Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
البَرَاءُ
عناصر الموضوع
مفهوم البراء
٨
البراء في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
البراءة في حق الله تعالى
١٢
براءة الأنبياء والصالحين من أقوامهم
١٥
براءة الشيطان من أتباعه
٢٠
من صور البراءة يوم القيامة
٢٢
الأسلوب القرآني في عرض البراء
٢٣
٢٧
ما يُتَبَرَأ منه
٢٩
ثمرات البراءة ونتائجها
المُجَلَّدَ السَّابِعْ

حرف الباء
مفهوم البراء
أولًا: المعنى اللغوي:
برأ: الباء، والراء، والهمزة: يدل على أصلين في اللغة إليهما ترجع فروع الباب>
أحدهما: الخلق، يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم براءً، والبارئ: الله جل ثناؤه، ومنه قوله
تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
والأصل الآخر: التباعد عن الشيء، يدل على التبرؤ، والتخلص، والتنزه، والتباعد،
والتنصل والتزايل، وغير ذلك.
والبراء: مصدر برئت (١)؛ ولأنه مصدر فلا يجمع ولا يثنى ولا يؤنث، فتقول: رجلٌ براء،
ورجلان براء، ورجالٌ براء، وامرأة براء (٢)، وقوله تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَرَسُولِ﴾ [التوبة:
١]. أي: إعذار وإنذار وتنزه(٣)، وليلة البراء: ليلة يتبرأ القمر من الشمس، وهي أول ليلة من
الشهر (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لقد عرف العلماء البراء اصطلاحًا بتعريفات عديدة منها:
((هو البعد، والخلاص، والعداوة بعد الإعذار والإنذار)»(٥).
(«بغض أعداء الله من المنافقين وعموم الكفار، وعداوتهم، والبعد عنهم، وجهاد الحربيين
منهم بحسب القدرة)» (٦).
(بغض الطواغيت التي تعبد من دون الله تعالى (من الأصنام المادية والمعنوية: كالأهواء
والآراء)، وبغض الكفر (بجميع ملله) وأتباعه الكافرين، ومعاداة ذلك كله))(٧).
(١) انظر: المقصور والممدود، الفراء ص ٢٦، المقصور والممدود، أبو علي القالي ص٣٥٩.
(٢) انظر: المصدرين السابقين، تهذيب اللغة، الأزهري ٢٦٩/١٥.
(٣) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٣٣٦.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٢/١، مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٢٣٦، مختار الصحاح، الرازي،
ص ٤٥، القاموس المحيط ٨/١.
(٥) الولاء والبراء في الاسلام، القحطاني ص ٩٠.
(٦) تسهيل العقيدة الإسلامية، الجبرين ص ٥٥٢.
(٧) الولاء والبراء بين الغلو والجفاء، حاتم الشريف ص ١٣.
٨
القرآن الكريم

الباء
البراء في الاستعمال القرآني
وردت مادة (برأ) في القرآن الكريم (٣١) مرة، وما يخص منها موضوعنا (٢٣) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
كَمَا
الفعل الماضي
وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ
تَبَوَّهُواْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٧]
الفعل المضارع
٢
* وَمَا أُبَّرُِّ نَفْسِىٌ﴾ [يوسف: ٥٣]
الاسم
١٢
﴿إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِمْ إِنَّا بُرَهَ وُاْ مِنْكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤]
﴿بَرَآءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
المصدر
٣
﴾ [التوبة: ١]
اسم المفعول
١
أُوْلَئِكَ مُبَرَّهُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]
وجاء البراء في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو المفارقة والتباعد من الشيء
ومزايلته (٢).
(١) انظر: المعجم الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبدالله جلعوم، ص ٣١٤.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٣٦/١، مختار الصحاح، الرازي ص ٣١.
www. modoee.com
١٩

حرف الباء
الألفاظ ذات الصلة
البراءة:
١
البراءة لغةً:
مصدر (بريء) إذا تنزه وتباعد، وبريء إذا أعذر وأنذر، ومنه قوله تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ﴾ قال ابن الأعرابي: بريء إذا تخلص من عهدة الرد به(١).
البراءة اصطلاحًا:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، بل ينحدر منه.
الصلة بين البراء وبراءة:
لا يوجد فرق فهما بنفس المعنى، بل إن لفظة البراءة من اشتقاقات لفظة (برأ)، ويتضح
ذلك من خلال تعريف البراء.
الترك :
٢
الترك لغةً:
بمعنى التخلية عن الشيء، أي: البعد عنه، وترك الأمر، أي: طرحه وأهمله(٢)، وهذا
المعنی مشابه لمعنی البراء إلى حد کبیر.
الترك اصطلاحًا:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
الصلة بين الترك والبراء:
هناك تشابةٌ إلى حد كبير مع مصطلح البراء، فالبراء يشتمل على معنى المفارقة والتجنب
والإهلاك والامتحان.
الولاء:
٣
الولاء لغةً:
القرب والدنو والمحبة والنصرة(٣)، قال الراغب الأصفهاني: ((ولي: الولاء والتوالي: أن
(١) انظر: لسان العرب، ٣٣/١، وذكر ذلك أيضًا الأزهري في تهذيب اللغة ٢٦٩/١٥.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٤٥/١.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٠٥/٩، مقاييس اللغة، ابن فارس، ص ١١٠٣، مختار الصحاح،
الرازي، ص ٣٧٦، القاموس المحيط، الفيروز آبادي ٤/ ٤٠١.
جَوَسُو ◌َرُ النفسية الوضوء
القرآن الكريم
١٠

البراء
يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث
المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد،
والولاية: النصرة)) (١).
الولاء اصطلاحًا:
التقرب إلى الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالمحبة والنصرة
والطاعة، وغير ذلك من مظاهر الولاء(٢).
الصلة بين الولاء والبراء:
معنى الولاء يأتي على النقيض تمامًا من معنى البراء، فالبراء يعني البعد والطرح والبغض،
أما الولاء فيعني القرب والحب والنصرة
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٥٣٤.
(٢) انظر: الولاء والبراء في الإسلام، القحطاني ص ٨٧.
www. modoee.com

حرف الباء
البراءة في حقّ الله تعالى
أولًا: براءة الله عز وجل من المشركين:
قال تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِ إِلَى الَّذِينَ
عَهَدُ ثُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١].
والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم من المشركين؛ لأن
العهود بين المسلمين والمشركين عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يكن
يتولى عقدها إلا رسول الله صلى الله عليه
وسلم أو من يعقدها بأمره، ولكنه خاطب
المؤمنين بذلك لعلمهم بمعناه، وأن عقود
النبي صلى الله عليه وسلم على أمته كانت
عقودهم؛ لأنهم كانوا لكل أفعاله فيهم
راضين، ولعقوده عليهم مسلمين، فصار
عقده علیهم کعقودهم على أنفسهم، فلذلك
قال: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، لما
كان من عقد رسول الله صلى الله عليه
وسلم وعهده(١).
وقد جاء قوله تعالى: ﴿ وَأَذَنٌّ مِنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهُ
بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣].
معطوفًا على قوله تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ﴾
وموقع لفظ (أذان) كموقع لفظ (براءة)
في التقدير، وهذا إعلام المشركين الذين
(١) جامع البيان، الطبري ١٤ / ٩٦.
جَوُور
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
لهم عهد بأن عهدهم انتقض (٢)، وكما أن
هذه الآية تقرر حكمًا شرعيًا، والمشرع هو
الله أضيف صدور البراءة إليه سبحانه ،
وعطف عليه الرسول صلى الله عليه وسلم
في هذا المقام؛ لأنه هو المبلغ عنه، والمنفذ
لما يبلغه(٣).
قال الامام الرازي: «لقائل أن يقول: لا
فرق بين قوله: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِإِلَى الَّذِينَ
عَهَدُ ثُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وبين قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ
بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ فما الفائدة في
هذا التكرير؟
والجواب عنه من وجوه:
الوجه الأول: أن المقصود من الكلام
الأول الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من
هذا الكلام إعلام جميع الناس بما حصل
وثبت.
والوجه الثاني: أن المراد من الكلام
الأول البراءة من العهد، ومن الكلام الثاني
البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية
مجرى الزجر والوعيد، والذي يدل على
حصول هذا الفرق أن في البراءة الأولى
بريء إليهم، وفي الثانية: بريء منهم،
والمقصود أنه تعالى أمر في آخر سورة
الأنفال المسلمين بأن يوالي بعضهم بعضًا،
ونبه به على أنه يجب عليهم أن لا يوالوا
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠/ ١٠٧.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٦/ ١٩٦.
١٢

البراء
الكفار وأن یتبرءوا منهم، فههنا بین أنه تعالی
کما یتولی المؤمنین فهو يتبرأ عن المشرکین
ویذمهم ويلعنهم، و کذلك الرسول؛ ولذلك
أتبعه بذكر التوبة المزيلة للبراءة.
والوجه الثالث: في الفرق أنه تعالى في
الكلام الأول، أظهر البراءة عن المشركين
الذين عاهدوا ونقضوا العهد، وفي هذه
الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير
أن وصفهم بوصف معين؛ تنبيهًا على أن
الموجب لهذه البراءة كفرهم وشركهم»(١).
ثانيًا: تبرأة الله لموسى عليه السلام:
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ
كَالَّذِينَ مَاذَوْاْ مُوسَى فَبََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ
اللَّهِ وَحِيْهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]
لقد حكى القرآن الكريم ألوانًا من إيذاء
بني إسرائيل لموسى عليه السلام، ومن
ذلك قولهم له: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّ نَرَى اللَّهَ
جَهْرَةَ﴾ [البقرة: ٥٥].
وقولهم: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا
كَمَا لَهُمْءَالِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
ومن إيذائهم له عليه السلام ما رواه الإمام
البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إن
موسی کان رجلًا حييًا ستيرًا، لا يرى من
جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥ / ٥٢٦.
بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر، إلا
من عيب بجلده: إما برص وإما أدرة (٢): وإما
آفة، وإن الله أراد أن یبرئه مما قالوا لموسى،
فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر،
ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلی ثیابه ليأخذها،
وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه
وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر،
ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني
إسرائیل، فرأوه عریانًا أحسن ما خلق الله،
وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه
فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله
إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه، ثلاثًا أو أربعًا
أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبََّهُاللّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ
عِندَاللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩])(٣).
قال ابن عاشور: ((معنى ﴿بَرَآءَةٌ﴾ أظهر
براءته عيانًا؛ لأن موسى كان بريئًا مما قالوه
من قبل أن يؤذوه بأقوالهم، فليس وجود
البراءة منه متفرعة على أقوالهم، ولكن الله
أظهرها عقب أقوالهم، فإن الله أظهر براءته
من التغرير بهم إذا أمرهم بدخول أريحا،
(٢) الأدرة: بالضم: نفخةٌ في الخصية؛ يقال: رجلٌ
آدر بين الأدر.
انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي
ص٣٤٢، لسان العرب، ابن منظور ٤ /١٥،
المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١ / ١٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى عليهما
السلام، رقم ٣٤٠٤، ٤ /١٥٦.
www. modoee.com
١٣

حرف الباء
فثبت قلوبهم وافتتحوها، وأظهر براءته من لأنه قد ذكر كل ذلك أنهم قد آذوه به، ولا
قول في ذلك أولى بالحق مما قال الله إنهم
آذوا موسى، فبرأه الله مما قالوا)»(٣).
الاستهزاء بهم إذ أظهر معجزته حین ذبحوا
البقرة التي أمرهم بذبحها فتبين من قتل
النفس التي ادارأوا فيها، وأظهر سلامته من
البرص والأدرة حين بدا لهم عريانًا لما انتقل
الحجر الذي عليه ثيابه. ومعنى: ﴿فَبَرََّهُ اللَّهُ
مِمَا قَالُواْ﴾ برأه من مضمون قولهم لا من
نفس قولهم؛ لأن قولهم قد حصل وأوذي
به، وهذا كما سموا السبة القالة))(١).
واختتام الآية بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِندَ
اُلَّهِ وَچِهًا ﴾ توضح سبب عناية الله عز وجل
بتبرئة نبيه موسى عليه السلام، والوجيه: هو
صاحب الجاه والمكانة، فكانت لموسى
عليه السلام مكانة عظيمة عند الله تعالى ،
وهذا تسفيه للذين آذوه بأنهم آذوه بما هو
مبرأ منه، وتنويه و توجیه لتنزيه الله إياه بأنه
مستحق لتلك التبرئة؛ لأنه وجيه عند الله
تعالی (٢).
وأولى الأقوال وأصوبها في قضية تبرئة
موسى عليه السلام ما قاله الإمام الطبري:
((أن يقال: إن بني إسرائيل آذوا نبي الله
ببعض ما كان يكره أن يؤذى به، فبرأه الله مما
آذوه به، وجائز أن يكون ذلك كان قيلهم: إنه
أبرص، وجائز أن يكون كان ادعاءهم عليه
قتل أخيه هارون، وجائز أن یکون كل ذلك؛
(١) التحرير والتنوير ٢٢/ ١٢١.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ٣/ ٧٦.
(٣) جامع البيان ٢٠/ ٣٣٥.
١٤
جَوَسُوبَة النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

البراء
براءة الأنبياء والصالحين من أقوامهم
أولًا: براءة إبراهيم عليه السلام
والمؤمنين معه:
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ فِىّ
إِنَزِهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِنَّا بُرَوُاْ مِنْكُمْ
وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة:
٤].
والمعنى: قد كان لكم - أيها المؤمنون-
أسوة حسنة، وخصلة حميدة، ومنقبة كريمة،
في قصة أبيكم إبراهيم عليه السلام ، وفي
قصة الذين آمنوا معه، وقت أن قالوا لقومهم
الكافرين، بشجاعة وقوة: إنا برآء منكم، ومن
آلهتكم التي تعبدونها من دون الله عز وجل،
وإننا قد کفرنا بکم وبمعبوداتکم، وظهر بيننا
وبينكم العداوة والبغض على سبيل التأبيد
والاستمرار، ولن نتخلى عن ذلك معكم،
حتى تؤمنوا بالله - تعالى وحده -، وتتركوا
عبادتكم لغيره تعالى (١).
قال صاحب الكشاف: ((لقد كان في
إبراهيم ومن آمن معه مذهب حسن مرضي،
جدیر بأن یؤتسی به، ويتبع أثره، وهو قولهم
لكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوهم
بالعداوة، وقشروا لهم العصا، وأظهروا
لهم البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب
عداوتهم وبغضائهم، ليس إلا كفرهم بالله،
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٢٨/٢٨.
وما دام هذا السبب قائمًا، كانت العداوة
قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده،
انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء مودة،
والمقت محبة، فأفصحوا عن محض
الإخلاص)) (٢).
فيوضح القرآن الكريم كيف أعلن إبراهيم
عليه السلام والمؤمنون معه بكل شجاعة
وشدة، إيمانهم الكامل بالحق، وبراءتهم
وكراهيتهم واحتقارهم، لكل من أشرك مع
الله عز وجل في العبادة آلهة أخرى، وأنهم
لم يكتفوا بالتغيير القلبي للمنكر، بل جاهروا
بعداوتهم له، وبالتنزه عن اقترابهم منه (٣).
وفي موضع آخر يعلن إبراهيم عليه
السلام براءته من شرك قومه صراحة، قال
تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّ
هَذَا أَكْبَرٌ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنِِّ بَرِىٌّ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨].
قال الإمام الطبري: (( فلما رأى إبراهيم
الشمس طالعةٌ، قال: هذا الطالع ربي، ﴿هَذَا
أَكْبَرُ﴾، يعني: هذا أكبر من الكوكب
والقمر ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾، يقول: فلما غابت،
قال إبراهيم عليه السلام لقومه: ﴿يَقَوْمِ
إِنِّ بَرِىٌّ مِّنَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: من عبادة الآلهة
والأصنام ودعائه إلهًا مع الله تعالى))(٤).
(٢) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٥١٤.
(٣) انظر: مختصر تفسير ابن كثير ٢ / ٤٨٢.
(٤) جامع البيان، الطبري ١١/ ٤٨٧.
www. modoee.com
١٥

حرف الباء
ثانيًا: براءة نوح عليه السلام:
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَنُوعُ قَدْ جَدَلْتَنَا
فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا فَأَيِّنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ
الصَّدِقِينَ ﴿ قَالَ إِنَّمَا يَأْنِيِكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَّآ
أَنْتُم بِمُعْجِينَ () وَلَا يَنفَعُّكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ
أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ
إِنِ اُفْتَرِيَّتُهُ فَعَلَىّ إِجْرَامِى وَأَنَا بَرِىٌّ مِّمَّا تُحْرِمُونَ
[هود: ٣٢ -٣٥].
والمعنى: قال قوم نوح له: قد طال منك
هذا الجدال، وهو المراجعة في الحجة
ومقابلة الأقوال ومناقشتها حتى تقع الغلبة،
فأتنا بما تعدنا به من العذاب والهلاك المعجل
في الدنيا، إن كنت صادقًا في ادعائك أن الله
يعذبنا على عصيانه في الدنيا قبل الآخرة،
أجاب نوح قومه عن اتهامه بكثرة الجدال
قائلًا: ليس إنزال العذاب أو العقاب بيدي،
وليس لي توقيته، وإنما ذلك بيد الله، وهو
الآتي به إن شاء وإذا شاء، ولستم من المنعة
بحال من يفلت أو يعتصم لتنجوا، وإنما أنتم
في قبضة القدرة الإلهية، وتحت سلطان
الملك الإلهي، ولیس نصحي بنافع، ولا
إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان الله تعالى قد
أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك، الله
ربكم، أي خالقكم والمتصرف في أمور كم،
وهو الحاكم العادل الذي لا يجور، وإليه
ترجعون في الآخرة، فيجازيكم بما كنتم
تعملون في هذا العالم من خير أو شر.
وقوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ﴾
اختلف المفسرون في هذه الآية.
فقال الطبري: ((أن هذه الآية معترضة
في قصة نوح، وهي في شأن محمد صلى
الله عليه وسلم مع كفار قريش، ويحتمل
کون الكلام في شأن نوح عليه السلام، فإن
قومه زعموا أن العذاب الذي توعدهم به أمر
مفتری بقصد إرهابهم.
والراجح أن هذه الآية من محاورة نوح
لقومه، كما قال ابن عباس؛ لأنه ليس قبل
هذا الكلام ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه،
والخطاب منهم ولهم، وهم يقولون: افترى
ما أخبركم به من دين الله، وعقاب من
أعرض عنه، ففي هذه الآية إعلان صريح من
نوح أنه بريء من أعمال قومه وشركهم))(١).
وفي موضع آخر یتحدی نوح قومه بأنه لا
یکترث بتهديد ووعید قومه له.
قال تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ نُوجِ إِذْ قَالَ
لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى
◌ِشَايَتِ اَللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْعُواْ أَمْرَكُمْ
وَتُرَّكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ
أَقْضُوْاْ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ) فَإِن تَوَلَّئْتُمْ فَمَا
سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ
أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: ٧١
(١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ٢ / ١٠٤٠،
تفسير الشعراوي ١١/ ٦٤٤٨.
١٦
القرآن الكريم

البراء
- ٧٢].
يقول نوح عليه السلام لقومه: إن كان
قد شق عليكم وعظم قيامي معكم للدعوة
إلى عبادة ربكم، وتذكيري ووعظي إياكم
بآيات الله أي بحججه وبراهينه الدالة على
وحدانيته وعبادته، فإني توكلت على الله
وحده ووثقت به، فلا أبالي ولا أكف عن
دعوتي ورسالتي، سواء عظم علیکم أو لا،
فأجمعوا أمرکم، أي اعزموا على ما تريدون
من أمر تفعلونه بي، أنتم وشرکاؤکم الذین
تعبدونھم من دون الله من صنم ووثن، ولا
تجعلوا أمركم الذي تعتزمونه خفيًا ملتبسًا
عليكم، بل أظهروه لي، وتبصروا فيه،
وافصلوا حالکم معي، فإن كنتم تزعمون
أنکم محقون فاقضوا إلى ذلك الأمر ونفذوه
بالفعل، ولا تؤخروني ساعة واحدة عن
تنفيذ هذا القضاء، فمهما قدرتم فافعلوا،
فإني لا أبالي بكم ولا أخاف منكم لأنکم
لستم على شيء(١).
ثالثًا: براءة هود عليه السلام:
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَهُودُ مَا جِئْتَنَا
بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيَّ ءَالِهَيْنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا
فَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) إِن تَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنَكَ
بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٌ قَالَ إِّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُواْ أَنِ
مِن دُونِ، فَكِيدُونِي جَمِيعًا
٥٤
بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٢٤/٢.
ثُمَّ لَا نُظِرُونِ ﴾ [هود: ٥٣ -٥٥].
بعد أن دعا نبي الله هود عليه السلام
قومه لعبادة الله وحده، وحذرهم من
الإعراض عنه سبحانه ، وناداهم بلفظ : -یا
قوم- ثلاث مرات، توددًا إلیھم، وتذکیرًا لهم
بآصرة القرابة التي تجمعهم وإياه؛ لعل ذلك
يستثير مشاعرهم، ویحقق اطمئنانهم إليه،
كان جوابهم: ما جئتنا بحجة وبرهان على
ما تدعيه أنك رسول من عند الله، ولن نترك
عبادة آلهتنا بمجرد قولك: اتركوهم، وما
نحن لك بمصدقين، فكان جوابهم متضمنًا
أربعة أشياء كلها عناد وحماقة واستكبار،
وهي المطالبة بالبينة والإصرار على عبادة
الآلهة.
قوله تعالى: ﴿إِن تَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُ
ءَالِهَيِّنَا بِسُوءٍ﴾ قال الامام الزمخشري فيها
ما ملخصه ((أي: مسك بجنون لسبك إياها،
وصدك عنها، وعداوتك لها، مكافأة لك
منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن
ثم صرت تتكلم بكلام المجانين وتهذي
بهذیان المبرسمین»(٢).
ثم قال: ((وقد دلت ردودهم المتقدمة
على أن القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا
یبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح، ولا
(٢) البرسام: أي بكسر الموحدة سريانيٌ معربٌ
أطلق على اختلال العقل وعلى ورم الرأس
وعلى ورم الصدر.
انظر: فتح الباري، ابن حجر ٣٣٨/١.
www. modoee.com
١٧

حرف الباء
تلين شكيمتهم للرشد، وهذا الأخير دال في حفظي، فهو على كل شيء قدير (٢).
على جهل مفرط، وبلهٍ متناه، حيث اعتقدوا
في حجارة أنها تنتصر وتنتقم ... ))(١).
وبعد أن استمع هود عليه السلام
إلى ردودهم القبيحة، فما كان منه إلا أن
يقف منهم موقف المتبريء من شرکھم،
والمتحدي لطغيانهم، والمعتمد على
الله- تعالى وحده- في الانتصار عليهم،
ولقد حكى القرآن رده عليهم فقال: ﴿قَالَ
إِنْ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّاْ أَنِ بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ ﴾
أي: أشهد الله على نفسي واشهدوا علي أني
بريء من شرككم ومن عبادة الأصنام، ولا
يعني هذا أنهم كانوا أهلًا للشهادة، ولكنه
نهاية للتقرير، أي لتعرفوا، ولم يقل: (إني
أشهد الله وأشهدکم) لئلا یفید التشریک بین
الشهادتين والتسوية بينهما؛ فإن إشهاد الله
على البراءة من الشرك إشهاد صحيح ثابت
في معنى تثبيت التوحيد، وأما إشهادهم
فما هو إلا تهاون بدينهم، ودلالة على قلة
المبالاة بهم، وإذا كنت بريئًا من جميع
الأنداد والأصنام، أي مما تشرکون من دون
الله، فإني أعلن ذلك صراحة، فاجمعوا كل
ما تستطيعون من أنواع الكيد لي، جميعًا أي
أنتم وآلهتكم، ولا تمهلوني طرفة عين، إني
فوضت أمري كله لله ربي وربكم، ووكلته
(١) الكشاف ٢/ ٤٠٣.
جَوَسوبة النفسية
جوبيى
القرآن الكَرِيْمِ
ويمكننا أن نخلص إلى أن رد هود عليه
السلام على قومه تضمن عدة أمور وهي:
التحدي والمعجزة الباهرة، وقلة المبالاة
بهم وبتهديدهم، والبراءة من شركهم،
وإشهاد الله على ذلك، وإشهادهم على
براءته من شركهم، وطلبه المكايدة له،
وإظهار قلة المبالاة بهم، وعدم خوفه منهم
ومن آلهتهم.
رابعًا: براءة رسول الله صلى الله عليه
وسلم:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَىُّ تَقْءٍ أَكْبُ شَهَدٌَ قُلِ اله
شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَى هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ
بِهِ، وَمَنْ بَلَغَّ أَيْنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الَّهِ ءَالِهَةَ
أُخْرَىَ قُل لََّ أَشْهَدُّ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَجِدٌ وَإِنَِّ بَرِىٌّ
◌ِمَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩].
قال الإمام الطبري: ((يقول تعالى ذكره
لنبيه محمد صلی الله عليه وسلم: قل لهؤلاء
المشركين، الجاحدين نبوتك، العادلين
بالله، ربًا غيره: ﴿أَيتَكُمْ﴾، أيها المشركون
﴿لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِءَالِهَةَّأُخْرَى﴾، يقول:
تشهدون أن معه معبودات غيره من الأوثان
والأصنام))(٣).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٣٦٠، إرشاد
العقل السليم، أبو السعود ٢١٨/٤، لباب
التأويل، الخازن ٢/ ٤٨٩.
(٣) جامع البيان ١١/ ٢٩٢.
١٨

البراء
قال الإمام الرازي: ((واعلم أن هذا الكلام عملكم، ولا يضركم عملي، وإنما يجازى
دال على إيجاب التوحيد والبراءة عن الشرك كل عامل بعمله ﴿عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِيّعُونَ مِمَّآ
من ثلاثة أوجه:
أولها: قوله: ﴿قُل لََّ أَشْهَدُ﴾ أي: لا أشهد ◌ِّمَا تَعْمَلُونَ﴾ لا أوخذ بجريرة عملكم))(٢).
بما تذکرونه من إثبات الشركاء.
وثانيها: قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ﴾ وكلمة من عمل كل من كذبه وتبريه هذا يتناول
إنما تفيد الحصر، ولفظ الواحد صريح في
التوحيد ونفي الشركاء.
وثالثها: قوله: ﴿وَإِنَِّ بَرٌِّ بِمَا تُشْرِكُونَ﴾
وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء،
فثبت دلالة هذه الآية على إيجاب التوحيد
بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأکید.
قال العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء
أن يأتي بالشهادتین، ویتبرأ من کل دین سوی
دين الإسلام.
ونص الشافعي رحمه الله على استحباب
ضم التبري إلى الشهادة؛ لقوله: وإنني بريء
مما تشركون عقيب التصريح بالتوحيد»(١).
ومما يتصل بسياق الآية قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ كَذَّبُوَكَ فَقُل لِي عَمَلِىِ وَلَكُمْ عَمَلُكُمّْ
أَنْتُم بِيَقُونَ مِمَّ أَعْمَلُ وَأَنْ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾
[يونس: ٤١].
قال الإمام الطبري: (وإن کذبك یا محمد،
هؤلاء المشركون، وردوا علیك ما جئتهم به
من عند ربك، فقل لهم: أيها القوم، لي ديني
وعملي، ولکم دینکم وعملکم، لا يضرني
(١) مفاتيح الغيب ١٢/ ٥٠٠.
أَعْمَلُ﴾، لا تؤاخذون بجريرته ﴿وَأَنَاْ بَرِىّ*
قال ابن تيمية: ((فقد أمره الله أن يتبرأ
المشركين وأهل الكتاب)»(٣).
فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم في هذه الآية الكريمة، أن يظهر البراءة
من أعمال الكفار القبيحة إنكارًالها، وإظهارًا
لوجوب التباعد عنها، وبين هذا المعنى في
سورة الكافرون(٤).
ومن الآيات التي تحدثت عن تهديد
النبي صلى الله عليه وسلم لعشيرته بالبراءة،
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِنَ (
٢١٤
وَلَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
٢١٥
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِّ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ
٢١٦
[الشعراء: ٢١٤-٢١٦].
ومعنى هذه الآيات: فإن عصتك یا محمد
صلى الله عليه وسلم عشيرتك الأقربون
الذين أمرتك بإنذارهم، وأبوا إلا الإقامة
على عبادة الأوثان، والإشراك بالرحمن،
فقل لهم: (إني بريءٌ مما تعملون) من عبادة
الأصنام ومعصية باريء الأنام(٥).
(٢) جامع البيان ١٥/ ٩٤.
(٣) مجموع الفتاوى ١٦ / ٥٤٦.
(٤) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ١٥٧.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ٤١١.
www. modoee.com
١٩

حرف الباء
وهذه الآية تفريع على قوله تعالى:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ أي: فإن عَصَوْا
أمرك المستفاد من الأمر بالإنذار، أي: فإن
عصاك عشيرتك فما عليك إلا أن تتبرأ من
عملهم، فالتبرؤ إنما هو من كفرهم، وإنما
أُمِرَ أن يقول لهم ذلك؛ لإظهار أنهم أهلٌ
للتبرؤ من أعمالهم، فلا يقتصر على إضمار
ذلك في نفسه(١).
براءة الشيطان من أتباعه
يعتبر الشيطان من ألد الأعداء للإنسان
منذ بداية الخليقة إلى أن يرث الله الأرض
ومن عليها، ولقد أخذ الشيطان العهد على
نفسه أمام الله عز وجل على إغواء بني آدم
وإضلالهم، ولكن يأتي يوم على الشيطان
يعلن براءته من الإنسان، وسوف نتعرف
على بعض المواقف التي يتبرأ فيها الشيطان
من أتباعه:
أولًا: براءة الشيطان من المشركين في
بدر:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ
النَّاسِ وَإِّ جَارٌ لَّكُمْ فَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ
نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِِّ بَرِىٌّ مِّنكُمْ
إِنَّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنْ أَخَافُ اللَّهُ وَاللَّهُ شَدِيدُ
اَلْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: ٤٨].
ألقى الشيطان في روع المشركين أنهم لا
يغلبون لكثرة عددهم، وعددهم، وأوهمهم
أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات تجعله
مجيرًا لهم، وحافظًا إياهم عن السوء حتى
قالوا: اللهم انصر أهدى الفئتين، وأفضل
الدينين، ولكن حينما التقت الفئتان، فئة
المؤمنين وفئة المشركين ولى الشيطان مدبرًا
وقال للكافرين: ﴿إِنِ بَرِىٌّ مِّنِكُمْ﴾ أي:
من عهدکم وجوارکم ونصرتکم، إني أرى
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩/
٢٠٣.
٢٠
مَوسُوبَة النفسية
القرآن الكريم

البراء
من الملائكة النازلة لتأييد المؤمنين مالا وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم؛ لأنهم هم الذين
قبلوا الباطل البحث الذي لا يلتبس بطلانه
ترونه أنتم، إني أخاف الله أن يعذبني قبل
يوم القيامة، أو إني أخاف الله أن يصيبني
بمكروه من قبل ملائكته(١).
على من له أدنى عقل، ثم أوضح لهم بأنه
لا نصر عنده ولا إغاثة، بل هو مثلهم في
الوقوع في البلية، ثم صرح لهم بأنه قد تبرأ
ثانيًا: براءة الشيطان ممن دعاهم للكفر
يوم القيامة:
مما اعتقدوه فيه وأثبتوه له، وهو إشراكه
مع الله تعالى فتضاعفت عليهم الحسرات،
وتوالت عليهم المصائب(٢).
قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ
اْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ اَلْمِّ وَوَمَدُّكُوْ
فَأَخْلَفْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّنِ سُلْطَانٍ إِلََّ
أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ
أَنفُسَكُمْ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُم
بِعُصْرِخِيٌَّ إِنِّ كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَ كْتُمُونِ
مِن قَبْلٌ إِنَّ الَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[إبراهيم: ٢٢].
لقد قام الشيطان للكافرين في هذا اليوم
مقامًا يقصم ظهورهم، ويقطع قلوبهم،
فأوضح لهم أن مواعیده التي کان یعدهم بها
في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله
تعالی وأنه أخلفهم ما وعدهم به، ثم أوضح
لهم بأنهم قبلوا قوله بما لا يتفق مع العقل؛
لعدم الحجة التي لابد للعاقل منها في قبول
قول غیرہ، ثم أوضح لهم بأنه لم یکن منه إلا
مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية
عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء، ثم
نعی علیهم ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له،
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠/ ٣٤. (٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٣٤٥.
www. modoee.com
٢١

حرف الباء
من صور البراءة يوم القيامة
أولًا: براءة الرؤساء والكبراء من
أتباعهم:
قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُِّعُواْ مِنَ
الَّذِينَ أَنَّبَعُواْ وَرَأَوْأْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ
الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦].
يوم القيامة يتبرأ الرؤساء والكبراء من
مرءوسيهم، حين يجمع القادة والأتباع،
فيتبرأ بعضهم من بعض حال رؤيتهم جميعًا
للعذاب وأسبابه ومقدماته، وما أعد لهم من
شقاء وآلام، وقد ترتب على كل ذلك أن
تقطع ما بين الرؤساء والأذناب من روابط
کانوا یتواصلون بها في الدنيا، وصار كل
فریق منهم يلعن الآخر ويتبرأ منه (١).
قال الطبري: ((أخبر تعالى أن المتبعين
على الشرك بالله يتبرءون من أتباعهم حين
يعاينون عذاب الله. ولم يخصص بذلك
منهم بعضًا دون بعض، بل عم جميعهم.
فداخلٌ في ذلك كل متبوع على الكفر بالله
والضلال أنه يتبرأ من أتباعه الذين كانوا
يتبعونه على الضلال في الدنيا، إذا عاينوا
عذاب الله في الآخرة)»(٢).
قوله تعالى: ﴿وَرَأَوْأْ الْعَذَابَ ﴾ يشمل
الكل، ﴿وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أي:
(١) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١/ ٤٠٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣/ ٢٨٨.
عنهم، مثل قوله:
[الفرقان: ٥٩].
وَفَسَلْ بِهِ خَبيرًا
وفي الأسباب أربعة أقوال:
أحدها: أنها المودات، وإلى نحوه يذهب
ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
والثاني: أنها الأعمال، رواه السدي عن
ابن مسعود، وابن عباس، وهو قول أبي
صالح وابن زید.
والثالث: أنها الأرحام، رواه ابن جريج
عن ابن عباس.
والرابع: أنها تشمل جميع ذلك (٣).
ثانيًا: تمني التابعين للرؤساء العودة
للدنيا للتبرؤ منهم:
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا
كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ
اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ
النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧].
يقول الذين كانوا تابعين لغيرهم في
الباطل: ليت لنا رجعة إلى الحياة الدنيا،
فنتبرأ من هؤلاء الذين اتبعناهم وأضلونا
السبيل، كما تبرءوا منا في هذا اليوم
العصيب، ولنشفي غيظنا منهم؛ لأنهم
خذلونا وأوردونا موارد التهلكة والعذاب
الأليم، مثل ذلك الذي رأوه من العذاب،
يريهم الله جزاء أعمالهم حسرات عليهم،
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ١٣١.
مَوَسُولَةُ الَّفي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٢

البراء
أي أن الله يظهر لهم أن أعمالهم كان لها
أسوأ الأثر في نفوسهم؛ لما ورثته فيها
من حسرة وشقاء وخسران، فهي تذهب
وتضمحل، ولن يخرجوا من النار إلى الدنيا
لشفاء كيدهم وغيظهم من رؤسائهم، وهذا
ما يؤكده قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ
مِنَ النَّارِ ﴾ أي: أنهم خالدون في النار ولن
يخرجوا منها أبدًا(١).
(١) انظر: تفسير الشعراوي، ٦٩٦/٢.
الأسلوب القرآني في عرض البراء
نزل القرآن بلسان عربي مبين، على
أفصح العرب وأقومهم لسانًا، وكان القرآن
الكريم هو المعجزة الكبرى للرسول صلى
الله عليه وسلم حیث تحداهم الله أن يأتوا
بمثله، بل أن يأتوا بسورة منه، فهذا القرآن
المعجزة يقف المسلم أمامه منبهرًا، بين
الإعجاز وبين سلاسة الأسلوب وسهولة
العبارة، وسنتعرف على أسلوب القرآن
الكريم في عرض موضوع البراء.
أولًا: أسلوب الطلب:
أساليب الطلب في اللغة تأتي على عدة
صور، منها:
١. صيغة الأمر.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِ بَرِىٌّ مِمَّا
تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦].
أي: إن أبوا قبول دعوتك إلى التوحيد،
ورفضوا ما تدعوهم إليه، فأخبرهم یا محمد
صلى الله عليه وسلم بأنك بريء مما
يعملون(٢).
قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُّدُونَ ) وَلَآ أَنْتُمْ عَيِدُونَ
مَآ أَعْبُدُ (٢) وَلَ أَنْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُمْ وَلَآَ أَنْتُمْ
عَلِدُونَ مَآ أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾
(٢) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٦٨٧/٣.
www. modoee.com
٢٣

حرف الباء
[الكافرون ١-٦].
والمعنى: قل يا محمد صلى الله عليه
وسلم: يا أيها الكافرون، لا أعبد على
الإطلاق ما تعبدون من الأصنام والأوثان،
فلست أعبد آلهتكم بأية حال، والآية تشمل
كل كافر على وجه الأرض، ﴿وَلَآ أَنْتُمْ
عَيِّدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ أي: ولستم أنتم ما دمتم
علی شرککم وکفرکم عابدين الله الذي
أعبد، فهو الله وحده لا شريك له، فهذه
الآيات تنفي الاتحاد في العبادة، والمقصود
من ذلك المبالغة التامة في البراءة من
معبوداتهم الباطلة، ومن عبادتهم الفاسدة.
فنرى السورة الكريمة، قد قطعت كل
أمل توهم الكافرون عن طريقه الوصول
إلى مهادنة النبي صلى الله عليه وسلم ،
وإلى الاستجابة لشيء من مطالبهم الفاسدة،
وإنما هو صلى الله عليه وسلم بريء براءة
تامة منهم ومن معبوداتهم وعباداتهم(١).
قال تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّيِ عَمَلِ
وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِّقُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ
مِّمَا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١].
أي: أخبرهم بأنهم لا يؤاخذون بعملك
ولا تؤاخذ أنت بعملهم، فهم بريئون منك
وأنت بريء منهم (٢).
(٢)
(١) انظر: التفسير الوسيط، محمد طنطاوي
٠٥٢٦/١٥
(٢) انظر: تفسير المراغي ١١/ ١١٠.
مُوَسُولَةُ التَّقِيَة
جوبيبو
القرآن الكريم
٢. صيغة النهي.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ
عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الممتحنة: ١].
المصدقون بالله تعالى
يا أيها
آی:
ورسوله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا
عدوي وعدوكم أنصارًا وأصدقاءً وأعوانًا
لكم، بل لابد أن تتبرؤوا منهم ومن
أعمالهم(٣).
وبنفس المعنى في قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ
أَوْلِيَآءَ إِنِ اسْتَحَبُّواْ أَلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنِ﴾
[التوبة: ٢٣].
ثانيًا: أسلوب الخبر:
قال تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ إِِّ بَرِىٌّ مِّنَا
تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨].
بعدما تعرف إبراهيم عليه السلام على
الإله الحق، أخبر قومه بأنه بريء من کل
الآلهة التي يعبدونها من دون الله تعالى (٤).
﴿ فَلَمَّا تَرَآءَتِ اَلْفِشَتَانِ
قال تعالى:
نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّ بَرِىٌّ مِّنكُمْ﴾
[الأنفال: ٤٨].
أي: فلما رأی إبليس الملائكة ﴿ذَكَصَ
عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِ بَرِىٌّ مِنكُمْ﴾(٥).
(٣) انظر: أوضح التفاسير، الخطيب ٦٨٠/١.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٢٦٢.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، محمد طنطاوي
٢٤

البراء
ومن الأساليب الخبرية ما يكون مؤكدًا ومقابلة الأقوال ومناقشتها حتى تقع الغلبة،
فأتنا بما تعدنا به من العذاب والهلاك المعجل
بإن، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيُمُ لِأَبِهِ
وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:
٢٦].
في الدنيا، إن كنت صادقًا في ادعائك أن الله
يعذبنا على عصيانه في الدنيا قبل الآخرة،
أي: بريء مما تعبدون من أصنام لا أجاب نوح قومه عن اتهامه بكثرة الجدال
أعبدها (١).
وبنفس المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا
هُوَ إِلَهٌ وَجِدٌ وَإِنَِّ بَرِئَةٌ بِمَ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:
١٩].
وقوله تعالى: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ»
إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ
الْمُشْرِكِينُ وَرَسُولُهُ,﴾.
ثالثًا: أسلوب الحوار:
١. حوار نوح عليه السلام مع قومه.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا
فَأَكْثَرَّتَ جِدَلَنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ
الصَّدِقِينَ ﴿ قَالَ إِنَّمَا يَأْنِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ
أَنْتُم بِسُعْجِينَ ) وَلَا يَفَعُّكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ
أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنٌَّ قُلْ
إِنِ أَفْتَر ◌ْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِ وَأَنَا بَرِىٌّ مِّمَّا تُحْرِمُونَ
﴾ [هود: ٣٢ -٣٥].
٣٥
والمعنى: قال قوم نوح له: قد طال منك
هذا الجدال، وهو المراجعة في الحجة
١١٩/٦.
(١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٦٣٥
قائلًا: ليس إنزال العذاب أو العقاب بيدي،
وليس لي توقيته، وإنما ذلك بيد الله، وهو
الآتي به إن شاء وإذا شاء، ولستم من المنعة
بحال من يفلت أو يعتصم لتنجوا، وإنما أنتم
في قبضة القدرة الإلهية، وتحت سلطان
الملك الإلهي، وليس نصحي بنافع، ولا
إرادتي الخیر لکم مغنیة إذا كان الله تعالی قد
أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك، الله
ربكم، أي خالقكم والمتصرف في أموركم،
وهو الحاكم العادل الذي لا يجور، وإليه
ترجعون في الآخرة، فيجازيكم بما كنتم
تعملون في هذا العالم من خير أو شر (٢).
٢. حوار إبراهيم عليه السلام مع
أبيه وقومه.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِّرَهِيمٌ لِأَبِيهِ ءَازَرَ
أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةٌ إِنّْ أَرَنِكَ وَقَوْمَكَ فِى
وَكَذَلِكَ نُرِىّ ◌ِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ
٧٤
ضَلَلٍ مُِّينِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ أَلَّيْلُ رَءَا كَوَكَبَاً قَالَ هَذَا رَبِيِّ
فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَّا أُحِبُّ الْآَخِلِينَ ﴿ فَلَمَّا
(٢) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ٢/ ١٠٤٠،
تفسير الشعراوي ١١ / ٦٤٤٨.
www. modoee.com
٢٥

حرف الباء
رَءَا الْقَمَرَ بَاِفًا قَالَ هَذَا رَبِّيٌّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيْن
أَمْ يَهْدِنِ رَبِّي لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِينَ
فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِي هَذَا
أَكْبَرٌ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِّ بَرِىٌّ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٤ - ٧٨].
والمعنى: اذكر أيها النبي حين قال
إبراهيم عليه السلام لأبيه آزر: أتتخذ هذه
الأصنام والأوثان الجمادات آلهة، تعبدها
من دون الله، مع أن الله هو الذي خلقها
وخلقك، فهو المستحق للعبادة دونها، إني
أراك وقومك الذين يعبدون هذه الأصنام في
ضلال واضح، أي تائهین حیاری جهلاء،
وأي ضلال أوضح من عبادتكم صنما من
حجر أو شجر أو معدن، تنحتونه بأیدیکم،
ثم تعبدونه وتقدسونه، ثم أوضح الله
تعالى ما رآه إبراهيم من ملكوت السماوات
والأرض، أي تبيان وجه الدلالة في خلقهما
على وحدانية الله في ملكه وخلقه، فلما
أظلم عليه الليل، رأى كوكبًا عظيمًا متميزًا
عن سائر الكواكب پإشراقه ولمعانه، وهو
كوكب المشتري أو الزهرة، فقال موهمًا
قومه في مقام المناظرة والحجاج: هذا ربي،
على سبيل الفرض.
فلما غرب هذا الكوكب، قال إبراهيم: ما
هذا بإله، ولا أحب ما يغيب ويختفي؛ لأن
للإله السيطرة على الكون، فكيف يغيب
الإله ويستتر، ثم انتقل إبراهيم من إبطال
ألوهية الكوكب إلى إبطال ألوهية القمر
الأكثر إضاءة، فلما رأى القمر بازغًا طالعًا
عم ضوءه الأرض، قال: هذا ربي، فلما
غاب كما غاب الكوكب في الليلة الماضية،
قال إبراهيم مسمعًا قومه: ما هذا أيضًا بإله،
ولئن لم يهدني ربي ويوفقني لإصابة الحق
في توحيده، لأكونن من القوم الضالين
المخطئين الطريق، فلم يصيبوا الهدى،
وعبدوا غیر الله.
ولما رأى إبراهيم الشمس بازغة
طالعة، وهي أعظم الكواكب المرئية لنا،
قال إبراهيم: هذا هو الآن ربي، هذا أكبر
من الكواكب والقمر قدرًا، وأعظم ضوءًا
ونورًا، فلما غابت الشمس کما غاب غيرها،
صرح إبراهيم بعقيدته، وتبرأ من شرك
قومه، قائلًا: إني توجهت في عبادتي الخالق
الأرض والسماء، وخالق هذه الكواكب،
إني بريء مما تشركون، باتخاذ إله آخر مع
الله، وإنما أعبد خالق هذه الأشياء ومدبرها
الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل
شيء. ومثل إبراهيم لقومه بهذه الأمور؛
لأنهم كانوا أصحاب علم نجوم ونظر في
الأفلاك، قال إبراهيم: إني أقبلت بقصدي
وعبادتي وتوحيدي وإيماني
أبدع
للذي
السماوات (١).
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٥٩/٧.
٢٦
جوب
القرآن الكريم