Indexed OCR Text

Pages 41-60

أهلالكتاب
الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٥)﴾
١٧١].
وقوله: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ
فِي دِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ
قَوْمٍ قَدْ ضَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا
[المائدة:
وَضَلُّواْ عَن سَوَآَهِ السَّبِيلِ
٧٧].
كما بين القرآن الكريم نوعًا من غلو أهل
الكتاب في العبادة، وابتداعهم الرهبانية، في
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَتِنَا عَلَى ءَاتَرِهِمْ بِرُسُلِمَا
وَقَقَّيْنَا بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمٌ وَءَاتَّيْنَئِهُ الْإِنْجِيلَ
وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ أَتَّعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ
وَرَهْبَانِيَةٌ أَبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلََّ آبْتِغَآءَ
رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَارَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَاتَيْنَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
٢٧
[الحديد: ٢٧].
وبالنظرة الإجمالية في هذه الآيات نلحظ
ما يلي:
بين القرآن الكريم غلو أهل الكتاب في
دينهم، ودعاهم إلى تركه، والعودة إلى الحق
ونهج الوسطية والاعتدال في الاعتقاد.
﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِى
دِينِكُمْ﴾ أي: ((لا تغلوا في دينكم
فتتجاوزوا الحدود التي حدها الله لكم،
فإن الزيادة في الدین کالنقص منه، كلاهما
مخرج له عن وضعه))(١).
(١) تفسير المنار، رضا ٦/ ٦٧.
[النساء:
ولذا قال تعالى في الآية الثانية: ﴿وَضَلُّواْ
عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾، أي: عن الإسلام،
فالإسلام هو سواء السبيل؛ أي: وسطه الذي
لا غلو فيه، ولا تفريط(٢).
فالنصارى غلوا في عيسى عليه السلام
وأمه حتى جعلوهما إلهين من دون الله،
واليهود كفروا بعيسى عليه السلام ورموا أمه
بالفاحشة، فاليهود والنصارى في المسيح
وأمه على طرفي نقيض، أما أهل الإسلام
فإنهم يقولون في عيسى عليه السلام: أنه
عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم،
وروحٌ منه، فيؤمنون به رسولًا له منهم
الاحترام والتعظيم، ولكن لا يصل ذلك بهم
إلى تأليهه وعبادته، وأما أمه مريم العذراء
البتول، فهي الصديقة الطاهرة العفيفة.
قال سبحانه في حقها: ﴿وَإِذْ قَالَتِ
الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَنكِ وَطَهَّرَكِ
[آل
وَأَصْطَفَنكِ عَلَى نِسَدِ الْعَلَمِينَ
عمران: ٤٢].
نهى القرآن الكريم أهل الكتاب عن
الغلو، وتقلید آبائهم وأسلافهم فیه، ﴿وَلَا
تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ
وَأَضَلُواْ كَثِيرًا﴾، أي: ممن اتبعهم
في بدعهم وضلالهم، ﴿وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ
السَّبِيلِ﴾ أي: ضلوا أنفسهم وأضلوا
غيرهم عن حقيقة الدين وجوهره، وكونه
(٢) انظر: المصدر السابق ٤٠٥/٦.
www. modoee.com
١٧٩

حرف الألف
وسطًا بين أطراف مذمومة؛ کالتوحید بین
الشرك والتعطيل، واتباع الوحي بين الابتداع
والتقليد، والسخاء بين البخل والتقتير. (١)
في الكفر والانحراف، تحذير لهذه الأمة من
الغلو وتعليم لها بخطره.
وَرَهَبَانِيَّة
((الرهبانية في النصرانية بدعة،
آبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾، وكانت نيتهم
فيها صالحة، كما قال تعالى: ﴿إِلََّ ابْتِغَآءَ
رِضْوَنِ اللَّهِ﴾، ذلك بأن الأصل فيها تأثير
مواعظ المسيح عليه السلام في الزهد،
والإعراض عن لذات الدنيا، ثم صار أكثر
منتحليها من الجاهلين والكسالى فكانت
عبادتهم صورية أعقبتھم رياء و عجبًا وغرورا
بأنفسهم، وتعظيمًا من العامة لهم، ولذلك
قال تعالى: ﴿فَمَارَ عَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ .
ولما صارت النصرانية ذات تقاليد منظمة
في القرن الرابع وضع رؤساؤهم نظمًا
وقوانين للرهبانية ولمعيشتهم في الأدیار.
وصار لها عندهم فرق كثيرة يشكوا بعض
أحرارهم من مفاسدهم فيها(٢)، وهو يشبه
حال بعض المتصوفة من هذه الأمة الذين
ولجوا من باب الغلو في العبادة والترهبن
فيها إلى البدع والشركيات والوساوس
والخيالات، وإلى حال مشابهة لحال أولئك
النصارى.
وفي بيان القرآن الكريم غلو أهل الكتاب
في دينهم، وما جلب عليهم ذلك من الدخول
(١) انظر: تفسير المنار، رضا ٤٠٥/٦.
(٢) انظر: المصدر السابق ١٠/ ٣١٧.
١٨٠
مَوَسُولَةُ التَّقِين
القرآن الكريم

أهل الكتاب
دعاوى أهل الكتاب الباطلة
ذكر القرآن الكريم بعض دعاوى أهل
الکتاب الباطلة، وفندها، ورد عليها، وذلك
من أجل عدول أهل الكتاب عن هذه
الدعاوى الباطلة، وهدايتهم إلى الحق،
وحماية للمسلمين من التأثر بها.
أولًا: دعوى أن الهدى في اتباع ملتهم.
من دعاوى أهل الكتاب الباطلة والتي
ذكرها القرآن الكريم عنهم وردها عليهم:
دعواهم أن الهدى في اتباع ملتهم.
قال تعالي:، ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًّا أَوْ
نَصَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِثَهِمَ حَنِيفًا وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَّ
أَنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى
وَمَآ أُوِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ زَّيِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِنْهُمْ وَحْنُ لَهُ, مُسْلِمُونَ (٦) فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ
ءَامَنْتُمْ بِهِ، فَقَدٍ أَهْتَدَواْ فَإِن ◌َوَلَوْاْ فَإَِّاهُمْ فِى شِقَاقٍ
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
١٣٧
صِبْغَةً اَللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَنَحْنُ
لَهُعَبِدُونَ (١)﴾ [البقرة: ١٣٥ -١٣٨].
فذكر تعالى دعوى كلا الفريقين من أهل
الكتاب: اليهود والنصارى في أن الهداية في
اتباع منهجه، فاليهود قالوا: إن الهدى في
اتباع اليهودية، والنصارى قالوا: بل هو في
اتباع النصرانية، وكلاهما يزعم أن دينه هو
الدين الحق الذي شرعه الله لعباده(١).
ثم أمر تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه
وسلم أن يرد عليهم، ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إَِهِمَ حَنِيفًاً
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، أي: بل نقتدي ونتبع
طريقة إبراهيم ومنهجه. والملة هي الدين،
والحنيف تعني: المستقيم، أو المائل عن
كل دين باطل إلى الدين الحق، ووصف به
إبراهيم عليه السلام لمیله عما کان علیه أهل
زمانه من الضلال والعمى إلى الدين الحق
الذي أوحى الله به إليه، وهو دين الإسلام
لله تعالى وأمره والانقياد له، وهي الدعوة
إلى التوحيد والنهي عن الشرك (٢).
وهي الملة الحق التي من آمن بها اهتدى
وأفلح، ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَا مَنْتُم بِهِ، فَقَدِ
أَهْتَدَواْ﴾، ومن رغب عنها فقد ظلم نفسه
وامتهنها، كما قال تعالى:، ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن
مِلَّةٍ إِبْرِهِمَ إِلَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِى
إِذْ
١٣٠
الذُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
قَالَ لَهُ رَيُّهُ: أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
١٣٦
وَوَضَّى بِهَآ إَِّهِعُ بَنِيِهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ
أُصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠١/٣، التفسير
البسيط، الواحدي ٣٥٠/٣، إرشاد العقل
السليم، أبو السعود ١٦٥/١.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤ / ٧٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١ / ٤٤٨، محاسن
التأويل، القاسمي ١/ ٤٠٦، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٧٣٧/١، الوسيط،
طنطاوي ١ / ٢٨١.
www. modoee.com
١٨١

حرف الألف
[البقرة: ١٣٠ - ١٣٢].
١٣٢
أي: قد ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره
بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق
من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد، منذ
حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلاً، وهو
في الآخرة من الصالحين السعداء. فأي
سفه أعظم من ترك مسلك إبراهيم عليه
السلام وملته واتباع طرق الضلالة والغي؟
ثم ذكر تعالى أن ملة إبراهيم هي الإسلام،
وأنه وصی بها بنيه بالالتزام بها، ثم وصی
يعقوب وهو إسرائيل علیه السلام بنیه بذلك
أيضًا، وهكذا، فالحنيفية هي ملة الأنبياء
جمیعًا، کلهم کانوا علی التوحید لله تعالى،
والإسلام له والانقياد لأمره(١)، وهو أحسن
دین.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلََّ إِبْرَهِيمَ
حَنِيفًا وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء:
١٢٥].
وهو الدين الذي لا يقبل الله تعالى من
وَمَن يَبْتَعْ غَيْرٌ
أحد دينا غيره، قال سبحانه:
اَلْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ
اُلْخَسِرِينَ ﴾ [آل عمران: ٨٥].
ومن ملة إبراهيم: الإيمان بجميع أنبياء
الله ورسله، دون تفريق بين أحد منهم،
وتصديقهم، وما أنزل عليهم، وما أوتوه من
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٥/١.
المعجزات والآيات، فهذا هو الدين الحق
الهادي إلى الصراط المستقيم، لا غيره من
الأديان والملل، ﴿قُلْ إِنَِّ هَدَنِ رَبِ إِلَى صِرَاطٍ
◌ُسْتَقِيمِ دِينًا قِيَمًا مِنَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفَأْ وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: ١٦١].
إن اليهود والنصارى ليسوا على ملة
إبراهيم عليه السلام؛ لأنهم خالفوها وضلوا
عنھا، وأشرکوا مع الله ما لم ينزل به سلطانا،
لذا قال تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِزَهِمَ حَنِيفًا﴾،
و(بل) حرف إضراب، أي: لا نتبع ملتكم،
بل نتبع ملة إبراهيم عليه السلام، أما أنتم
فخالفتموها (٢)، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾،
وهو تعريض بأهل الكتاب الذين يدعون
اتباع إبراهيم مع إقامتهم على الشرك (٣)،
روي عن قتادة رحمه الله في قوله تعالى:
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةٍ إِبْهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ
نَفْسَهُ﴾، قال: ((رغب عن ملته اليهود
والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية،
بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم
- يعني: الإسلام - حنيفًا؛ كذلك بعث
الله نبيه محمدا صلی الله عليه وسلم بملة
إبراهيم»(٤) .
فأمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله
عليه وسلم أن يرد على أهل الكتاب دعواهم
(٢) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ٤ /١٥٦.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٩٤/١،
محاسن التأويل، القاسمي ١ / ٤٠٧.
(٤) جامع البيان، الطبري ٨٩/٣.
١٨٢
مُوسُوبَةُ التَّقُ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

أهل الكتاب
في أن الهدى في اتباع ملتهم، بأنه ليس عليها، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الَّهِ صِبْغَةٌ وَتَحْنُ
لَهُعِدُونَ﴾، فملة إبراهيم أحق بالاتباع من
كذلك، وإنما الهدى في اتباع ملة إبراهيم
عليه السلام ودينه، وهو التوحيد، والإسلام
لله تعالى، وهو الدين الحق، ودين جميع
الأنبياء والرسل عليهم السلام قاطبة، وإن
تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم،
فجمیعهم کانوا مسلمین موحدین، ولا يقبل
الله تعالی من أحد غیر هذا الدین، فهو أولى
بالاتباع من غيره.
غيرها؛ لأنها دين الفطرة التي فطر الله الناس
عليها، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة،
فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما
تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها
من جدعاء، ثم تلى أبو هريرة رضي الله عنه
قوله: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ
اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَاً لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
، ذَلِكَ الّذِينُ الْقَبْدُ وَلَكِننَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: ٣٠])(٣).
وبعد أن بين الله تعالى الملة الحق
الهادية إلى الصراط المستقيم، دعا اليهود
والنصارى إلی اتباعها، وبین حکمھم إن لم
يتبعوها، فقال: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَا مَنْتُم
بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ فَإِن نَوَلَّوْاْ فَإنَّمَا هُمْ فِ شِقَاقٍ﴾،
أي: أمرهم محصور في العداوة والمشاقة،
وكل ما يوسع مسافة الخلاف بينكم وبينهم،
﴿فَسَيَكْفِيْكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
أي: فسيكفيك الله إيذاءهم وسيئ مكرهم
ويؤيد دعوتك وينصرك عليهم نصرًا
مؤزرًا(١).
ثم قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، ((أي:
صبغنا الله، والمراد بها: دينه الذي فطر
الناس عليه، لظهور أثره على صاحبه
کالصبغ في الثوب»(٢)، أي: صبغنا بما ذكر
من ملة إبراهيم صبغة الله وفطرته فطرنا
(١) انظر: تفسير المنار، رضا ٣٩٩/١، تفسير
المراغي ٢٢٦/١.
(٢) تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي ص ٢٨.
ثانيًا: دعوى نفي دخول غيرهم الجنة.
ومن دعاوى أهل الكتاب الباطلة:
دعواهم نفي دخول الجنة على غيرهم.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا
مَن كَانَ هُودًّا أَوْ نَصَرَىْ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ
هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى
عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام،
رقم ١٣٥٩، ٩٥/٢، ومسلم في صحيحه،
كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على
الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال
المسلمين، رقم ٢٦٥٨، ٤/ ٢٠٤٧.
www. modoee.com
١٨٣

حرف الألف
[البقرة: ١١١-١١٢].
يَحْزَنُونَ (١).
أي: قال اليهود: لن يدخل الجنة إلا
من کان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل
الجنة إلا من كان نصارى، فحكموا لأنفسهم
بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أماني غير
مقبولة إلا بحجة وبرهان، فأتوا بها إن كنتم
صادقین، أي: ائتوا بشيء أنزله الله عليكم
في ذلك، وهكذا کل من ادعی دعوی، لا
بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا
فلو قلبت عليه دعواه، وادعى مدع عکس
ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما،
فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو
يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان، علم
كذبهم بتلك الدعوى(١).
ثم قال تعالى ردًا عليهم: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَم
وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، و(بلى) كلمة
تذكر في الجواب لإثبات نفي سابقٍ، فهي
مبطلة لقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ
كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى ﴾، أي: بلى، إنه يدخلها
من لم يكن هودًا أو نصارى؛ لأن رحمة الله
ليست مقصورة على شعب دون شعب،
وإنما هي مبذولة لكل من يطلبها ويعمل لها
عملها، وهو ما بينه سبحانه وتعالى بقوله:
﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ ﴾، أي: بإسلام الوجه
لله، وهو التوجه إليه وحده وتخصيصه
بالعبادة دون سواه، وعبر عنه بإسلام
الوجه؛ لأن قاصد الشيء يقبل عليه بوجهه
لا يوليه دبره، كما قال تعالى عن إبراهيم:
﴿إِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى نَظَرَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ حَنِيفًاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
﴾ [الأنعام: ٧٩].
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي: في
العمل، وتلك سنة القرآن تقرن الإيمان بعمل
الصالحات في آيات كثيرة، فهما مجتمعان
سببا الفلاح ودخول الجنة، قال تعالى:
لَيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُ
مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ
اُللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا () وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الصَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
﴾ [النساء: ١٢٣-١٢٤] (٢)
فرد القرآن الكريم على أهل الكتاب
دعواهم الباطلة نفي دخول الجنة على
غیرهم، وبین أن ذلك مجرد أماني لا حقيقة
لها واقعا، ولا دلیل علیھا شرعًا، وأن دخول
الجنة والفوز بها ليس مشروطًا فيه أن يكون
صاحبه يهوديًا أو نصرانيا، وإنما مناط
ذلك هو تحقق الإيمان الصحيح، والعمل
الصالح.
ثالثًا: دعوى أنهم أبناء الله وأحباؤه.
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٦٢.
(٢) انظر: تفسير المنار، رضا ٣٥١/١.
١٨٤
مُؤْقَبُو بَرُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

أهل الكتاب
ادعی أهل الكتاب أنهم أبناء الله وأحباؤه،
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ أَلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى غَحْنُ
أَبْنَوْ اللَّهِ وَأَحِبُّؤُهُ، قُلْ قَلِمَ يُعَذِّبُّكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَّ يَغْفِّرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ
مَن يَشَكَةُ وَإِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
بَيْنَهُمَّاً وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [المائدة: ١٨].
وهذه الدعوى منهم ما هي إلا حلقة من
سلسلة طويلة في مثل هذه الدعاوى المشابهة
الباطلة، والتي تتمحور حول کونهم شعب
الله المختار، وصفوته من خلقه، وأنه لا
يدخل الجنة غيرهم، وأن الهدى محصور والسلطان، فكذا هاهنا، أي: نحن منتسبون
في اتباع ملتهم، وغير ذلك مما حكاه القرآن إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية، وهو
یحبنا.
الكريم عنهم، وملئت به توراتهم المحرفة
من الأماني الكاذبة التي يغرون بها أنفسهم،
ويتعالون على الخلق ويحتقرونهم، جاء في
سفر التثنية من التوراة المحرفة: «أنتم أولاد
للرب إلهكم ... لأنك شعب مقدس للرب
إلهك، وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبًا
خاصًا فوق جمیع الشعوب الذین علی وجه
الأرض»(١).
وهنا في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ
وَالنَّصَرَى غَحْنُ أَبْنَوْ الَّهِ وَأَحِبَُّهُ ... ﴾.
(١) سفر التثنية ١/١٤، نقلاً عن: موجز تاريخ
اليهود والرد على بعض مزاعمهم الباطلة،
قدح ص ٢٧٣.
فقيل: هي البنوة التي زعمها اليهود
لعزير إذا قالوا: عزير ابن الله، والتي زعمها
النصارى المسيح عليه السلام، إذا قالوا:
المسيح ابن الله، ثم زعموا أن عزيزًا
والمسيح كانا منهم، فصار ذلك كأنهم قالوا
: نحن أبناء الله.
ألا ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا
إنسانًا آخر فقد يقولون: نحن ملوك الدنيا،
ونحن سلاطين العالم، وغرضهم منه كونهم
مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك
وقيل: المراد بالبنوة: بنوة مزية الاتصال
بالله أكثر من اتصال غيرهم به، فالبنوة بنوة
الاتصال والمحبة، وتخصيصهم بمزيد
الشفقة والعناية.
ويكون عطف ﴿وَأَحِبَُّهُ﴾ من قبيل
عطف التفسير المشير إلى معنى البنوة،
وعليه فهي بنوة مجازية (٢).
على أنه قد وردت تسمية ﴿أَبْنَواْ اللّهِ ﴾
في كتب أهل الكتاب المحرفة، كما تقدم
وقد اختلف المفسرون في البنوة المرادة نقله عن التوراة، قال ابن كثير: ((فحملوا هذا
في الآية، والتي حکی الله تعالى عن أهل
الکتاب ادعاؤها:
على غير تأويله، وحرفوه. وقد رد عليهم
غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا:
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢٨/١١،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٨/٣، زهرة
التفاسير، أبو زهرة ٤/ ٢٠٩٩.
www. modoee.com
١٨٥

حرف الألف
هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام ... وهم الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا
ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما
ادعوها في عيسى عليه السلام، وإنما أرادوا
بذلك: معزتهم لديه وحظوتهم عنده، ولهذا
قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه))(١)
الصالحات، ويعذب من يشاء منهم، وهم
الذين كفروا بالله ورسله، ثم قال تعالى:
﴿وَإِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾
أي: جمیع ذلك من ملكه، وتحت تصرفه،
وقد رد تعالى عليهم دعواهم بقوله: ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ﴾، وهو
إشارة إلى الجزاء الأخروي، وأنه واقع على
أهل الكتاب کغیرهم من البشر، یجازی کل
بعمله، من أحسن فله الحسنى، ومن أساء
فله السوءی. (٣)
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ يِذُنُوبِكُمْ﴾، أي: إن
کانت لکم خصوصیة عند الله من بين خلقه
وفضيلة عليهم، فلماذا يجري علیکم سنته
فيهم من عقاب المسيء منكم، وتسليط
العقوبة عليه،-ويعفو عن كثير-(٢)، وقد
عاقب بعضكم-وهم المعتدون في السبت-
بالمسخ إلى قردة وخنازير، كما سلط عليكم
بذنوبكم أعداءکم یسومونکم سوء العذاب،
ويستبيحون معابدكم، ويقتلون علماؤكم،
وفي الآخرة أيضا يعذبكم الله تعالى على
خطاياكم، وهو باعترافكم أنفسكم.
كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ
إِلَّ أَنيَّامًا مَعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ
عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ عَهْدَهُ، أَمْ نَغُولُونَ عَلَى اَللَّهِ
مَا لاَ تَعْلَمُونَ
﴾ [البقرة: ٨٠].
٨٠
ولذلك قال تعالى: ﴿بَلَّ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ
خَلَقَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ أي:
إنما أنتم من جنس خلقه تعالى من غير
مزيةٍ لكم عليهم، يغفر لمن يشاء منهم،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٩/٣.
(٢) انظر: تفسير المنار، رضا ٦/ ٢٦٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ بَأَتُهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن
زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْاْ
أْوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ { وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًّا بِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِزَّ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
[الجمعة: ٦-٧].
فكذبهم الله تعالى في دعواهم أنهم
أولیاء له من دون الناس، ودلل على ذلك
بکراهیتھم الموت ولقائه.
قال ابن القيم: ((وفي ضمن هذه المناظرة
معجزة باهرة للنبي صلى الله عليه وسلم
وهي أنه في مقام المناظرة مع الخصوم
الذين هم أحرص الناس على عداوته
وتکذییه، وهو يخبرهم خبرًا جزمًا، أنهم لن
يتمنوا الموت أبدًا، ولو علموا من نفوسهم
أنهم یتمونه لوجدوا طريقًا إلى الرد عليه،
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢١/٣.
مَوَسُوبَةُ النَّهِيَة
القرآن الكريم
١٨٦

أهل الكتاب
بل ذلوا وغلبوا وعلموا صحة قوله، وإنما دعواهم أن إبراهيم عليه السلام وبنيه كانوا
هودًا أو نصارى، قال تعالى: ﴿أَمْ نَقُولُونَ
منعهم من تمنى الموت معرفتهم بما لهم
عند الله تعالى من الخزي والعذاب الأليم
بكفرهم بالأنبياء وقتلهم لهم وعداوتهم
لرسول الله صلی الله عليه وسلم»(١).
إِنَّ إِبْرَاهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْطَقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًّا أَوْ نَصَرَىُّ قُلْ ءَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ
أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ.
مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
[البقرة: ١٤٠].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ
الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةٌ مِّن دُونِ النَّاسِ
٩٤
فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
[البقرة: ٩٤].
أي: «فتمنوا الموت الذي يوصلکم إلى
ذلك النعيم الخالص الدائم، لا منازع لكم
فيه ولا مزاحم، وإن لم تتمنوا الموت فما
أنتم بصادقين؛ إذ لا يعقل أن يرغب الإنسان
عن السعادة ويختار الشقاء عليها))(٢)، وقد
أخبر الله تعالی في آیة أخری عن حرصهم
على الحياة حرصًا شديدًا، وأن ذلك لا
ينفعهم في رد العذاب عنهم، في قوله تعالى:
﴿وَلَنَجِدَتَهُمْ أَخْصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَذُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍوَمَا
هُوَ بِمُزَّحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَّابِ أَنْ يُعَمَّرَّ وَاللَّهُ بَصِيرًا
بِمَا يَعْمَلُونَ (١)﴾ [البقرة: ٩٦].
رابعًا: دعوى أن إبراهيم عليه السلام
وبنيه كانوا هودا أو نصارى.
من دعاوى أهل الكتاب الباطلة والتي
ذكرها القرآن الكريم عنهم وردها عليهم،
(١) بدائع الفوائد، ابن قيم الجوزية ٤/ ١٥٠.
(٢) تفسير المنار، رضا ٣٢١/١.
زعموا لجهلهم بتاريخ شرائعهم أن
إبراهيم وأبناءه كانوا على اليهودية أو على
النصرانية فأكذبهم الله تعالى: ﴿قُلْ ءَأَنتُمْ
أَعْلَمُ أَمِ اَللَّهُ﴾، وأكد كذبهم في آيات أخرى
مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إَِّهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا
نَصْرَانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧].
إن الأمة إذا انغمست في الجهالة
وصارت عقائدها غرورًا، ومن دون تدبر،
اعتقدت ما لا ينتظم مع الدلیل، واجتمعت
في عقائدها المتناقضات(٣).
وهذا القول الكذب من أهل الكتاب لما
يعلمون من إمامة إبراهيم عليه السلام في
الدين، وثناء الله عليه في كتبهم، ولذا نسبوا
أنفسهم إلیه، وحاجوا المسلمين في ذلك،
وحتى مشركي العرب كانوا ينسبون أنفسهم
إلى إبراهيم، ويدعون اتباعه كما جاء في
الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما:
(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما
قدم مكة، أبی أن يدخل البيت وفيه الآلهة،
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٤٧/١.
www. modoee.com
١٨٧

حرف الألف
فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم
وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: (قاتلهم الله،
لقد علموا: ما استقسما بها قط)، ثم دخل
البيت، فكبر في نواحي البيت، وخرج ولم
يصل فيه)(١).
ومعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ ءَ أَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اَللَّهُ
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَدَةٌ عِندَهُ مِنَ اللَّهِ
وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ((قد أخبرنا الله
بذلك، أفأنتم أعلم أم الله؟، بل إن الله قد
أخبركم أنتم بذلك في أسفاركم فلا تكتموا
الحق المدون في أسفاركم هذه، ومن أظلم
ممن کتم حقيقة يعلمها من كتابه وسيجازيكم
الله على ما تلجون فيه من باطل، فليس الله
بغافل عما تعملون))(٢).
وقال تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ
تُحَاجُونَ فِ إِبْرَهِيمَ وَمَّا أُنزِلَتِ التَّوْرَنَةُ
٦٥
وَالْإِنجِيلُ إِلَّ مِنْ بَعْدِيِةٌ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
مَكَأَنتُمْ هَؤُلاءِ حَجَجْتُمْ فِيَمَا لَكُمْ بِهِ، عِلَّمٌ فَلِمَ
تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ
مَا كَانَ إَِهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا
لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)
وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي،
باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية
يوم الفتح؟، رقم ١٤٨/٥،٤٢٨٨.
(٢) المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من
علماء الأزهر ص ٣٠.
وانظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٤٧/١.
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ
AL
وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ
﴾ [آل عمران: ٦٥ -٦٨].
فذكر تعالى محاجة ومجادلة أهل
الكتاب في إبراهيم عليه السلام، وزعمهم
أنه کان علی ملتهم، ثم رد عليهم بعدة ردود
فيها:
التنديد بأهل الكتاب لمحاجتهم في
إبراهيم مع أن التوراة والإنجيل إنما
أنزلا من بعده، ﴿وَمَّا أُنْزِلَتِ التَّوْرَنَةُ
وَاُلْإِنجِيلُ إِلَّ مِنْ بَعْدِيِةٌ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾،
«أي: کیف تدعون، أيها اليهود، أنه كان
یهودیًا، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله
التوراة على موسى، وكيف تدعون،
أيها النصارى، أنه كان نصرانياً، وإنما
حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر. ولهذا
قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾))(٣).
التنديد بأهل الكتاب لمحاجتهم في
شيء ليس عندهم علم به.
نفي كون إبراهيم يهوديًا أو نصرانيًا،
والتقرير بأنه كان مسلمًا حنيفًا غير
مشرك، وفي ذلك رد على اليهود
والنصارى الذين يدعون اتباع ملة
إبراهيم عليه السلام وهي التوحيد -
وهم مقيمون على الشرك.
بيان أن أولى الناس بإبراهيم هم الذين
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٧/٢.
مُوسُوبَةُ التَّقِين
جوبيبو
القرآن الكريم
١٨٨

أهل الكتاب
علی ملته، ومنهم النبي محمد صلى
الله عليه وسلم والذين آمنوا به؛ لأنهم
أيضًا عليها(١).
خامسًا: دعوى نفي الحق عمن سواهم.
من دعاوى أهل الكتاب الباطلة والتي
ردها القرآن الكريم عليهم: دعواهم نفي
الحق عمن سواهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ
اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ
النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ
الْكِتَبُّ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ
قَوْلِهِمْ قَاللَّهُ يَحَكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ
فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١)﴾ [البقرة: ١١٣].
((والمراد من القول: التصريح بالكلام
الدال، فهم قد قالوا هذا بالصراحة حين جاء
وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وفيهم أعیان دینهم من النصارى،
فلما بلغ مقدمهم اليهود، أتوهم وهم عند
النبي صلى الله عليه وسلم، فناظروهم في
الدين وجادلوهم حتى تسابوا، فكفر اليهود
بعيسى وبالإنجيل وقالوا للنصارى: ما
أنتم على شيء، فكفر وفد نجران بموسی
وبالتوراة، وقالوا لليهود: لستم على شيء.
وقولهم ﴿عَلَى شَىْءٍ ﴾ نكرة في سياق النفي،
والشيء الموجودهنا مبالغة، أي: ليسوا على
أمر يعتد به ... فالمراد هنا: ليست على شيء
(١) انظر: التفسير الحديث، دروزة ٧ /١٦٥.
من الحق، وذلك كناية عن عدم صحة ما بين
أيديهم من الكتاب الشرعي، فكل فريق من
الفریقین رمی الآخر بأن ما عنده من الكتاب
لا حظ فیه من الخیر، کما دل عليه قوله بعده:
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبَ﴾ فإن قوله: ﴿وَهُمْ
يَتْلُونَ الْكِنَبَ ﴾ جملة حالية جيء بها لمزيد
التعجب من شأنهم أن يقولواذلك.
وكل فريق منهم يتلون الكتاب، وكل
كتاب يتلونه مشتمل على الحق لو اتبعه أهله
حق اتباعه))(٢).
وقال أبو حيان في دلالة قوله تعالى
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبَ﴾: ((وهذا نعي عليهم
في مقالتهم تلك؛ إذ الكتاب ناطق بخلاف
ما يقولونه، شاهدة توراتهم ببشارة عيسى
ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وصحة
نبوتهما. وإنجيلهم شاهد بصحة نبوة موسى
ومحمد صلی الله عليه وسلم، إذ كتب الله
يصدق بعضها بعضًا. وفي هذا تنبيه لأمة
محمد صلى الله عليه وسلم في أن من كان
عالمًا بالقرآن، یکون واقفا عنده، عاملًا بما
فیه، قائلا بما تضمنه، لا أن يخالف قوله ما
هو شاهد على مخالفته منه، فیکون في ذلك
كاليهود والنصارى))(٣).
ثم قال تعالى زيادة في توبيخهم على
مقالتهم: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٧٦/١- ٦٧٥.
(٣) البحر المحيط، أبو حيان ١ / ٥٦٥.
www. modoee.com
١٨٩

حرف الألف
قَوْلِهِمْ﴾، أي: أن حال هؤلاء في مقالتهم
تلك شابهت حال أولئك الجهلة من مشركي
العرب، والذين لم ينزل عليهم كتاب يعلمهم
ويهديهم، قال أبو حيان: ((الذين لا يعلمون:
هم مشركو العرب في قول الجمهور))(١)،
قالوا: لكل أهل دين ليسوا على شيء، وهو
توبيخ عظيم من الله تعالى لأهل الكتاب،
حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك
من لا يعلم. (٢)
ثم قال تعالى: ﴿قَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ وهو تعقيب
من الله تعالى على ذلك الخلاف بين أهل
الكتاب، يقرر أن الله سبحانه وتعالى سوف
يحكم يوم القيامة فيما يختلف فيه الفريقان
فيؤيد الحق وأصحابه ويخذل الباطل
وأصحابه.(٣)
(١) البحر المحيط، أبو حيان ١ / ٥٦٥.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ١٧٩.
(٣) انظر: التفسير الحديث، دروزة ٦/ ٢٢٢.
معاملة أهل الكتاب
بين القرآن الكريم عدة قواعد وضوابط
في التعامل مع أهل الكتاب، ذلك لأنه کتاب
تشريع شامل لكل مناحي الحياة، بين فيه
كيفية تعامل المسلمين مع بعضهم البعض،
وتعامل المسلمين مع غيرهم سواء كانوا من
أهل كتاب أو من غيرهم من الكافرين.
وتبرز في هذه الضوابط والأحكام جميعًا
ربانية القرآن الكريم، وعدالة تشريعاته
وعظمتها، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَِّى هِى
أقوم
﴾ [الإسراء: ٩].
وقد فرق القرآن الكريم في التعامل بين
أهل الكتاب وغيرهم من الأمم الكافرة،
وأعطى كل واحد منهم منزلته التي يستحقها،
فهم وإن كانوا جميعًا كفارًا ضلالًا، إلا أنه
تبقى لأهل الكتاب رتبة على غيرهم من
الكفار، فهم أهل الكتاب، يؤمنون بالله
تعالى، وبعض كتبه - على ما دخلها من
تحریف - ورسله، وإن کان إیمانهم إيمانًا
فاسدًا ناقصًا لا ينفعهم في الآخرة شيئًا،
لكنهم يفترقون به عن المشركين وعبدة
الأوثان وأهل الإلحاد، ولذا كان من العدل
أن يفرق بينهم في بعض الأحكام في الدنيا،
کإباحة نکاح نسائهم، وأکل ذبائحهم، وغیر
ذلك.(٤)
(٤) انظر: تفسير الشعراوي ٢٩٤١/٥.
١٩٠
موسوعة النفسية
القرآن الكريم

أهل الكتاب
وسنبين الضوابط الشرعية التي قررها وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن
القرآن الكريم في التعامل مع أهل الكتاب تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
٦٤
[آل عمران: ٦٤].
فيما يأتي:
أولًا: دعوتهم للإسلام ومجادلتهم
بالتي هي أحسن.
إن الإسلام هو دين الله تعالى الذي
شرعه لعباده وارتضاه لهم، ولا يقبل من
أحد منهم دينًا غيره، ولا ينجو أحد منهم إلا
به، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلِدِينًا
فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ
اَلْإِسْلَمُّ وَمَا أَخْتَلَفَ اَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمُّ وَمَنْ
يَكْفُرْ بِشَايَتٍ اَللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
[آل عمران: ١٩].
١٩
أي: إن أصل دين أهل الكتاب الذي
جاءت به رسلهم هو الإسلام، وإنما بدلوه
عن حقيقته بغيًا منهم بينهم(١)، فضلوا
وانحرفوا عن دين الله تعالی.
ولقد دعا القرآن الكريم أهل الكتاب في
آيات كثيرة وبأساليب شتى، من ذلك الدعوة
الصريحة لهم كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ
يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا
(١) انظر: تفسير المراغي ٣/ ١٢٠.
وفند عقائدهم وردها، وبين أنها تخالف
أصول ديانتهم الصحيحة التي جاء بها
موسى وعيسى - عليهما السلام -، وغير
ذلك من الأساليب المنهجية الحكيمة التي
سلکها في دعوتهم.
كما نهى القرآن الكريم نهيًا صريحًا عن
مجادلة أهل الكتاب إلا بالطريقة التي هي
أحسن، أي: ((بحسن خلق ولطف ولين كلام،
ودعوة إلى الحق وتحسينه))(٢)، وبالحكمة،
لکون ذلك أنفع وأنجع في دعوتهم، وأقرب
إلى استجابتهم، قال تعالى: ﴿﴿ وَلَا تُحَدِلُواْ
أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا يَأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنْهُوِّ وَقُولُوَاْ ءَامَنَّا بِأَّذِىَّ أُنزِلَ إِلَيْنَا
وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَجِدٌ وَغَحْنُ لَهُ.
مُسْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
ومن بلاغة الآية: أن الله تعالى بدأها
بالنهي عن جدال أهل الكتاب ﴿إِلَّ بِالَّتِ هِىَ
أَحْسَنُ﴾، ولم يقل: وجادلوا أهل الكتاب
بالتي هي أحسن، وهذا أوكد في النهي،
وأبلغ في الأمر بمراعاة الأدب في النقاش
والحوار والمناظرة، أي: فلا تجادلوهم إلا
بالتي هي أحسن.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٣٢.
www. modoee.com
١٩١

حرف الألف
ثانيًا: عدم إكراههم على ترك دينهم.
قال تعالى: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِّ قَد تَبَّيَّنَ
الرُّشْدُمِنَ الْغَيْ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
فالإسلام لا يجبر أهل الكتاب على ترك
دينهم وعقيدتهم، أو على اعتناق الإسلام
بالتهديد والتخويف، بل يترك لهم الخيار
مفتوحًا في اختيار الإسلام أو البقاء على
دينهم، فإن اختاروا البقاء على دينهم، أقرهم
الإسلام عليه في مقابل أن يخضعوا لحكمه
العام، والذي يكفل الحقوق لهم ولغيرهم.
قال سيد قطب: ((﴿لَّ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ
قَد تَبَّيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ وفي هذا المبدأ
یتجلی تکریم الله للإنسان، واحترام إرادته،
وفكره، ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما
يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد،
وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه ... ولا
يزيد السياق على أن يلمس الضمير البشري
لمسة توقظه، وتشوقه إلى الهدى، وتهديه
إلى الطريق، وتبين حقيقة الإيمان التي أعلن
أنها أصبحت واضحة وهو يقول: ﴿قَد تَّبَيَّنَ
الرُّشْدُمِنَ الْغَيّ﴾.
فالإيمان هو الرشد الذي ينبغي للإنسان
أن يتوخاه ويحرص عليه. والكفر هو الغي
الذي ينبغي للإنسان أن ينفر منه ويتقي أن
یوصم به))(١).
ولا يخفى على كل من له معرفة أو
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٢٩٢،٢٩١.
اطلاع بتاريخ الأمم والشعوب، غياب هذا
المبدأ العظيم عن واقع كثير منها، فمحاكم
التفتيش، وممارسة أبشع أساليب القسوة
والوحشية على المخالفين في العقيدة، - بل
في الرأي - شاهدة على ذلك، أما المسلمون
فعاش بينهم اليهود والنصارى وغيرهم
من الملل لمئات السنين في أمن وراحة
وطمأنينة على النفس والمال والأهل، إلى
أن دخل كثير منهم الإسلام عن كامل اقتناع
وإرادة لما رأوه من عدالة الإسلام وأخلاق
المسلمين.
ولعل الوصول إلى هذه النتيجة هي
الحكمة من الإبقاء على هؤلاء المخالفين
في العقيدة في ديار الإسلام، وهو أن
يروا الإسلام بأعينهم عن قرب، ويعلموا
عظمته وأنه دين الله تعالى دون غيره،
ويروا المسلمين وهم يلتزمون بدينهم في
أداء صلواتهم في الجمع والجماعات،
ويجتنبون المحرمات، بخلاف ما عليه
غيرهم من أهل الأديان الأخرى من البعد
عن دينهم والتفريط فيه.
ثالثًا: الإنصاف للأمناء منهم.
﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ
قال تعالى:
إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِهِةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ
يِدِينَارٍ لَّا يُؤَّوَ إِلَيْكَ إِلَّا مَادُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِ الْأُمَيِّئْنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ
١٩٢
جوبيبو
القرآن الكريم

أهل الكتاب
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾﴾
عمران: ٧٥].
ففرق تعالى بين أهل الأمانة من أهل
الكتاب وأهل الخيانة منهم (١)، فقال في أهل
الأمانة: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُبِقِنطَارٍ
يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ﴾، وقوله (بقنطار)، ((أي بمال
كثير))(٢)، وهو يدل على مبالغتهم في أداء
الأمانة، كما لم يذكر تعالى القيام عليهم كما
ذكره في الصنف الثاني: ﴿إِلََّّمَاءُمْتَ عَلَيْهِ
قَآَيِمًا﴾، أي: أنه يؤدي الأمانة وإن كانت
عظيمة دون إلحاح عليه.
قال الفخر الرازي: ((المراد من ذكر القنطار
والدينار هاهنا: العدد الكثير والعدد القليل،
يعني: أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى
لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة
فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى
لو اؤتمن على الشيء القليل، فإنه يجوز فيه
الخيانة)) (٣).
رابعًا: النهي عن موالاتهم.
من أصول العقيدة الإسلامية التي قررها
القرآن الكريم: الولاء والبراء، الولاء لأهل
التوحيد والإسلام بالحب لهم والإخلاص
والنصرة، والبراء من أهل الشرك والكفر،
بالبغض لهم والمعاداة، وذلك من ملة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٥١٩.
(٢) تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي ص ٧٦. (٤) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على
أهل الشرك والإلحاد، الفوزان ص ٣٠٧.
(٣) مفاتيح الغيب، الفخر الرازي ٨/ ٢٦٣.
[آل إبراهيم عليه السلام والذين معه، الذین أمرنا
بالاقتداء بهم؛ قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ
أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِ إِتَزِهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ
إِنَّا بُرَُّؤْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ
وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبْدًّاً حَتَّى تُؤْمِنُواْ
بِاَللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤](٤).
وقد نهى الله تعالى عن موالاة اليهود
والنصارى نهيًا صريحا في كتابه العزيز،
◌ََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُّهُودَ
فقال:
وَالنَّصَرَّ أَوْلِيُّ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ وَمَنْ يَتَوَُّم ◌ِنْكُمْ
فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ إِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اَلَّلِمِينَ
٥١
[المائدة : ٥١].
وذلك لأن اليهود والنصارى وغيرهم
من أهل الكفر هم أعداء لله تعالى، غضب
الله تعالى عليهم، ولعنهم، وأنزل في كتابه
آيات في الوعيد لهم، فكيف يحب- المسلم
ویود أمثال هؤلاء، وهو - أي: المسلم یحب
الله ورسوله، وهؤلاء حادوا الله ورسوله،
وكفروا به، وخالفوا أمره، ولذلك ينبغي أن
نبغضهم.
قال ابن جرير الطبري: ((إن الله تعالى
ذكره نهى المؤمنين جميعًا أن يتخذوا اليهود
والنصارى أنصارًا وحلفاء على أهل الإيمان
بالله ورسوله وغيرهم، وأخبر أنه من
اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًا من دون الله
www. modoee.com
١٩٣

حرف الألف
ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزب
على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله
ورسوله منه بريئان)»(١).
وقال ابن حزم: «صح أن قول الله تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَُّ مِنَكُمْ فَإِنَّهُهُ مِنْهُمْ﴾، إنما هو على
ظاهره: بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق
لا يختلف فيه اثنان من المسلمين».(٢)
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي
تربي المسلمين على معرفة کید أهل الكتاب
للإسلام والمسلمين، وتقطع ما في نفوس
بعضهم من ود وولاء لهؤلاء الأعداء، من
أجل أن یکون الولاء لله ولرسوله وللمؤمنین
فقط.(٣)
وهذا النهي عن موالاة أهل الكتاب في
القرآن الكريم لا يتناقض أبدًا مع ما ورد فيه
أيضًا من السماحة في معاملتهم والبر بهم.
إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب
شيء، واتخاذهم أولياء شيء آخر، ولکنهما
يختلطان على بعض المسلمين، الذين لم
تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة
هذا الدين ووظيفته، بوصفه حركة منهجية
واقعية، تتجه إلى إنشاء واقع جديد في
الأرض، ... وهؤلاء الذين تختلط عليهم
تلك الحقيقة، فيخلطون بين دعوة الإسلام
(١) جامع البيان، الطبري ٣٩٨/١٠.
(٢) المحلى بالآثار، ابن حزم ١٢/ ٣٣.
(٣) انظر: الولاء والبراء في الإسلام من مفاهيم
عقيدة السلف، القحطاني ص ٢٠٣.
إلى السماحة فى معاملة أهل الكتاب والبر
بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون
فيه مکفولي الحقوق، وبین الولاء الذي لا
يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة.
ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل
الكتاب، بعضهم أولياء بعض في حرب
الجماعة المسلمة، وأن هذا شأن ثابت لهم،
وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه، وأنهم لن
يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع
دينهم. وأنهم مصرون على الحرب للإسلام
وللجماعة المسلمة. وأنهم قد بدت البغضاء
من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر،
إلى آخر هذه التقريرات الحاسمة. إن
المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب،
ولكنه منهي عن الولاء لهم بمعنى التناصر
والتحالف معهم. وإن طريقه لتمکین دينه
وتحقيق نظامه المتفرد لا يمكن أن يلتقي
مع طريق أهل الكتاب، ومهما أبدى لهم
من السماحة والمودة فإن هذا لن يبلغ أن
يرضوا له البقاء على دينه وتحقيق نظامه،
ولن يكفهم عن موالاة بعضهم لبعض في
حربه والکید له(٤).
خامسًا: إباحة الأكل من ذبائحهم،
ونكاح نسائهم.
قال تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُّ
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢ / ٩٠٩،
٩١٠.
١٩٤
القرآن الكريم

أهلالكتاب
وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِشَبَ حِلٌ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ
◌َهُمْ وَالْمُحْصَنَتُّ مِنَ المُؤْمِنَتِ وَالْعُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٌ
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهُوَ فِي
الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [المائدة: ٥].
فقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾
يعني: ذبائحهم، أباح الله لأهل الإسلام
الأكل منها، لأنهم - أي: أهل الكتاب -
يذكرون اسم الله عليها، وهم متعبدون
بذلك، ودل مفهوم المخالفة في الآية على
أنه لا یحل طعام غیرهم من أهل الأديان،
لأنهم لا يذكرون اسم الله تعالى على
ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه
من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة،
وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّمْ﴾ أي:
ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما
أكلتم من ذبائحهم. وهذا من باب المكافأة
والمقابلة والمجازاة (١)
وقوله تعالى: ﴿وَالْعُصَنَتُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَاْ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي
أحل لكم الزواج من الحرائر والعفائف من
أهل الكتاب، إذا أدیتم لهن مهورهن قاصدین
الزواج (٢)، ﴿مُخْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا
مُتَّخِذِىّ أَخْدَانِ﴾ أي: متزوجين ﴿غَيْرَ
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٤٠.
(٢) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر ص ١٤٥.
مُسَفِحِينَ ﴾، غير معلنين بالزنى بهن ﴿وَلَا
مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ ﴾ أي عشيقات تسرون
بالزنی بھن(٣).
((وإنما أباح الإسلام الزواج منهن -
أي: من الكتابيات - ليزيل الحواجز بين
أهل الكتاب وبين الإسلام. فإن في الزواج
المعاشرة والمخالطة وتقارب الأسر بعضها
ببعض، فتتاح الفرص لدراسة الإسلام،
ومعرفة حقائقه ومبادئه ومثله. فهو أسلوب
من أساليب التقريب العملي بين المسلمين
وغيرهم من أهل الكتاب، ودعاية للهدى
ودين الحق)) (٤)
٠
سادسًا: إخضاعهم لحكم الإسلام.
أي: حكم الإسلام العام والذي
يكفل لأهل الكتاب حقوقهم، مع تركهم
وما يدينون به، فإذا خضع أهل الكتاب
واستسلموا لحكم الدولة الإسلامية ودانوا
لها بالولاء، ودفعوا لها الجزية، فإنهم يعطون
منها عهدًا، هو عهد الذمة.
والمراد بعهد الذمة: ((أن يقر الحاكم أو
نائبه بعض أهل الكتاب - أو غيرهم - من
الكفار على كفرهم بشرطين: الشرط الأول:
أن يلتزموا أحكام الإسلام في الجملة.
(٣) انظر: تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي
ص ١٣٦، صفوة التفاسير، الصابوني
٠٣٠٣/١
(٤) فقه السنة، سيد سابق ١٠٢/٢.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الألف
والشرط الثاني: أن يبذلوا الجزية ... وإذا إيماني؛ الولاية فيه للإسلام، ويتكفل
المسلمون بحمايتهم وضمان سلامتهم في
تم عقد الذمة ترتب عليه حرمة قتالهم،
والحفاظ على أموالهم، وصيانة أعراضهم،
وكفالة حرياتهم، والكف عن أذاهم))(١).
أنفسهم وأهلهم وفي أموالهم وفي كل شيء،
فإذا كان المسلم يدفع لبيت المال زكاة تقوم
بمصالح الفقراء والمسلمين، فأهل الكتاب
الموجودون في المجتمع الإسلامي ينتفعون
أيضًا بالخدمات التي يؤديها الإسلام لهم،
ولذلك یجب علیهم أن یؤدوا شيئًا من مالهم
نظير تلك الخدمات(٣).
سابعًا: السماحة في التعامل معهم والبر
بهم والإقساط إليهم.
قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُ اَللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقَِلُكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيَزِكُمْ أَنْ تَّبَرُؤُهُمْ
وَتُقْسِطُواْ إِلَتِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
[الممتحنة: ٨].
أي: أنه جائز لكم أيها المؤمنون،
وليس فيه حرج علیکم، ولا يدخل ذلك
في المولاة التي نهيتم عنها: أن تبروا
من لم يقاتلكم، وتصلوهم، وتكافؤوهم
بالمعروف، وتقسطوا إليهم، أي: تعدلوا
إليهم وتنصفوهم (٤)، قال ابن عاشور:
((والبر: حسن المعاملة والإكرام))(٥)، والبر
أيضًا: اسم جامع لكل خير، وقد ورد في
(٣) انظر: تفسير الشعراوي ٥٠٢٩/٨.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٨٥٦.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٦٢٠. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٣/٢٨.
١٩٦
جَوَسُوبَةُ اللَّهـ
القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْعُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ
وَهُمْ صَغِرُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٢٩].
ففي هذه الآية يأمر الله تعالى المؤمنين
بقتال أهل الكتاب المنحرفین عن دينه حتى
يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فلم
تعد تقبل منهم عهود موادعة ومهادنة إلا
على هذا الأساس، وهو إعطاء الجزية، وفي
هذه الحالة تتقرر لهم حقوق الذمي المعاهد
ويقوم السلام بينهم وبين المسلمين،
إن طبيعة العلاقة الحتمية بين منهج الله
والمناهج الجاهلية الأخرى هي عدم إمكان
التعايش إلا في ظل أوضاع خاصة وشروط
خاصة (٢)، وذلك ليظل الإسلام في جهة
علو عن غيره من الأديان والمذاهب الباطلة.
﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾.
والجزية تعود بالخير على أهل الكتاب؛
لأن فيها عصمة لدمائهم، وإبقاء لهم على
دينهم. وأيضًا، فإنهم سيعيشون في مجتمع
(١) فقه السنة، سيد سابق ٢ / ٦٦٢.

أهل الكتاب
قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الّْ وَالنَّقْوَى ﴾
[المائدة: ٢].
وقد اختلف المفسرون في المعني به بما هم فيه من كفر، إذ إن مناصرة الكافرين
في الآية، والصحیح کما رجحه ابن جرير
الطبري وغيره: أن الآية عامة في جميع
أصناف الملل والأديان، لأن الله عز وجل
عم بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَ نُخْرِجُوكُ
مِّن دِيَزِكُمْ﴾ جميع من كان ذلك صفته، فلم
یخصص به بعضًا دون بعض، فالآية عامة
في اليهود والنصارى وغيرهم، وذلك أيضًا
بالشروط التي ذكرتها الآية. وهي: أنهم لم
يقاتلونا من أجل ديننا، ولم يخرجونا من
موضوعات ذات صلة:
ديارنا بمضايقتنا وإلجائنا إلى الهجرة، وأن
بنو إسرائيل، عيسى عليه السلام، موسى
عليه السلام، النصارى، اليهود
لا يعاونوا عدوًا بأي معونة ولو بالمشورة
والرأي فضلًا عن الكراع والسلاح(١).
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
وهو ترغيب للمؤمنين في العدل والإنصاف
حتى مع الكفار(٢)، وهو من عظمة الإسلام
في التفريق بين المعتدي وغيره في التعامل.
وهذا المعنى الذي دلت عليه الآية ((لا
يدخل في نطاق النهي عن موالاة الكافرين؛
إذ إن النهي عن موالاة الكافرين يقصد
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٣/٢٣،
محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ٢٠٧، أيسر
التفاسير لكلام العلي الكبير، الجزائري
٣٢٧/٥.
(٢) انظر: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير،
الجزائري ٣٢٧/٥.
به النهي عن محالفتهم ومناصرتهم ضد
المسلمين، كما يقصد به النهي عن الرضى
على المسلمين فيها ضرر بالغ بالكيان
الإسلامي، وإضعاف لقوة الجماعة المؤمنة،
كما أن الرضى بالكفر كفر يحظره الإسلام
ويمنعه. أما الموالاة بمعنى المسالمة،
والمعاشرة الجميلة، والمعاملة بالحسنى،
وتبادل المصالح، والتعاون على البر
والتقوى، فهذا مما دعا إليه الإسلام)»(٣).
(٣) فقه السنة، سيد سابق ٢ / ٦٠٣ - ٦٠٤.
www. modoee.com
١٩٧