Indexed OCR Text
Pages 41-58
البركة راجح رأي العلماء أن الأرض المباركة هنا وفي كل نظير من القرآن هي أرض الشام، والآية تتحدث عن هجرة الخليل ولوط عليهما السلام من العراق إلى الشام فرارًا بالدين. عن قتادة رضي الله عنه ﴿وَفَجَيْنَكَهُ وَلُوطًا﴾ قال: ((كانا بأرض العراق، فأنجيا إلى أرض الشام، وكان يقال: الشام عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيدٍ في الشام، وما نقص من الشام زيدٍ في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وفيها ينزل عيسى بن مريم عليه السلام ، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الدجال»(١). قال السمعاني: «وفي الآية قول آخر هو أن المراد من الأرض التي بارك فيها هي مکة، وقيل: مصر، والأصح هو الأول؛ لأنه مشهور أنه خرج وامرأته -يعني إبراهيم- إلى حران، ثم من حران إلى الشام، وأما لوط فإنه ابن أخي إبراهيم، وكان خرج معه))(٢). ويدخل قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةٌ تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ اَلَّتِ بَرَّكْنَا فِيَهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]. في عين حديثنا عن بركة بلاد الشام. (١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٥١ . وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ٣٠٥، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ٧٧. (٢) تفسير القرآن، السمعاني ٣٩٢/٣. فمما ميز الله به نبيه سليمان عليه السلام الريح القوية الشديدة ﴿تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١]. وكأنها مواصلات داخلية في مملكته من العراق إلى فلسطين. وفي موضع آخر قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى ◌ِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهَّابُ ) فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِيَعَ تَجْرِى بِأَمْرِهِه ◌ُخَاءٌ حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٥- ٣٦]. ومعنى: ﴿بَرَكْتَافِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١].أي: في أرض الشام. وفي شأن نعمة من نعم الله على المسافرين من مأرب إلى الشام يقول الله تعالی: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اَلْقُرَى أَلَّتِىِ بَرَكْنَا فِيهَا قُرَى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيَهَا السَّيْرٌّ سِيرُواْ فِيَهَا لَيَالَِ وَأَيَّامًا ءَامِينَ﴾ [سبأ:١٨]. هذه الآية وما بعدها وصف حال أهل سبأ قبل مجيء السيل؛ وذلك أن الله تعالى مع ما كان منحهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم، كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلهم أربابها، وقدر فيها السير بأن قرب القرى بعضها من بعض حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية، ويقيل في قرية أخرى، فلا يحتاج إلى حمل زاد، والقرى: المدن، ويقال: للمجتمع الصغير قرية أيضًا ، وكلها من قريت أي: جمعت، والقرى التي بورك فيها هي بلاد www. modoee.com ١١١ حرف الباء الشام بإجماع من المفسرين (١). و(القرى الظاهرة) هي التي بين الشام ومأرب وهي الصغار التي هي البوادي(٢). عن الحسن: «كان الرجل يغدو فيقبل في القرية، ثم يروح فيبيت في القرية الأخرى، وكانت المرأة تخرج وزنبيلها على رأسها، فما تبلغ حتى يمتلئ من كل الثمار))(٣). ويمكننا أن نلمس من حديث القرآن عن الأرض المباركة التي هي الشام أننا يجب علينا أن ننظر إليها نظرة خاصة لننعم كمسلمين ببركاتها من ناحية، ونحافظ على محتوياتها، بل ونقف موقف المسئول مما يحدث فيها لا أن نقف، كما نحن الآن، موقف المشاهد الذي يرى التقتيل والدمار، وينتظر من غيره من الأمم أن تلعب دور الطرف الثالث للإصلاح بين الراعي الفاسد الدموي من الرعية المسالمة التي تباد ليلًا (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٣١٦٧/١٠. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ٥٣٧ . قيل: كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام، فلا يحملون شيئًا مما جرت به عوائد السفار، فكان سيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار، وقال قتادة: كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها وعلى رأسها مكتلها فتمتهن بغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار، فکان ما بین الیمن والشام كذلك. انظر: السراج المنير، الشربيني ٢٩٣/٣. ونهارًا. وكما ذكر القرآن الأرض المقدسة واصفًا إياها بالبركة وصف بذلك أيضًا طور سيناء. ٥. جبل الطور في سيناء. من مجالات البركة فى القرآن مما يخص الأمكنة «جبل الطور في سيناء)». قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَّجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءَانَسَ مِن جَانِبِ اَلُّورِ ثَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُوْ إِّ ◌َانَسْتُ نَارًا لَعَلَّ مَاتِكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ قَلَمَّا أَتَنْهَا نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي اٌلْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَوْ أَنْ يَمُوسَى إِّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [القصص: ٢٩-٣٠]. الآيتان تتحدثان عن نبي الله موسى عليه السلام ، وما رآه أثناء سيره بأهله إلى مصر، حيث أبصر نارًا، توسم فيها نبأ ينفعهم في سيرهم، أو قبسة للاستدفاء، فلما أتاها ناداه الله من جانب الوادي الأيمن لموسى في البقعة المباركة من جانب الشجرة: أن یا موسی إني أنا الله رب العالین، قال صاحب البحر في تفسيره للآية الأولى من سورة الطور: ((وإنما أقسم بهذا الجبل في قوله تعالى: ﴿وَاُلْتُورِ﴾ [الطور: ١]. لأنه مجاور للشام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: وَإِلَى الْمَسْجِدِ اُلْأَقْصَاُلَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الاسراء: ١](٤). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٠/ ٣١٦٧. (٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٧ / ١٠. ١١٢ القرآن الكريم البركة وقد وصف الله تعالى البقعة بالمباركة؛ السلام في حال دخول المسلم بيتًا مسكونًا أو غير مسكون، ببيانه أنه على المسلم أن يسلم على أخيه المسلم بتحية الإسلام، وهي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إذا لم يوجد أحد، وهذه التحية شرعها الله، وهي تحية مباركة تنمي المودة والرحمة والإخاء؛ لأنها محبوبة للسامع، متمناة منه، وبمثل هذا البيان يبين الله للناس الآيات لعلهم يعقلونها فيعملون بمقتضاها. لأن الله كلم موسى عليه السلام هناك وبعثه نبيًا، ولكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتًا وخصوصًا تلك البقعة التي كلم الله فيها موسی، ولما خصت به من آيات الله وأنواره، ولما حوت من الأرزاق والثمار الطيبة (١). فإن قيل: فلم لم يسم الشجرة مباركة وقد قال: ﴿مِنَ الشَّجَرَوَ﴾؟ قلنا: لأنه إذا ذكرت البركة فى البقعة فقد ذكرت في الشجرة، فذكر البقعة؛ لأنها أعم، قال الزجاج والنحاس وغيرهما: كلم الله موسى من الشجرة بلا كيف، وعن الضحاك: من نحو الشجرة(٢). خامسًا: الأقوال المباركة: من مجالات البركة في القرآن الكريم: الأقوال: ومن الأقوال تحية الإسلام. يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُ يُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَّ أَنْفُسِكُمْ تَجِيَّةً مِنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةُ طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ اْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]. يرسي هذا المقطع من الآية الكريمة أدب (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٠١/٨، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٧٤/٦، السراج المنير، الشربيني ٣/ ٦٧. (٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ١٣٧/٤، معالم التنزيل، البغوي ٢٠٦/٦. يقول السمعاني: ((ويقال معنى الآية: إذا دخل بيته يسلم على أهله، وهي سنة قد هجرت؛ إذ الأهل أحق بالسلام عليهم، وكان الأوزاعي إذا دخل بيته، ونسي السلام خرج ثم رجع وسلم، وأما إذا دخل بيتًا خاليًا، فيقول: السلام علينا من ربنا، وإذا دخل مسجدًا ليس فيه أحد يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقد بينت السنة استحباب إفشاء السلام على من تعرف ◌َحِيَّةُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ومن لا تعرف، وقوله: مُبَرَكَةُ طَيِّبَةٌ ﴾ أي: حسنة جميلة، ويقال: ذكر البركة والطيب ها هنا لما فيه من الثواب، ومن أهدى سلاماً إلى إنسان فهي هدية خفيفة المحمل، طيبة الريح، مباركة العاقبة)) (٣). ومحور الحديث يدور حول البركة التي (٣) تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٥٥٣. www. modoee.com ١١٣ حرف الباء اتصفت بها التحية. فعن سعيد بن جبير في قول الله: ﴿َِّيَّةً مِنْ عِندِ اللَّهِ مُّبَرَكَةً طَيِّبَةٌ﴾ قال: من سلم على أخيه فهي تحيةٌ مباركٌ طيبةٌ یعنی حسنةً (١). قال القرطبي: ((وقد اختلف المتأولون في أي البيوت أراد في الآية الكريمة، فقال ذكر الله بأن تقول: ما شاء الله لا قوة إلا إبراهيم النخعي والحسن: أراد المساجد، والمعنى: سلموا على من فيها من ضيفكم، فإن لم يكن في المساجد أحدٌّ، فالسلام أن يقول المرء: السلام على رسول الله، وقيل: يقول: السلام علیکم، یرید الملائكة، ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقيل: المراد بالبيوت البيوت المسكونة، أي: فسلموا على أنفسكم ... ، وقالوا: يدخل في ذلك البيوت غير المسكونة، ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا دليل على التخصيص، وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم کل بیتٍ كان للغير أو لنفسه، فإذا دخل بيتًا لغيره استأذن، فإذا دخل بيتًا لنفسه سلم لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه (١) تفسير القرآن العظيم ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٥٢. وسلم: (يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكون بركةً عليك وعلى أهل بيتك)(٢). قال ابن العربي: والذي أختاره إذا كان البيت فارغًا ألا يلزم السلام، فإنه إن كان المقصود الملائكة فالملائكة لا تفارق العبد بحالٍ، أما إنه إذا دخلت بيتك يستحب لك بالله. وقال القشيري في قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم [النور: ٦١]: ((والأوجه أن يقال: إن هذا عامٌ في دخول كل بيتٍ، فإن كان فيه ساكنٌ مسلمٌ يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبر کاته، وإن لم یکن فیه ساکن یقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإن كان في البيت من ليس بمسلم قال: السلام على من اتبع الهدى، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وذکر ابن خويز منداد قال: کتب إلي أبو العباس الأصم قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحکم قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثنا جعفر بن ميسرة عن زید بن أسلم أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (إذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أهلها، واذكروا اسم الله، فإن أحدكم إذا سلم حین یدخل بيته وذكر اسم الله تعالی علی طعامه، يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لکم ها هنا (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الاستئذان، باب ما جاء في التسليم إذا دخل بيته ٥٩،٢٦٩٨/٥ وقال: حسن غريب. مُوسُو ◌َ النَّقيد جوبيبو القرآن الكريم ١١٤ البركة ولا عشاء، وإذا لم يسلم أحدكم إذا دخل، بها زيادة الخير والثواب، طيبةً تطيب بها ولم يذكر اسم الله على طعامه، قال الشيطان نفس المستمع)) (٤). لأصحابه: أدر كتم المبيت والعشاء))). قلت: هذا الحديث ثبت معناه مرفوعًا من حديث جابرٍ، أخرجه مسلمٌ(١). وفي كتاب أبي داود، عن أبي مالكٍ الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولج الرجل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير الولوج، وخير الخروج، باسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، وليسلم على أهله) (٢). وصفها بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه، ووصفها أيضًا بالطيب لأن سامعها يستطيبها))(٣). وللبيضاوي تعليله المفيد للتحية مباركٌ ثابتٌ لما فيه من الأجر والثواب، وأنه المباركة الطيبة فيقول: «مبارکةً لأنها یرجی (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب ١٥٩٨،١٠٣/٣ ونص رواية مسلم: عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، في أبواب النوم، باب ما يقول الرجل إذا دخل بيته، ٤ /٣٢٥، رقم ٥٠٩٦. وضعفه الألباني في الضعيفة ١٢ / ٧٣٠. (٣) الجامع لأحكام القرآن ٣١٨/١٢-٣١٩. والسلام على النفس حمله الرازي على ﴿ فَإِذَا محمل لطيف، فقال: قوله تعالى: دَخَلْتُمْ بُوْتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾[النور: ٦١]. فالمعنى: أنه تعالى جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة، على مثال قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أن الملائكة ترد عليه ... وقوله: ﴿يَجِيَّةٌ﴾ نصب على المصدر، کأنه قال: فحیوا تحیةً من عند الله، أي: مما أمركم الله به. قوله: ﴿مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ قال الضحاك: معنى البركة فيه تضعيف الثواب، وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن السلام إذا أطاع الله فيه أكثر خيره، وأجزل أجره (٥). فالتحية مصدر فعلٍ مشتقٍ من الجملة المشتملة على فعل (حيا) مثل قولهم: جزاه، إذا قال له: جزاك الله خيرًا، وكان هذا اللفظ تحية العرب قبل الإسلام تحية عامة ... وكانت تحية الملوك (عم صباحًا) فجعل الإسلام التحية كلمة (السلام عليكم) وهي جائية من الحنيفية ﴿قَالُواْسَلَمَا قَالَ سَلَمْ﴾ [هود: ٦٩]. (٤) أنوار التنزيل ٤/ ١١٤. (٥) مفاتيح الغيب ٢٤/ ٤٢٠. www. modoee.com ١١٥ حرف الباء وسماها تحية الإسلام، وهي من جوامع بمعنى النزاهة والقبول في نفوس الناس، ووجه طيب التحية أنها دعاءٌ بالسلامة، وإيذانٌ بالمسالمة والمصافاة، ووزن طيبةً فيعلةٌ مبالغةً في الوصف(١). الكلم؛ لأن المقصود من التحية تأنيس الداخل بتأمینه إن كان لا يعرفه، وباللطف له إن كان معروفًا، ولفظ (السلام) يجمع المعنيين؛ لأنه مشتقٌ من السلامة، فهو دعاء بالسلامة، وتأمينٌ بالسلام؛ لأنه إذا دعا له بالسلامة فهو مسالم له، فكان الخبر كنايةً عن التأمين، وإذا تحقق الأمران حصل خيرٌ كثيرٌ؛ لأن السلامة لا تجامع شيئًا من الشر في ذات المسالم، والأمان لا يجامع شيئًا من الشر يأتي من قبل المعتدي، فكانت دعاءً ترجی إجابته، وعهدًا بالأمن يجب الوفاء به، وفي كلمة عليكم معنى التمكن، أي: السلامة مستقرةٌ علیکم. ولكون كلمة (السلام) جامعةً لهذا المعنى امتن الله على المسلمين بها بأن جعلها ﴿مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ إذ هو الذي علمها رسوله بالوحي، وانتصب تحيةً على الحال من التسليم الذي يتضمنه ﴿فَسَلِّمُوا﴾ نظير عود الضمير على المصدر في قوله: ﴿أَعْدِ لُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. والمباركة: المجعولة فيها البركة، والبركة: وفرة الخير، وإنما كانت هذه التحية مباركةً - فوق ما تقدم- لما فيها من نية المسالمة، وحسن اللقاء والمخالطة؛ وذلك يوفر خير الأخوة الإسلامية. والطيبة: ذات الطيب، وهو طيبٌ مجازيٌ وقد ذكر القرآن السلام من عند الله تعالى على معنى كونه معاملةً منه سبحانه بكرامة الثناء، وحسن الذكر للذين رضي الله عنهم من عباده في الدنیا، کقوله حکایةً عن عیسی إذ أنطقه بقوله: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَىَ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أَبْعَثُ حَيًّا﴾ [ مريم: ٣٣]. وكذلك في الآخرة وما في معناها من أحوال الأرواح بعد الموت كقوله عن عيسى: ﴿وَيَوْمَ أَبْعَثُ حَيًّا﴾ [ مريم: ٣٣]. وقوله عن أهل الجنة: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ وَلَهُمُ مَّا يَدَّعُونَ ٦ سَلَمْ قَوْلاً مِّن رَّبِّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٧ -٥٨]. وجاء في القرآن السلام على خمسةٍ من الأنبياء في سورة الصافات(٢). وأيضًا أمر الله الأمة بالسلام على رسولها فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٤/١٨. (٢) في قوله تعالى: ﴿سَلَّمُّ عَلَى تُوجِ فِ الْعَلَّمِينَ [الصافات: ٧٩]، و﴿سَلَمُ عَلَى إِزَهِيمٌ ﴾ [الصافات: ١٠٩]، ﴿سَلَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَدُرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠]، و﴿ سَلَم عَلَّى إِلَ يَاسِينَ (٣)﴾ [الصافات: ١٣٠]. ١١٦ جَوَهُ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ البركة أي: قولوا: السلام عليك أيها النبيء(١). من خلال ما سبق نجزم بأن البركة على الأمة بأسرها تكمن في نشر هذه التحية الطيبة المباركة فيما بينها، لمن عرفنا ومن لم نعرف؛ إذ هي الأمن والأمان والمثوبة والترابط الإيماني والاجتماعي بين أبناء الإسلام. سادسًا: وصف الماء والنبات بالبركة: من مجالات البركة في القرآن الكريم الماء والنبات، وقد تناولنا ذلك سابقًا ضمن حديثي عن الأساليب القرآنية في استخدام البركة، وقلنا بأن الماء النازل من السماء بنص قوله تعالى: ﴿وَنَزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ وَحَبَّ الْمَصِيدِ﴾ [ق: ٩]. له بركات كثيرة على الكون كله فى إحياء موات الأرض، حيث قال تعالى: ﴿فَأَحَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَّوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤]. وفي إخراج الثمرات، حيث قال تعالى: ﴿فَأَخْجَبِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]. ومن هذا الرزق المبارك إنبات النبات على اختلاف أنواعه وأشكاله ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَّبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْمِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِنْ أَعْنَابِ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/٢٠. ومن بركات الماء فوق ما تقدم أنه يحمل الفلك لتجري في البحر بأمر الله، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُّ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْقُلْكَ لِتَجْرِىَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِمُ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ﴾ [إبراهيم: ٣٢]. ومن بركات الماء أن جعله الله تعالى أصلًا لخلق كل شيء حي، قال تعالى: ﴿وَاللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةِمِن مَّلَوِ﴾ [النور: ٤٥]. كما أن الله تعالى جعل بركة الماء حاصلة في كون الماء شرطًا لعبادة الله، فلا صلاة لمن يستطيع الماء إلا به، ولا طواف ولا رفع للجنابة إلا به، ولا يصلح الدخول في الإسلام للكافر إلا بالاغتسال. قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُمْ فَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ ◌َجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٌ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: ٦]. وقال عز من قائل: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّ عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ www. modoee.com ١١٧ حرف الباء وَإِنْ كُمْ مَّرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْهُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّاللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]. كما كان الماء المبارك النازل من السماء مطهرًا لجيش الإسلام، ومثبتًا لأقدامهم على أرض تعوق برملها المسير. قال تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَّنَةٌ مِّنْهُ وَيَُّزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَيْطَهِّرَّكُمْ ◌ِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: ١١]. قال الطبري: ((اغتسلوا من الجنابة فجعل الله ذلك الماء طهورًا، وثبت به الأقدام؛ إذ لبد الله به الأرض، وربط به على قلوبهم، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما إن المشركين من قريشٍ لما خرجوا لينصروا العير، وليقاتلوا عنها نزلوا على الماء يوم بدرٍ، فغلبوا المؤمنین علیه، فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثین حتی تعاظموا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء، حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملؤوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورًا، وثبت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملٌ، فبعث الله المطر عليها، فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام))(١). كما أن من بركاته سبحانه التي استودعها الماء إكسابه خاصية الإرواء والسقي. قال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَّهَ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ. بِخَزِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]. ومن البركة أن الله استودع الماء الأرض بقدرته، فهو الذي يقول للشيء كن فیکون. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مََّ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ إِ لَقَدِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]. أي: بمقدار مصلح للأرض علی أنیکون غيئًا لا عتيًا، فالمطر الزائد كالسيل الجارف لا یکون غیئا، بل یکون عتیًا، ویهدد الله به الظالمين من الناس، كالسيل الذي أغرق قوم نوح، فقوله تعالى: ﴿يِقَدَرٍ﴾ أي: على القدر الذي تعنيه الحاجات، ویکون إصلاحًا، ولا یکون فيه فساد للزرع والضرع، ويقول سبحانه: ﴿فَاسْكُتُهُ فِي الأَرْضِ﴾ أي: جعلنا في الأرض مستقرًا له، كأنما يسكنها، کما یأوي الآوي إلی مسکنه. وذلك أن ما تنزله السماء قسمان: قسم عارض ممطر یغيث في وقت الجدب، ولا ينزل بانتظام كالمطر الذي ينزل بالاستسقاء، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، ومن بعده أهل الصلاح والتقوى، (١) جامع البيان ١٩٤/٦. ١١٨ ◌َةُ التَّفِيَّة بوبـ القرآن الكريم البركة وقسم يجري في أنهار ویسلك ينابيع الأرض في عیون، وهذا یسکنه الأرض، کنهر النيل، فإنه ينزل على الجبال، وفي البحيرات التي تمده، وهذا يبدو كأنه الساكن في الأرض، وإن کان في سیر دائم من منبعه إلى مصبه، وهذا وأشباهه يوجد الخصب والنماء بإذن الله تعالى ، ومن الناس من اعتقد أنه دائم لا يغيض؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَاِ بِهِ. لَقَدِرُونَ﴾ أي: إنا على إذهابه لقادرون، والباء للتعدية، ولقوة الإذهاب، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. وإن مثل الأنهار العيون، فهي ينابيع في الأرض قد اختزنتها الأرض في جوفها وهي لله ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآ ؤُكُ غَوْرًا فَن يَأْتِيَكُم بِمٍَّ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠](١). وإن من سنن الله في الكون أن جعل الماء سلاحًا ذا حدين، فكما ينفع الله به عباده، فإنه قد يضر به من شاء من عباده، كما حدث مع قوم نوح وموسى عليهما السلام من إغراق. قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةٌ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان: ٣٧]. وفي قوم موسى عليه السلام قال تعالى: (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥٠٥٨/١٠. ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]. وبناء على ما تقدم ذكره مما يخص البركة في الماء نقول: إن الماء نعمة عظمى من نعم الله على خلقه، يجب أن ندرك منافعه، ونحفظ فوائده، ونعلم أنه لولا أن من الله علينا به لهلكنا جميعًا؛ لذا يجب أن نحافظ عليه وأن نضعه في مكانه اللائق به من ثروات الكون، وبركات السماء المودعة في الأرض ... وبالرغم من لفت أنظارنا إلى بركات المياه غير المتناهية إلا أننا في ثبات عميق مما يحاك حولنا، ومن كون الحروب القادمة حروب مياه، وقد بدأت بالفعل، كما أننا في حاجة إلى ترشيد المياه وعدم الإسراف فيه هكذا علمتنا سنة المصطفي صلى الله عليه وسلم قولًا وعملًا. ومن مجالات البركة في النبات. قال تعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِهَا مِصْبَاحُ اَلْيِصْبَاحُ فِى نُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَقِ مَُّرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌّ نُورٌ عَلَى نُوزِّ يَهْدِى اللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]. وبیان الآية «الله نور السموات والأرض يدبر الأمر فيهما ويهدي أهلهما، فهو سبحانه www. modoee.com ١١٩ حرف الباء نور، وحجابه نور، به استنارت السموات والأرض وما فيهما، وكتاب الله وهدايته نور منه سبحانه ، فلولا نوره تعالى لتراكمت الظلمات بعضها فوق بعض، مثل نوره الذي يهدي إليه، وهو الإيمان والقرآن في قلب المؤمن كمشكاة، وهي الكوة في الحائط غير النافذة، فيها مصباح، حيث تجمع الكوة نور المصباح فلا یتفرق، وذلك المصباح في زجاجة، كأنها - لصفائها- كوكب مضيء كالدر، يوقد المصباح من زيت شجرة مباركة، وهي شجرة الزيتون، لا شرقية فقط، فلا تصيبها الشمس آخر النهار، ولا غربية فقط فلا تصيبها الشمس أول النهار، بل هي متوسطة في مكان من الأرض لا إلى الشرق ولا إلى الغرب، يكاد زيتها - لصفائه- يضيء من نفسه قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار أضاء إضاءة بلیغة، نور على نور، فهو نور من إشراق الزيت على نور من إشعال النار، فذلك مثل الهدى يضيء في قلب المؤمن، والله يهدي ويوفق لاتباع القرآن من يشاء، ويضرب الأمثال للناس؛ ليعقلوا عنه أمثاله وحكمه، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء))(١). وشجرة الزيتون المباركة أبرك الأشجار، وأكثرها منافع للناس، تنبت بكثرة في الأرض (١) التفسير الميسر، مجموعة من العلماء ٣٥٤. التي بارك الله تعالى فيها للعالمين (٢). وهي من نعم الله تعالى: ﴿وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَثْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْعُ لِلْأَكِينَ [المؤمنون: ٢٠]. وحسبها وصف القرآن إذ وصفها القرآن بأنها مباركة هنا وفي سورة المؤمنون. وإذا كانت سورة المؤمنون مكية، وسورة النور مدنية، فقد اتفق القرآن المكي والمدني على أنها مباركة، وبركتها في أنها ذات منافع كثيرة، یکون منها الوقود المضيء، وهو دهن يكون طعامًا طيبًا، وهو يدخل في بعض الأدوية، وترابه إذا حرق یکون کحلًا للعيون ولا يضرها، وهو إدام، والزيتون نفسه للطعام والتفكه، وبفضله يغسل به الثياب، وهي شجرة تورق من رأسها إلى أسفلها، والزيتون أكثر أدم أهل الشام والمغرب، يصطبغون به، ويستعملونه في طبيخهم، ویستصبحون به، ويداوى به أدواء الجوف والقروح والجراحات، وفيه منافع كثيرةٌ. وقال عليه الصلاة والسلام: (كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة)(٣) (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٧٦/٦. (٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠/ ٥١٩٤. والحديث أخرجه أحمد في مسنده ٤٥١/٢٥، رقم ١٦٠٥٥، والترمذي في سننه، أبواب الأطعمة، باب ما جاء في أكلّ الزيت ٣٤٩/٣، رقم ١٨٥١، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٣٢. ١٢٠ مُوسُوبَةُ الْتَقِيقِ الوضوء القرآن الكريمِ البركة وسائل تحصيل البركة وآثارها أوضح القرآن الكريم وسائل تحصيل البركة وآثارها؛ حثًا للعباد على الأخذ بها، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: وسائل تحصيل البركة: ١. العقيدة السليمة. من وسائل تحصيل البركة: العقيدة السليمة؛ ذلك أن المسلم الحق يعتقد أن الله تعالی هو صاحب البرکة، وهو عز وجل الذي يهبها من يشاء من عباده، وبناء على ذلك فإن من أهم وسائل تحصيل البركة على الإطلاق: اعتقاد المسلم أنه لا إله إلا الله، وذلك ما نستشعره من آيات القرآن التي نطقت بذلك. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَ اٌلْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ، حَشِيئًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمْرِدُّهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ اَلْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرفان: ١]. وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنُهَا الأَنْهَئُ قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وله شاهدٌ آخر بإسنادٍ صحيحٍ)) وصححه الألباني في الصحيحة ٣٧٩. وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿ نَبَارَكَ الَِّی جَعَلَفِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيْرًا﴾ [الفرقان: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿نَيْرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْمَلِ وَالْإِكْرَمِ﴾ [الرحمن: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]. وقوله تعالى: ﴿ أُوَّخَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ ◌َحْمًا ثُمَّ أَنشَأَنَهُ خَلْقَا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَلَةُ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمٍْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَّقَكُم مِّنَ الطَِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾[غافر: ٦٤]. وقوله تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ، عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥]. وقد أسلفنا في أول هذا البحث أن ﴿تَرَكَ﴾ فعل ماض، أي: تقدس وتنزه، وهو فعل جامد لا يتصرف، أي: لا يأتي منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل، وبينا ما قاله الراغب من أن البركة من الله، وحقيقتها: ((كثرة الخير ودوامه)» ولا أحد أحق بذلك www. modoee.com ١٢١ حرف الباء وصفًا وفعلا منه تبارك وتعالى ... ، وتكون هذه البركة قد ثبتت لذلك السبب ثبوتًا شرعيًا، وثبتت الكيفية التي تنال بها البركة عن المعصوم صلى الله عليه وسلم (١). وبما أن البر کة من الله فإنها لا تنال نوالًا حقيقيًا مرضيًا عنه، وليس استدراجًا، إلا بتسلح المؤمن بسلاح العقيدة الصافية من شوائب الشرك. ٢. تدبر القرآن وتطبيقه. من وسائل تحصيل البركة الإيمان بالقرآن وتدبره واتباعه وتطبيقه في حياتنا، والرغبة فيما رغبنا فيه، والرهبة مما رهبنا منه، ذلك ما نفهمه ويفهمه كل مسلم من قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَّى وَمَنْ حَوْلَأْ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّ وَهُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِقُونَ ﴾ [الأنعام: ٩٢]. وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرَحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥]. وقوله تعالى: ﴿ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكُ أَنْزَلْنَهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَّكُ لِيَتَّبَّوْ ءَايَتِهِ، وَلِسَتَذَّكْرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾ (١) إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين درويش ٣٦٧/٣. وانظر: المفردات، الراغب ص ١١٩، بدائع الفوائد ابن القيم ٢/ ١٨٥-١٨٧. [ص: ٢٩]. ٣. الاقتداء بالمبارکین. من وسائل تحصيل البركة الاقتداء بالمباركين الذين غنموا عناية الله لهم باصطفائهم وبصلاحهم وطاعتهم للحق سبحانه واهب البركة، وأئمة التقى ومعدن الصلاح، هم أنبياء الله ورسله، ومن سار علی نهجهم واهتدى بهدیھم، وقد قص علينا القرآن الكريم - تعيينًا- بعضًا منهم، وصفوا بالبركة لفظًا، كنبي الله نوح عليه السلام، حيث دعا ربه بالبركة. فقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنْزِلْنِىِ مُنَزَّلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَّرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩ وقال الله تعالى مباركًا إياه ومن اتبعه: ﴿قِيلَ يَنُوحُ أَهْبِطَ بِسَلَمٍ مِّنَّا وَبَكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمِ مِمَّن ◌َّعَكَّ وَأُمَّمْ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّيَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨]. والخليل إبراهيم، وأهل بيته وولده إسحاق عليهم السلام، حیث قال الله تعالى: ﴿وَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَّ وَمِن ذُرِيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]. وفي أهل بيته الكريم يقول الله تعالى: ﴿قَالَتْ يَنَوَيْلَ ءَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ ﴿ قَالُوا أَتَّعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَرَكَانُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِدٌ﴾ [هود: ٧٢-٧٣]. وممن ذكرهم القرآن من الأنبياء عيسى مَوَسُولَة النَّفِيَة الْقُرْآن الكَرِيمِ ١٢٢ البركة ابن مريم عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَفِي بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيَّا﴾ [مريم: ٣١]. هذا ولا يفوتنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يوصف بلفظ البركة في القرآن؛ لأن البركة فيه صلى الله عليه وسلم بدهية لا تحتاج إلی ذکر ولا إلی تذکیر، فهو نبي أعطاه الله القرآن بركة وحي السماء، وأصل الفيوضات، وبارك أمته بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وبفرائض الدين وسننه، وبارك عمره فانتشر الدين على يديه وتم، ومن بركاته الحسية الكثير والكثير حيث: نبع الماء من بين أصابعه، وحفول شارف الشاة باللبن، وكثرة الطعام يوم الخندق عند جابر بن عبد الله رضي الله عنه ... ، وهلم جرا، ومن أجل هذا وغيره كان صلى الله علیه وسلم جدیرًا بالبركة، وإن لم تذكر في وصفه صراحة. ونخلص إلى أنه من وسائل تحصيل البركة الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى آمرًا حبيبه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَيِهُدَ لُهُمُ أَقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام: ٩٠]. ونحن أمرنا أن نقتدي به صلی الله علیه وسلم. قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اُللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١]. فكرم الله لعباده منوط بالاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم ، والاقتداء به هو اقتداء بكل الأنبياء عليهم السلام . ٤. الحرص على التعرض للبركة. من وسائل جلب البركة الحرص على التعرض لها من خلال ولوج الأماكن المباركة، كبيت الله الحرام، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِىِ بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدِّى لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]. والمسجد الأقصى، حيث قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِغُرِيَّهُ مِنْ ءَايَتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. وبلاد الشام ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِّ إِسْرَّهِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ, وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وقوله تعالى: ﴿ وَفَجَيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ عَاصِفَةٌ تَّجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَّكْنَا فِيهَاً وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ﴾[الأنبياء: ٨١]. إذْ وطور سيناء حيث قال تعالى: www. modoee.com ١٢٣ حرف الباء قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنَيْ مَانَسْتُ نَارًا سَنَاتِكٌ مِنْهَا بِخَبٍَّ أَوْ مَاتِكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ > فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنَّ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوّلَهَا وَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [النمل: ٧-٨]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَنُهَا نُودِىَ مِن شَطِيٍ اُلْوَادِ الْأَيَّمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَّةِ مِنَ الشَّجَرَوِ أَنْ يَمُوسَىَ إِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]. البقاع موصوفة بالبركة؛ کي يلفت الأنظار إليها ليلجوها وينتفعوا بما استودعها الله من خيرات حسية كانت أو معنوية. وكما يكون تحصيل البركة بملابسة المكان، فإن تحصيلها يكون بطعمة النبات الموصوف بالبركة كثمرة الشجرة المباركة في قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاحُ اَلْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةِ الزُّجَاجَةُ كَنَّهَا كَوَكَبْ دُرِىٌّ يُوقَّدٌ مِن شَجَرَقِ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُنٍَّ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِيّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌّ عَلَ ثُرِّ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسُِ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]. وكما أن البركة يكون تحصيلها بملابسة المكان، والطعمة من النبات، يكون أيضًا بالانتفاع بالزمان المبارك كليلة القدر تلك الليلة المباركة التي قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَّهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) وَمَا أَدْرَنِكَ مَا لَيْلَةُ اٌلْقَدْرِ ن لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفٍ شَهْرٍ ٢ تَزَّلُ الْمَتِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّنْ كُلِّ أَمْيٍ ٢ سَلَمَّ هِىَ حَّى مَطْلَعَ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ -٥]. وقال سبحانه منوهًا بليلة القدر، وأنها هي ليلة مباركة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ )) أَمْرًا مِنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٣-٥]. والأوقات المباركة التي يجب اغتنامها ومما لا شك فيه أن الله تعالى ذكر هذه كثيرة: كشهر رمضان، وأوقات الصلاة، والسجود من الصلاة، والثلث الأخير من الليل، وأثناء الحج والعمرة، وأوقات الطاعات بصفة عامة كتلاوة القرآن وختمه، ووقت وقوف الإمام على المنبر، وساعة الإجابة من يوم الجمعة، وهلم جرا. ومن وسائل تحصيل البركة: التعرض لماء السماء المبارك: لوصفه بالبركة. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّتٍ وَحَبَّ اَْصِيدِ﴾ [ق: ٩]. كما أن من أسباب تحصيل البركة إفشاء السلام، ونشر الأمن والأمان في ربوع بلاد المسلمين، حيث وصف تحية الإسلام بالبركة. قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُ يُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَِّيَّةً مِنْ عِندِ اللَّهِ شُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيِبُّ اللَّهُ لَكُمُ اُلْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]. ولعل جماع وسائل الوصول إلى بركة مُوسُوبَةُ الْتَّخِّـ القرآن الكريمِ ١٢٤ البركة الله تعالی کلها یکمن في الإيمان والتقوى، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَشَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (١) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَتَّا وَهُمْ نَآيَمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦-٩٧]. هذه الآية الكريمة تشابه قوله تعالى في حق اليهود والنصارى: ﴿وَلَوْأَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن ◌َّيَّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ [النحل: ٩٧]. وقوله: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وقوله تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا أَيُرْسِلِ السَّمَلَّةَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدَكُ ◌ِأَمْوَلٍ وَينِينَ وَيَجْعَل ◌َّكُ جَنَّتِ وَتَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلّ صَلِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ ﴾ [الطلاق: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَِّ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مَّهَ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. كل هذه الآيات تدور حول الإيمان والتقوى، ونتيجة ذلك عند الله. ((وأصل البركة: المواظبة على الشيء، أي: تابعنا عليهم المطر والنبات، ورفعنا عنهم القحط والجدب ... ))(١). وبركات السماء والأرض متعددة، إن كان العلماء وغيرهم عرفوا منها نوعًا فقد غابت عنهم أنواع: فمن قائل بركات السماء: بالمطر، وبركات الأرض بالنبات، وقيل: بركات السماء: إجابة الدعوات، وبركات الأرض: تسهيل الحاجات(٢). يقول الفخر: ((اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذين عصوا وتمردوا أخذهم الله بغتةً، بين في هذه الآية أنهم لو أطاعوا لفتح الله عليهم أبواب الخيرات، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ﴾ [الأعراف: ٩٦]. أي: آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ﴿وَتَّقَوْاْ﴾ ما نهى الله عنه وحرمه ﴿لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ والأَرْضِ ﴾ بركات السماء: بالمطر، وبركات الأرض: بالنبات والثمار، وكثرة المواشي والأنعام، وحصول الأمن والسلامة؛ وذلك لأن السماء تجري مجری الأب، والأرض تجري مجرى الأم، ومنهما يحصل (١) معالم التنزيل، البغوي ٢١٧/٢. (٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٢٠٠. www. modoee.com ١٢٥ حرف الباء جميع المنافع والخيرات بخلق الله تعالى أردتها بركات مادية تجدها في المطر الذي وتدبيره))(١). والظاهر أن قوله: ﴿بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يراد بها معينٌّ؛ ولذلك جاءت نكرةً، وقيل: البرکات النمو والزيادات فمن السماء بجهة المطر والريح والشمس، ومن الأرض بجهة النبات والحفظ لما نبت هذا الذي تدركه فطر البشر، ولله خدامٌ غير ذلك لا یحصی عددهم، وما علم الله أکثر(٢). والمقصود من الجمع في (بركات) تعددها، باعتبار تعدد أصناف الأشياء المباركة، وجماع معناها، هو الخير الصالح الذي لا تبعة عليه في الآخرة، فهو أحسن أحوال النعمة ... ، وما يناله الناس من الخيرات الدنیویة لا يعدو أن یکون ناشئًا من الأرض؛ وذلك معظم المنافع، أو من السماء مثل ماء المطر وشعاع الشمس وضوء القمر والنجوم والهواء والرياح الصالحة (٣). ويرجع الشيخ الشعراوي سبب ندرة البركة لأفعال البشر المتعلقة بالإيمان والتقوى، حيث يقول رحمه الله: ((فالبشر إذا تركوا رب الإنسان يضع منهج صيانة الإنسان لعاش هذا الإنسان في كل خير، -وسبحانه وتعالى- أوضح أنهم إن اتقوا تأت لهم بركات من السماء والأرض، فإن (١) مفاتيح الغيب ٣٢١/١٤. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١١٩/٥. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠/٩. ينزل من أعلى، وبركات من الأرض مثل النبات، وكذلك كنوزها التي تستنبط منها الكماليات المرادة في الحياة، وما معنى البركة؟ البركة هي أن يعطي الموجود فوق ما يتطلبه حجمه؛ کواحد مرتبه قليل جدًا، ونجده یعیش هو وأولاده في رضا وسعادة، ودون ضيق، فنتساءل: كيف يعيش؟ ويجيبك: إنها البركة، وللبركة تفسير كوني؛ لأن الناس دائمًا -كما قلنا سابقًا- ينظرون في وارداتهم إلى رزق الإيجاب، ويغفلون رزق السلب، رزق الإيجاب أن يجعل سبحانه دخلك آلافًا كثيرة، لكنك قد تحتاج إلى أضعاف ما تأخذ، ورزق السلب يجعل دخلك القليل مع سلبه - سبحانه - عنك مصارف كثيرة، كأن يمنحك العافية، فلا تحتاج إلى أجر طبيب أو نفقة علاج، إذن فقوله: ﴿بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: أن يعطي الحق سبحانه وتعالى القليل الكثير في الرزق الحلال، ويمحق الكثير الذي جاء من الحرام كالربا؛ ولذلك سمى المال الذي نخرجه عن المال الزائد عن الحاجة زكاة مع أن الزكاة في ظاهرها نقص»(٤). ثانيًا: آثار البركة: تنوعت آثار البركة حسب استعمال (٤) تفسير الشعراوي ٦/ ٣٢٨٢. ١٢٦ مَوَسُولَةُ الَِّ القرآن الكريمِ البركة القرآن كالآتي: ١. الهداية إلى أقوم السبل، ومن ثم دخول الجنة. ذلك أن القرآن الكريم الذي وصف الله تعالى ليلة نزوله بالبركة، ووصفه هو بالکتاب المبارك تظهر بر کته جلية من خلال أنه يهدي للتي هي أقوم. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّلَمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٩]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ لَ رَيْبُّ فِيهِ هُدَى لِلْمَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. ٢. عموم خيرات الله لسكان الأرض. لولا بركة الله لمجمل الأرض ما انتفعنا بخيراتها التي لا تحصى ولا تعد: ﴿وَحَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَّةُ لِلسَِّلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]. ولولا بركة التقوى ما تفضل الله علينا ببركات الأمطار، وإجابة الدعاء في السماء إلى بركات الأنهار والبحار والزروع والثمار لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَدِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. ٣. كثرة الزروع والثمار والأنهار في بعض البقاع. يظهر ذلك في أرض الشام التي باركها الله، وبارك أهلها في أكثر من آية تم ذكرها في هذا البحث، وفي طور سيناء. ٤. بركة الزروع والثمار. وذلك كما بينا في الزيتون ومنافعه في هذا البحث. ٥. تسخير الموجودات للبشر. من آثار البركة تسخير الله للموجودات خدمة للبشر (السماء، الأرض، تعاقب الليل والنهار، الشمس، القمر، النجوم)؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ، حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمْرِدُّهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. فلولا بركة الله ما تنعمنا بما حوته هذه الآية من نعم. ٦. منع الإيذاء عمن اتقى ربه. كما حدث مع نبي الله نوح عليه السلام عندما نزل من السفينة بسلام وأمن لم یمسسه سوء. ٧. البشری بالذرية. من آثار البركة في القرآن: تبشير الصالحين بالذرية، كما حدث مع الخليل إبراهيم عليه السلام ؛ حيث رزقه الله الذرية الصالحة، وقد بلغه الكبر وكانت امرأته عاقرا لا تلد. ٨. زيادة الثواب بالمكانية وبالزمانية. من آثار البركة في القرآن زيادة الثواب بالمكانية، كزيادة ثواب الصلاة في المسجد www. modoee.com ١٢٧ حرف الباء الحرام بمائة ألف صلاة عما سواه، وفي المسجد النبوي بألف صلاة، والمسجد الأقصى بخمسمائة، وأما الزيادة في الثواب المتعلقة بالزمان فذلك مثل ليلة القدر، والعشر الأول من ذي الحجة، وما شابه ذلك، وهذا يمثل بركة في العمر؛ إذ العمر القصير في الطاعة ينال الثواب الجزيل رغم قصره. ٩. نشر السلام بين الناس. من آثار البركة نشر السلام بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين غيره من المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُونًا فَسَلِّمُواْ عَى أَنْفُسِكُمْ تَِّيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيُِّّ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور (٦١)]. موضوعات ذات صلة: الأرض، الإسراف، الإنفاق، البخس، الرزق، الطعام، الماء، المال ١٢٨ جَوَسُوع القرآن الكريم