Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الْبَعْدُ
عناصر الموضوع
مفهوم البعث
٢٠٨
البعث في الاستعمال القرآني
٢٠٩
الألفاظ ذات الصلة
٢١١
منهج القرآن في تقرير مبدأ البعث
٢١٣
المنكرون للبعث بعد الموت ودوافعهم
٢٣٥
٢٥٠
آثار الإيمان بالبعث
المُجَلَّدَ السَّابِعْ

حرف الباء
مفهوم البعث
أولًا: المعنى اللغوي:
الباء والعين والثاء أصلٌ واحد، وهو الإثارة. ويقال بعثت الناقة إذا أثرتها. وقال ابن أحمر:
فبعثتها تقص المقاصر بعدما ... كربت حياة النار للمتنور (١).
قال الراغب: ((أصل البعث: إثارة الشيء وتوجيهه))(٢).
والبعث ضربان:
بشري، کبعث البعير، وبعث الإنسان في حاجة.
وإلهي، وذلك ضربان:
أحدهما: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن ليس (أي من عدم)، وذلك يختص به
الباري تعالی، ولم يقدر عليه أحد.
والثاني: إحياء الموتى، وقد خص بذلك بعض أوليائه، کعیسی صلى الله عليه وسلم
وأمثاله، ومنه قوله عز وجل: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ وَآلْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثّ
فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]. يعني: يوم الحشر (٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
يعرف البعث بعد الموت بأنه: ((إحياء الله تعالى الأموات وإخراجهم من قبورهم وهم
أحياء للحساب والجزاء)) (٤)
٠
وقال ابن كثير: ((هو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة))(٥).
والحاصل أن البعث: ((هو أن يعيد الله تعالى الإنسان بروحه وجسده كما كان في الحياة
الدنيا، وهذا كائن عندما تتعلق إرادة الرب جل وعلا بذلك فيخرج الخلق جميعهم من
قبورهم، وهم حفاة عراة غرل بهم، ويساقون إلى أرض الموقف لينال كل إنسان ما يستحقه
من الجزاء العادل وفق ما عمل في حياته الدنيا))(٦).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٦٦/١.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص١٣٢.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص١٣٢، التوقيف، المناوي ص ٨٠.
(٤) مباحث العقيدة في سورة الزمر، ناصر الشيخ ص ٥٦٧.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٩٥/٥.
(٦) مباحث العقيدة في سورة الزمر، ناصر الشيخ ص ٥٦٧.
مُوسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم
٢٠٨

البعث
البعث في الاستعمال القرآني
وردت مادة (بعث) في القرآن الكريم (٦٧) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
◌ْثُمَّبَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٢٠
[البقرة: ٥٦]
﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمٌ لَا يَبَّعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾
[النحل: ٣٨]
فعل الأمر
٥
[البقرة: ١٢٩]
[المطففين: ٤]
اسم مفعول
٩
أَلَا يَظُنُّ أُوْلَتِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوتُونَ ﴾
مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ إِنَّاللَّهَ سَمِيعٌ
مصدر
٥
بَصِيرُ (٥)﴾ [لقمان: ٢٨]
وجاء البعث في الاستعمال القرآني على سبعة أوجه(٢):
الأول: الإلهام: قال الله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]. يعني
فألهم الله غرابًا.
الثاني: الإحياء في الدنيا: قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
﴾ [البقرة: ٥٦].أي: ثم أحیيناكم في الدنيا.
٥٦
الثالث: اليقظة من النوم: قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَّذِى يَتَوَقَّكُمْ بِلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَّحْتُمْ بِالنَّهَارِ
ثُمَ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. أي: من النوم.
الرابع: التسليط: قال تعالى: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَنْهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَّا أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص١٢٤-١٢٥.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١١٨، ١٧٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص٢٠٤-
٢٠٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢١٤/٢-٢١٥.
www. modoee.com
٢٠٩
المثال
الفعل الماضي
الفعل المضارع
٢٨
﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ

حرف الباء
[الإسراء: ٥]. أي: سلطنا عليكم عبادًا لنا.
الخامس: إرسال الرسول: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ آلْأُمَّيِِّنَ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
أي: أرسل رسولًا.
س: النصب والتعيين: قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِنْ
أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٣٥]. أي: انصبوا حكمًا.
السابع: النشور من القبور: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِىِ الْقُبُورِ )﴾ [الحج: ٧].
يعني: ينشر من في القبور.
٢١٠
القرآن الكريم

البعث
الألفاظ ذات الصلة
الإحياء:
١
الإحياء لغة:
قال ابن فارس: ((الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر
الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة؛ فأما الأول فالحياة والحيوان، وهو ضد الموت والموتان،
ويسمى المطر حيًا لأن به حياة الأرض))(١).
الإحياء اصطلاحًا:
لم يعرف أهل السنة الإحياء في مؤلفاتهم لوضوح معناه، وإنما تحدثوا عن هذا اللفظ
بكلام عام يبين معناه عندهم، وقد ورد الإحياء في الشرع بمعنى نفخ الروح في الجسد،
وإيجاد الحياة فيه(٢).
الصلة بين الإحياء والبعث:
أنهما يدلان على شيء واحد وهو إعادة الحياة للميت.
٢
النشور:
النشور لغة:
الحياة بعد الموت، ينشرهم الله إنشارًا، ونشرت الأرض تنشر نشورًا، إذا أصابها الربيع
فأنبتت، فهي ناشرةٌ(٣).
النشور اصطلاحًا:
يطلق ويراد به معنى البعث، وهو انتشار الناس من قبورهم إلى الموقف للحساب
والجزاء.
الصلة بين البعث والنشور:
أن بعث الخلق اسم لإخراجهم من قبورهم إلى الموقف، ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا
مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢].
والنشور اسم لظهور المبعوثين وظهور أعمالهم للخلائق، ومنه قولك نشرت اسمك،
(١) مقاييس اللغة، ٢/ ١٢٢.
(٢) الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية، آمال العمرو، ص ١٤٠ - ١٤١.
(٣) العين، الفراهيدي ٦/ ٢٥٢.
www. modoee.com
٢١١

حرف الباء
ونشرت فضيلة فلان، إلا أنه قيل: أنشر الله الموتى بالألف، ونشرت الفضيلة والثوب للفرق
بين المعنيين)) (١).
ووجه الصلة بين البعث والنشور أنهما مرحلتان متتاليتان للموتى يوم القيامة البعث
يكون بإحيائهم وإخراجهم من قبورهم والبعث يكون بانتشارهم بعد خروجهم من قبورهم
كالفراش المبثوث.
الإخراج:
٣
الإخراج لغة:
أصله من ((خرج خروجًا: برز من مقره أو حاله، سواء كان مقره دارًا، أو بلدًا، أو ثوبًا،
وسواء كان حاله حالة في نفسه، أو في أسبابه الخارجة (٢).
الإخراج اصطلاحًا:
((هو البعث يوم القيامة لموقف العرض والجزاء))(٣).
الصلة بين الإخراج والبعث:
أن البعث يشمل الإحياء والخروج، فالإخراج أخص من البعث.
(١) الفروق اللغوية، العسكري، ص٢٨٩
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٢٧٨.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣٧٥/٥.
مَسُولَةُ النَِّ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢١٢

البعث
منهج القرآن في تقرير مبدأ البعث
سلك القرآن الكريم مسلك الاستدلال
العقلي والقياس في إثبات قضية البعث بعد
الموت وأنها ممکنة عقلا، وذلك من خلال
النظر في المشاهدات الكونية الدالة على
قدرة الله تعالی علیه، وأنه أهون من کثیر مما
لا ينكرون أن الله يقدر عليه، فمن ذلك ما
يلي:
أولًا: الاستدلال بالنشأة الأولى:
دل القرآن الكريم على قضية البعث
بقياسها على قضية مسلمة عند منكريه وهي
قضية الخلق الأول، أو النشأة الأولى، فهم
يقرون بأن الله هو الذي خلقهم كما قال
تعالى: ﴿ وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
[الزخرف: ٨٧].
فبين القرآن إنهم إن أقروا بذلك وأن الله
هو الذي خلقهم بقدرته وأنشأهم من عدم،
لزمهم الإقرار بقدرته کذلك علی بعثهم بعد
موتهم، وذلك في مواضع عدة منها قوله
تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ قَالَ مَن
يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ) قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ
أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾
[يس: ٧٨ - ٧٩]
ذكر الواحدي: «عن أبي مالكِ: أن أبي
بن خلفٍ الجمحي جاء إلى رسول الله
صلی الله عليه وسلم بعظمٍ حائلٍ ففته بین
یدیه، وقال: یا محمد یبعث الله هذا بعدما
أرم؟ فقال: (نعم، يبعث الله هذا ويميتك
ثم یحییك ثم يدخلك نار جهنم)(١)، فنزلت
هذه الآية»(٢).
(وقيل: إن هذا الكافر قال للنبي صلى
الله عليه وسلم: أرأيت إن سحقتها وأذريتها
في الريح أيعيدها الله! فنزلت ﴿قُلْ يُخْپِيهَا
الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّقِ﴾ أي من غير شيء
فهو قادر على إعادتها في النشأة الثانية من
شيء وهو عجم الذنب، ويقال عجب الذنب
بالباء)) (٣).
(ولا شك أن الإحياء بعد أهون من
الإنشاء قبل، فمن قدر على الإنشاء كان على
الإحياء أقدر وأقدر، ولا احتمال لعروض
العجز فإن قدرته عز وجل ذاتية لا تقبل
الزوال ولا التغير بوجه من الوجوه (٤)
ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِىّ
أَنشَأَهَا أَوَّلَ مََّةٍ﴾ ((فإن قدرته كما كانت
لامتناع التغير فيه، والمادة على حالها في
القابلية اللازمة لذاتها))(٥).
((وهذا بمجرد تصوره، يعلم به علما
يقينا لا شبهة فيه، أن الذي أنشأها أول مرة
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم ٣٦٠٦.
وقال الذهبي في التلخيص: على شرط
البخاري ومسلم.
(٢) أسباب النزول، ص ٣٦٥.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٥٨/١٥.
(٤) روح المعاني، الألوسي، ٥٣/١٢.
(٥) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢٧٤/٤.
www. modoee.com
٢١٣

حرف الباء
قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا،
القدرة إذا تصوره المتصور)) (١).
ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى:
غَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَّكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ أَمْثَلَكُمْ وَنُنْشِتَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ
٦١
[الواقعة: ٦٠-٦٢].
٦٢
تَعْلَمُونَ﴾ وعلى أن ننشئكم في خلق لا
تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يعني أنا نقدر
على الأمرين جميعًا على خلق ما يماثلكم
وما لا يماثلکم، فکیف نعجز عن إعادتكم؟
ويجوز أن یکون أمثالکم جمع مثل، أي على
أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في
خلقکم وأخلاقکم، وننشئکم في صفات لا
تعلمونها))(٢).
وقال المراغي: «أي نحن قسمنا الموت
بینکم، ووقتنا موت کل واحد بمیقات معین
لا يعدوه بحسب ما اقتضته مشيئتنا المبنية
على الحكم البالغة، وما نحن بعاجزين عن
أن نذهبكم ونأتي بأشباهكم من الخلق،
وننشئكم فيما لا تعلمون من الأطوار
والأحوال التي لا تعهدونها .. ثم ذكر دليلا
آخر على البعث فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلْتُمُ اللَّشَأَةَ
الْأُوْلَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي لقد علمتم أن الله
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٦٩٩.
(٢) مدارك التنزيل، ٣ /٤٢٦
فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار
والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي
قدر على هذه النشأة وهى البداية قادر
على النشأة الأخرى وهى الإعادة بطريق
الأولى)»(٣).
قال الشوكاني: ((﴿وَلَقَدْ عَلْتُمُ اللَّشْأَةَ
قال النسفي: ((﴿وَنُنَشِتَكُمْ فِ مَا لَا الْأُولَى﴾ وهي ابتداء الخلق من نطفةٍ، ثم من
علقةٍ، ثم من مضغةٍ ولم تكونوا قبل ذلك
شيئًا، وقال قتادة والضحاك: يعني خلق آدم
من ترابٍ فلولا تذكرون أي: فهلا تذكرون
قدرة الله سبحانه على النشأة الأخيرة
وتقيسونها على النشأة الأولى)) (٤).
وقال الصابوني: ((﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي
فهلا تتذكرون بأن الله قادر على إعادتكم
كما قدر على خلقكم أول مرة؟ ﴿أَوَلَا
يَذْكُرُ الْإِنسَنْنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ
شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧].)) (٥).
وقد رد القرآن الكريم على من أنكروا
البعث كذلك وسألوا سؤال استبعاد لا
سؤال استفهام أیبعثون بعد موتهم وآباؤهم
بعد أن صاروا عظاما ورفاتا من جدید ردا
مفحما غاية في البيان والإيجاز والإعجاز
والإفحام.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَوِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُفَنَا
(٣) تفسير المراغي، ٢٧/ ١٤٦
(٤) فتح القدير، ٥/ ١٨٩
(٥) صفوة التفاسير، ٢٩٥/٣
٢١٤
مَوَسوبر النفسية
القرآن الكَرِيْمِ

البعث
أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٥) ﴿ قُلْ كُونُواْ
حِجَارَةٌ أَوْ حَدِيدًا (ٹ أَوْ خَلْقَاً مِنَّا يَكْبُرُ فِي
صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَّ قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ
أَوَّلَ مَرَّقٌ﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٥١].
((وقوله: ﴿أَِنَّا لَمَبْعُونُونَ خَلْقَا جَدِيدًا ﴾
قالوا إنکارا منهم للبعث بعد الموت: إنا
لمبعوثون بعد مصيرنا في القبور عظاما غير
منحطمة، ورفاتا منحطمة، وقد بلینا فصرنا
فيها ترابا، خلقا منشأ کما کنا قبل الممات
جدیدا، نعاد کما بدئنا، فأجابهم جل جلاله
یعرفهم قدرته على بعثه إیاهم بعد مماتهم،
وإنشائه لهم كما كانوا قبل بلاهم خلقا
جديدا، على أي حال كانوا من الأحوال،
عظاما أو رفاتا، أو حجارة أو حدیدا، أو
غير ذلك مما یعظم عندهم أن يحدث مثله
خلقا أمثالهم أحياء، قل يا محمد ﴿كُونُواْ
حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ٹ أَوْ خَلْقًامِنَّا يَكْبُرُ في
صُدُورِكُمْ﴾))(١).
((وتقرير الشبهة: أن الإنسان إذا مات
جفت عظامه وتناثرت وتفرقت في جوانب
العالم، واختلطت بسائطها بأمثالها من
العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها
بأعيانها، ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع؟
فأجاب سبحانه عنهم بأن إعادة بدن الميت
إلى حال الحياة أمرٌ ممكنٌ، ولو فرضتم
أن بدنه قد صار أبعد شيءٍ من الحياة ومن
(١) جامع البيان، الطبري، ١٧ / ٤٦٣.
رطوبة الحي کالحجارة والحدید، فهو كقول
القائل: أتطمع في وأنا ابن فلانٍ، فيقول: کن
ابن السلطان أو ابن من شئت، فسأطلب
منك حقي))(٢).
((وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾؟
يخبر تعالى رسوله أن منكري البعث
سيقولون له مستبعدين البعث: من يعيدنا؟
وعلمه الجواب فقال له: ﴿قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ﴾
أي خلقكم ﴿أَوَّلَ مَرَّرْ﴾، وهو جواب
مسكت فالذي خلقكم ثم أماتكم هو الذي
يعيدكم كما بدأكم وهو أهون عليه)»(٣).
((والمعنى أنه لما قال لهم: كونوا حجارةً
أو حديدًا أو شيئًا أبعد في قبول الحياة من
هذين الشيئين فإن إعادة الحياة إليه ممكنةٌ،
فعند ذلك قالوا: من هذا الذي يقدر على
إعادة الحياة إليه، قال تعالى: ﴿ قُلِ ﴾ یا
محمد: ﴿الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَِّ﴾ يعني أن
القول بصحة الإعادة فرعٌ على تسليم أن
خالق الحيوانات هو الله تعالى، فإذا ثبت
ذلك فنقول: إن تلك الأجسام قابلةٌ للحياة
والعقل، وإله العالم قادرٌ لذاته، عالمٌ لذاته
فلا يبطل علمه وقدرته البتة، فالقادر على
الابتداء يجب أن يبقى قادرًا على الإعادة،
وهذا كلامٌ تامّ وبرهانٌ قويٌّ)» (٤).
(٢) فتح القدير، الشوكاني، ٢٧٨/٣.
(٣) أيسر التفاسير، الجزائري، ٢٠١/٣، ٢٠٢.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٥٣/٢٠.
www. modoee.com
٢١٥

حرف الباء
ثانيًا: القياس العقلي:
دلل القرآن الكريم على قضية البعث بعد
الموت بالقياس العقلي الجلي على قضية
بدء الخلق، وبين أنه قياس بطريق الأولى،
فكل من صدق بأنه تعالى ابتدأ خلق الإنسان
وهو أمر فطري لم ينازع فيه المشركون، لزمه
بطريق الأولى التصديق بقدرته تعالى على
إعادته مرة أخرى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى
يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيَّةٍ﴾
[الروم: ٢٧].
قال القرطبي: ((أما بدء خلقه فبعلوقه
في الرحم قبل ولادته، وأما إعادته فإحياؤه
بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث، فجعل ما
علم من ابتداء خلقه دليلًا على ما يخفى من
إعادته، استدلالًا بالشاهد على الغائب، ثم
أكد ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ﴾))(١).
((والهين هو ما لا يتعب فيه الفاعل،
والأهون ما لا يتعب فيه الفاعل بالطريق
الأولى، فإذا قال قائلٌ إن الرجل القوي
لا يتعب من نقل شعيرة من موضع وسلم
السامع له ذلك، فإذا قال فكونه لا يتعب من
نقل خردلةٍ يكون ذلك كلامًا معقولًا مبقىّ
على حقيقته))(٢).
قال القرطبي: «ووجهه أن هذا مثلٌ ضربه
الله تعالى لعباده، يقول: إعادة الشيء على
(١) الجامع لأحكام القرآن، ٢٠/١٤
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٥/ ٩٦
الخلائق أهون من ابتدائه، فينبغي أن يكون
البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما
بينكم أهون عليه من الإنشاء)»(٣).
كذلك برهن القرآن الكريم على قضية
البعث بحكمة الله وعدله اللذين يقتضيان
محاسبة الناس على أعمالهم في الدنيا في
دار أخرى بعد موتهم، وإلا كان وجودهم
في هذه الحياة الدنيا ضربا من العبث يتنزه
الله تعالى عنه.
من ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
١١٥
فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَلَى لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ
[المؤمنون: ١١٥،
الْعَرْشِ الْكَرِ ﴾
١١٦].
قال الزحيلي: ((﴿أَنَصِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ أي:
أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا، أي لعبا وباطلا
بلا قصد ولا حكمة لنا، بل خلقناكم للعبادة
والتهذيب والتعليم وإقامة أوامر الله تعالى،
وهل ظنتتم أنكم لا تعودون إلينا في الدار
الآخرة للحساب والجزاء، كما قال تعالى:
﴿أَخْسَب ◌ْلِإِنْسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدِّى﴾ [القيامة: ٣٦].
أي: هملًا.
فَتَعَلَى اللّهُ الْمَلِكُ الْحَقِىّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ
رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ﴾ أي: تنزه وتقدس
الله صاحب الملك الواسع، الثابت الذي لا
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ٢١/١٤- ٢٢.
مُوسُوبَةُ النَّفِيَة
القرآن الكَرِيْمِ
٢١٦

البعث
يزول، أن يخلق شيئا عبثا، فإنه الملك الحق
المنزه عن ذلك، وهو ذو العرش العظيم
الحسن البهي الذي يدبر فيه نظام الكون
بحکمة ومقصد سام)»(١).
((وبيان كونه عبثًا أنه لو خلق الخلق
فأحسن المحسن وأساء المسيء ولم يلق
كلٌّ جزاءه لكان ذلك إضاعةً لحق المحسن
وإغضاءً عما حصل من فساد المسيء فكان
ذلك تسليطًا للعبث))(٢).
ومثله قوله تعالى: ﴿أَخْسَبُ اَلْإِنسَنُ أَنْ يُتْرَكَ
* [القيامة: ٣٦]
((وتقريره أن إعطاء القدرة والآلة والعقل
بدون التكليف والأمر بالطاعة والنهي عن
المفاسد يقتضي كونه تعالى راضيًا بقبائح
الأفعال، وذلك لا یلیق بحكمته، فإذا لا بد
من التكليف والتكليف لا يحسن ولا يليق
بالکریم الرحیم إلا إذا كان هناك دار الثواب
والبعث والقيامة))(٣).
ثالثًا: الاستشهاد بالدورة النباتية:
استدل القرآن الكريم على إمكان البعث
بما هو مشاهد من إحياء الأرض الميتة
الجرز بنزول الماء عليها فتهتز بالخضرة
والحياة بعد موتها، فمن قدر على إحياء تلك
الأرض بعد موتها قادر لا محالة على إحياء
(١) التفسير المنير، الزحيلي ١١٣/١٨.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣٤/١٨.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٠ / ٧٣٧
الموتى من البشر.
وقد تكرر هذا المثل في مواضع عدة
منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرَّبَحَ
بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَقَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا
ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا
بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَزَتِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: ٥٧].
(يلفت الله تعالى نظر المشركين
المنكرين للبعث والحساب والعقاب، إلى
أنه يرسل الرياح فتثير السحاب، وتجعله
یتکون في جو السماء، ثم تسوقه الرياح إلى
الأرض الموات، التي لا نبات فيها، فيفرغ
السحاب ما فيه من فوق هذه الأرض الميتة،
فتحیا الأرض بالماء، وتهتز وتربو، ويخرج
منها النبات، وكما أحيا الله تعالى الأرض
الميتة، وأخرج منها النبات النضير، كذلك
يحيي الله الأموات من البشر، ويخرجهم
من قبورهم يوم القيامة ليحاسبهم على
أعمالهم»(٤).
قال السعدي: ((يبين تعالى أثرا من آثار
قدرته، ونفحة من نفحات رحمته فقال:
﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ
رَحْمَتِهِ﴾ أي: الرياح المبشرات بالغيث،
التي تثيره بإذن الله من الأرض، فيستبشر
الخلق برحمة الله، وترتاح لها قلوبهم قبل
نزوله، ﴿حَّ إِذَا أَقَلَّتْ﴾ الرياح ﴿سَحَابًا
(٤) أيسر التفاسير، أسعد حومد، ١٠٦٨/٣.
www. modoee.com
٢١٧

حرف الباء
ثقالا﴾ قد أثاره بعضها، والفه ريح أخرى،
وألحقه ربح أخرى ﴿سُقْنَهُ لِبَلَدِمَيْتٍ﴾ قد
کادت تهلك حيواناته، وکاد أهله أن ييأسوا
من رحمة الله، ﴿فَأَنزَلْنَابِهِ﴾ أي: بذلك البلد
الميت ﴿اَلْمَآءَ ﴾ الغزير من ذلك السحاب
وسخر الله له ریحا تدره و تفرقه بإذن الله،
﴿فَأَخَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ فأصبحوا
مستبشرين برحمة الله، راتعين بخير
الله، وقوله: ﴿كَذَلِكَ تُمْجُ اَلْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ أي: كما أحيينا الأرض
بعد موتها بالنبات، كذلك نخرج الموتى
من قبورهم، بعد ما كانوا رفاتا متمزقين،
وهذا استدلال واضح، فإنه لا فرق بين
الأمرين، فمنكر البعث استبعادا له - مع أنه
یری ما هو نظيره - من باب العناد، وإنکار
المحسوسات)»(١).
وقال الزحيلي: «هذه آية اعتبار واستدلال
علی وجود البعث، وفهم الدلیل بسيط جدا؛
فإن الله تعالى كما أنه يحيي الأرض وینبتها
نباتا حسنا بالمطر فإنه قادر على إعادة
الموتى أحياء يوم القيامة، كإحياء الأرض
بعد موتها .. وإحياء الأرض بعد موتها
بالنباتات يحدث بقدرة الله الخالق، فكذلك
إعادة الحياة إلى الأجساد يكون بقدرة الله
أيضا))(٢).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٩٢.
(٢) التفسير الوسيط، الزحيلي، ١ /٦٧٨.
وقد جمع بين الطريقتين السابقتين في
إثبات البعث قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ
إِنْ كُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِنْ تُرَابِ
ثُمَّ مِن نَّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ
وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُّفِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا
نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ
لِتَبْلُغُواْ أَشُنَّكُمْ وَمِنكُم مَن يُنَوَلَّى
وَمِنْكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا
يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً
فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَلَّ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ
[الحج: ٥].
مِن كُلِّ نَفْعَ بَييج ٥
((﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ
الْبَعْثِ﴾ إقامة للحجة التي تلقم المجادلين
في البعث حجرا إثر الإشارة إلى ما يؤول إليه
أمرهم، واستظهر أن المراد بالناس هنا الكفرة
المجادلون المنكرون للبعث، والتعبير عن
اعتقادهم في حقه بالريب أي الشك مع أنهم
جازمون بعدم إمكانه إما للإيذان بأن أقصى
ما يمكن صدوره عنهم وإن كانوا في غاية
ما يكون من المكابرة والعناد هو الارتياب
في شأنه، وإما الجزم بعدم الإمكان فخارج
من دائرة الاحتمال كما أن تنكيره وتصديره
بكلمة الشك للإشعار بأن حقه أن يكون
ضعيفا مشكوك الوقوع، وإما للتنبيه على أن
جرمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال
وضوح دلائل الإمکان ونهاية قوتها، وإنما
لم يقل وإن ارتبتم في البعث للمبالغة في
٢١٨
مَوَسُولَة النفسية العضو
القُرآن الكَرِيْمِ

البعث
تنزيه أمره عن شائبة وقوع الريب والإشعار بحالةٍ مشاهدةٍ فلذلك افتتح بفعل الرؤية،
بأن ذلك إن وقع فمن جھتھم لا من جهته،
واعتبار استقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي
اعتبار ضعفه و قلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو
دوام ملابستهم به لا قوته وکثرته)) (١).
بخلاف الاستدلال بخلق الإنسان فإن مبدأه
غیر مشاهدٍ فقيل في شأنه فإنا خلقناكم من
تراب الآية، ومحل الاستدلال من قوله
تعالى: ﴿فَإِذَّا أَنزَلْنَا عَلَّهَا الْمَلَّ أَهْتَزَّتْ﴾،
فهو مناسب قوله في الاستدلال الأول فإنا
خلقناكم من تراب، فهمود الأرض بمنزلة
موت الإنسان واهتزازها وإنباتها بعد ذلك
يماثل الإحياء بعد الموت)) (٣)
((فيا أيها البشر، إن كنتم في شك من
إمكان البعث ومجيئه، فانظروا إلى بدء
خلقكم، فمن قدر على البدء قدر على
الإعادة، بدليل مراحل خلق الإنسان
السبع .. وهذا هو الدليل الأول على قدرة
الله على البعث، يعتمد على التأمل في
مراحل خلق الإنسان، والدليل الثاني: هو
خلق النبات المشابه لخلق الإنسان، فإذا
تأمل المرء أحوال الأرض، يراها أولا ميتة
يابسة لا نبات فيها ولا زرع، فإذا أنزل الله
عليها المطر تحرکت بالنبات، ودبت فيها
الحياة، وارتفعت وانتفخت بالماء والنبات،
ثم أنبتت من كل صنف من النبات والزرع
ما هو جميل المنظر، طيب الرائحة، متناسق
الألوان أو مختلفها، لاختلاف ألوان الثمار
والزروع والطعوم والروائح، والأشكال
والمنافع، كما يلاحظ كل إنسان في فصل
الربيع والصيف وغيرهما))(٢).
وهذا ارتقاءٌ في الاستدلال على الإحياء
بعد الموت بقياس التمثيل لأنه استدلالٌ
(١) روح المعاني، الألوسي، ٩/ ١١١.
(٢) التفسير الوسيط، الزحيلي، ١٦٢٦/٢ - (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٥٣٣-
٥٣٤.
١٦٢٧ مختصرًا.
فهذان الدليلان القاطعان، يدلان على
هذه المطالب الخمسة، وهي هذه: ﴿ذَلِكَ
بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ اَلْحُّ وَأَنَّهُ يُحِي الْمَوْقَ وَنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ ﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ مَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيَهَا وَأَنَّ
اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِيِ اَلْقُبُورِ ﴾ [الحج: ٦-
٧]» (٤).
رابعًا: الاستدلال بوقائع حصل فيها
الإحياء بعد الموت:
استدل القرآن الكريم على قضية البعث
بوقائع حدثت فعلا، ووقع فيها أمر الإحياء
بعد الموت في هذه الحياة الدنيا بشكل
معاين، وهي وقائع عديدة ذكرها الله تعالى
في كتابه ليدلنا بها على إمكان وقوع إحياء
الموتى حتى في هذه الحياة الدنيا، وأن من
قدر علی ذلك فهو قادر لا محالة على إحياء
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٠٣/١٧.
www. modoee.com
٢١٩

حرف الباء
الموتى جميعا يوم القيامة، فمن هذه الوقائع:
١. قصة الرجل الذي قتل في بني
إسرائيل.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَنَتَّخِذُنَا
هُزُوَّا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلَْهِلِينَ
قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِِّ لَّنَا مَا هِىَّ قَالَ إِنَّهُ.
٦٧
يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ
ذَلِكٌ فَأَفْعَلُواْ مَا تُؤْمَّرُونَ (٨) قَالُواْ أَدْعُ لَنَا
رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَاأَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا
بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُ النَّظِرِينَ
٦ قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِنِ لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ
٧٠
تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُوُلٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا
تَسْقِى الْرَثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَأَ قَالُوا الْقَنَ
جِثْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ )
وَإِذْ قَثَلْتُمْ نَفْسًا فَدَّارَةْ تُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجُ مَّاكُنتُمْ
تَكْتُمُونَ ) فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَاْ كَذَلِكَ يُحْىِ
اللهُ الْمَوْنَى وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
[البقرة: ٦٧ - ٧٣].
«و حكاية ذلك: أن رجلا موسرًا قتله بنو
عمه لیر ثوه، وطرحوه عند باب المدينة، ثم
جاءوا يطالبون بديته؛ فأمرهم الله تعالى
أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل ببعضها؛
فیحیا ويخبرهم بقاتله. فضربوه بذنبها، فحي
وقال: قتلني فلان وفلان - يريد ابني عمه -
فاقتص منهما، وحرما ميراثه))(١).
(روي عن ابن عباسٍ وسائر المفسرين
أن رجلًا من بني إسرائيل قتل قريبًا لكي
يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك
إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في
تعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا له: سل
لنا ربك حتی یبینه، فسأله فأوحى الله إليه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ فتعجبوا من
ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام
حالًّا بعد حالٍ واستقصوا في طلب الوصف
فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا
عند إنسانٍ معينٍ ولم يبعها إلا بأضعاف
ثمنها، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى
أن يأخذوا عضوًا منها فيضربوا به القتيل،
ففعلوا فصار المقتول حيًا وسمى لهم قاتله
وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قودًا))(٢).
وقد اختلفوا في المخاطب بقوله تعالى:
﴿وَيُرِيكُمْءَايَتِهِ﴾ ((قال القفال: ظاهره
يدل على أن الله تعالى قال هذا لبني إسرائيل
أي: إحياء الله الموتى يكون مثل هذا الذي
شاهدتم؛ لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا
أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال،
ولم يشاهدوا شيئًا منه، فإذا شاهدوه اطمأنت
قلوبهم، وانتفت عنهم الشبهة، فأحيا الله
القتيل عيانًا، ثم قال لهم: ﴿كَذَلِكَ يُحْى اَللَّهُ
(١) أوضح التفاسير، ابن الخطيب ١٣/١
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ٥٤٣
٢٢٠
مَوَسُولَةُ الْتَقِيَة
القرآن الكريم

البحث
الموق ﴾، أي: کما أحياها في الدنیا یحییها
في الآخرة من غير احتیاج إلى مادة ومثال
وآلة التي لا يخلو منها المستدل))(١).
وقال أبو جعفر الطبري: ((وقوله: ﴿كَذَلِكَ
يُحِ اللَّهُ الْمَوْنَى﴾ مخاطبة من الله عباده
المؤمنين، واحتجاج منه على المشركين
المكذبين بالبعث، وأمرهم بالاعتبار بما كان
منه جل ثناؤه من إحياء قتيل بني إسرائيل
بعد مماته في الدنیا، فقال لهم تعالى ذكره:
أيها المكذبون بالبعث بعد الممات، اعتبروا
بإحيائي هذا القتيل بعد مماته، فإني كما
أحييته في الدنیا، فكذلك أحيي الموتى بعد
مماتهم، فأبعثهم يوم البعث، وإنما احتج
جل ذكره بذلك على مشركي العرب، وهم
قوم أمیون لا کتاب لهم، لأن الذين كانوا
يعلمون علم ذلك من بني إسرائيل كانوا
بين أظهرهم، وفيهم نزلت هذه الآيات،
فأخبرهم جل ذكره بذلك، ليتعرفوا علم من
قبلهم ..
﴿وَيُرِيِكُمْ﴾ الله أيها الكافرون
المكذبون بمحمد صلی الله عليه وسلم،
وبما جاء به من عند الله من آياته، و
﴿ءَايَتِهِ،﴾: أعلامه وحججه الدالة على
نبوته لتعقلوا وتفهموا أنه محق صادق،
فتؤمنوا به وتتبعوه))(٢).
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي
١٨١/٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٣٢/٢.
٢. قصة الذين خرجوا من ديارهم
فرارا من الموت.
ومن الوقائع التي استدل بها القرآن على
صدق وقوع البعث بعد الموت ووقعت فعلا
ما حدث لألوف من بني إسرائيل ذكرهم
﴿ أَلَمْ تَرَإِلَى
القرآن في قوله تعالى: ﴿
الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُّ حَذَرَ
اَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمَّ إِنَّ اللّهَ
لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: ٢٤٣]
(يخاطب الله تعالى رسوله صلى الله
عليه وسلم فيقول: ألم ينته إلى علمك قصة
الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت
وهم ألوف، وهم أهل مدينة من مدن بني
إسرائيل أصابها الله تعالى بمرض الطاعون
ففروا هاربين من الموت فأماتهم الله عن
آخرهم ثم أحياهم بدعوة نبيهم حزقيل عليه
السلام»(٣).
((وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء
القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل
استوخموا أرضهم وأصابهم بها وباء شدید
فخرجوا فرارًا من الموت إلى البرية، فنزلوا
واديًا أفیح، فملؤا ما بين عدوتيه فأرسل
الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي
والآخر من أعلاه فصاحا بهم صيحة واحدة
فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فحيزوا
(٣) أيسر التفاسير، الجزائري ١/ ٢٣١.
www. modoee.com
٢٢١

حرف الباء
إلى حظائر وبني عليهم جدران وقبور وفنوا المعاد الجسماني يوم القيامة))(٣).
وتمزقوا وتفرقوا فلما كان بعد دهر مر بهم
نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل
فسأل الله أن یحییهم علی یدیه فأجابه إلى
ذلك وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية إن
الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كل
جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى:
أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي لحمًا
وعصبًا وجلدًا. فكان ذلك، وهو يشاهده
ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح إن الله يأمرك
أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت
تعمره. فقاموا أحياء ینظرون قد أحیاهم الله
بعد رقدتهم الطويلة، وهم يقولون: سبحانك
اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت، وكان في
إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد
الجسماني يوم القيامة)) (١).
«فکما کان قادرًا على إحيائهم في الدنيا
هو قادرٌ على إحياء المتوفين في الآخرة،
فيجازي كلا منهم بما عمل. ففي هذه القصة
تنبيهٌ على المعاد، وأنه كائنٌ لا محالة، فیلیق
بكل عاقلٍ أن يعمل لمعاده بأن يحافظ على
عبادة ربه، وأن يوفي حقوق عباده))(٢).
((إن الله لذو فضل على الناس فيما يريهم
من الآيات الباهرة والحجج القاطعة، وكان
في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٦٦١.
(٢) البحر المحيط، ابن حيان، ٢/ ٥٥٩، ٥٦٠.
٣. قصة صاحب القرية.
ومن الوقائع التي تؤكد إمكان البعث بعد
الموت قصة صاحب القرية.
قال تعالى: ﴿أَوْ كَلَّذِى مَزَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ
خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّه يُعِْ هَذِهِ اَللَّهُ بَعْدَ
مَوْتِهَاً فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَةٌ قَالَ كَمْ
لَبِئْتَّ قَالَ لَبِئْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْرٍ قَالَ بَل لَبِئْتَ
مِأْثَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ
يَتَسَنَّةَ وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ مَايَةً
لِلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ
تُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمَأْ فَلَمَّا تَبَّيَّنَ لَهُ
قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
[البقرة: ٢٥٩].
اختلف المفسرون في صاحب القصة
الذي مر على القرية، هل كان نبيا عبدا صالحا
أو كان كافرا شاكا في البعث، كما اختلفوا
في اسمه، ((واختلفوا في القرية المذكورة في
الآية، لكن القرآن ضرب صفحا عن تعيين
اسم الشخص واسم القرية كعادته في مثل
هذه القصص التي يكون المقصد القرآني
فيها هو إظهار الحكمة من ذكرها وما تشتمل
عليه من المواعظ والآيات والعبر، ولا
تخص شخوصها وزمانها ومكانها، والذي
يعنينا هنا هو دلالة هذه القصة على قدرة الله
على البعث، وإيقاعه فعلا أمام من استبعده
(٣) التفسير المنير، الزحيلي ٢/ ٤١٣
٢٢٢
مَؤُوابَرُ النَّفِيد
القرآن الكريم

البعث
ليكون ذلك دليلا له ولكل من سمع القصة العصير استحال ولا التين حمض ولا أنتن
ولا العنب تعفن ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ
على إثبات قدرة الله على إحياء الموتى.
أي: کیف یحییه الله عز وجل وأنت تنظر
﴿وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: دليلا
على المعاد))(١).
وتفسيرها كما قال ابن كثير: ((﴿وَهِىَ
خَاوِيَةُ﴾ أي: ليس فيها أحد من قولهم:
خوت الدار تخوي خواءً وخويا، وقوله:
﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: ساقطة سقوفها
وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكرا
فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة
وقال: ﴿أَّ يُحِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ وذلك
لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها
عن العود إلى ما كانت عليه.
﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِأْثَةَ عَامٍ
قال الله تعالى:
ثُمَّ بَعْنَهُ﴾، قال: وعمرت البلدة بعد مضي
سبعين سنة من موته وتكامل ساكنوها
وتراجعت بنو إسرائيل إليها، فلما بعثه الله
عز وجل بعد موته كان أول شيء أحيا الله
فیه عینیہ لینظر بهما إلى صنع الله فيه کیف
يحيي بدنه؟
فلما استقل سويا قال الله له - أي بواسطة
الملك -: ﴿كَمْ لَبِئْتَّ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ
قالوا: وذلك أنه مات أول النهار ثم
بعثه الله في آخر نهار، فلما رأى الشمس
باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال: ﴿أَوْ
بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَأَنْظُرْ
إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وذلك:
أنه کان معه فیما ذکر عنب وتین وعصير
فوجده كما فقده لم يتغير منه شيء، لا
((فأجيب: بل لبثت مائة عام، فانظر
لترى دلائل قدرتنا إلى طعامك وشرابك
طوال هذه المدة، لم يتغير ولم يفسد، مع
أن العادة جرت بفساد مثله بمضي مدة
قليلة، وانظر أيضا لترى الدليل على قدرتنا
إلى حمارك كيف نخرت عظامه وتقطعت
أوصاله، لتتبين تطاول مرور الزمان عليه
وعليك وأنت راقد أو نائم فعلنا بك ما فعلنا
لتعاین ما استبعدته، ولتتیقن ما تعجبت منه،
ولنجعلك دليلا على المعاد، وآية دالة على
تمام قدرتنا على البعث يوم القيامة، كقوله
تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّ كَنَفْسٍ
وَحِدَةٍ ﴾ [لقمان: ٢٨].
فقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ﴾
دليل على البعث بعد الموت))(٢).
٤. قصة إبراهيم عليه السلام مع
الطير.
كما استدل القرآن على وقوع البعث بعد
الموت بما وقع لسيدنا إبراهيم عليه السلام
حین سأل الله أن یریه إحياء الموتی عیانا،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦٨٨/١.
(٢) التفسير المنير، الزحيلي، ٣٣/٣.
www. modoee.com
٢٢٣

حرف الباء
فاستجاب الله له وأجرى له الأمر على يديه
بإذنه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ
رَبٍّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ
قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَيِنَّ قَلِىٌ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً
مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ
مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ أَدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيَّاً وَأَعْلَمْ أَنَّ
[البقرة: ٢٦٠].
اللَّهَ غَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
وقد تكلم بعض المفسرين في سبب
سؤال إبراهيم لربه أن يريه كيفية إحياء
الموتی وهل کان شکا منه في البعث أو كان
طلبا للترقي في درجات اليقين؟
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى الثاني
واستبعاد الأول لكونه لا يليق بمقام النبوة
فضلا عن الخلة.
قال الشيخ محمد رشید رضا: «وقد فهم
بعض الناس من هذا السؤال أن إبراهيم
عليه الصلاة والسلام، كان قلقًا مضطربًا
في اعتقاده بالبعث وذلك شكٌ فيه، وما أبلد
أذهانهم وأبعد أفهامهم عن إصابة المرمى،
وقد ورد في حديث الصحيحين نحن أولى
بالشك من إبراهيم أي أننا نقطع بعدم شكه
کما نقطع بعدم شکنا أو أشد قطعًا، نعم ليس
في الكلام ما يشعر، بالشك، فإنه ما من أحدٍ
إلا وهو يؤمن بأمورٍ کثیرة إيمانًا یقینیًا وهو لا
يعرف كيفيتها ويود لو يعرفها))(١).
قال القرطبي: ((ولا يجوز على الأنبياء
(١) تفسير المنار، ٤٦/٣.
جَوَسُوعَةُ التفسير
القرآن الكريمِ
صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفرٌ،
والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث.
وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه
ليس للشيطان عليهم سبيلٌ فقال: ﴿إِنَّ
عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء:
٦٥].
وقال اللعين: ﴿إِلَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ
الْمُخْلَصِينَ﴾[الحجر: ٤٠].
وإذا لم يكن له عليهم سلطنةٌ فكيف
یشککهم، وإنما سأل أن یشاهد کیفیة جمع
أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب
والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من
علم اليقين إلى عين اليقين، فقوله:)) أرني
كيف)) طلب مشاهدة الكيفية)) (٢)
٠
وقال ابن عاشور: ((فإن إبراهيم لفرط
محبته الوصول إلى مرتبة المعاينة في
دليل البعث رام الانتقال من العلم النظري
البرهاني، إلى العلم الضروري، فسأل الله
أن يريه إحياء الموتى بالمحسوس)) (٣).
وما وقع لخليل الله إبراهيم عليه السلام
من إجابة الله دليل واقعي على البعث بعد
الموت، قال السعدي: ((وهذا فيه أيضا أعظم
دلالة حسية على قدرة الله وإحياته الموتى
للبعث والجزاء، فأخبر تعالى عن خليله
إبراهیم أنه سأله أن یریه ببصره کیف یحيي
(٢) الجامع لأحكام القرآن، ٢٩٩/٣.
(٣) التحرير والتنوير، ٣٨/٣.
٢٢٤

البعث
الموتى، لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى، ما كانت أولًا وبقيت بلا رءوسٍ، ثم كرر
ولكنه أحب أن يشاهده عيانا ليحصل له النداء فجاءته سعيًا، أي عدوًا على أرجلهن.
مرتبة عين اليقين.
ـا قال الله له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَ
وَلَكِنْ لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِى﴾ وذلك أنه بتوارد الأدلة
اليقينية مما يزداد به الإیمان ویکمل به الإیقان
ویسعی في نيله أولو العرفان، فقال له ربه
﴿فَخُذْ أَرْبَعَةٌ مِّنَ الَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي:
ضمهن ليكون ذلك بمرأى منك ومشاهدة
وعلى يديك. ﴿ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ
جُزْءًا﴾ أي: مزقهن، اخلط أجزاءهن بعضها
ببعض، واجعل على كل جبل، أي: من
الجبال التي في القرب منه، جزء من تلك
الأجزاء ﴿ثُمَّ أَدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ أي:
تحصل لهن حياة كاملة، ويأتينك في هذه
القوة وسرعة الطيران، ففعل إبراهيم عليه
السلام ذلك وحصل له ما أراد»(١).
«فأخذ هذه الطیر حسب ما أمر وذکاها،
ثم قطعها قطعًا صغارًا، وخلط لحوم البعض
إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى
يكون أعجب، ثم جعل من ذلك المجموع
المختلط جزءًا على كل جبلٍ، ووقف
هو من حيث يرى تلك الأجزاء وأمسك
رءوس الطير في يده، ثم قال: تعالين بإذن
الله، فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى
الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١١٢.
ولا يقال للطائر: (سعى) إذا طار إلا على
التمثيل، قاله النحاس. وكان إبراهيم إذا
أشار إلى واحدٍ منها بغير رأسه تباعد الطائر،
وإذا أشار إليه برأسه قرب حتی لقي کل طائر
رأسه، وطارت بإذن الله. وقال الزجاج:
المعنى ثم اجعل على كل جبلٍ من كل واحدٍ
جزءًا))(٢).
وقال الألوسي: ((وفي الآية دليل لمن
ذهب إلى أن إحياء الموتى يوم القيامة بجمع
الأجزاء المتفرقة وإرسال الروح إليها بعد
تركيبها وليس هو من باب إعادة المعدوم
الصرف لأنه سبحانه بين الكيفية بالتفريق
ثم الجمع وإعادة الروح ولم يعدم هناك
سوى الجزء الصوري والهيئة التركيبية دون
الأجزاء المادية))(٣).
٥. ما أجراه الله تعالى على يد
المسيح عليه السلام.
ومن تلك الوقائع التي حدث فيها إحياء
الموتى ما أجراه الله تعالى على يد المسيح
عيسى ابن مريم عليه السلام معجزة له، وقد
حکی القرآن الكريم ذلك.
قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بنى إِسْرَایلَ آَنِّ قَدْ
جِثْتُّكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنَّ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ
(٢) الجامع لأحكام القرآن، ٣/ ٣٠١،٣٠٠.
(٣) روح المعاني، ٢/ ٣٠.
www. modoee.com
٢٢٥

حرف الباء
اَلِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا
◌ِذْنِ اَللَّهِ وَأَبْرِىُّ الْأَكْمَهُ وَالْأَبْرَعَ وَأُخْي
اُلْمَوْقَى بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].
((وإحياء الموتى معجزةٌ للمسيح أيضًا،
كنفخ الروح في الطير المصور من الطين،
فكان إذا أحيا ميتًا كلمه ثم رجع ميتًا،
وورد في الأناجيل أنه أحيا بنتًا كانت ماتت
فأحياها عقب موتها. ووقع في إنجيل متى
في الإصحاح السابع عشر أن عيسى صعد
الجبل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا أخوه
وأظهر لهم موسی وإيلياء يتكلمان معهم،
وكل ذلك بإذن الله له أن يفعل ذلك))(١).
((قال الكلبي: كان عليه الصلاة والسلام
يحيي الموتی بیا حي يا قيوم أحيا عازر
وكان صديقًا له فعاش وولد له، ومر على
ابن عجوز ميت فدعا الله تعالى فنزل عن
سريره حيًا، ورجع إلى أهله وبقي وولد
له، وبنت العاشر أحياها وولدت بعد ذلك،
فقالوا إنك تحيي من كان قريب العهد من
الموت فلعلهم لم يموتوا بل أصابهتهم
سكتة، فأحي لنا سام بن نوحٍ، فقال: دلوني
على قبره، ففعلوا فقام على قبره، فدعا الله
عز وجل، فقام من قبره وقد شاب رأسه،
فقال عليه السلام: کیف شبت ولم یکن في
زمانکم شیبُ؟ قال: یا روح الله، لما دعوتني
سمعت صوتًا يقول أجب روح الله، فظننت
أن الساعة قد قامت، فمن هول ذلك شبت،
فسأله عن النزع، قال: يا روح الله، إن مرارته
لم تذهب من حنجرتي، وكان بينه وبين
موته أكثر من أربعة آلاف سنةٍ، وقال للقوم:
صدقوه فإنه نبي الله، فآمن به بعضهم وكذبه
آخرون فقالوا هذا سحرٌ))(٢).
(وروي في إحيائه الموتى أنه كان
يضرب بعصاه الميت أو القبر أو الجمجمة،
فیحيي الإنسان ویکلمه، وروي أنه أحيا سام
بن نوح عليه السلام، وروي أن الذي كان
یحییە کانت تدوم حیاته، وروي أنه کان يعود
لموته سريعا، وفي قصص الإحياء أحاديث
كثيرة لا يوقف على صحتها، وإحياء الموتى
هي آيته المعجزة المعرضة للتحدي، وهي
بالمعنى متحدى بها وإن كان لم ينص على
التحدي بها، وآيات عیسی علیه السلام إنما
تجري فيما يعارض الطب لأن علم الطب
كان شرف الناس في ذلك الزمان وشغلهم
وحينئذ أثیرت فيه العجائب، فلما جاء عيسى
عليه السلام بغرائب لا تقتضيها الأمزجة
وأصول الطب، وذلك إحياء الموتى وإبراء
الأكمه والأبرص علمت الأطباء أن هذه
القوة من عند الله، وهذا كأمر السحرة
مع موسى، والفصحاء مع محمد عليه
السلام)» (٣)
(١) التحرير والتنوير ٢٥٢/٣.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٣٩/٢.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية، ١/ ٤٤٠.
٢٢٦
القرآن الكريم