Indexed OCR Text
Pages 1-20
صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
د
النَّصَـ
عناصر الموضوع
مفهوم البصر
١٧٢
البصر في الاستعمال القرآني
١٧٣
الألفاظ ذات الصلة
١٧٤
فوائد بلاغية متعلقة بالبصر
١٧٦
البصر من صفات الله تعالى
١٧٧
البصر نعمة إلهية
١٨٢
أنواع البصر
١٨٥
مسئولية البصر وصيانته
١٨٨
إدراك البصر
١٩٦
آفات تصيب البصر وأسبابها
٢٠٠
دلالة البصر على الحالة النفسية
٢٠٤
لمسات إعجازية في البصر
المُجَلَّدَ السَّابِعْ
١٨٠
حرف الباء
مفهوم البصر
أولًا: المعنى اللغوي:
البصر من الجذر (ب صر) ويعني العين، أو حاسة الرؤية، والجمع أبصار.
يقال: أبصرت الشيء رأيته، والبصير خلف الضرير، والبصر العلم، وبصرت بالشيء:
علمته وهو نفاذ في القلب.
ويقال: بَصُرَ بَصَرًا وبَصَارَةً، واستبصر في أمره ودينه إذا كان ذا بصيرةٍ.
والبصيرة اسمٌ لما اعتقد في القلب من الدين، وحقيق الأمر، وهي العلم والخبرة، أو هي
البرهان.
والتبصر: التأمل والتعرف، والتبصير: التعريف والإيضاح، والبصير هو العالم(١)،.
صوأصل كل المعاني وضوح الشيء(٢).
ومما سبق يتضح أن البصر ورد بمعنى العين وحاسة الرؤية، والعلم، والنور، ويشترك في
كل المعاني الوضوح والإدراك.
ثانيًا: البصر اصطلاحًا:
عرفه بعض العلماء ((أنها القوة المودعة في العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان ثم
تفترقان، فيتأديان إلى العين تدرك بها الأضواء والألوان والأشكال))(٣)، والبصيرة هي قوة
في القلب تدرك بها المعقولات، بمثابة البصر للنفس يرى به صور الأشياء وظواهرها، وهي
التي يسميها الحكماء العاقلة النظرية، والقوة القدسية (٤).
وقد نخلص إلى أن البصر هو تلك القوة الربانية التي أوجدها الله في عيني الإنسان ليدرك
بها ما حوله، وأودعها في قلبه وعقله ليميز بين الخبيث والطيب، ويختار لنفسه الطريق
الصحيح.
(١) انظر: العين، الفراهيدي ١١٧/٧، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٥٩/١، الصحاح، الجوهري
٥٩١/٢، مختار الصحاح، الرازي ٣٥/١.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٥٣/١، المصباح المنير، الفيومي ١ /٥٠.
(٣) التعريفات، الجرجاني ١ / ٤٦.
(٤) انظر: المصدر السابق ١/ ٤٦، الكليات، الكفوي ٢٤٧/١، التوقيف، المناوي ٧٩/١.
مَوَسُولَةُ النَّية
القرآن الكريمِ
١٧٢
البصر
البصر في الاستعمال القرآني
ووردت مادة (بصر) في القرآن الكريم (١٤٨) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٤
﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤]
الفعل المضارع
٢٥
[هود: ٢٠]
فعل الأمر
٤
﴿وَأَبْصِرُهُ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
[الصافات: ١٧٥ ]
١٧٥)
المصدر
١
تَبْصِرَةً وَذِكْرَىْ لِكُلِّ عَبْدٍ مُِّيبٍ ﴾ [ق: ٨]
اسم الفاعل
٨
فَلَمَّا جَآءَتُهُمْ ءَنُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: ١٣]
الصفة المشبهة
٥١
﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُ
﴾ [فصلت: ٤٠]
٤٠
اسم
﴾ [الإسراء: ٣٦]
٣٦
وجاء البصر في القرآن على ثلاثة وجوه(٢):
الأول: بصر العين: ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّ أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَرْتَذَّ بَصِيرًا ﴾
[يوسف: ٩٦].
الثاني: بصر القلب: ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرَئِهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ
[الأعراف: ١٩٨]. يعني: بقلوبهم.
(١٩٨
الثالث: بصر الحجة والبرهان: ومنه قوله: ﴿
١٢٥ ٠١
ـرتنى أعمى وقدكنتَ بَصِيرًا
قَالَ رَبِّ لِمَ حَـ
[طه: ١٢٥]. يعني: بصيرًا بالحجة.
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٢١،١٢٣، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله
جلغوم، باب الباء ص ٣٢٠،٣٢٢.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص١٢٥،١٢٦، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص١٩٩ -
٢٠٠، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٢٢٣/٢ -٢٢٤.
www. modoee.com
١٧٣
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا
٥٥
﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ
٢٠
حرف الباء
الألفاظ ذات الصلة
النظر:
١
النظر لغة:
تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته (١)، قال ابن فارس: (((نظر) النون والظاء
والراء أصل صحيح يرجع فروعه إلى معنى واحد، وهو تأمل الشيء ومعاينته))(٢).
والنظر يقع على الأجسام والمعاني، فما كان بالأبصار فهو للأجسام، وما كان بالبصائر
كان للمعاني
النظر اصطلاحًا:
((تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمل والفحص، وقد يراد به
المعرفة الحاصلة بعد الفحص، وهو الروية)» (٤)
الصلة بين النظر والبصر:
يوجد تقارب كبير في المفردتين، فهما يشتركان في معنى الرؤية العينية، والعلم، وكذلك
يشتركان في مفهوم الانتظار.
الرؤية:
٢
الرؤية لغة:
وتعني إدراك المرئي والإقبال بالبصر نحوه، قد يدرك وقد لا يدرك؛ ولذلك قد ينظر
الشخص ولا يرى المرئي، وعليه فيجوز أن يقال لله تعالى: إنه راءٍ، ويقال: إنه ناظر.
الرؤية اصطلاحًا:
هو ((المشاهدة بالبصر حيث كان في الدنيا والآخرة))(٥).
الصلة بين الرؤية والبصر:
المفردتان متقاربتان؛ لأنهما تشتركان في معنيي العلم والمشاهدة بجارحة النظر.
(١) المفردات، الراغب ص ٨١٢.
(٢) مقاييس اللغة ٤٤٤/٥.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، أبو السعادات ابن الأثير ٧٧/٥.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ٢ / ٤٣٨.
(٥) التعريفات، الجرجاني ١٠٩/١.
جوب
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٧٤
البصر
العمى:
٣
العمى لغة:
((هو ذهاب البصر)) (١).
.
العمى اصطلاحًا:
هو ((ضد البصر والبصيرة))(٢).
الصلة بين العمى والبصر:
المفردتان متضادتان، فالبصر هو الرؤية والعلم والنور، أما العمى فهو عكسه.
(١) العين، الفراهيدي ٢٦٦/٢.
(٢) التوقيف، المناوي ١/ ٢٤٧.
www. modoee.com
١٧٥
حرف الباء
فوائد بلاغية متعلقة بالبصر
أولًا: تقديم السمع على البصر في
مواضع:
تقدم السمع على البصر في العديد من
﴿خَتَمَ
المواضع القرآنية، كقوله عز وجل:
اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧].
وقوله تعالى: ﴿ يَكَادُ الْبَقُّ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُنَّ
كُلّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ
وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِ هِمَّإِنَّ اللّهَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠].
قال ابن عجيبة: ((قدم في جميع القرآن
نعمة السمع على البصر لأنه أنفع للقلب
من البصر، وأشد تأثیرًا فيه، وأعم نفعًا منه
في الدين، إذ لو كانت الناس كلهم صمًا، ثم
بعثت الرسل، فمن أين يدخل عليهم الإيمان
والعلم؟ وكيف يدركون آداب العبودية
وأحكام الشرائع؟ إذ الإشارة تتعذر في كثير
من الأحكام))(١).
وقد ذكر الشعراوي ما رآها أسبابًا لتقديم
السمع على البصر في القرآن الكريم، وهي:
كون السمع هو أول حاسة تعمل في
جسم الإنسان، فهو يسمع بمجرد
ولادته بخلاف البصر.
يقظة السمع في كل الأوقات، فالبصر
(١) البحر المديد ٣/ ١٥٢.
ينام في الليل، والأذن لا تنام، وهي
الوسيلة التي تتنبه للأصوات فيستيقظ
صاحبها بسببها، وقد امتن الله
تعالى على أصحاب الكهف فأنام
أسماعهم حتى لا تزعجهم الأصوات،
﴿فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِىِ اَلْكَهْفِ
سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف: ١١](٢).
وقد نبه بعض المتكلمين في فضل
السمع على البصر على أن البصر يعتمد على
الضوء، ولا رؤية في الظلام، بينما السمع
يعمل دون الحاجة إلى شيء، ثم بينوا أن من
العلماء من فضل البصر على السمع، وقد
استندوا إلى أن أفضل النعيم النظر إلى الرب
تعالى وهو يكون بالبصر، والذي يراه البصر
لا يقبل الغلط، بخلاف ما يسمع، فإنه يقع
فيه الغلط والكذب والوهم، فمدرك البصر
أتم وأکمل، وقالوا: إن محله أحسن وأكمل
وأعظم عجائب من محل السمع، وبهذا
يظهر شرف البصر وفضله (٣).
قال ابن تيمية: ((والتحقيق: أن السمع
أوسع والبصر أخص وأرفع، وإن کان إدراك
السمع أكثر، فإدراك البصر أكمل» (٤).
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ٨١١٥/١٣.
(٣) انظر: مقال إلكتروني: الإعجاز العلمي في
تقديم السمع على البصر، عادل الصعدي،
بتاريخ: ١/٢/ ٢٠١٣ :
www. jameataleman. org
(٤) مجموع الفتاوى ٦٩/١٦.
١٧٦
القرآن الكريم
البصر
ثانيًا: إفراد السمع، وجمع البصر:
أما إفراد السمع وجمع البصر في كثير
من الآيات فله حكمة بينها بعض العلماء،
قال ابن عجيبه: ((وإنما أفرده (يعني السمع)،
وجمع الأبصار والأفئدة لأن متعلق السمع
جنس واحد، وهي الأصوات، بخلاف
متعلق البصر، فإنه يتعلق بالأجرام والألوان،
والأنوار والظلمات، وسائر المحسوسات،
وكذلك متعلق القلوب معاني ومحسوسات،
فكانت دائرة متعلقهما أوسع مع متعلق
السمع)»(١).
وقد بين الشعراوي أن السبب في إفراد
السمع وجمع البصر كون الأذن ليس لها
غطاء يحجب عنها الأصوات، كما أن للعين
غطاءً يسدل عليها ويمنع عنها المرئيات،
فالسمع واحد لي ولك وللجميع، الكل
يسمع صوتًا واحدًا، أما المرئيات فمتعددة،
فما تراه أنت قد لا أراه أنا، وقد وردت بعض
الاستثناءات في ذلك، فقد جاء البصر مفردًا
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٦].
لأن الآية تتكلم عن المسئولية،
والمسئولية واحدة ذاتية لا تتعدى، فلابد أن
يكون واحدًا(٢).
(١) البحر المديد ١٥٢/٣.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ١١٨٠٨/١٩.
البصر من صفات الله تعالى
أثبت الله تعالى لنفسه البصر، وأوجب
علينا الإيمان ببصره وبجميع صفاته عز
وجل کالسمع والخبرة وغير ذلك، كما
غلب في القرآن اقتران اسم الله البصير
بالسمیع والخبير خاصةً، وسيأتي بیان ذلك
فيما يلي:
أولًا: صفة البصر في حق الله تعالى:
تقررت صفة البصر لله تعالى فيما يقارب
المائة آیة، حیث ختمت کثیر من الآيات
بفاصلة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[البقرة: ١١٠].
وفاصلة: ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل
عمران: ١٥٦].
صلة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩].
وقد أكد المولى عز وجل تفرده بالصفات
العلا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
قال الإمام أبو حنيفة: ((لا يشبه شيئًا من
خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه»(٣)
.
ثم قال بعد ذلك: ((وصفاته كلها خلاف
صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر
لا کقدرتنا، ویری لا كرؤيتنا)» (٤)
.
(٣) الفقه الأكبر ٢٤/١.
(٤) المصدر السابق ٢٤/١.
www. modoee.com
١٧٧
حرف الباء
والذي يتوجب علينا نحن المسلمين هو
الإقرار بما ورد، والإيمان بما صح من غير
تشبیه ولا تمثیل، ولا إلحاد ولا تعطیل، بل
نذعن ونسلم بذلك، مع إیمان ویقین، ونثبته
إثبات وجود بلا تکییف ولا تمثیل، ومن
ذلك صفة العين لله تعالى ، فقد أثبتها في
قوله عز وجل: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَىعَيْفِ ﴾ [طه:
٣٩].
وقوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ [الطور: ٤٨].
وغيرها من المواضع(١).
وفي الآيات الكريمة يثبت الله سبحانه
لنفسه عینا یری بها جميع خلقه مهما بعدوا
أو لطفوا، فلا تؤثر على رؤيته الحواجز
والأستار، قال تعالى: ﴿أَعْلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَ﴾﴾
[العلق: ١٤].
على ما يليق به، فلا يقتضي إثباتها کونها
جارحة مركبة من شحم وعصب وغيرهما،
فهي غير جسم ولا جوهر ولا عرض، فلا
يعرف لها ماهية ولا كيفية، وقد فسر المعطلة
تلك العين بأنها كناية عن الحفظ والرعاية
الربانية، وهذا نفي صريح وتعطيل لصفة من
صفات كمال الله عز وجل التي لا ينبغي في
حقها إلا التصديق والتسليم (٢).
(١) انظر: لوامع الأنوار البهية، السفاريني
٢٣٩/١.
(٢) انظر: شرح العقيدة الواسطية، الهراس
ص٩٧.
وقد عاب الله تعالى على المشركين
عبادتهم لما لا يسمع ولا يبصر، فقد قال عز
وجل على لسان نبيه إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ
يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِىِ عَنكَ
شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢].
أقول: إن لم يكن في إثبات صفة السمع
والبصر لله عز وجل غير ما قاله نبي الله
إبراهيم في هذه الآية لكفتنا.
قال السعدى: (((البصير) الذي يبصر كل
شيء، وإن رق وصغر، فيبصر دبيب النملة
السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة
الصماء ويبصر ما تحت الأرضين وما فوق
السماوات السبع، وأيضًا بصير بمن يستحق
الجزاء بحسب حكمته)»(٣).
وقال ابن القيم: ((البصير الذي لكمال
والرؤية بالعين صفة حقيقية لله عز وجل بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة،
وأعضائها، ولحمها، ودمها، ومخها،
وعروقها، ويرى دبيبها على الصخرة الصماء
في الليلة الظلماء)»(٤).
ثانيًا: حكمة اقتران اسم الله البصير
بالسميع والخبير في القرآن:
ذكر ابن القيم: ((أن الاقتران صفات الله
في الآيات قدرًا زائدًا على مفرديهما، فله
بذلك جميع أقسام الكمال: كمال من هذا
الاسم بمفرده، وكمال من الآخر بمفرده،
(٣) تيسير الكريم الرحمن ٩٤٦/١.
(٤) طريق الهجرتين وباب السعادتين ١ / ١٢٧.
١٧٨
القرآن الكريم
البصر
وكمال من اقتران أحدهما بالآخر))(١).
ولعل في ذكر السميع والبصير في كثير
من الفواصل القرآنية دلالة تأكیدیة علی علم
الله الذي يشمل كل شيء، المسموعات
والمرئيات ودواخل النفوس.
تأمل قول الله تعالى: ﴿ مَنكَانَ يُرِيدُ
ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ
وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤].
ففي الآية تشجيع على العمل لاستحقاق
ثواب الدنيا والآخرة، ولو أفرد الله تعالی
السمع مثلًا لدخل في النفس أن الأعمال
التي تجعله أهلًا للثواب هي المسموعة
فقط، كالذكر والدعاء .. الخ، أما مع اقتران
البصر مع السمع تأكد لنا أن الله تعالى
يحكم بناءً على كل أعمالنا، ما يسمع منها
وما يبصر، فلا يخفى عليه مثقال ذرة، وهو
العليم بكل أفعالنا، وفي اقترانهما تكامل
يقرر الإحاطة الشاملة والقدرة المطلقة له
عز وجل على مراقبة أعمال العباد.
وقد اقترن ذكر البصر مع اسم الله الخبير
في بعض الآيات، كقوله تعالى:
لَّا
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَّ
اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
ولا يخفى تجانس إدراك الأبصار،
واطلاعه عليها، وعلى ما تطلع عليه
مع الخبرة التي تفيد بإحاطته علمًا بكل
(١) مدارج السالكين ٥٨/١.
معلوم (٢).
والخبير كما وضح ابن القيم: ((هو الذي
انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء
وخفاياها كما أحاط بظواهرها، ولعل من
الإبداع اقتران الأبصار التي تدرك الظواهر
باسم الله الخبير الذي يدرك البواطن)) (٣).
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢/ ١٥٠.
(٣) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٩٢.
www. modoee.com
١٧٩
حرف الباء
البصر نعمة إلهية
نعم الله تعالى عظيمة، من أهمها نعمة
البصر، ومن كمال الشكر الاعتناء بهذه
الحاسة، واستعمالها فيما يرضي خالقها،
وسنتحدث عن هذه الأمور في السطور
الآتية:
أولًا: نعمة الإيجاد:
أوجد الله تعالى لنا نعمة من أجل وأعظم
النعم، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن
◌ُطْفَةٍ أَمْشَاجِ تَبْتَلِهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾
[الإنسان: ٢].
وقد ذكر الله عباده بهذه النعمة العظيمة
في عدة مواضع، منها قوله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ
الَّذِىّ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالأَفْئِدَةٌ
قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣].
وقوله تبارك وتعالى:
والله أخرجكم
مِنْ بُطُونِ أُمَّهَنِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ
لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّسَوَّنِهُ وَنَّفَخَ فِيهِ مِنٍ
رُوحِيَةٌ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْعِدَةَ
قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾[السجدة: ٩].
فقد خلق الله تعالى أداة الإبصار في دقة
متناهية، وجعلها مكونة من طبقات ثلاث،
الأولى للحماية الخارجية، والثانية هي
المشيمية التي تغذي شبكية العين وتمدها
بالأوكسجين، والثالثة هي الشبكية، وهي
الطبقة التي تحتوي على المستقبلات
الضوئية والمسئولة عن البصر، حيث
إنها تستقبل الضوء الواقع عليها وتحوله
لإشارات كهربائية تنتقل عن طريق الألياف
العصبية البصرية، كما تحتوي العين على
جسم هلامي كروي شفاف يحافظ على
رطوبتها، وكذلك على القرنية والقزحية التي
تعطي العين لونها الجميل ويتوسطها البؤبؤ،
وفيها نظام دمعي یضمن سلامة العين، وفيها
مجموعة من العضلات التي تتحكم بحركة
العين للأعلى والأسفل، واليمين والشمال،
وتتبادل أدوارها ببالغ الدقة والروعة
والتكامل ودون أدنى جهد من البشر، كيف
لا تكون كذلك وهي هبة الخالق القادر
العظيم تبارك وتعالى وتنزه عن كل نقص (١).
قال عز وجل: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ
سَمْعَكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ
يَأْتِيكُمْ بِهِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اَلَيَاتِ ثُمَّهُمْ
يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦].
ثانيًا: شكر نعمة البصر:
يعتبر شكر النعم سجيةً من سجايا
المحمودين؛ ذلك لأن الكثير من الناس
يرفلون بآلاء الله التي لا تعد ولا تحصى، إلا
(١) انظر: مقال إلكتروني: تشريح العين، خليل
رضا اليوسفي، بدون تاريخ .:
www. gulfkids. com
١٨٠
القرآن الكْرِيْمِ
البصر
أنهم كثيرو الغفلة عنها، ولا يستشعرونها إلا
إذا افتقدوها، وهنا يتضح البون ويظهر فضل
الشاکرین علی الجاحدین، وقد أمر الله عز
وجل عباده أن يتأدبوا بأدب الشكر، يقول
تبارك وتعالى مخاطبًا رسوله محمدًا صلى
الله عليه وسلم ومن بعده أمته: ﴿بَلِ اَللَّهَ
فَأَعْبُدْ وَكُن مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦].
وقد حبب الله تعالى إلى عباده أدب
الشكر، بأن جعله سببًا لزيادة النعم.
قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَپن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَبِن كَفْتُمْ إِنَّ
عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
يقول السعدي في تفسيره: ﴿لَپن
شَكَرْتُمْ﴾ ((أي على ما أنعمت عليكم
بهذه النعم، ودفعت عنكم صنوف النقم،
والشكر يكون بالقلب إقرارًا بالنعم واعترافًا،
وباللسان ذكرًا وثناءً، وبالجوارح طاعةً لله
وانقيادًا لأمره واجتنابًا لنهيه، فالشكر فيه
بقاء النعمة الموجودة، وزيادة في النعم
المفقودة)»(١).
وقد امتن المولى عز وجل علينا بنعمة
البصر التي لا تقدر بثمن، ولا تقاس
بمقیاس، فمن خلالها ينتقل المجهول إلى
حيز المعلوم، وبها يدرك الإنسان ما حوله،
فيميز الجميل من القبيح ويتتبع سلوك البشر،
فیعي ببصره الفرق بين الحق والباطل، ولعل
(١) تيسير الكريم الرحمن ٢/ ٥٧.
من أهم طرق شكر هذه النعمة العظيمة هو
استخدامها فيما يرضي الله عز وجل، ومن
هذا:
التدبر في الكون ومخلوقاته.
٥
تأمل كتاب الله تعالى والاستبصار به.
٥
الإحسان إلى الناس بالنظرة العطوفة
٥
مع حسن الإصغاء.
* تجنب النظر إلى ما حرم الله تعالى من
صور أو أفلام، وغض البصر عما لا
يحل.
وقد وصف الله المكذبين بأنهم قليلو
الشكر، قال تعالى: ﴿ثُمَّسَوَّنِهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنٍ
رُوحِيِّ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفِدَةُ
قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩].
فمن وفقه الله وسددہ کان شاکرًا لأنعم
الله عليه، عاملًا بهذا الشكر، ومن حرمه الله
ذلك فقد خذل وخسر خسرانًا مبينًا(٢).
يقول القشيري: ((وشكرهم عليها
استعمالها في طاعته، فشكر السمع ألا تسمع
إلا بالله ولله، وشكر البصر ألا تنظر إلا بالله
ولله)»(٣).
المعنى أن يكون السمع والبصر بحق
الله، ومراعاة حرماته، وهدفه إرضاء الله
ونیل مجازاته.
(٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١٢١/٩.
(٣) لطائف الإشارات ٥٨٣/٢.
www. modoee.com
١٨١
حرف الباء
أنواع البصر
بعد جمع آیات البصر بجميع مشتقاتها،
وجد أن البصر ورد في القرآن الكريم
بمعنیین هما:
أولًا: بصر حقيقي:
ورد البصر في القرآن الكريم بالمعنى
الحقيقي، أي بمعنى النظر بالعين في آيات
كثيرة، منها قوله عز وجل: ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ.
قُصِيَةٍ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَنْ جُّبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
[القصص: ١٢].
وتأتي الآية في سياق قصة سيدنا موسى
عليه السلام حينما ألقته أمه في اليم؛ طاعة
لله تعالى ، فتلقاه فرعون ورباه في كنفه،
فتصف الآية شعور الأم الرءوم التي من
رحمتها بابنها طلبت من ابنتها أن تتبع أثر
موسى عليه السلام ، فكانت الأخت تتبع
أخاها بالنظرات المتوارية كي لا يحسوا
بها أو يعلموا أنها أخته، فتتحسس أخباره
وتنقلها لأمها حتى تحقق وعد الله للأم،
بأن رفض موسى عليه السلام كل المراضع،
حتى جاءته أمه فأقبل عليها وعاد إلى
أحضانها(١).
وقد ذكر الواحدي: ((أن أخت موسى
أبصرت أخاها بصرًا حقيقيًا لا واهمًا، وقد
تابعته تراقبه بعينيها فعرفت إلى من ذهب
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٥٣١-٥٣٣.
وماذا حل به»(٢).
ولا يخفى أن ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ التي
ختمت بها الآية مؤكدة أن البصر المقصود
في الآية هو الحاسة البشرية التي محلها
العين، فهي التي تدرك بالشعور الإنساني.
وقد ذكر البصر بمعناه الحقيقي في قوله
تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السََّوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ
قُلْ أَفَتَّخِذْتُمْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِم نَفْعًا
وَلَا ضَّأْ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ
تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُّ أَمْ جَمَلُوا لِلَّهِ شُركَّ خَلَقُواْ
كَخَلْقِ فَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اَللَّهُ خَلِقٌ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ
الْوَحِدُ اَلْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦].
فقد ضرب المولى عز وجل مثلًا حتى
يوضح الفرق بين المؤمن والكافر، فجاء
الاستفهام الإنكاري: هل يتساوى الأعمى
الذي لا یری والبصير الذي یری بعينه كل
شيء؟ وهل الظلمة الحالكة كالضياء الذي
يمكن الإنسان من رؤية الأشياء؟
ونعلم أن المثل القرآني يقوم بتشبيه
الخفي بالجلي المعلوم لدى البشر حتى
يرغب أو يرهب، والجلي لدينا هو الحاسة
الناظرة، فقد شبه الكافر الذي ارتكب الكفر
بالأعمى الذي فقد بصره فتاه واحتار، وشبه
المؤمن الذي تلبس بالإيمان بالبصير الذي
يميز الأشياء وخصائصها، ويتلذذ بنعم الله
(٢) التفسير الوسيط ٣٩٢/٣.
مُوسُوبَةُ النَّقية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٨٢
البصر
حوله(١).
وكذلك ورد المعنى الحقيقي للبصر
في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خِيراً بَصِيرًا ﴾
[الإسراء: ٣٠].
فالبصير في الآية هي صفة من صفات وعلا: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَّ إِلَهَهُّ هَوَنُ وَأَضَلَُّ اللَّهُ عَلَى
الله عز وجل التي أثبتها لنفسه، فنؤمن بها
دون تحريف أو تكييف أو تمثیل، ونقر
أن لله تعالى بصرًا لا كبصرنا، وسمعًا لا
کسمعنا، تعالی وتتزه عن کل نقص (٢)، فهو
الذي يرى عباده ويطلع على أحوالهم، وما
يحتاجون فيمدهم بالرزق والعون(٣).
ثانيًا: بصر معنوي:
جاء البصر ومشتقاته بمفهوم آخر غير
الحاسة المتعلقة بالعين الباصرة، فقد وردت
البصيرة في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ
أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى وَسُبْحَنَ
اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].
وكان المقصود بالبصيرة الحجة
الواضحة، التي يستدل على قدرة الله
وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته من
خلالها، والتي تعتمد على الآيات الكونية
(١) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي
٤٨٨/١.
(٢) انظر: لوامع الأنوار البهية، السفاريني
٢٣٩/١.
(٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٢٥٥/٢.
الكثيرة، وعلى الأدلة النظرية والعقلية (٤).
وقد ذكر أن معنى ﴿عَلَى بَصِيرَةٌ ﴾ هنا أي
علی «علم ويقين، من غير شك، ولا امتراء،
ولا مرية)»(٥).
و کذلك أتى البصر المعنوي في قوله جل
عٍِ وَخَمْ عَلَى مَّمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَوَّةً
فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:
٢٣].
حيث ضل من جعل مع الله إلهًا من
الهوی، فأطاعه حتی ختم على حواسه فهو
لا يتعظ، وقد جعل على بصره الإدراكي
غشاوة مانعةً عن الاستبصار والاعتبار، وعن
فهم الآيات وسماع الحق (٦).
وقد ورد البصر المعنوي في قوله
تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِ فِئَتَيْنِ
الْتَقَتَّا فِقَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى
كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنَّ وَاللّهُ
يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ
لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾[آل عمران: ١٣].
والآية تصف ما حصل يوم بدر، فقد
رأى الكفار - على كثرتهم- المسلمين
(٤) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٣٥٠/١.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ٤٠٦.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٩٢/١١، إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٨/ ٧٣.
www. modoee.com
١٨٣
حرف الباء
القليلين ضعفيهم، أو على المعنى الثاني
وهو أن المسلمين رأوا الكفار مثليهم، وهم
في الحقيقة كانوا ثلاثة أمثالهم، والعبرة في
أي من المعنیین هي نزول تأييد الله ونصره
لعباده المؤمنين المتقين، ولا يدرك هذه
العبرة إلا أولي ﴿الْأَبْصَرِ﴾ أي العقول
المدركة التي تتدبر سنن الله في خلقه(١).
القلوب التي تجعلها تدرك وتقر (٤)ز
والبصائر التي أمدنا بها كتاب الله تعالى
بها يبصر الإنسان الحق، ويدرك الصواب،
وهي الحجج البينة، والبراهين النيرة على
وحدانية الخالق، وعلى كماله وجلاله -عز
وعلا _(٥).
وجاءت البصائر بمعنى البرهان أو
القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم
◌ِجَايَةٍ قَالُواْ لَوْلَا أَجْتَبَيْتَهَاْ قُلْ إِنَّمَا أَتَبِعُ مَا يُوحَى
إِلَّ مِن رَّبِىَّ هَذَا بَصَآِرُ مِنْ زَّيِّكُمْ وَهُدَّى
وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٠٣].
قال ابن أبي زمنين عن البصائر: هي
((القرآن»(٢)، أي أن معنى الآية: قل لهم يا
محمد علی سبیل التبکیت ردًا على تهكمهم
بك: إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي فأنا متبع
لا مبتدع، فأنا أبلغكم الوحي دون تغيير أو
تبديل (٣).
وفي الاستخدام المعنوي تشبيه بليغ،
فقد شبه الدلالات على صدق النبوة وبرهان
القرآن الكريم المعجز بالبصائر، حيث
حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه.
والمعنى: هذا القرآن بمنزلة بصائر
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٣٧٢.
(٢) تفسير القرآن العزيز ١٦٣/٢.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي
٤٦١/٥.
(٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٩/ ٢٢٤.
(٥) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢٤٤/٥.
١٨٤
جَوْسُورُ
القرآن الكريم
البصر
مسئولية البصر وصيانته
كما تكرم الله تعالى علينا بالبصر،
أوجب علينا صيانته وحفظه، والتقصير في
ذلك نكران للنعمة، لذا نحن مسئولون عنه
ملزمون بتهذيبه ومنعه من الوقوع فيما حرم
الله، فهو شاهد علينا يوم القيامة، ولبيان
ذلك نفصل الحديث كما يلي:
أولًا: مسئولية البصر:
البصر نعمة وأمانة، وفى التقصير بهذه
النعمة العظيمة جحود ونكران، ولعلنا
مسئولون عن توجيه البصر بنوعيه للخير،
فعلينا أن نقوي بصيرتنا ونغذيها بالعلم
والإيمان، كما علينا الاهتمام ببصرنا من
خلال حفظ العين من الإصابة بمكروه،
فلا يعرضها الإنسان إلى الأخطار ولا
يهملها إذا ما تعرضت للأسقام، بل يعتني
بها كل العناية، وعليه حفظها من النظر إلى
ما حرم الله تعالى ، فلا يتلفها بالتلصص
على الآخرين، أو باستراق النظر إلى
النساء الأجنبيات، فهذا باب الزنا ومدخله
الأساس؛ فلا يتصور أن يتجرأ الإنسان على
انتهاك الحرمات والسقوط في الرذائل وهو
غاضٌ لبصره، إذ لابد للشيطان من مدخل
يدمر به الأخلاق ويزين من خلاله الفاحشة،
وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله
علیه وسلم قال: (ما تركت بعدي فتنة أضر
على الرجال من النساء)(١).
قال ابن عاشور: ((ولم يذكر الرجال لأن
ميل النساء إلى الرجال أضعف في الطبع،
وإنما تحصل المحبة منهن للرجال بالإلف
والإحسان))(٢).
لكنهن مأمورات أيضًا بغض البصر عمن
لا يحل لهن: قال تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُوجَهُنَّ وَلَا
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:
٣١] .
فالأمر بالغض عام للجنسين؛ لأن
السماح للعين برؤية الحرام يجعلها تعتاد
وتدمن على ذلك، وهذا الأمر يورث خللا
في السلوك وضعفًا في الإيمان، وقد يسبب
لصاحبه مشاكل اجتماعية ونفسية جمة،
فالحرام يجر حرامًا، والنظر الحرام لا يأتي
بخير.
ثانيًا: صيانة البصر:
على المسلم صيانة بصره وتربيته على
عدم النظر إلى الحرام، ومن الأمور التي
تساعد على ذلك:
* الإخلاص في الرغبة في غض البصر،
والعزم الداخلي على ذلك.
مراقبة الله تعالى واستحضار وجوده
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب ما يتقى من شؤم المرأة ٧/ ٨ رقم ٥٠٩٦.
(٢) التحرير والتنوير ١٨١/٣.
www. modoee.com
١٨٥
حرف الباء
دومًا، فهذا مانع قوي للذنوب.
الاستعانة بالدعاء، فمن دعا الله مخلصًا
واثقًا في الاستجابة أكرمه الله في
الدنيا والآخرة، قال عز وجل: ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمْ أَدْعُونَ أَسْتَجِبْ لَكُوَ إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
تكثيف الطاعات وإشغال النفس بالنافع
من الأفعال؛ سدًا لأبواب الشيطان
ومداخله، ومن هذه الطاعات الوضوء،
فقد ورد في الصحيح عن النبي صلى
الله علیه وسلم أنه قال: (إذا توضأ العبد
المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه،
خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها
بعينيه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء-،
فإذا غسل يديه خرج من يديه کل خطيئة
کان بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر
قطر الماء-، فإذا غسل رجليه خرجت
كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء -أو
مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقيا من
الذنوب)(١).
الفاسدة، فقد کثر هذه الأيام المحتوى
السيء على المواقع الإلكترونية من
صور ومقاطع، وكذلك محطات
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء ٢١٥/١
رقم ٢٤٤.
التلفاز المتزايدة التي تبث سمومها في
أبناء هذا الجيل، فالسمة الغالبة على
القنوات الفضائية هي الفجور والعري،
ولا تخلو الأفلام والمسلسلات التي
تبث ليلًا ونهارًا من الأفكار الهدامة
والمناظر التي توقد شهوة الشباب،
وتحرفهم عن الطريق القويم.
والرسالة الموجهة إلى الآباء والأمهات
هي أن يتقوا الله في أبنائهم، فقد جعلوا أمانة
عندهم، فليراقبوهم جيدًا، وليحرصوا أن
يوجهوهم إلى ما فيه النفع للأمة، فالنفس
إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية،
والشاب يملك القوة والوقت اللذين يمكنانه
من الإبداع والابتكار إن لم تترك طاقاته
فريسة للشهوات والنزوات.
وعلى رجال الإعلام تقوى الله فيما
يبثون من أفكار، فعقول الشباب أمانة،
وعلیھم استغلالها وتوجیھھا إلی ما فيه خير
الأمة.
أما ولاة الأمر فعليهم أكبر المسئوليات؛
لأنهم يملكون الميزانيات التي يمكن أن
تجنب الاستسلام لوسائل الإعلام تنفق في إصلاح الإعلام ورقابته، وزيادة
وعي الناس بالتثقيف ونشر الدعاة، بدلًا من
إتلافها فيما لا تستفيد منه الأمة لا من قريب
ولا من بعيد.
ثالثًا: شهادة البصر:
مَوْسُورَةُ النَّهـ
القرآن الكريم
١٨٦
البصر
قرر القرآن الكريم أن أعضاء الجسم
تشهد يوم القيامة على صاحبها، فتنطق بما
فعلت في الدنيا، قال تعالى: ﴿بَلِ آلْإِنسَنُ عَلَى
نَفْسِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤].
وقد ذكر الطبري في تفسيره للآية: ((أن
جوارح الإنسان کلها من سمع وبصر وأيدي
وأرجل، وكل الأركان تشهد بما فعل من
خير وشر))(١)، ولا حاجة لله تعالى بهذه
الشهادة لأنه عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَابِنَةَ الْأَعْيُنِ
وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ ﴾ [غافر: ١٩].
لكنه عز وجل يجعل من شهادة الجوارح
أمام صاحبها حجة له أو عليه، وفي الحديث
الشريف عن أنس بن مالك، قال: (كنا عند
رسول الله صلی الله عليه وسلم فضحك،
فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال قلنا:
الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد
ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟
قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز
على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول:
كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام
الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال
لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال:
ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال فيقول: بعدًا
لکن وسحقًا، فعنکن كنت أناضل)(٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
(١) جامع البيان ٢٤/ ٦٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق ٤/ ٢٢٨٠ رقم ٢٩٦٩.
كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٦].
والمعنى: أن حواس الإنسان تسأل،
يسأل السمع على حدة عما سمع، ويسأل
البصر على حدة عما بصر، ويسأل القلب
عما عزم(٣).
فالمسئولية ثابتة في حق جميع الأركان،
وفي حق البصر والبصيرة على حد سواء.
(٣) انظر: تفسير يحيى بن سلام، ١٣٥/١.
www. modoee.com
١٨٧
حرف الباء
إدراك البصر
من كمال حكمة الله تعالى أن جعل
العين البشرية تدرك بعض الأمور؛ لغاية
الاهتداء والعبادة، وتعجز عن إدراك أمور
أخرى استأثر الله تعالى بها في علم الغيب
عنده، نبين المدركات وغير المدركات
كما يلي:
أولًا: ما يدركه البصر:
١. الآيات في الآفاق.
من حكمة الله جل وعلا أن تدرك العين
البشرية جزءًا من قدرات الله المطلقة في
آيات الكون؛ حتى تذعن وتستسلم الخالق
العظيم الذي ليس له ندٌ، فهي تبصر خلق
السماء بلا عمد، قال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِى رَفَعَ
اُلسَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ قَرَوْنَهَا ﴾ [الرعد: ٢].
فالسماء أعجوبة بتوازنها ومكوناتها، وقد
ذكر بعض المفسرين: «أنها مرفوعة بأعمدة
ربانية لا يراها الإنسان، لكن العين وإن لم
تدرك العمد فإنها تدرك الأعظم، وهي
السماء المحكمة البديعة التي تحمل الخير
والغيث، وتتألق فيها النجوم والكواكب))(١).
وحفظ السماء هو بحد ذاته آية من الآيات
العظيمة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٧٩/٩، صفوة التفاسير، الصابوني
٥٢٦/٣.
سَقْفًا تَحْفُوظَاً وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ
[الأنبياء: ٣٢].
فلم يكن فيها -على كبر مساحتها-
صدوع أو فتوق (٢)، وفي الآية: ﴿وَہُمْسُِ
السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ
بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].
قال ابن كثير: ((فالله هو الذي يمسكها
بقدرته وفضله، وكونها كذلك هو الأكمل
في القدرة))(٣).
ومما تدركه العين أيضًا نزول الغيث
من السماء الذي تتجلى فيه قدرة الله تعالى
العظيمة، حيث يمر الماء بمراحل التبخر
من المسطحات المائية بفعل الحرارة، ثم
التكثف بفعل البرودة والنزول على هيئة ماء
صافٍ عذب يشربه الناس ويسقي الزرع؛
فيخرج الثمر بإذنه تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَآءَ وَأَنْزَلَ مِنَّأَلسَّمَاءِ
مَآءَ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة:
٢٢].
ومن آياته التي تتجلى في السماء تسخير
الشمس والقمر، يقول عز وجل: ﴿وَسَخَّرَ
لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ أَلَيْلَ
وَاَلنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٣].
أي: خلقهما دائرين لإدارة الزمان
وتجديد الأيام، وعدد الشهور والأعوام،
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٠٨/٢١.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ٤ /٤٢٩.
١٨٨
مَوَسُولَةُ النَّبيّة
القرآن الكريم
البصر
وتنظيم الهواء على الوجه الملائم لمصالح عجيب وكم فيها من غريب، وكم اختلجت
العيون والقلوب وهي تطلع عليها أول مرة،
البشر ومعايشهم، كل هذا بنظام بالغ الدقة
والحكمة(١).
ثم ألفتها ففقدت هزة المفاجأة، ودهشة
المباغتة، وروعة النظرة الأولى إلى هذا
المهرجان العجيب»(٣).
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا
وَزَيَّتَهَا لِلنَّظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦].
وقد فسرت البروج في الآية بالنجوم،
تشبيهًا لها بحصون الأرض وقصورها؛
لأن النجوم هياكل فخمة عظيمة، وقد
زينت السماء بتلك النجوم المختلفة
الأشكال والأضواء المرئية للناظرين
إلى حركاتها وأضوائها، أو للمتفكرين
المعتبرين المستدلين بها على قدرة موجدها
و وحدانيته(٢).
وفي الآية الكريمة: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ
دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ
السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:
١٦٤].
يقول سيد قطب: ((وهذه الطريقة في
تنبيه الحواس والمشاعر جديرة بأن تفتح
العين والقلب على عجائب هذا الكون،
العجائب التي تفقدنا الألفة جدتها وغرابتها
وإيحاءاتها للقلب والحس، وهي دعوة
للإنسان أن يرتاد هذا الكون كالذي يراه
أول مرة مفتوح العین، متوفز الحس، حي
القلب، وكم في هذه المشاهد المكررة من
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١٥٩/١٩.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ٣٣٢.
ومن فضل الله علينا أنه يذكرنا دومًا
بضرورة التأمل في آياته الكثيرة، قال تعالى:
أَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَتٍ فِى جَوّ
السَّمَلِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ
لِّقَوٍَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩].
فمن يقدر على تسخير هذا الطير الذي
نراه في الجو؟ إنه الخالق العظيم! ثم قال
تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهُ سَخَّرَ لَكُمْمَّافِ
اٌلْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ يِأَمْرِهِ﴾ [الحج:
٦٥].
فقد أنعم علينا بالأرض وما فيها وعليها،
وبالفلك التي تسير في البحر لتنقلنا من مكان
إلى آخر، وقد أنعم علينا كذلك بمطعومات
البحر وحليته، وكانت هذه النعم المسخرة
للإنسان عبرة لمن له عين تبصر وقلب
يدرك.
قال عز وجل: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي
الْأَرْضِ مُخْتَلِمَا أَلْوَنَُّّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ
لِّقَوْمٍ يَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣].
وقال أيضًا: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ أَلْبَحْرَ
لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ
(٣) في ظلال القرآن ١/ ١٥٢.
www. modoee.com
١٨٩
حرف الباء
حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ
فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤].
وقد نبه الله تعالى على نعمه الوفيرة، مثل
تثبيت الأرض، ووجود الأنهار والبحار،
والدواب التي نتخذ منها طعامنا ووسيلة
نقلنا وملبسنا، والبيوت التي تقي الإنسان
البرد والحر، وكل ما خلق.
يقول رب العزة: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ
رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَرًا وَسُبُلًا
◌َّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿ وَعَلَمَتٍّ وَبِالنَّجْمِ
هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿ أَفَعَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا
١٧
تَذَكَّرُونَ
تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل:
١٥-١٨].
ويقول أيضًا: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ
بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّن جُلُودٍ الْأَنْحَمِ بُونًا
تَسْتَّخِقُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ
أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَنَا وَمَتَنعًا إِلَى
حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَلًا
وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَّا وَجَعَلَ
لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ
بَأَسَكُمْ كَذَلِكَ يُنِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨٠-٨١].
٢. الآيات في الأنفس.
أجل النعم التي أنعمها الله تعالى علينا
هي خلقنا، فقد أبدع تعالى في تكوين
الإنسان، ابتداءً بإخراجنا من ذلك الماء
المھین.
قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَمُخْرِجُ
اَلْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١].
والمعنى إخراج الناس الأحياء من
النطف، والنطف من الأحياء، وكذلك
الأنعام والنبات الذي يخرج من البذور
اليابسة (١).
ثم تطور مراحل الخلق مرورًا بمرحلة
النطفة والعلقة والمضغة ثم خلق العظم
واللحم واكتمال جميع الحواس.
يقول المولى عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
اَلْإِنسَنَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ { ثُمَّ جَعَلْنَهُ
نُطْفَةٌ فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ، ثُمَّخَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ
فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ
عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ ◌َحْمًا ثُمَّ أَنشَأَنَهُ خَلْقًا
ءَآخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون:
١٢-١٤].
وكذلك تفضل الله تعالى علينا بإبداع
الخلق في أجسامنا، والمطلع بقليل من
التفكر في خلق الإنسان يدرك أن هذا
التكامل بين أجهزة جسم الإنسان، وتوافق
عملها بهذه الآلية لابد وأنه من صنع خبير
قدير، وليتأمل جهازه البصري.
قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ
(١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين
٢٥٥/٢.
١٩٠
القرآن الكريم