Indexed OCR Text

Pages 21-24

البنوة
مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
دققوا في تشديد الإسلام على صفاء
النسب، وعلى عدم اختلاط الأنساب.
٢. حق صلة الأرحام.
وقرر استمرارها بالبر والزيارة والتعهد
والرعاية فقال تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا
تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى
اٌلْقُرْبَ﴾ [النساء: ٣٦].
وجعل قطيعتها من خصال الكافرين،
ومن الفساد الذي نهى عنه الإسلام.
قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلِّئْتُمْ أَن
تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّمُواْ أَرْحَامَكُمْ ﴾
[محمد: ٢٢].
٣. حق التربية.
ویتاكد هذا في أكثر من موضع، منها قوله
تعالى: ﴿وَإِذْقَالَ لَقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنىّ
لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾
[لقمان: ١٣].
ولهذا فإن من أعظم الأعمال التربية [النساء: ١١].
الصحيحة للأبناء، لأنهم استمرار للمرء،
وله صدقة جارية لا تنقطع.
واجبات الأبناء
أوصى الله تعالى بالآباء خيرًا، وأوجب
لهم على أبنائهم حقوقًا، منها معنوية؛
کتوقیرهما، والتلطف في مخاطبتهما، وعدم
التأفف منهما، وأخرى ومادية؛ كالنفقة
بالمعروف على الموسر.
وإن كان الله تعالى قد أمر: ﴿فَلاَ تَقُل ◌َهُمَا
أُنٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾
[الإسراء: ٢٣].
فإنه يجمع بين الحق المعنوي والمادي
للآباء على الأبناء، وورد النص بأن لهم حقًا
ثابتًا في أموال أبنائهم، حيث إن حصولهم
على هذا الحق وتمكينهم منه واجب ماديٌ
على الأبناء، وجعل ذلك لهم بمثابة الكسب
الحلال الذي لا ينازعون في أخذه، ولا
فضل ولا منة لأحدٍ فيه عليهم يترك أثرًا
معنويًا حسنًا في نفوسهم.
قال تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾
أولًا: واجبات مادية:
وقد قضت الشريعة الغراء بأن للأب أن
يأخذ من مال ابنه مقدار حاجته بكرامةٍ وعزة
نفس لا يتبعها أذى ولا منة، كيف وهو في
ذلك إنما يأكل من كسبه الطيب، ويأخذ من
حقه الثابت.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن
www. modoee.com
٣٦٥

حرف الباء
رجلًا قال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا، إلى أن بعض أهل العلم ذهبوا إلى أن للأب
الأخذ من مال ولده بدون قیدٍ أو حدٍ،
وإن أبي يريد أن يجتاح مالي. فقال عليه
الصلاة والسلام: (أنت ومالك لأبيك)(١).
لحاجته وفوق حاجته، سواء رضي بذلك
الابن أم لم یرض.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و
سلم، فقال: إن لي مالاً، وإن والدي يحتاج
إلى مالي، قال: (أنت ومالك لوالدك، إن
أولادکم من أطیب کسبکم، کلوا من کسب
أولادكم)(٢).
ولا فرق بين الأب والأم في أن لكل
منهما الحق في أن يأخذ من مال ولده، لما
روي عن عمارة بن عمير، عن عمته، أنها
سألت عائشة رضي الله عنها: في حجري
يتيم أفآكل من ماله؟ فقالت أم المؤمنين:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إن
من أطيب ما أكل الرجل من کسبه، وولده
من كسبه)(٣).
أما وقد تقرر ذلك فلا بد من الإشارة
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات،
باب ما للرجل من مال ولده، ٢ /٧٦٩، رقم
٢٢٩١.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣١١/١، رقم ١٤٨٦.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٦١/١١، رقم
٦٦٧٨.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣١١/١، رقم ١٤٨٧.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب الإجارة،
باب في الرجل يأكل من مال ولده، ٢٨٨/٣،
رقم ٣٥٢٨.
قال الشوكاني رحمه الله في شرح
حديث أم المؤمنين رضي الله عنها: ((يدل
على أن الرجل مشاركٌ لولده في ماله،
فيجوز له الأكل منه سواء أذن الولد أو لم
یأذن، ويجوز له أيضًا أن يتصرف به كما
يتصرف بماله، ما لم يكن ذلك على وجه
السرف والسفه)» (٤).
واعترض على من ذهب هذا المذهب
بما رواه الحاكم بإسنادٍ صححه، وقال: هو
على شرط الشيخين، عن عائشة رضي الله
تعالى عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله
علیه وسلم: (إن أولادکم هبة الله لكم، یھب
لمن يشاء إناثًا، ويهب لمن يشاء الذكور،
فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها)(٥).
وإن كان العقل والاعتبار يشهدان
لمذهب تقييد حق الأب في مال ابنه بمقدار
الحاجة لا غير، إذ لو كان معنى قوله:
(أنت ومالك لأبيك) على ظاهره وإطلاقه
لاستحق الأب الاستثار بمال ولده بعد وفاته
(٤) نيل الأوطار ٣٩/٥.
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٢٨٤/٢.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٢٥٦٤.
٣٦٦
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

البنوة
لا يشركه فيه غيره من الورثة، ولكانت عليه
زكاته في حياته إن قصر في أدائها الولد، و
ليس الأمر كذلك.
قال ابن الهمام الحنفي بعد ذكر حديث
عائشة المتقدم: (ومما يقع بأن الحديث
يعني أنت ومالك لأبيك ما أول أنه تعالى
ورث الأب من ابنه السدس مع ولد ولده،
فلو كان الكل ملكه لم يكن لغيره شيء مع
وجوده)(١).
قال ابن قدامه رحمه الله: ((وللأب أن
يأخذ من مال ولده ما شاء مع غناه وحاجته
بشرطين:
أحدهما: أن لا يجحف بالإبن، ولا
يأخذ ما تعلقت به حاجته.
الثاني: أن لا يأخذ من مال أحد ولديه
فيعطيه لآخر؛ لأن تفضيل أحد الوالدين
غیر جائز، فمع تخصیص الآخر بالأخذ منه
أولى. فإذا وجد الشرطان جاز الأخذ))(٢).
فليتق الأبناء والآباء ربهم فيما أعطوا
و ما ترکوا، و لا یجاوزن أحدهم حدود ما
◌َوَمَنْ يَعْصِ
شرعه الله تعالى له، فإنه
اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا
خَلِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤].
﴿وَمَن يَنَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[البقرة: ٢٢٩].
(١) انظر: فتح القدير، ابن الهمام ص٢٣٥.
(٢) انظر: الكافي ٢ / ٤٧١.
واجبات معنوية :
* وَقَضَى رَبُّكَ أَلََّّ تَعْبُدُواْ
قال تعالى:
إِلَّ إِنَّهُ وَبَلْوَ لِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ
أَلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أَنِّ
وَلَا تَنْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا )﴾
[الإسراء: ٢٣]
يتناول القرآن الكريم كيفية تعاطي الأبناء
مع الوالدين، كشكلٍ من أشكال العلاقات
التي يبنيها الإنسان في حياته، فهناك من
ينفتح على الله وعلى أجواء الصلاح في
علاقته بهما، ليبقى معهما في خط الصلاح
في شبابه، كما كان كذلك في طفولته،
وهناك من ینغلق عن الله ویصم أذنيه عن
سماع ندائهما الذي يدعوه إليه.
يقول تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَالِدَيَّهِ
إِحْسَنَا﴾ [الأحقاف: ١٥].
أن يحسن إليهما، وأن يتطلع، بعمقٍ
وانفتاح وإنسانيةٍ، إلى الجهد الذي بذلاه
في تربيته، بما لم يبذله أحدٌ معه، ولم يقدمه
إليه إنسانٌ، ولا سيما الأم التي تتحمل
الجهد الجسدي الشاق في حمله وولادته
ورضاعه، ﴿حَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُّهًا﴾
[الأحقاف: ١٥].
فكان حملها له مشقة ومعاناة ثقيلة تواجه
فیها حالة صحية صعبة، حیث یتغیر مزاجها،
ويضطرب وضعها الجسدي بكل أجهزته،
وكانت ولادته حركة آلام قاسية في مكابدة
www. modoee.com
٣٦٧

حرف الباء
الجهد والخطر على الحياة، ولكنها بالرغم
من حالة الكره الطبيعي للإحساس الجسدي
بالثقل والألم والمعاناة، تتقبل ذلك كله
بالرضى والحنان والعاطفة، فتحتضن ولدها
بالعاطفة الدافقة الطاهرة، وتستمر في رعايته
في حمله ورضاعه.
وتستمر الرعاية مدة طويلةً ﴿حََّ إِذَا
بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾، عندما تشتد قواه ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ
سَنَّةَ﴾، وهي المدة التي يقوى فيها جسده،
ویکمل فيها عقله، وتهدأ فيها شهواته،
وتتوازن فيها انفعالاته، ويبدأ بالتطلع إلى
نعمة الله عليه في حركة وجوده، بكل
﴿وَقَالَ رَبِّ
تفاصيلها الصغيرة والكبيرة،
أَوْزِعْنِىَّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَى
وَلِدَىَّ﴾ [النمل: ١٩].
أي: اجعلني أعيش وعي النعمة، إلهامًا
روحيًا، يلزمني بمسؤولية الشكر لك قولًا
وفعلًا يلتزمان سبل رضاك ومواقعه وغاياته،
وبما يحولها إلى طاقةٍ حيةٍ منفتحةٍ على
مواقع القرب منك والحب والصدق لك.
موضوعات ذات صلة:
الأبوة، الأخوة، الأمومة، التبني
٣٦٨
ـُ التفسير
القرآن الكريم