وإنما يكون الاشتراك بين بعض الألفاظ في جزء من المعاني، لا في كلها. العجلة: ٤ العجلة لغة: العين والجيم واللام أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الإسراع، والآخر على بعض الحيوان، والجمع عجل وعجلات، والعجل والعجلة: خلاف البطء (٢). العجلة اصطلاحًا: قال الراغب: ((العجلة: طلب الشّيء وتحرّيه قبل أوانه))(٣). وقال المناوي: ((العجلة: فعل الشّيء قبل وقته اللّائق به)) (٤). الصلة بين التثبت والعجلة: العجلة من الألفاظ المقابلة للتثبت، فهي ضد التثبت. (١) نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين ٣٥١٧/٨-٣٥١٨. (٢) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس ٦٤٩/١. (٣) المفردات ص٣٢٣. (٤) التوقيف، ص ٢٣٧. مُوسُوبَةُ النَّطة القرآن الكْرِيْمِ ١٦٨ التثبت أهمية التثبت إن للتثبت أهمية عظيمة في حياة الناس، فعندما يبني الإنسان تصوراته، ويصدر أحكامه على أساس من العلم، وليس الظن والتخريص، فإن ذلك يحميه من الوقوع في ظلم الناس، واتهامهم في أعراضهم وأموالهم (١). والتثبت يعدّ من أجل الآداب والأخلاق التي طالب الشرع بالتحلي بها والاتصاف بها. وإن من يتأمل في واقع الناس اليوم، وينظر في الكم الهائل من الأخبار التي نسمعها في كل يوم، ويرى الاختلاف والتباين بين مصادر هذه الأخبار، يدرك عظمة هذا الدين، وسمو هذا المنهج الذي دعا إليه الإسلام، وأمر به القرآن والسنة. ولذلك يقول سيد قطب: ((التثبت من كل خبر ومن كل ظاهرة، ومن كل حركة قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الکریم، ومنهج الإسلام الدقيق. ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة، ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية (١) انظر: أدب الكلام وأثره في بناء العلاقات الإنسانية، عبدالله عودة ص٥٢. في عالم البحوث والتجارب والعلوم))(٢). وقد جاء الأمر بالتثبت في نصوص كثيرة، منها قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَّاِ فَتَبَيَّنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بَجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. قال الشيخ السعدي: ((والتثبت في سماع الأخبار وتمحصيها ونقلها وإذاعتها، والبناء عليها أصل کبير نافع، أمر الله به رسوله، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَ كُمْ فَاسِقٌ بِمَا فَتَبَيَنُواْ أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا يَجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ فأمر بالتثبت، وأخبر بالأضرار المترتبة على عدم التثبت، وأن من تثبت لم يندم، وأشار إلى الميزان في ذلك في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًّاً يَجَهَلَةٍ﴾ وأنه العلم والتحقق في الإصابة وعدمه، فمن تحقق وعلم کیف یسمع، و کیف ینقل وكيف يعمل، فهو الحازم المصيب، ومن كان غير ذلك فهو الأحمق الطائش الذي مآله الندامة)»(٣) . وعبر في الآية بحرف ((إن)) الذي يفيد التشكيك، ولم يقل: ((إذا)) لأنها تفيد التحقيق؛ ليبرهن على أن وقوع مثل هذا الحدث في المجتمع الإسلامي على سبيل الندرة، وأن الأصل في المؤمن الصدق. والأمر في الآية بالتثبت من خبر الفاسق (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٢٧/٤. (٣) الفتاوى السعدية ص٦٦-٦٧. www. modoee.com ١٦٩ حرف التاء ((لأن الفاسق ضعيف الوازع الديني في نفسه، وترك التأني والتأمل. وضعف الوازع يجرؤه على الاستخفاف بالمحظور، وبما يخبر به في شهادة أو خبر يترتب عليهما إضرار بالغير أو بالصالح العام، ويقوي جرأته على ذلك دومًا إذا لم يتب ويندم على ما صدر منه ويقلع عن مثله)»(١). وتتضح أهمية التثبت في العلة والنتائج التي أمر الله من أجلها بالتثبت، فالعلة في قوله: ﴿أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ﴾ ((أي: تثبتوا - أيها المؤمنون- من صحة خبر الفاسق؛ لئلا تصيبوا قومًا بما يؤذيهم، والحال أنكم تجهلون حقيقة أمرهم، أو خشية أن تصيبوا قومًا بجهالة؛ لظنكم أن النبأ الذي جاء به الفاسق حقًّا))(٢). وأما النتائج المترتبة على عدم التثبت فذلك قوله تعالى: ﴿فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ أي: فتندموا على ما فرط منكم وتتمنّوا أن لو لم تكونوا فعلتم ذلك. فالآية ترشدنا إلى وجوب التثبت من الأخبار، والتحذير من الاعتماد على مجرد الأقوال؛ منعًا من إلقاء الفتنة بين أفراد وجماعتهم، وأخذًا بالحيطة والحذر، وعدم إيذاء الآخرين بخطأ فادح، فيصبح المتسرع في الحكم والتصديق نادمًا على العجلة، (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣١/٢٦. (٢) الوسيط، سيد طنطاوي ٣٠٥/١٣. وما أحوجنا في هذا الزمان لهذا الأدب الذي سهل فيه انتشار الأخبار بسرعة مذهلة، فبمجرد ضغطة زر ينتشر الخبر على الآلاف بل ملايين البشر، وبعض الناس لا يحتاج أن يضغط زرًّا، بل هو بنفسه مذياع ما أن يسمع الخبر إلا ويطير به طيرانًا، وهو لم يتأكد بعد من صحة الخبر وتفاصيله وأحداثه، وإنما تلقّفه ونشره وأذاعه. قال ابن الجوزي مبينًا أهمية التثبت: (ما اعتمد أحد أمرًا إذا هم بشيء مثل التثبت، فإنه متى عمل بواقعة من غير تأمل للعواقب، كان الغالب عليه الندم، ولهذا أمر الإنسان بالمشاورة؛ لأن الإنسان بالتثبت يطول تفكيره، فتعرض على نفسه الأحوال، وكأنه شاور، وقد قیل: «خمير الرأي خیر من فطيره)). وأشد الناس تفريطًا من عمل مبادرة في واقعة من غير تثبت ولا استشارة، خصوصًا فيما يوجب الغضب، فإنه بنزقه طلب الهلاك واستتبع الندم العظيم، فالله الله، التثبت، التثبت في كل الأمور، والنظر في عواقبها))(٣). وإذا كانت آية سورة الحجرات أمرت بالتثبت في جميع الأحوال، فإن التثبت في حال الحروب آكد من غيرها؛ لكثرة (٣) صيد الخاطر، ابن الجوزي ص ٣٨٥. ١٧٠ مُوسُو ◌َةُ النَِّ القرآن الكريم التثبت الإشاعات والمغرضات في التثبيط من العزائم، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُّوْ إِذَا ضَرَّبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةُ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]. ويبيان سبب نزول الآية يتبين المراد، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رجل في غنيمة له، فلحقه المسلمون، فقال: السلام علیکم، فقتلوه وأخذوا غنیمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾(١). ((فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، ومجاهدة أعداء الله، وقد استعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، مأمورًا بالتبين لمن ألقى إليه السلام، وكانت القرينة قوية في أنه إنما سلّم تعوذًا من القتل وخوفًا على نفسه - فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد، حتى يتضح له الأمر ويتبين الرشد والصواب ﴿إنّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ فيجازي كلًّا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا)، رقم ٤٥٩١، ٤٧/٦. عباده ونیاتهم»(٢). قال الطبري في تفسير الآية: ((فتأنّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه یقینًا حربًا لکم ولله ولرسوله»(٣). نرى هنا أهمية التثبت كيف وضّحها الله سبحانه وتعالى، حتى في الحرب طلب منا التثبت، وهي مظنة قتال وخداع وغيره من أمور الحروب التي جرت عليها. ويزداد هذا الواجب توكيدًا إذا تعلّق الأمر بالدّماء والأعراض والأحكام الشّرعيّة؛ لما في انتشار الأخبار الكاذبة من ضرر عظيم، وشرّ جسيم. وتتبين أهمية التثبت في ذم الله تعالى المسارعين في نقل الأخبار، فقال: تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَهِكُرُ مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. وتتجلى أهمية التثبت في معرفة الأضرار الكثيرة الواقعة على الفرد والمجتمع من جراء عدم التثبت، فـ«المشاهد والواقع أن عدم التثبت وعدم التأني يؤديان إلى كثير من الأضرار والمفاسد، فقد يسمع (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٩٤. (٣) جامع البيان، الطبري ٩/ ٧٠. www. modoee.com ١٧١ حرف التاء الإنسان خبرًا، أو يقرأ نبأ في صحيفة، أو من نقل الشخص لكل ما يسمعه، فعن حفص بن عاصم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (کفی بالمرء کذبًا أن یحدّث بکل ما سمع)(٢). مجلة، فیسارع بتصديقه، ويعادي ويصادق، ويبني على ذلك التصرفات والأعمال التي يصدرها للمقاومة أو الموافقة، على أساس قال الإمام مالك: «اعلم أنّه ليس يسلم رجل حدّث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا أبدًا وهو يحدّث بكل ما سمع))(٣). أنه حق واقع، ثم یظهر أنه کان مکذوبًا، أو محرفًا، أو مزورًا، أو مبالغًا فيه، أو مرادًا به غير ما فهمه الإنسان، ومن هنا یکتوي المتسرع بلهب الندم والحسرة بسبب استعجاله وعدم تثبته»(١). وتأكيدًا لأهمية التثبت، وزيادة في الحرص على عدم ذيوع الإشاعات والأكاذيب في المجتمع، فقد أمرت الشريعة الإسلامية المؤمنين بالإعراض عن جميع أنواع اللغو وبأية صفة كانت وهيئة تبدّت، فهي من أعمال الجهل المنهي عنها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَهِلِينَ ﴾ [القصص: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ وَلَّذِينَ هُمْ عَنِ اُللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٣]. فقد بيّنت الآيات أن التثبت والإعراض عن لغو الكلام سبب من أسباب الفلاح، وأن ذلك صفة ملازمة للمؤمنين. ولأجل ذلك حذر الشارع أشد التحذير (١) الحكمة في الدعوة إلى الله، سعيد بن وهف القحطاني ص ١٧١. قال النووي: «وأما معنى الحديث والآثار التي في الباب ففيها الزجر عن التحديث بكل ما سمع الإنسان، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدّث بكل ما سمع فقد كذب؛ لإخباره بما لم یکن، وقد تقدم أن مذهب أهل الحق أن الكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، ولا يشترط فيه التعمد، لكن التعمد شرط في كونه إثمًا)) (٤). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما یتبین ما فيها، بھوي بها في النار، أبعد ما بين المشرق والمغرب)(٥). ففي قوله صلى الله عليه وسلم: (ما (٢) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع ١/ ١٠. (٣) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١١. (٤) شرح صحيح مسلم ١/ ٧٥. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق. باب حفظ اللسان، رقم ٦٤٧٧، ١٠٠/٨، ومسلم في صحيحه. كتاب الزهد والرقائق، باب التكلّم بالكلمة يهوي بها في النار، رقم ٢٢٩٠/٤،٢٩٨٨. مَوَس ◌َةُ النَِّّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ١٧٢ لتثبت یتبین فیها) بیان أنه لا یتثبت من الخبر، ولا ما يدور حوله من معطيات ربما تكذّب هذا بالتثبّت في الأخبار الّتي ينقلها النّاس، هذا في عصر الهدى والنّور، والعلم والإيمان، فکیف بزمن قلّ فیه ذلك كله؟! الخبر، فیکون أحد الكاذبین؛ لأنه استعجال دون تبين وتروي في الكلام. ولذلك قال ابن حجر رحمه الله: ((لا يتطلب معناها، أي: لا يثبتها بفكره، ولا يتأملها حتى يتثبّت فيها فلا يقولها إلا إن ظهرت المصلحة في القول))(١). وأخبر سبحانه أن الإنسان مسؤول أمام الله عز وجل ومحاسب عن كل صغير وجليل فقال: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٦] وتظهر أهمية التثبت في حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على التأني في الأمور كلها، فقال: (التأني من الله، والعجلة من الشيطان)(٢). فقوله: ( التأني من الله) أي: مما ولو بدون قصد. يرضاه، وأمر به، ويوفّق إليه، ويثيب عليه (والعجلة من الشيطان) أي: هو الحامل عليها بوسوسته؛ لأن العجلة تمنع من التثبت والنظر في العواقب (٣). (١) فتح الباري، ابن حجر ٣١١/١١. (٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، رقم ٢٠٢٧٠، ١٧٨/١٠، وأبو يعلى في مسنده، رقم ٧،٤٢٥٦/ ٢٤٧. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٤٠٤. (٣) انظر: فيض القدير، المناوي ١٨٤/٣. والشّاهد من هذه النّصوص هو: الأمر ومن خلال ما سبق يتضح أن التثبت من كل الأخبار والأحداث قبل الحكم عليها هو دعوة القرآن الكريم ومنهج الإسلام الدقيق، حیث إن تلقّف الأخبار بغیر تبین وتروي قد یحیلھا أحيانًا إلى غیر مقاصدها، وينتج عنها بعد ذلك خطر عظيم، والاستماع إلى الكذب لا يجوز؛ لأن مداومة الاستماع إليه مدعاة لتصدیقه وتردیده وترويجه بین الناس، وقد يلتقط بعض السامعين الأحاديث الكاذبة، ويرويها دون أن يبين حقيقتها، فيأخذها غيره ويرويها على أنها أحاديث صادقة وحقائق واقعة، وقد يؤدي الاستماع إلى الباطل والأكاذيب إلى استقرار شيء منها في النفس www. modoee.com ١٧٣ حرف التاء مجالات التثبت التثبت منهج إسلامي واضح المعالم، يقوم على صدقية الخبر وسلامة النقل، وهو أدب اجتماعي عام ضروري للحفاظ على وحدة الأمة، والناظر المتأمل سيجد أن التثبت له علاقة بكل مجالات الحياة المتنوعة، وليس هناك مجال إلا والتثبت أساس فيه، وهذا بيان لبعض المجالات التي يقوم عليها التثبت. أولًا: المجال العلمي: إن أوجب ما يدخله التثبت هو المجال العلمي بكل أنواعه وتفاصیله، بل إذا تأملنا لوجدنا أن التثبت هو العلم، والعلم هو معرفة الأمور على حقيقتها، وأخص ما يدخله التثبت في المجال العلمي التثبت في النواحي الدينية. ويناول البحث في موضوع التثبت في النواحي الدينية أمرين: الأول: التثبت في نقل كلام الله تعالی. يقول ابن القيم: ((وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ الْفَوَِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِلْ إِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾﴾ [الأعراف: ٣٣]. فرتّب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريماً منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربّع بما هو أشد تحريماً من ذلك کله، وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دینه وشرعه»(١). إن التقول على الله بغير علم ولا دليل (هو سبب تحريف الأديان، والابتداع في الدين الحق، وهو منهج أدعياء التجديد، وتخطي الشريعة باسم الاجتهاد)»(٢). إن من أخطر أنواع التثبت: التثبت في القول على الله تبارك وتعالى؛ لأن القول على الله بغير علم من أشد المحرمات، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٣]. أي: «في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه، فكل هذه قد حرمها الله، ونهى العباد عن تعاطيها؛ لما فيها من المفاسد الخاصة والعامة، ولما فيها من الظلم والتجرؤ على الله، والاستطالة على عباد الله، وتغيير دين الله وشرعه»(٣). فلابد إذن من الحذر في القول على الله بغير علم، فإنه کذب وحرام، و کثیرًا ما (١) إعلام الموقعين، ابن القيم ٣٨/١. (٢) التفسير المنير، الزحيلي ٨/ ١٩٢. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٨٧. مَوَبُو بَرُ النَّسَيِ الوضوي القرآن الكريم ١٧٤ التثبت نسمع الناس يقولون: قال الله في الحديث القدسي، بدون تثبت من مصدر هذا القول، ناسیین إليه سبحانه ما لم يقله، فلماذا هذه الجرأة على الله؟! ولماذا هذا التسرع وعدم التثبت في القول على الله؟! إن حاجة العلماء والدعاة وطلاب العلم إلى التثبت في النقل عن الله -خاصة في مجال الفتيا- ماسة وخطيرة؛ لأنهم من يصدر الأحكام، ويطبّق النصوص على الوقائع والأقوال، فلا بد من التثبت من الواقعة وملابسات حدوثها، وصحة صدور القول من قائله، ومراده منه ومقصده، والتحري من توافق ذلك مع النص عند تنزيله علیه. والأخطر من هذا أن بعض محاضن الصحوة الإسلامية لم تسلم من هذه الفوضى الفقهية والمنهجية، وإذا كان المربون وروّاد العمل الدعوي يتحدثون في وقت مضى عن الموازنة بين العزائم والرّخص؛ فإن بعض المعاصرين تجاوزوا الرّخص إلى الوقوع في بعض المنكرات إنّ ثمة حقيقة لا شك فيها؛ وهي أن الساحة الإسلامية تشهد فوضى فقهية تطاول فيها بعض أدعياء العلم وأنصاف المثقفين على الفتوى، فراحوا يخوضون فيها بدون ورع أو تثبّت، بل تجرؤوا على الواضحات بحجة الواقعية، وتغيّر الزمان، وعموم البلوى، وضرورة تقديم المصالح الدعوية، وإعادة قراءة مقاصد الشريعة، ونحوها من المعاذير الباردة التي أوجدت المسائل الكبار التي لو عرضت على عمر مناخا دعويًّا مهيّاً للتفلت من القيود الشرعية، بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل ولا نبالغ إذا قلنا: إن بعض الدعاة أصبحوا بدر (١). والعجيب أنّ بعض الناس عندما تراجعه (١) انظر: أدب المفتي والمستفتي، ابن الصلاح ص٧٦. لا يتورعون عن ممارسة بعض المناورات السياسية والحزبية، ويقع أحيانًا فيما تقع فيه بعض التجمعات الحزبية العلمانية! (٢) انظر: المصدر السابق ص ٨٥. www. modoee.com ١٧٥ في بعض تلك الفتاوى والآراء، يبادرك بضرورة اتساع الصدر للرأي المخالف؛ لأنه ما زال العلماء يختلفون ولا ينكر بعضهم على بعض! وهذا حق لا شك فيه لو أنّه صادر عمن يحق له الفتوى والاجتهاد من ومن هنا كان القول على الله بغير علم أهل العلم الراسخين، أما وإنه صادر في سببًا للضلال والإضلال. أغلب الأحوال عن غیر أهله؛ فکیف یراد منا أن نعذر فیه المخالف؟! ونحسب أن بعض المفتين في هذا الزمان أحق بالسجن من السّرّاق!(٢). حرف التاء الثاني: التثبت في نقل كلام رسول الله يتثبتون أشدّ التثبت في تلقّي العلم، ويتحرّون صلی الله عليه وسلم. التثبت في النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ضروري، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)(١). وروى مسلم في صحيحه: أنّ بشير العدوي جاء إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فجعل يحدّث ويقول: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فجعل ابن عباس رضي الله عنهما لا يأذن (أي: لا يصغي) لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس! ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنّا کنا مّة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا؛ فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما والتثبت. نعرف (٢). وهذا النص يفيد أنّ العلماء والأئمة كانوا (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت، رقم ١٢٢٩، ٤٣٤/١، ومسلم في صحيحه، في المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم ٣، ١/ ١٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، في المقدمة، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء، رقم ٧، ٠١٣/١ في نقلته ورواته، وبخاصة بعد أن ظهرت الفتن وكثر الابتداع؛ ولهذا قال محمد بن سيرين: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم؛ فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع ولا يؤخذ حديثهم)»(٣). ولأهمية التثبت في النقل عن رسول الله صلی الله عليه وسلم، كان السلف يحتاطون ولا يأخذون برواية الضعيف، فعن ابن أبي الزناد: «أدركت بالمدينة مائة مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله)» (٤). وقد كان الصحابة رضي الله عنهم منهج واضح في تلقي الأخبار والروايات، فقد كانوا إذا بلغهم الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاطون في قبوله بطلب الشهادة أو اليمين؛ لمزيد من التأكيد فعن قبيصة بن ذؤيب، أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله تعالى شيء، وما علمت لك في سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، فارجعي حتى أسأل (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في المقدمة، باب إن الإسناد من الدين، رقم ١٥/١،٩. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، في المقدمة، ١/ ١٥. ١٧٦ جُوَسُولَةُ النَّبيّة الْقُرآن الكَرِيْمِ التثبت حضرت رسول الله صلی الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة ابن شعبة، فأنفذہ لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه تسأله ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله تعالى شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض، ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها (١). وعن أسماء بن الحكم قال: سمعت عليًّا يقول: کنت رجلا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا نفعني الله منه (١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٧٩٨٠، ٢٩/ ٤٩٩، وأبو داود في سننه، كتاب الفرائض، باب في الجدة، رقم ٢٨٩٤، ٥٢١/٤، والترمذي في سننه، أبواب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة، رقم ٢١٠٠، ٤٩٠/٣، والنسائي في سننه، كتاب الفرائض، باب ذكر الجدات والأجداد، ومقادير نصيبهم، رقم ١١١/٦،٦٣٠٥، وابن ماجه في سننه، كتاب أبواب الفرائض، باب ميراث الجدة، رقم ٢٧٢٣، ٢٦/٤، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم ١٢٣٣٧، ٣٨٤/٦، والحاكم في المستدرك، رقم ٧٩٧٨، ٣٧٦/٤. قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)). ولم يتعقبه الذهبي. وضعفه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ١٢٤. الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته(٢). ومن هنا نشأ علم الجرح والتعديل، وعلم التصحيح والتضعيف، ومعرفة ما صح وما لم يصح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وشنّ العلماء حملة ضارية على رواة الأحاديث الموضوعة؛ لما في ذلك من کذب صریح علی رسول الله صلی الله علیه وسلم. وإن من الإثم العظيم تساهل الناس اليوم في نقل ورواية الأحاديث الموضوعة في أبواب الترغيب والترهيب، والوعظ، وغير ذلك، وهؤلاء سيكون خصمهم يوم القيامة النبي صلی الله عليه وسلم الذي توعّدهم بقوله: (من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب، فإنه أحد الكاذبين)(٣). وما أجمل كلام ابن العربي حين يقول: ((على الناس أن ينظروا في أديانهم نظرهم في أموالهم، وهم لا يأخذون في البيع دينارًا (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب أبواب فضائل القرآن، باب في الاستغفار، رقم ١٥٢١، ٢/ ٦٣٠، والترمذي في سننه، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة عند التوبة، رقم ٤٠٦، ٥٢٤/١، والنسائي في سننه، كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يفعل من بلي بذنب وما يقول، رقم ١٥٩/٩،١٠١٧٥. وصححه الألباني في صحيح أبي داود. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، في المقدمة، باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين، رقم ٨/١،١. www. modoee.com ١٧٧ حرف التاء معيبًا، وإنما يختارون السالم الطيب؛ كذلك في الدين لا يؤخذ من الروايات عن النبي صلی الله علیه وسلم إلا ما صح سنده؛ لئلا يدخل في خبر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص، بل ربما أصاب الخسران المبين»(١). ثانيًا: المجال الأمني: لا يخفى على أحد أهمية الأمن للفرد والمجتمع والدولة، بل وللعالم أجمع؛ وذلك لما يتحقق في الحياة الآمنة من استقرار وهدوء، ونهضة إنسانية في جميع المجالات الحيوية. ومن ضمن مقاييس قوة الدولة اليوم هو مدى ما يتحقق فيها من الأمن والأمان للقاطنین والمقیمین فیها. كما أن الأمن أصبح في العصر الحاضر مطلبًا مهمًّا، وضرورة ملحة، ومبتغی عزيزًا في ظل الظروف القلقة والأحداث الدامية، والعواصف المدمرة التي تشهدها كثير من الدول والمجتمعات العالمية. ومن هنا تنبع أهمية التثبت في المجال الأمني، وقد أنكر الله سبحانه وتعالى على من نشر كل خبر جاءه في أمن أو خوف دون التثبت ومراجعة أهل الاستنباط بذلك الخبر فقال: ﴿وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَّ أُوْلِ آلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ. مِنْهُمُّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: ٨٣]. يقول الشيخ السعدي: «هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطًا للمؤمنين وسرورًا لهم وتحرزًا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِعُونَهُ مِنْهُمٌ﴾ أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة. وفي هذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولّى من هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر (١) أحكام القرآن، ابن العربي ٦/ ٤٤٠. جَوَسُو ◌َر النفسية الوضوء القرآن الكريم ١٧٨ التثبّت الأمور من حین سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فیقدم علیه الإنسان؟ أم لا فیحجم عنه؟))(١). وقد ورد من الأسباب التي نزلت لأجلها الآية ما يوضح أهمية التثبت في الناحية الأمنية، وعدم الاستعجال بإذاعة الأخبار التي تضر بأمن واستقرار الأفراد والمجتمعات، فقد ذكر أنها نزلت في أهل النفاق أو ضعفاء الإيمان، كانوا إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف من الأعداء، أذاعوا بالحدیث، حتى يبلغ عدوهم أمرهم(٢). ولذلك قال الزمخشري حول هذه الآية: ((هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فیهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل ﴿أذاعُواْ پهِ ﴾ وكانت إذاعتهم مفسدة، ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإلى أولى الأمر منهم - وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿لَعَلِمَهُ﴾ علم تدبير ما أخبروا به ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم مِنْهُمْ: وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب . ومكايدها)) (٣) (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٩٠. (٢) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٢/ ٦٠١. (٣) الكشاف، الزمخشري ١/ ٥٤١. ففي الآية إنكار على من يبادر إلى نقل الأمور قبل التحقق منها، فيخبر بها ویفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها أساس من الصحة. فنفهم من الآية أنه قد يذاع الخبر عن اضطرابات أمنية من مصادر غير موثوقة إلى الجهلة أو المنافقين، أو ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالقضايا العامة، فيبادرون إلی إذاعته ونشره، وترویجه بین الناس، وهذا أمر منكر يضر بالمصلحة العامة، وتحصل به المفسدة. ((ولا يخفى أنه ينبغي التنبه للآثار السيئة لعدم التثبت على مستوى الأمن الخاص والعام، وأنه يجب تفويت الفرص على مروجي الإشاعات في محاولاتهم اختراق أمن المجتمعات الإسلامية، والعبث في مقوماتها، ومحاولة البعض الفتك بنفسية الأفراد والمجتمعات، وجعلهم فريسة سهلة للآراء والأفكار والدعاوى السيئة؛ لكي يقوموا بتنفيذ أغراضهم وأهدافهم، وينفثوا سمومهم الخبيثة في المجتمعات الآمنة، والسعي لترويج مناهجهم المنحرفة وأفكارهم الفاسدة)» (٤). (٤) الإشاعة وآثارها في المجتمع، عبد الرحيم المغذوي ص٢٩٠. www. modoee.com ١٧٩ حرف التاء ثالثًا: المجال الاجتماعي: (ينفرد المجتمع الإسلامي عن سائر المجتمعات الأخرى أنه مجتمع انبثق من العقيدة الإسلامية، فالعلاقة الاجتماعية التي تربط أفراده تقوم على أساس العقيدة الإسلامية))(١). والمجتمع في نظر الإسلام لا يقوم على الروابط المادية فقط، بل هنالك ما هو أهم، وهو الروابط الإيمانية والأخلاقية والأدبية، وهذا ما يفسر لنا قيمة المجتمع المسلم وتميزه عن غيره من المجتمعات، بل إن الإسلام ذهب إلى أبعد من ذلك، حينما ((عمل على إقامة ذلك المجتمع الفاضل في كل أنحاء الأرض؛ لأنه دين يخاطب الإنسانية كلها)) (٢). ((والإسلام يربي أبناءه وأفراد مجتمعه على التحلي بمعاني الإيمان، وما يفرضه عليه من التزام ومسئولية تجاه نفسه أولًا، وتجاه المجتمع الكبير الذي يعيش فيه ثانيًا))(٣). ومن لوازم تلك المسئولية وجوب التثبت فيما يخص العلاقات الاجتماعية من (١) مجتمعنا المعاصر، عبدالله المشوخي ص٣٧. (٢) المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، أبو زهرة ص ١٢٢. (٣) الدعوة وصلتها بالحياة، عبد الرحيم المغذوي ص ٢٢٢. زواج وطلاق، وما يحدث بين الجيران من علاقات سلبية، وما يحدث في المجتمع من مجريات الحياة المتنوعة. ومن لوازم تلك المسئولية أيضًا: عدم القيام بإيذاء المجتمع بأي نوع من أنواع الإيذاء الحسي والمعنوي، ولعل عدم التثبت وما يجره من نشر الشائعات في العلاقات الاجتماعية من أخطر أنواع الإيذاء الاجتماعي. وقد ندبت الشريعة الإسلامية إلى كل ما يكفل على المسلمين وحدتهم، ويحقق مقاصدهم، ويحفظ اجتماعهم من الإشاعات المغرضة الفاسدة الناتجة عن عدم التثبت. ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ قال تعالى: فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. وحذرت من كل ما من شأنه أن يشيع الفاحشة في المجتمع ويقطع أوصاله الَّذِينَ يُحِبُّونَ أن إنَّ ونسيجه فقال تعالى: تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النور: ١٩]. ولعل من أخطر الأمثلة على تأثير عدم التثبت على العلاقات في المجتمع المسلم، ما حدث في قصة الإفك التي رمیت بها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وفي هذه ١٨٠ جويق القرآن الكريم لتثبت الحادثة التي هزت كيان المجتمع الإسلامي الله، لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير فقال: كذبت لعمر الله، والله حينئذ هزّا عنيفًا العدید من الدروس والفوائد التي ينبغي لكل فرد في المجتمع المسلم أن يقف عندها ويستفيد منها، ويحذر كل الحذر من عدم التثبت والإشاعات المغرضة. لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحیان الأوس والخزرج، حتى هموا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل، فخفضهم حتى سكتوا)(١). وهذه القصة يتضح فیھا کیف کان تأثير عدم التثبت على علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها ، وعلى علاقة الذين خاضوا في الإفك برسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها وأبي بکر الصديق رضي الله عنه، و کذلك على علاقة المجتمع الإسلامي ببعضه في ذلك الوقت. ولعل ما يفسر ذلك ما جاء في الحديث: «فقام رسول الله صلی الله عليه وسلم من یومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي)، فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا، ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة - وهو سید الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولکن احتملتہ الحمية - فقال: کذبت لعمر والمتأمل في أحداث واقعة الإفك يجد ((أن مروج شائعة الإفك هذه، والتي هزت كيان المجتمع الإسلامي حينئذ هزَّا عنيفًا، قد اختلق موضوعها وأقامه على أساس جانب ضئيل جدًّا من الحقيقة، وهو رؤية الناس لابن المعطل يقود بعيره وعليه عائشة رضي الله عنها ، ثم عالج هذا القدر الضئيل جدًّا من الحقيقة بالمبالغة، وجسّمه بطريقة انفعالية، ومزجه بجوانب من شطحاته الخيالية، وصاغه صياغة خبيثة يسهل على الذين يوجه إليهم الشائعة استيعابها وترديدها)) (٢). فحادثة الإفك كادت تفتك بالمجتمع الإسلامي بأسره، لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم عالج هذه القضية بتأنٍّ، وتروِّ، و تثبّت. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا، رقم ٢٦٦١، ١٧٣/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب رقم ١٠، رقم ٢٧٧٠، ٢١٣٠/٤. (٢) بحوث في الإعلام الإسلامي، محمد فريد ص٤٥. www. modoee.com ١٨١ حرف التاء ومن الأمثلة أیضا على تأثير عدم التثبت على العلاقات الاجتماعية في المجتمع: ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اَلْكِتَبَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِمَتِكُمْ كَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]. فقد كان جماع قبائل الأنصار بطنين: الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء، حتى منّ الله عليهم بالإسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم وألّف بينهم بالإسلام. فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحادثان ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يذكّرهما بأيامهم والعداوة التي کانت بينهم حتى استبا، ثم اقتتلا، فنادی هذا قومه وهذا قومه، فخرجوا بالسلاح وصفّ بعضهم لبعض، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وهؤلاء ليسكنهم حتى رجعوا، فأنزل الله في ذلك القرآن ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ يُرُدُّوكُمْ بَعْدَ إَِتِكُمْ كَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠](١). ونلاحظ أن التسرع وعدم التثبت كانا سببین رئيسين في اقتتال المسلمين، ورفع السلاح على بعضهم البعض، فلما تيقنوا أنها نزعة شيطان تعانقوا وألقوا السلاح. (١) الدر المنثور، السيوطي ٢/ ٢٨٠. مُوسُو ◌َرُ التَفيك الوضوء القرآن الكْرِيْمِ رابعًا: المجال السياسي: تعد مجالات السياسة وجوانبها المتعددة ومسائلها المتنوعة في الأحوال الداخلية، أو الإقليمية، أو الدولية من أهم المجالات التي يجب التثبت فيها؛ حيث تعد مجالًا خصبًا لانتشار الإشاعات ونموها، وبخاصة في أوقات نشوب الحروب وحدوث الأزمات والتوترات، وفتور العلاقات، وتوالي وقوع الحوادث، مع ما يحيط بتلك الحوادث والوقائع من غموض وأهمية. وقد كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا على التثبت في علاقاته السياسية، ممتثلا في ذلك أمر القرآن بوجوب التثبت، فلما بلغه صلی الله عليه وسلم أن يهود بني قريظة نقضوا عهدهم الذي عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير، فقال: ((انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فألحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس)»(٢). فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتسرع في قتال بني قريظة، ولم يأخذ بما بلغه، حتى يتثبت عن طريق من يرسلهم هو صلى الله (٢) السيرة النبوية، ابن هشام ٣٠٧/٣ بتصرف. ١٨٢