Indexed OCR Text

Pages 41-50

الأنهار
هذه المعاني: ﴿وَكَ الَّذِىِ بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى تعالى: ﴿فَلَمَّا كُنْشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَّكُمْ يَنْكُثُونَ ﴾[الزخرف: ٥٠].
أَبُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك:
١- ٢].
ومن مظاهر سنة الابتلاء: ابتلاء الله
لفرعون بجريان الأنهار من تحت قصوره،
وقد تحدثت بعض آيات القرآن الكريم
عن هذا النوع من الابتلاءات، قال تعالى:
﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ بَقَّوْمِ أَلَیْس لِ
مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَّجْرِى مِن تَحْنِىّ أَفَلاَ
تَبَصِرُ
[الزخرف: ٥١].
٥١
يقول تعالى مخبرًا عن فرعون وتمرده
وعتوه و کفره وعناده، أنه جمع قومه فنادی
فيهم متبجحًا مفتخرًا بملك مصر وتصرفه
فيها أليس لي ملك مصر ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ
تجرى مِن تحتى﴾ أي: أفلا ترون ما أنا فيه من
العظمة والملك، يعني: وموسى وأتباعه
فقراء ضعفاء (١).
﴿مِن تَحْتِيَ﴾ أي: من تحت قصري.
﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أعميتم عن مشاهدة
ذلك.(٢) ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ ﴾ قیل:
لما رأى تلك الآيات، وهي الآيات التسع
التي ذكرها في سورة الإسراء وغيرها،
استجاب الله بعد تكذيبه بها دعاء موسى،
وهو المشار إليه قبل هذه الآية في قوله
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢١٢/٧.
(٢) الموسوعة القرآنية، لإبراهيم بن إسماعيل
الأبياري، ١١ /١٥٥.
خاف ميل القوم إلى موسى، فجمعهم
ونادى بصوته فيما بينهم أو أمر مناديًا
ينادي بقوله: يا قوم أليس لي ملك مصر؟
لا ينازعني فيه أحدٌ ولا يخالفني مخالفٌ
﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَّجْرِى مِن تَحْتِيَ﴾ أي: من
تحت قصري، والمراد: أنهار النيل.
وقال قتادة: المعنى: تجري بين يدي.
وقال الحسن: تجري بأمري، أي: تجري
تحت أمري(٣).
لما رأى الملأ من قوم فرعون الآيات
تترى عليهم، وسخط ربك حالاً بهم:
قال: ﴿يَأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩]، قيل: هو
خطاب تعظيم عندهم ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ
عِندَكَ ﴾ من النبوة لئن كشفت عنا العذاب
الذي نزل بنا لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى
إسرائيل، وإننا لمهتدون إلى الصواب، وإلى
الحق الذي تدعو إليه، فلما كشفنا عنهم
العذاب، فاجأوا الكشف عنهم بأنهم ينكثون
العهود وينقضون المواثيق.
هذا ما كان من أمر القوم وخاصة الملأ
منهم، أما فرعون ملك مصر فها هي ذي
أعماله: ونادى فرعون في قومه بأن جمعهم
في مكان واحد كالسوق مثلًا، أو جمع
أشرافهم وهم بلغوا عنه فكأنه نادى فيهم
(٣) فتح القدير، الشوكاني، ٤/ ٦٤٠ .
www. modoee.com
١٢٩

حرف الألف
جميعا، فماذا قال؟ قال: يا قوم أليس لي جحدوا انفراد الله بالإلهية، أو جحدوا
ملك مصر؟ استفهام المراد منه التقرير، أي: إلاهيته أصلًا، وانتقامًا أيضًا لبني إسرائيل؛
قروا بما تعرفونه من أنی ملك مصر.
وهذهالأنهار-فروع نهر النيل-تجری من
تحتي، وتسیر بأمری، وأنا صاحب التصرف
في كل ما ينتج عن جريها من مزروعات
وغيرها. وعلى أنها كانت تجری من تحت
قصره، ﴿أفلا تُصِرُونَ ﴾ تلك الحقائق؟ بل
تبصرون أني أنا خير من هذا الذي هو فقير
وضعيف(١).
ومن المعلوم أن التاريخ تحكمه سنن
الله الكونية، ومن لم يفقه هذه السنن لا يفقه
التاريخ، إذن فالتاريخ ليس أحداثًا تتعاقب،
بقدر ما هو أسباب تنتج عنها نتائج بإذن
ربها، حينئذ ندرك طرفًا من مقصود الآيات
التي تتحدث عن هلاك فرعون وجنوده
غرقًا، بعد أن شق الله سبحانه وتعالى البحر
لموسى ومن معه من المؤمنين، فبين الله
سبحانه وتعالى وقيعتهم المأساوية حيث
أغرقوا جميعًا فترکوا دیارهم، وما تزخر به
من أسباب الرفاهية والسعادة.
قال تعالى: ﴿ فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِی
أَلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَدِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ
﴾ [الأعراف: ١٣٦]
١٣٦
وكان إغراقهم انتقامًا من الله لذاته لأنهم
(١) التفسير الواضح، ٣٩٩/٣، لمحمد محمود
حجازي، نشر: دار الجيل الجديد، بيروت،
الطبعة: العاشرة، ١٤١٣ هـ.
لأن فرعون وقومه ظلموا بني إسرائيل
وأذلوهم واستعبدوهم باطلًا.
والإغراق: الإلقاء في الماء المستبحر
الذي یغمر الملقى فلا يترك له تنفسًا، وهو
بيانٌ للانتقام وتفصيلٌ لمجمله، فيكون
المعنى: فأردنا الانتقام منهم فأغرقناهم،
واليم: البحر والنهر العظيم، والمراد به هنا
بحر القلزم، المسمى في التوراة بحر سوف،
وهو البحر الأحمر. وقد أطلق (اليم) على
نهر النيل في قوله تعالى: ﴿ أَنِ آقْذِفِیهِ فِی
التَّابُوتِ فَأَقْذِفِيهِ فِ الْيَمْ فَلْيُلْقِهِ آلْيَمُ﴾ [طه: ٣٩].
وقوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى
اَلْيَمِ﴾ [القصص ٧].
فالتعريف في قوله: اليم هنا تعريف
العهد الذهني عند علماء المعاني المعروف
بتعريف الجنس عند النحاة؛ إذ ليس في
العبرة اهتمامٌ ببحرٍ مخصوصٍ ولكن بفردٍ
من هذا النوع (٢)
.
ومن هنا بعدما اقتحم فرعون بفرسه
الطريق الذي شقه الله لموسى في البحر،
ولما خرج موسى بقومه إلى الشاطىء
الشرقي أطبق الله البحر على فرعون
وجنوده فكانوا من المغرقين، لقد ذهب
كل هذا مع غمضة عين، وهو الآن كالريشة
(٢) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، ٧٥/٩.
١٣٠
القرآن الكريم

الأنهار
في بحر متلاطم، لقد خلع من فكرة عظمة جثة فرعون وهو ذليل صاغر، هذا في الدنيا،
الملك وترفع السلطان، ونسي كل العز وفي الآخرة النار والعذاب الأليم ﴿يَقْدُمُ
قَوْمَهُ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ
الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴾
﴾ [هود: ٩٨].
الذي رآه بهذه اللحظات الحالكة، كأنه لم
يعش بين الرياشي وفاخر الأثاث، والإحاطة
فهو الزعيم علیھم حین کان ملكًا،
وسيكون زعيمهم يرد بهم النار يوم القيامة،
فتعسًا لهذا الزعيم وتعسًا لأتباعه المضلين ..
وهکذا مصیر أتباع کل زعیم ضال (١).
بالأتباع والجنود لحظة واحدة، إنه رهين
الحالة القاتلة رهين الغرق، ضعف ما بعده
ضعف، فعاد سريعًا إلى ما خبأته الذاكرة
من دعوة موسى وأنها الحق، لكنه كان قد
عاند وكابر، والآن حصص الحق، وينبغي
أن تظهر الحقيقة وألا تضيع في خضم العناد
فصرخ بأعلى صوته ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا
الَّذِىّ ◌َمَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[يونس: ٩٠].
الآن أيها الطاغية .. أيها الفرعون .. ولو
قلتها قبل ذلك لكان لك شأن آخر، ﴿ءَالْتَنَ
وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[يونس: ٩١].
الآن وبعد سنين طويلة من الصد
والجدال، والتكبر والغطرسة والتقتيل
والصلب تعلنها، وقد اعترفت بالضعف
الإنساني، وأنه لا حول لك ولا قوة، وأن الله
جلت قدرته هو القوي الخالق هو المعبود
بحق، ثم كان الفصل من الله ﴿فَلْيَوْمَ تُنَجِّكَ
بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ وَ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ
النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ ﴾ [يونس: ٩٢].
وطفت جثة فرعون فوق الماء، و جرفتها
الأمواج نحو الساحل، ورأى المستضعفون
الواقع أن أي نوع من العقوبة فیه آیةٌ على
القدرة، وفیہ تنکیل بمن وقع بهم، ولکن
تخصیص کل أمةٍ بما وقع عليها يثير تساؤلًا،
ولعل مما يشير إليه القرآن إشارةً خفيفةً هو
الآتي.
أما فرعون، فقد كان يقول: ﴿أَلَيَسَ لِى
مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اَلْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْمِىٌ﴾
[الزخرف: ٥١].
فلما كان يتطاول بها جعل الله هلاكه
فيها، أي: في جنسها(٢).
وفي هذا يتبين لنا أن الله ابتلى فرعون
بابتلاءات عدة، والتي كان منها جريان
الأنهار من تحت قصوره، لكنه لم ينجح
في کل هذه الابتلاءات، وقدر الله أن يكون
بلاؤه بالوسيلة التي كان يتكبر بها ﴿وَنَادى
فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيَّسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ
وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِىٍ مِن تَحْنِىَّ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
قصص القرآن الكريم في سيرة سيد
(١)
المرسلين، لمحمد منير الجنباز ص ١٧٧ .
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٥٩/٨.
www. modoee.com
١٣١

حرف الألف
﴾ [الزخرف: ٥١].
ثالثًا: ابتلاء الله للأمم الهالكة بالأنهار:
إن سنة الله لا تحابي أحدًا، وليس لفردٍ
ولا لمجتمع حصانة ذاتيةٌ، وحين تقصر أمةٌ
في توقي أسباب المصائب العامة، فإن عليها
أن تتقبل نتيجة التقصير، والسعيد من اتعظ
بغيره، والغافل من غفل عن نفسه حتى وعظ
به غيره، وليست أمةٌ بمنأى عن العذاب إذا
عقدت أسبابه، ولا في مأمنٍ من العقاب إن
سلكت سبيله وفتحت للذنب أبوابه، ولذلك
أكثر الله تعالى من وعظ هذه الأمة بمصارع
الأمم الغابرة، وحذر الآمنين من مكره الذين
لا يقدرون الله حق قدره، ولا يقفون عند
نهيه وأمره.
قال تعالى: ﴿ظَهَرَ أَلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى
عَيِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(١)﴾ [الروم: ٤١].
ومن مظاهر الابتلاء التي لها صلة
بالأنهار في القرآن الكريم: ابتلاء الله للأمم
الهالکة بهذه الأنهار.
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿أَم
يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْزِ مَكَّنَّهُمْ فِى
اَلْأَرْضِ مَا لَوْ نُمَكِّنْ لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءُ عَلَيْهِم
مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن ◌َّمْهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم
◌ِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَا ءَاخِرِينَ ﴾
[الأنعام: ٦].
قال الشوكاني: القرن يطلق على أهل
كل عصرٍ، سموا بذلك لاقترانهم، أي: ألم
يعرفوا بسماع الأخبار ومعاينة الآثار كم
أهلكنا من قبلهم من الأمم الموجودة في
عصرٍ بعد عصرٍ لتكذيبهم أنبياءهم. وقيل:
القرن مدةٌ من الزمان. وهي ستون عامًا
أو سبعون أو ثمانون أو مائةٌ على اختلاف
الأقوال، ... مكن له في الأرض: جعل
له مكانًا فيها، ومكنه في الأرض: أثبته
فيها، ... أي: مكناهم تمكينًا لم نمكنه لكم،
والمعنى: أنا أعطينا القرون الذين هم قبلكم
ما لم نعطكم من الدنيا وطول الأعمار وقوة
الأبدان وقد أهلكناهم جميعًا. فإهلاككم
-وأنتم دونهم- بالأولى.
قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَآَةُ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا
يريد المطر الكثير، والمدرار: صيغة مبالغةٍ
تدل على الكثرة، وجريان الأنهار من تحتهم
معناه: من تحت أشجارهم ومنازلهم، أي:
أن الله وسع عليهم النعم بعد التمكين لهم
في الأرض فكفروها، فأهلكهم الله بذنوبهم
وأنشأنا من بعدهم، أي: من بعد إهلاكهم
قرنًا آخرین فصاروا بدلًا من الهالكين، وفي
هذا بيانٌ لكمال قدرته سبحانه وقوة سلطانه
وأنه يهلك من يشاء ويوجد من يشاء(١).
قال تعالى واعظًا للمشركين المعاندين
ومحذرًا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال
(١) فتح القدير، الشوكاني، ١١٦/٢.
١٣٢
جوبي
القرآن الكْرِيْمِ

الأنهار
الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم، من التي يبنونها على ضفافه، أو في الجنات
والحدائق التي تتفجر خلالها، فيتمتعون
بالنظر إلى جمالها، وبسائر ضروب الانتفاع
گَمْ
من أمواهها.
القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوةً،
وأكثر جمعًا وأكثر أموالًا وأولادًا واستغلالًا
للأرض، وعمارةً لها، فقال:
أَهْلَكَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَّكُمْ﴾ أي: من الأموال والأولاد
والأعمار، والجاه العريض والسعة والجنود،
ولهذا قال: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَآَةُ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا ﴾
أي: شيئًا بعد شيءٍ ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى
مِن تَحْهِمْ﴾ أي: أكثرنا عليهم أمطار السماء
وينابيع الأرض، أي: استدراجًا وإملاءً
لهم ﴿فَأَهْلْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي: بخطاياهم،
وسيئاتهم التي اجترحوها(١).
﴿وَجَعَلْنَا أَلْأَنْهَرَ تَّجْرِى مِن غَهِمْ﴾ أي:من
تحت أمكنتهم، والمراد أنهم: أصحاب
البساتين والقصور والمنتزهات(٢).
قال القرطبي: والمعنى: وسعنا عليهم
النعم فكفروها. ﴿فَأَهْلَكَتَهُمْ يِذُنُوبِمْ﴾ أي:
بكفرهم فالذنوب سبب الانتقام وزوال
النعم. ﴿وَأَنْشَأَنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَا ءَاخَرِينَ﴾
أي: أوجدنا، فليحذر هؤلاء من الإهلاك
أيضًا(٣).
أي: وسخرنا لهم الأنهار وهي مجاري
المياه الفائضة وهدیناهم إلى الاستمتاع بها
بجعلها تجري دائمًا من تحت مساكنهم
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٥/٣.
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري ٥١/٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٣٩٢ .
﴿فَأَهْلَكْتَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَا
ءَاخَرِينَ﴾ أي: فكان عاقبة أمرهم لما كفروا
بتلك النعم و كذبوا الرسل أن أهلكنا كل قرنٍ
منهم بسبب ذنوبهم التي كانوا يقترفونها.
﴿وآنشَأْنًا﴾ أي: أو جدنا من بعد الهالكين من
کلٍ منهم قرنًا آخرین یعمرون البلاد ویکونون
أجدر بشكر نعم الله عليهم فيها (٤).
قال الرازي: ((اعلم أنه تعالى رتب أحوال
هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب:
فالمرتبة الأولى: كونهم معرضين عن
التأمل في الدلائل : والتفكر في البينات.
والمرتبة الثانية: کونھم مکذبين بها،
وهذه المرتبة أزيد مما قبلها؛ لأن المعرض
عن الشيء قد لا یکون مکذبًا به، بل یکون
غافلا عنه غیر متعرض له فإذا صار مكذبًا به
فقد زاد على الأعراض.
والمرتبة الثالثة: ونهم مستهزئین بها؛ لأن
المکذب بالشيء قد لا یبلغ تكذيبه به إلى
حد الاستهزاء، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد
بلغ الغاية القصوى في الإنكار فبين تعالى
أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب
(٤) تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا ٧/ ٢٥٧.
www. modoee.com
١٣٣

حرف الألف
الثلاثة على هذا الترتيب (١).
وقد وصف الله أولئك المهلكين بسبب
اجتراحھم للسیئات بصفات ثلاث لم تتوفر
للمشركين المعاصرين للنبي صلى الله عليه
وسلم.
وصفهم أولًا بأنهم کانوا أوسع سلطانًا،
وأكثر عمرانًا، وأعظم استقرارًا، كما يفيده
قوله تعالى ﴿مَكَّنَّهُمْ فِ اُلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن
قال صاحب الكشاف: ((والمعنى: لم
نعط أهل مكة نحو ما أعطينا قوم عاد وثمود
وغيرهم من البسطة فى الأجسام، والسعة في
الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا))(٢).
ووصفهم-ثانیًا- بأنهم کانوا أرغد عيشًا،
وأسعد حالًا، وأهنا بالًا، يدل على ذلك قوله
تعالى:
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَلَهُ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾ أي: أنزلنا
عليهم المطر النافع بغزارة و کثرة، وعبر عنه
بالسماء لأنه ينزل منها.
بالمياه الكثيرة التى يسيرون مجاريها كما
يشاءون، فيبنون مساكنهم على ضفافها.
ويتمتعون بالنظر إلى مناظرها الجميلة، كما
يرشد إليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ
تَجْرِى مِن ◌َِّهِمْ﴾ أي: صيرنا الأنهار تجري
من تحت مساكنهم.
ولكن ماذا كانت عاقبة هؤلاء المنعمين
بتلك النعم الوفيرة التي لم تتيسر لأهل مكة؛
كانت عاقبتهم-كما أخبر القرآن عنهم-
﴿فَهْلَكَْهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَ مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا
ءَاخِرِينَ﴾ أي: فكفروا بنعمة الله وجحدوا
فأهلكناهم بسبب ذلك؛ إذ الذنوب سبب
الانتقام وزوال النعم(٣).
إنها حقيقة ينساها البشر -إلا من عصم
الله-وعندئذ ينحرفون عن عهد الله وعن
شرط الاستخلاف؛ ويمضون على غير
سنة الله؛ ولا يتبين لهم في أول الطريق
عواقب هذا الانحراف، ويقع الفساد رويدًا
رويدًا،وهم ينزلقون ولا يشعرون، حتى
يستوفي الكتاب أجله؛ ويحق وعد الله، ثم
تختلف أشكال النهاية: مرة یأخذهم الله
بعذاب الاستئصال-بعذاب من فوقهم أو من
تحت أرجلهم كما وقع لكثير من الأقوام،
ومرة يأخذهم بالسنين ونقص الأنفس
ووصفهم- ثالثًا- بأنهم كانوا منعمين والثمرات كما حدث كذلك لأقوامومرة
يأخذهم بأن يذيق بعضهم بأس بعض؛
فيعذب بعضهم بعضًا، ويدمر بعضهم بعضًا،
ويؤذي بعضهم بعضًا، ولا يعود بعضهم
يأمن بعضًا؛ فتضعف شوكتهم في النهاية؛
ويسلط الله عليهم عبادًا له-طائعين أو
(١) مفاتيح الغيب، للفخر الرازي ١٢/ ١٣٠.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٨/٢.
(٣) التفسير الوسيط، لمحمد سيد طنطاوي
٣٩/٥.
١٣٤
مُوسُوبَةُ الَّيـ
القرآن الكريمِ

الأنهار
عصاة-يخضدون شو کتهم، ويقتلعونهم مما
مكنوا فيه؛ ثم يستخلف الله العباد الجدد
لیبتلیهم بما مکنهم.
وهكذا تمضي دورة السنة، السعيد من
وعى أنها السنة، ومن وعى أنه الابتلاء؛
فعمل بعهد الله فيما استخلف فيه، والشقي
من غفل عن هذه الحقيقة، وظن أنه أوتیها
بعلمه، أو أوتيها بحيلته، أو أوتيها جزافًا بلا
تدبیر!(١)
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ١٠١٠.
لمسات إعجازية في الأنهار
المقصود باللمسات الإعجازية في
الأنهار: ما يدركه ويتوصل إليه العلماء
المتخصصون من حقائق خاصة بالأنهار،
وقد ألمح القرآن الكريم إليها سابقًا.
اللمسة الأولى:
﴿﴿ وَهُوَ أَلَّذِى مَرَجَ
في قوله تعالى:
الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فَرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أَجَاجٌ وَجَعَلَ
يَتْنَهُمَا بَرْزَنَا وَ حِجْرً تَّحْجُورًا ﴾ [الفرقان: ٥٣].
قال الإمام الطبري: (( يقول تعالى ذكره:
والله الذي خلط البحرين، فأمرج أحدهما
في الآخر، وأفاضه فيه. وأصل المرج
الخلط، ثم يقال للتخلية: مرج؛ لأن الرجل
إذا خلى الشيء حتى اختلط بغيره، فكأنه قد
مرجه.
وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في
معنى قوله، دون القول الذي قاله من قال:
معناه: إنه جعل بينهما حاجزًا من الأرض
أو من الييس؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر في
أول الآية أنه مرج البحرين، والمرج: هو
الخلط في كلام العرب على ما بينت قبل،
فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات
من البحرين، والملح الأجاج أرضًا أو يبسًا
لم يكن هناك مرج البحرين، وقد أخبر
جل ثناؤه أنه مرجهما، وإنما عرفنا قدرته
بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا
www. modoee.com
١٣٥

حرف الألف
الطبيعية والإحيائية عن النهر وعن البحر،
العذب الفرات، مع اختلاط كل واحد منهما
بصاحبه. فأما إذا كان كل واحد منهما في رغم تداخل المياه وتحركها بينهما، بحسب
حیز عن حيز صاحبه، فليس هناك مرج،
ولا هناك من الأعجوبة ما ينبه عليه أهل
الجهل به من الناس، ويذكرون به، وإن كان
كل ما ابتدعه ربنا عجيبًا، وفيه أعظم العبر
والمواعظ والحجج البوالغ(١).
أي: وهو وحده الذي مرج البحرين
يلتقيان البحر العذب وهي الأنهار السارحة
على وجه الأرض والبحر الملح وجعل
منفعة كل واحد منهما مصلحة للعباد،
﴿وَجَعَلَ يَتْنَهُمَا بَرْزَنَا﴾ أي: حاجزًا يحجز من
اختلاط أحدهما بالآخر فتذهب المنفعة
المقصودة منها ﴿وَحِجْرًا تَحْجُورًا﴾ أي:
حاجزًا حصينًا (٢).
هذا عذب فراتٌ بالغ العذوبة، وهذا ملح
أجاجٌ بالغ الملوحة والمرارة، وجعل بينهما
برزخًا حائلًا، ﴿وَحِجْرًا تحجُورًا﴾ أي وسترًا
مستورًا يمنع أحدهما من الاختلاط
بالآخر(٣).
الحقيقة العلمية التي لها صلة بالآية:
بعد مسح لعدد كبير من مناطق اللقاء
بين الأنهار والبحار، اكتشف الباحثون أن
منطقة المصب بيئة متميزة، في صفاتها
(١) جامع البيان، ابن جرير الطبري ١٩/ ٢٨١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٨٥.
(٣) الموسوعة القرآنية، لإبراهيم الأبياري
١٠ / ٤٢١.
مد البحر وجزره، وفيضان النهر وجفافه،
وكأن حاجزًا يفصل بيئة المصب عن بيئة
النهر وبيئة البحر، ويحافظ على هذه المنطقة
بخصائصها المميزة، رغم عوامل المزج،
كالمد والجزر وحالات الفيضان والانحسار
التي تعتبر من أقوى عوامل المزج.
وبتصنيف البيئات الثلاث، باعتبار
الكائنات الحية التي تعيش فيها تعتبر منطقة
المصب حجر على معظم الكائنات الحية
التي تعيش فيها، لأن هذه الكائنات لا
تستطيع أن تعيش إلا في منطقة المصب ذات
الخصائص المميزة، وهي في نفس الوقت
منطقة محجورة على معظم الكائنات التي
تعيش في البحر والنهر؛ لأن هذه الكائنات
تموت إذا دخلتها بسبب اختلاف خصائصها.
وجه الإعجاز في الآية الكريمة:
كل تجمع مائي يمكن أن يسمى بحرًا،
والبحر العذب الفرات أو شديد العذوبة
هو النهر، والبحر الملح الأجاج أو شديد
الملوحة هو المحيط أو البحر المالح، وبهذا
خرج ماء المصب؛ لأنه مزيج بين الملوحة
والعذوبة فلا ينطبق عليه وصف عذب فرات
ولا ملح أجاج، وبهذه الأوصاف تحددت
حدود الكتل المائية الثلاث: ماء النهر،
وماء البحر، وبينهما ماء منطقة المصب التي
١٣٦
مَوَسُولُ النَّسيّة
القرآن الكريم

الأنهار
وصفت في الآية الكريمة بكونها برزخًا أو أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [النمل: ٦١].
جاء في تفسير هذه الآية: أي: قارةً ساكنةً
ثابتةً، لا تميد ولا تتحرك بأهلها، ولا ترجف
بهم، فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها
العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته
مهادًا بساطًا، ثابتةً لا تتزلزل ولا تتحرك.
حاجزًا يمنع طغيان صفة ملوحة البحر على
النهر أو عذوبة النهر على البحر، وميزت بيئة
المصب بأنها حجر على ما فيها من كائنات
حية محجورة على ما يعيش خارجها في النهر
أو البحر، وهذا يعني تمايز البيئات الثلاث
في الصفات الطبيعية وفي الكائنات الحية.
ويشهد التطور التاريخي في سير علم البحار
بعدم وجود معلومات دقيقة عن البحار قبل
١٤٠٠ عام، ومع ذلك وصف القرآن الکریم
بدقة منطقة مصبات الأنهار، فبين أنها بيئة
متميزة في خصائصها الطبيعية والإحيائية
عن بيئة النهر وبيئة البحر وكشف أنه رغم
تداخل المياه وتحركها الدائم في اتجاه
البحر تظل تلك الخصائص ثابتة، فمن أين
تلك المعرفة في القرآن بلا تقنية وأدوات
علمية إن لم یکن من عند الذي أحاط بكل
شيء علمًا (١).
اللمسة الثانية:
في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ
قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَا رَوَسِيَ
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًاْ أَِلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ
(١) مقال علمي بعنوان: مصبات الأنهار، على
الشبكة العنكبوتية للإنترنت، موقع: الهيئة
العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة،
http:
رابط : .www.eajaz.org /index//
php /Scientific. Miracles /Earth. and.
Estuaries ، ... / Marine: Sciences
﴿وَجَعَلَ خِلَلَهَآ أَنهارًا﴾ أي: جعل فيها
الأنهار العذبة الطيبة، شقها في خلالها،
وصرفھا فیھا ما بین أنھارٍ کبارٍ وصغارٍ
وبين ذلك، وسيرها شرقًا وغربًا وجنوبًا
وشمالًا، بحسب مصالح عباده في أقاليمهم
وأقطارهم، حيث ذرأهم في أرجاء الأرض،
وسير لهم أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه.
﴿وَجَعَلَ لَا رَوَسِ﴾ أي جبالًا شامخةً
ترسي الأرض وتثبتها؛ لئلا تميد بهم.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَ اَلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾
أي: جعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزًا،
أي: مانعًا يمنعها من الاختلاط لئلا يفسد هذا
بهذا، وهذا بهذا، فإن الحكمة الإلهية تقتضي
بقضاء كل منها على صفته المقصودة منه،
فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة
الجارية بين الناس، والمقصود منها: أن
تکون عذبةً زلالًا يسقى الحيوان والنبات
والثمار منها.
والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء
والأقطار من كل جانبٍ، والمقصود منها أن
يكون ماؤها ملحًا أجاجًا؛ لئلا يفسد الهواء
www. modoee.com
١٣٧

حرف الألف
بريحها(١).
موضوعات ذات صلة:
الإسراف، الاقتصاد، الزكاة، المال، المن
وقال الزحيلي: جعل الأرض مستقرًا
للإنسان وغيره، لا تميد ولا تتحرك بأهلها،
وجعل فيها الأنهار العذبة الطيبة لسقاية
الإنسان والحيوان والنبات، وجعل فيها
جبالًا ثوابت شامخة ترسي الأرض وتثبتها
لئلا تميد بكم، وجعل بين المياه العذبة
والمالحة حاجزًا، أي: مانعًا يمنعها من
الاختلاط، لئلا يفسد هذا بذاك، لتبقى الغاية
من التفرقة بينهما متحققة، فإن الماء العذب
الزلال السقي الإنسان والحيوان والنبات
والثمار، والماء المالح في البحار؛ ليكون
مصدرًا للأمطار، وليبقى الهواء فوقه نقيًا
صافيًا لا يفسد بالرائحة الكريهة التي تحدث
عادة في تجمعات المياه العذبة(٢).
يحدث أحيانًا أن ينشأ النهر في أرض
ممهدة، قبل تكون سلسلة الجبال بعدة
ملايين من السنين، وبعد أن تنتصب الجبال
يستمر النهر في تحد غريب، في تعميق
مجراه قاطعًا السلسلة الجبلية، وتشير الآية
القرآنية إلى تلك الحالة إشارة معجزة:
تأمل الترتيب البديع؛ من قرار الأرض،
إلى خلق الأنهار، إلى نشأة الجبال الرواسي،
ثم تكوين الحاجز بين البحرين(٣).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٨٣/٦.
(٢) التفسير المنير، الزحيلي، ٢٠/ ١٢.
(٣) مقال بعنوان: الأنهار في القرآن، لحسني
حمدان، على الشبكة العنكبوتية للإنترنت،
موقع: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في
القرآن والسنة، رابط : .http: //www.eajaz
org /index.php /Scientific.
Miracles /
Sciences
،٢٠٠ /Earth. and. Marine
Estuaries
١٣٨
جوية
القرآن الكْرِيْمِ